آمنة بنت وهب في التاريخ الإسلامي
وفاة أم النبي(ص)، وكفالة جدّه وعمّه له
قال ابن إسحاق: «و كان رسول الله(ص) مع امّه آمنة بنت وهب وجدّه عبد المطلب بن هاشم في كلاءة الله وحفظه، ينبته الله نباتا حسنا لما يريد به من كرامة».
ثمّ روى عن عبد الله بن حزم انّه «لمّا بلغ رسول الله ستّ سنين قدمت به إلى أخواله من بني النجار لزيارتهم، فلمّا رجعت إلى مكّة ماتت بالأبواء بين مكّة والمدينة».
وفسّر ابن هشام خئولة بني النجار لرسول الله بانّ أمّ عبد المطلب كانت من بني النجار[١].
وروى المجلسي عن الكازروني في (المنتقى) عن ابن عباس وغيره: أنّ رسول الله(ص) كان مع امّه آمنة، فلمّا بلغ ستّ سنين خرجت به إلى أخواله بني النجار بالمدينة تزورهم به، ومعه أمّ أيمن تحضنه، وهم على بعيرين، فنزلت به في دار النابغة - التي توفّي ودفن فيها عبد الله - فأقامت عندهم شهرا... ثمّ رجعت به امّه إلى مكّة، فلمّا كانت بالأبواء توفيت فقبرت هناك. ورجعت أمّ أيمن بالنبي إلى مكّة[٢].
والظاهر أنّ هذه الرواية للكازروني عن ابن عباس هي ما رواه الصدوق في (اكمال الدين) بسنده عن عكرمة عن ابن عباس قال: لمّا تمت لرسول الله ست سنين قدمت به امّه آمنة على أخواله من بني النجار فماتت بالأبواء بين مكّة والمدينة.
فبقي رسول الله(ص) يتيما لا اب له ولا أمّ، فازداد عبد المطلب رقة له وحفظا. فكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة لا يجلس عليه أحد اجلالا له، وكان بنوه يجلسون حوله حتّى يخرج عبد المطلب. فكان رسول الله(ص) يخرج وهو غلام فيمشي حتّى يجلس على الفراش! فيعظّمون ذلك أعمامه ويأخذونه ليؤخروه، فيقول لهم عبد المطلب اذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني فو الله إنّ له لشأنا عظيما! انّي أرى انّه سيأتي عليكم يوم وهو سيّدكم، إنّي أرى عزته عزة تسود الناس![٣]
ثمّ يحمله فيجلسه معه ويمسح ظهره ويقبّله ويقول: ما رأيت قبله من هو أطيب منه ولا أطهر قط، ولا جسدا ألين منه ولا أطيب! ثمّ يحمله على عنقه فيطوف به اسبوعا.
وكانت هذه حالته حتّى ادركت عبد المطلب الوفاة.
فبعث إلى أبي طالب، فدخل عليه وهو في غمرات الموت ومحمد على صدره، فبكى وقال لأبي طالب: يا أبا طالب! انظر أن يكون هذا من جسدك بمنزلة كبدك، فإنّي قد تركت بنيّ كلهم وأوصيتك به، لأنّك من أمّ أبيه.
يا أبا طالب! ان ادركت أيّامه فاعلم أنّي كنت من أبصر الناس وأعلم الناس به، فإن استطعت أن تتبعه فافعل، وانصره بلسانك ويدك ومالك، فانّه والله سيسودكم ويملك ما لم يملك أحد من بني آبائي.
يا أبا طالب! ما أعلم أحدا من آبائك مات عنه أبوه على حال أبيه، ولا امّه على حال امّه، فاحفظ الوحدة.
هل قبلت وصيتي؟ فقال: نعم، قد قبلت، والله عليّ بذلك شهيد.
فقال عبد المطلب: فمدّ يدك إليّ. فضرب يده على يده.
ثمّ قال عبد المطلب: الآن خفّف عليّ الموت! ثمّ لم يزل يقبّله ويقول: أشهد انّي لم اقبّل أحدا من ولدي أطيب ريحا منك، ولا أحسن وجها منك. ثمّ مات. ورسول الله ابن ثماني سنين[٤] وبه قال الكليني في الكافي[٥].
فضمّه أبو طالب إلى نفسه لا يفارقه ساعة من ليل ولا نهار، وكان ينام معه حتّى بلغ، لا يأتمن عليه أحدا[٦].
قال ابن إسحاق: وكان عبد المطلب يوصي برسول الله عمّه أبا طالب، وذلك أن عبد الله وأبا طالب كانا أخوين لأمّ واحدة هي فاطمة بنت عمرو المخزومي. فكان رسول الله(ص) بعد عبد المطلب مع عمّه أبي طالب، وكان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله(ص) بعد جدّه، فكان إليه ومعه.
وولي بعده السقاية على زمزم أصغر أبنائه العباس[٧].
وقال اليعقوبي: وأوصى عبد المطلب إلى أبي طالب برسول الله وقال له:
| اوصيك يا عبد مناف بعدي | بمفرد بعد أبيه فرد | |
| فارقه وهو ضجيع المهد | فكنت كالام له في الوجد | |
| تدنيه من أحشائها والكبد | فأنت من أرجى بنيّ بعدي | |
| لدفع ضيم، او لشدّ عقد | ||
قال: وأوصى إليه بسقاية زمزم. وأوصى إليه بسقاية زمزم. بالحكومة وأمر الكعبة إلى ابنه الزبير.
وأعظمت قريش موته، وغسّلوه بالماء والسدر، ولفّوه في حلّتين من حلل اليمن قيمتها ألف مثقال ذهب! وطرح عليه المسك حتّى ستره، وحمل على أيدي الرجال عدة أيام! اعظاما واكراما واكبارا لتغيبه في التراب[٨].
ولمّا غيب عبد المطلب، احتبى ابنه الزبير بفناء الكعبة مدّعيا للرئاسة، وادّعاها معه الوليد بن ربيعة المخزومي، وابن جدعان التيمي.
وكفل رسول الله بعده عمّه أبو طالب، فكان خير كافل. فكان أبو طالب سيدا شريفا مطاعا مهيبا، مع املاقه![٩] وربّته فاطمة بنت أسد بن هاشم امرأة أبي طالب وأمّ أولاده[١٠].
وروى ابن شهرآشوب عن الأوزاعي[١١] قال: كان النبي في حجر عبد المطلب، فلمّا أتى عليه اثنان ومائة سنة ورسول الله ابن ثماني سنين، جمع بنيه وقال: محمد يتيم فآووه وعائل فاغنوه واحفظوا وصيّتي فيه.
فقال أبو لهب: أنا له! فقال: كفّ شرّك عنه! فقال عباس: أنا له، فقال: أنت غضبان لعلّك تؤذيه! فقال أبو طالب: أنا له، فقال: أنت له.
فأمسكه أبو طالب في حجره وقام بأمره يحميه بنفسه وماله وجاهه في صغره من اليهود المرصدة له بالعداوة، ومن غيرهم من بني أعمامه، ومن العرب قاطبة، الذين يحسدونه على ما آتاه الله من النبوة.
وروى عن الخرگوشي في (شرف المصطفى): أنّه لمّا حضرت عبد المطلب الوفاة دعا ابنه أبا طالب فقال له: يا بني! قد علمت شدّة حبّي لمحمد ووجدي به، فانظر كيف تحفظني فيه! فقال أبو طالب: يا أبه لا توصني بمحمد، فإنه ابني وابن أخي!
فلمّا توفّي عبد المطلب كان أبو طالب يؤثره بالنفقة والكسوة على نفسه وعلى جميع أهله، وكان اذا أراد أن يعشّي أولاده أو يغدّيهم يقول: كما أنتم حتّى يحضر ابني، فيأتي محمد فيأكلون[١٢].[١٣]
المراجع
الهوامش
- ↑ سيرة ابن هشام ۱: ۱۷۷.
- ↑ ثمّ لمّا مرّ رسول الله في عمرة الحديبية بالأبواء قال: انّ الله قد أذن لي في زيارة قبر امّي. فأتى رسول الله قبرها فبكى عنده وقال: أدركتني رحم، رحمتها فبكيت. ثمّ أصلح قبرها. وروي عن بريرة قال: لمّا فتح رسول الله مكّة أتى قبرا فجلس إليه وجلس الناس حوله وهو يبكي، ثمّ قام. فاستقبله عمر فقال: يا رسول الله ما الّذي أبكاك؟ قال: هذا قبر امّي، سألت ربّي الزيارة فأذن لي. كما في البحار ۱۵: ۱۶۲ عن المنتقى، الفصل الثالث فيما كان سنة ست من مولده. وروى مسلم في صحيحه حديث الرسول في زيارة أمه هكذا: استأذنت ربي في زيارة أمي فأذن لي، فزوروا القبور تذكّركم الموت. كما في صحيح مسلم ۳: ۶۵ ط ۱۳۳۴ كتاب الجنائز. ورواه عنه الطبرسي في إعلام الورى: ۹. ورواه عنه أيضاً الاربلي في كشف الغمة ۱: ۱۶ ط تبريز.
- ↑ و روى الكليني بسنده عن الصادق(ع) نحوه (اصول الكافي ۱: ۴۴۸) وذكر مثله (اليعقوبي ۲: ۹) وفي تأريخ وفاة آمنة قال الكليني: وماتت امّه آمنة وهو ابن أربع سنين (اصول الكافي ۱: ۴۳۹).
- ↑ روى المجلسي عن الكازروني في المنتقى قال: مات عبد المطّلب وهو ابن ثنتين وثمانى سنة. وقالت أمّ أيمن: رأيت رسول الله يبكي خلف سرير عبد المطّلب. وسئل رسول الله: أتذكر موت عبد المطّلب؟ فقال: نعم أنا يومئذ ابن ثماني سنين (البحار ۱۵: ۱۶۲ عن المنتقى: الفصل الثالث) ورواه عن (العدد) وأضاف: حتّى دفن بالحجون (البحار ۱۵: ۱۵۶).
- ↑ اصول الكافي ۱: ۴۳۹.
- ↑ ثمّ روى الصدوق بسنده إلى ابن إسحاق عن العباس بن عبد الله، عن ابيه عبد الله بن معبد، عن ابيه معبد بن العباس بن عبد المطّلب - أو بعض اهله - قال: كان يوضع لعبد المطّلب جدّ رسول الله فراش في ظل الكعبة، فكان لا يجلس عليه أحد من بنيه اجلالا له، وكان رسول الله يأتي حتّى يجلس عليه، فيذهب أعمامه يؤخرونه، فيقول جدّه عبد المطّلب: دعوا ابني فيمسح ظهره ويقول: ان لابني هذا لشأنا. ثمّ قال: فتوفّي عبد المطّلب والنبي(ص) ابن ثماني سنين: بعد عام الفيل ثماني سنين. (و الخبر في سيرة ابن هشام ۱: ۱۷۸، وفي تهذيب السيرة: ۴۱) ثمّ قال الشيخ الصدوق: انّ ابا طالب كان مؤمنا ولكنّه كان يستر الإيمان ويظهر الشرك ليكون أشدّ تمكنا من تصرف رسول الله(ص). ثمّ روى بسنده عن الاصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنين(ع) يقول: والله ما عبد أبي - ولا جدي عبد المطّلب ولا هاشم ولا عبد مناف - صنما قط. قيل: فما كانوا يعبدون؟ قال: كانوا يصلّون إلى البيت على دين إبراهيم(ع) متمسكين به. ثمّ روى بسنده عن الصادق(ع) قال: انّ أبا طالب أظهر الكفر وأسرّ الإيمان، فلمّا حضرته الوفاة أوحى الله إلى رسول الله: اخرج منها فليس لك بها ناصر! فهاجر إلى المدينة (اكمال الدين: ۱۶۹ - ۱۷۲). وروي في (الخصال) بسنده عن الصادق(ع) قال: هبط جبرئيل على رسول الله(ص) فقال: يا محمد! انّ الله عزّ وجلّ قد شفّعك في خمسة. في بطن حملك، وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف، وفي صلب أنزلك، وهو عبد الله بن عبد المطّلب. وفي حجر كفلك، وهو عبد المطّلب بن هاشم، وفي بيت آواك، وهو عبد مناف بن عبد المطّلب أبو طالب، وفي أخ كان لك في الجاهلية. قيل: يا رسول الله! من هذا الأخ؟ فقال: كان انسي وكنت أنسه، وكان سخيّا يطعم الطعام. ثمّ قال الصدوق: اسمه: الجلاّس بن علقمة (الخصال ۱: ۲۹۲، ۲۹۴) وروى مثله بسند آخر في معاني الأخبار: ۴۵ والأمالي ۶ ورواه الكليني في اصول الكافي ۱: ۴۴۶ وروى الصفار في (قرب الإسناد: ۲۷) بسنده عن الصادق(ع) قال: قال رسول الله: انّي مستوهب من ربي أربعة، وهو واهبهم لي ان شاء الله تعالى: آمنة بنت وهب، وعبد الله ابن عبد المطّلب، وأبو طالب بن عبد المطّلب، ورجل من الأنصار جرت بيني وبينه ملحة، وروى الطبرسي في (إعلام الورى: ۱۰) عن هشام بن عروة عن أبيه قال: قال رسول الله(ص): ما زالت قريش كاعّة عنّي حتّى مات أبو طالب(ع).
- ↑ فلم تزل إليه حتّى قام الإسلام، وهي بيده، فأقرّها رسول الله له على ما مضى من ولايته، فهي إلى آل العباس بولاية العباس اياها إلى هذا اليوم (سيرة ابن هشام ۱: ۱۸۹).
- ↑ و روى عن رسول الله أنّه قال: انّ الله يبعث جدي عبد المطّلب أمّة وحده، في هيئة الأنبياء وزيّ الملوك (اليعقوبي ۲: ۱۳) ورواها الكليني في اصول الكافي بأسانيد ثلاثة مختلفة والفاظ متقاربة (اصول الكافي ۱: ۴۴۶، ۴۴۷).
- ↑ ثمّ روى عن علي(ع) أنّه قال: ساد أبي فقيرا، وما ساد فقير قبله، (اليعقوبي ۲: ۱۴).
- ↑ قال: وأسلمت فكانت مسلمة فاضلة، فلمّا توفيت قال رسول الله كما يروى: اليوم ماتت امّي! ثمّ كفّنها بقميصه، ونزل في قبرها واضطجع في لحدها. فقيل له: يا رسول الله! لقد اشتدّ جزعك على فاطمة؟ قال: انها كانت امّي، اذ كانت لتجيع صبيانها وتشبعني، وتشعثهم وتدهنني! وكانت امّي! (اليعقوبي ۲: ۱۴).
- ↑ عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي الفقيه: ثقة جليل من السابقة مات سنة ۱۵۷ (تقريب التهذيب).
- ↑ المناقب ۱: ۳۵ - ۳۶.
- ↑ محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج١، ص ٢٥٧-٢٦٣.
- ↑ یوسفی غروی، محمد هادی، تاریخ تحقیقی اسلام، ج۱، ص .