آية التبليغ في التفسير وعلوم القرآن
تمهيد
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾[١].
دلّت الآية على نزول الأمر من الله على رسوله بتبليغ إمامة عليّ بعده، ونصّ الآية شاهد على نزولها في أمر الإمامة، لأنّ الآية نزلت في أواخر حياة الرسول في حجّة الوداع، بعد أن كان رسول الله قد أكمل تبليغ دين الله وشرائعه ولم يبقَ من واجبات الشريعة وأحكامها إلّا وقد بيّنه رسول الله، ولم يبقَ إلّا أمر الإمامة التي كان قد بلّغها سابقاً في مناسبات خاصّة لم يشهدها عامّة المسلمين، فنزل الأمر الإلهي بوجوب تبليغ الإمامة على ملأ العامّة من المسلمين، ومن القرينة الواضحة على نزولها بشأن الإمامة التأكيد الإلهي على أنه «إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ» ممّا يدلّ على أنّ أهمية هذا الأمر الذي وجب تبليغه تعادل أهمية الرسالة بكاملها، لأنّ فيه ضماناً لتحقيق أهداف الرسالة، ولولاها لما تحقّقت أهداف الرسالة وغاياتها ومن أهمّها إقرار العدل على وجه البسيطة كلّها.
وقد وردت الروايات المتواترة الصحيحة على نزولها يوم الغدير بشأن إمامة عليّ (ع). تفصيلها في كتاب (الغدير للعلّامة الأميني الجزء الأوّل الصفحة 214 وما بعدها)، ومن ذلك ما رواه السيوطي في الدّر المنثور[٢] وغيره في غيره عن ابن مسعود قال:
«كنّا نقرأ على عهد رسول الله (ص): ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾- أنّ عليّاً مولى المؤمنين- ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾[٣]، روى الحافظ أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري بإسناده فى كتاب الولاية في طريق حديث الغدير عن زيد بن أرقم قال: «لما نزل النبي (ص) بغدير خم من حجّة الوداع وكان وقت الضّحى وحرّ شديد أمر بالدّوحات فقمّت، ونادى الصلاة جامعة، فاجتمعنا فخطب خطبة بالغة ثم قال:
«إنّ الله تعالى أنزل إليَ ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾[٤]، وقد أمرني جبرئيل عن ربّي أن أقوم في هذا المشهد، وأعلم كلّ أبيض وأسود: إنّ عليّ بن أبي طالب أخي ووصيّي وخليفتي والإمام بعدي-» إلى أن قال:
- {{نص حديث|معاشر الناس! ذلك، فإنّ الله قد نصبه لكم وليّاً وإماماً، وفرض طاعته على كلّ أحد، فماضٍ حكمه وجائز قوله، وملعون مَن خالفه، مرحوم من صدّقه، اسمعوا وأطيعوا، فإنّ الله مولاكم وعليّ إمامكم ثم الإمامة في ولدي من صلبه إلى يوم القيامة، لا حلال إلّا ما أحلّه الله ورسوله، ولا حرام إلّا ما حرّم الله ورسوله وهم- إلى أن قال: افهموا محكم القرآن ولا تتّبعوا متشابهه، ولن يفسّر ذلك لكم إلّا من أنا أخذ بيده، وشائل بعضده، ومعلمكم: أنّ مَن كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه، وموالاته من الله عزّ وجلّ أنزلها عليَّ، ألا وقد أدّيت، ألا وقد بلّغت، ألا وقد أسمعت، ألا وقد أوضحت، لا تحلّ إمرة المؤمنين بعدي لأحد غيره.
ثم رفعه إلى السماء حتى صارت رجله مع ركبة النبي (ص) وقال: معاشر الناس! إنّ هذا أخي ووصيّي وواعي علمي وخليفتي على مَن آمن بي وعلى تفسير كتاب ربّي... الحديث}}[٥].
وأخرج أبو إسحاق الثعلبي في تفسير سورة المعارج من تفسيره الكبير: إنّ رسول الله (ص) لمّا كان يوم غدير خمّ نادى الناس فاجتمعوا فأخذ بيد عليّ فقال: «من كنت مولاه فعلي مولاه»
فشاع ذلك فطار في البلاد وبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري فأتى رسول الله (ص) على ناقة له فأناخها ونزل عنها وقال: يا محمّد أمرتنا أن نشهد أن لا إله إلّا الله وأنّك رسول الله قبلنا منك، وأمرتنا أن نصلّي خمساً فقبلنا منك، وأمرتنا بالزكاة فقبلنا، وأمرتنا أن نصوم رمضان فقبلنا، وأمرتنا بالحج فقبلنا ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمّك تفضّله علينا فقلت من كنت مولاه فعليّ مولاه فهذا شيء منك أم من الله؟ فقال (ص):
- «فوالله الذي لا إله إلا هو إن هذا لمن الله عز و جل» فولّى الحارث يريد راحلته وهو يقول: اللهمّ إن كان ما يقول محمّد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو إئتنا بعذاب أليم، فما وصل إلى راحلته حتى رماه الله سبحانه بحجر سقط على هامته فخرج من دبره فقتله وأنزل الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ* لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ* مِنَ اللهِ ذِي الْمَعارِجِ﴾[٦]}}[٧].[٨]
- ↑ سورة المائدة، الآية 67.
- ↑ الدر المنثور: 2/ 398.
- ↑ سورة المائدة، الآية 67.
- ↑ سورة المائدة، الآية 67.
- ↑ راجع كتاب الغدير: 1/ 214- 216.
- ↑ سورة المعارج، الآية 1-3.
- ↑ نقل هذا الحديث عن الثعلبي العلّامة الشبلنجي في كتابه( نور الأبصار في أحوال عليّ) ص 71، كما ذكره الحلبي في السيرة الحلبية الجزء الثالث نهاية صفحة 274 ضمن أخبار حجّة الوداع.
- ↑ محسن الأراکي، نظرية النص على الإمامة في القرآن الكريم، ص126-129.