أبو كثير الأنصاري مولى الأنصار
نبذة
أبو كثير الأنصاري مولى الأنصار من صحابة الإمام من الذين دخلوا في الاسلام وليس لهم نسب عربي بل ينتمون إلى أجناس أخرى فارسية أو تركية، والأولى بأبي كثير أن يكون فارسياً وذلك ان الجو الذي عاشه الفرس بعد الفتح الاسلامي جعل بعضهم يتبنى ولاء الأنصار ويسعى باتجاه هذا الهدف.
ولقد اشترك أبو كثير في معركة النهروان وكان له دور كبير في القتال، وقد أعجبته شخصية الإمام القائد الأمر الذي شغف قلبه يحب الإمام، فأحبه عن صدق وايمان لما كان يرى من عدالة اجتماعية سائدة، ومن تواضع فريد، ومن سطوة حائلة دون اعتداء معتدي على الموالي، على شخصياتهم ورصيدهم التجاري والفكري، إنّ المزايا التي كان القائد يتحلى بها حبيبته الى الأجناس التي دخلت في الاسلام عن طواعيه ورغبة، وخاصة الجنس الفارسي ذات الحضارة العظيمة التي تغلغلت في نفسه الى أقصى حد، والذي كان منتشراً فيما بين النهرين وخاصة في السواد.
لقد أحب أبو كثير الإمام حباً عميقاً، ومشبعاً بفدائية وتفاني في سبيل الإمام، ونستشعر هذا الحب العميق في نفس أبي كثير من كلمته: «كنت مع سيدي علي بن أبي طالب...».
ولقد حدثت في معركة النهروان ظاهرة نفسية سادت جيش الإمام سرعان ما بادر الإمام وبددها بحديث نبوي ينظر إلى المستقبل. ان جيش الإمام حينما خاض المعركة ضد الخوارج وانتهت بانتصار ساحق في صالح الإمام أحس الجيش بوخز في الضمير، لماذا قتلوا الخوارج... الخوارج الذين كانوا يرتلون القرآن، ويصلون ويستمرون في الصلاة، لماذا قتلوهم؟
ولهذه الخصائص كان ضمير الجيش مضطرباً أمام الدفعة الحماسية في ساحة المعركة التي انجلت عن مقتل الخوارج بأسرهم الّا من هرب وانسل من صفوف القتلى، ولما أن شاهد الإمام هذه الظاهرة السلبية في صفوف الجيش، وهذا الامتعاض من حركته القتالية خطب في الجيش، ولنصغي إلى أبي كثير ليحدثنا بكلام الإمام في خطابه للجيش بما يبدد وساوسه ويكشف القناع عن حقيقة الخوارج، وعن مواصفاتهم الهدامة، لقد كان أبو كثير على مقربة من الإمام في الصف القريب من منصة الإمام، قال أبو كثير، قال علي (ع): «أيها الناس ان رسول الله(ص) قد حدثنا بأقوام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون فيه حتى يرجع السهم الى فواقه وانّ آية ذلك ان فيهم رجلاً أسود مخدج اليد إحدى يديه كثدي المرأة بها حلمة كحلمة ثدي المرأة حوله سبع هلبات، فالتمسوه فإني أراه فيهم».
وهنا انطلق جنود الإمام يغطون ساحة المعركة يبحثون ويتقصون عن ذلك الرجل الذي يحمل هذه المعالم في جسمه، لقد تحرى الجنود ساحة المعركة، الساحة التي انتشرت على رمالها جثث القتلى من الخوارج، وكانت هناك وديان تراكمت فيها جثث القتلى بعضها فوق بعض، عاد لفيف من الجنود وقد أيسوا من العثور على ذلك الرجل القتيل الذي يحمل تلك المعالم التي أفادها الإمام، ولكن البعض الآخر كان يتحرى في حماس حتى يجد القتيل الذي يحقق نبؤة الرسالة النبوية، وفي نفس الوقت تنكشف العتمة عن القلوب التي اجتاحها، الزلزال، ظفر الجنود على ذلك الرجل القتل الذي انبا الرسول الكريم الأجيال المقبلة على لسان الإمام (ع) بمعالمه السافرة، لقد وجدوه على مقربة من شفير النهر في حفرة تراكمت فيها القتلى، وحينما استخرجوا القتلى وجدوه تحت الجثث قد غطته، وهنا كبّر الإمام: الله أكبر، وكان مهتماً بالنبؤة الصادقة وتابعه الجيش في التكبير: الله أكبر، فتجاوبت الوديان هذه الأصداء وانعكست الأصداء في سجل التاريخ.
وبصوت «الله أكبر» الشعار الأكبر للاسلام وللمسلمين تبددت الوساوس وانهارت تلك الوخزات وانكشفت العتمة على ضوء ساطع ينير الطريق، وينير دروب الجيش ثم اردف الإمام كما يحدثنا أبو كثير ويرسم لنا خطوط الصورة ويقول: ان الإمام أمير المؤمنين (ع) كان متقلداً قوساً عربية، فأخذها بيده وجعل يطعن بها في مخدجته منبها الى العلامة التي جاء ذكرها في حديث رسول الله منذ أعوام طويلة، والتي تحققت هذه العلامة في هذه اللحظة الحاسمة التي كادت النفوس أن تذهب في غيبوبة الوساوس والتخرصات جعل الإمام يطعن في مخدجة القتيل ويقول: «صدق الله ورسوله»[١].
واستمر الجنود في التكبير، واستبشروا، وأيقنوا انهم على الحق، وان أعداءهم في ضلال، وعلى الباطل يهملجون، ولقد أسعفهم رسولهم الكريم، لقد كان الرسول يشهد هذه المعركة من وراء سجاف الغيب، ان الله تعالى أخبره عن المعركة، وعن الرجل ذي العلامة الخاصة البارزة.
نعم صدق الله ورسوله حيث إنّ الله أخبر رسوله، والرسول(ص) أخبر فتاه علياً (ع) والإمام أمير المؤمنين الذي كان في قمة المسؤلية أخبر الجنود، والجنود أخبروا الأجيال المسلمة.[٢]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ يراجع تاريخ بغداد ١٤: ٣٦٢ - ٣٦٣.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٣١٩-٣٢١.