إعجاز القرآن
تمهيد
لا ينحصر إعجاز القرآن الكريم في جانب واحد، بل هو معجز من جميع نواحيه. فهو معجز في فصاحة ألفاظه وبلاغة معانيه، ومعجز في إشارته إلى الحقائق العلمية التي لم يكن يعرفها الناس من قبل، ومعجز في كشفه عن أمور الغيب والإشارة إلى أنّ العالم يتكوّن من عالم نراه وعالم لا نراه. وفي الإعجاز البلاغي للقرآن، لابدّ أن ننظر إلى أمرين مهمّين:
- جمال الكلمات والعبارات.
- دقّة المعاني وعظمتها.
إنّ جمال كلمات القرآن وعباراته عظيم جدّاً، لدرجة أنّ بعض الناس وصفوه بالسحر. وكان بعضهم يمنع أصدقاءه وأقاربه من الاستماع إلى النبي محمد (ص) وهو يتلو القرآن خوفاً من أن يسحرهم. ولكن بمجرّد أن يسمع الشخص آية أو آيتين من القرآن، يتأثّر بعظمته ويشعر بجماله ويعيش في عالم جميل من السموّ والجلال. وكان العرب يستطيعون التمييز بين الشعر والنثر، وكانوا يعرفون الفرق بين الوزن والقافية في الشعر. ولكنّ جمال كلمات القرآن وتأثيره الخلّاب جعلهم يعجزون عن إيجاد تفسير له، فاضطرّوا إلى تسميّته سحراً، وسمّوا النبي محمد (ص) شاعراً تارة وساحراً أخرى؛ لأنّهم لم يجدوا تفسيراً منطقيّاً لجمال القرآن الذي لم يروا مثله من قبل. أمّا عن دقّة معاني القرآن وعظمتها، فلا شكّ أنّها تصل إلى درجة لا يضاهيها أيّ كلام آخر. ويمكن القول إنّ جوهر الإعجاز يتركّز في هذا الجانب. فعظمة المعاني تجعل أبسط سامع للقرآن يدرك أنّه ليس كلام بشر، وإنّما هو فوق كلام البشر، ولا يستطيع أحد من البلغاء والفصحاء أن يأتي بمثله[١].
أسباب انبهار العرب بالقرآن
ومن الأمور التي أدّت إلى انبهار العرب بالقرآن:
- جمال ألفاظه وأسلوبه: فقد وجدوا في شكل القرآن الظاهري ما يميّزه عن الشعر؛ لأنّه لا يحتوي على الوزن والقافية. فليس هناك سورة في القرآن يمكن أن نقول إنّها تشبه قصيدة شاعر. فالقرآن ليس شعراً ولا نثراً، بل هو فوق الشعر والنثر في جمال الألفاظ ودقّة المعاني وتأثيره في النفوس.
- لم يتطرّق القرآن إلى أغراض الشعر الجاهلي: فالقرآن لم يتحدّث عن الوقوف على الأطلال والبكاء على الديار وما شابه ذلك ممّا كان شائعاً في الشعر الجاهلي. فالقرآن أرفع شأناً من المديح والغزل والهجاء، ومع ذلك تميّز وأدهش العرب ببيانه وبلاغته.
- التوافق بين اللفظ والمعنى: فقد وجد العرب في القرآن توافقاً تامّاً بين الكلمات والمعاني، بحيث لم يُضحّ بأحدهما من أجل الآخر. وهذا التوافق كان أمراً مهمّاً يدركه السامع العربي.
- التكرار في القرآن لم يجعله ممجوجاً: إنّ التكرار الموجود في القرآن الكريم جاء بشكل جميل ورائع، فهو لم يجعل القرآن مملّاً أو غير مرغوب فيه. عادةً، عندما يكرّر الشعراء أو الكتاب بعض العبارات أو الجمل في كلامهم، فإنّ السامع يشعر بالملل والاشمئزاز. لكن العرب كانوا يستمعون للقرآن ويجدون فيه تكراراً للقصص والأحداث والتعابير، ومع ذلك لا يشعرون بالملل، بل يزدادون تأثّراً وانجذاباً له. وهذه ميزة فريدة للقرآن وحده، بحيث لو كانت موجودة في كلام آخر لملّه الناس. فالتكرار القرآني لم يؤثّر سلباً على أسلوبه أو إعجازه البلاغي.
- الفريدة أو اليتيمة: قد يأتي الشاعر العظيم ببيت أو بيتين في قصيدته يكون لهما تأثير كبير لا يوجد في باقي الأبيات، فيسمّيها الأدباء «فريدة» أو «يتيمة»؛ لأنّها تحمل معنى سامياً يفوق غيرها. لكن عندما ننظر للقرآن، نجد أنّه كلّه تفوّق وإعجاز، وكلّه من اليتيمات، وهذا شيء لا يوجد في أيّ كلام آخر مهما كان رائعاً.
- صبّ المعنى الواسع والكامل في قالب الألفاظ القليلة: البلاغة والفصاحة تعني الابتعاد عن الإيجاز الذي يخلّ بالمعنى وعن الإطناب المملّ. فعندما يتمّ التعبير عن معنى كبير بألفاظ قليلة لا تفي بالغرض فهذا عيب. لكن إذا كانت الألفاظ على قلّتها تحتوي على عالم واسع من المعاني وتوصل المقصود بكفاية، فهذا هو الإعجاز الإيجازي الجميل. ومثال ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [٢]، وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَكُمْ تَتَّقُونَ﴾[٣]. فهذه الآيات القصيرة احتوت على معاني عظيمة، ممّا يجعل السامع ينجذب لها ويعترف بأنّها فوق كلام البشر.
- التأكيد على الحياة الآخرة والتدبّر: إنّ القرآن يدعو إلى التفكر في أسرار الخلق، ويرشد للأخلاق الفاضلة، وينهى عن الرذائل، ويبيّن الحلال والحرام بتفصيل، ويرفع من معتقدات الإنسان، ويركّز على الحياة بعد الموت وما يحدث فيها بدقّة وتفصيل لم يكن موجوداً في أيّ أدب أو خطاب أو شعر مشهور. لذلك كان العرب ينبهرون بهذه الحقائق التي ذكرها القرآن والتي تدعو للتدبّر في أسرار الخليقة وحركة تكامل الإنسان ووصوله لهدفه النهائي. وهذا الانبهار لا يوجد في أيّ نموذج أدبي آخر[٤].
كلمات البلغاء في عظمة القرآن
بعد بيان مميّزات القرآن، ننتقل لنقل بعض اعترافات بلغاء وحكماء العرب الذين أعجبوا بالقرآن رغم أنّهم لم يكونوا مسلمين: فمن هؤلاء الوليد بن المغيرة المخزومي، حيث جاءه زعماء قريش وطلبوا منه أن يبدي رأيه في القرآن ليكون حكماً فيه. فذهب للنبي محمد (ص) وهو جالس في حجر إسماعيل (ع)، وطلب منه أن يقرأ شيئاً من «أشعاره»! فأخبره النبي أنّ ما يتلوه ليس شعراً، بل هو وحي من الله. ثمّ بدأ يقرأ له آيات من سورة فصّلت. وتنقل الروايات أنّه عندما وصل إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وثَمُودَ﴾[٥]، بدأ الوليد يرتعش ويرتجف بشدّة حتّى أصبح كالشجرة المهتزّة ولم يستطع السيطرة على نفسه. ورآه الناس وهم ينتظرون رأيه في القرآن، وقد تأثّر بشكل عظيم لحدّ لم يستطع منع نفسه من الارتعاش. وفي مناسبة أخرى، يُروى أنّ الرسول محمد (ص) كان يقرأ سورة غافر بصوته الجميل، فسمع الوليد بن المغيرة هذه الآيات: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطول لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ * مَا يُجَادِلُ فِي ءَايَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾[٦]. فأثّرت هذه الآيات في روح الوليد وفي أعماقه بشدّة، حتّى أنّه قال: «وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْ مُحَمَّدٍ آنِفًا كَلَامًا مَا هُوَ مِنْ كَلَامِ الْإِنْسِ وَلَا مِنْ كَلَامِ الْجِنِّ، إِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى عَلَيْهِ»[٧]. يقول العالم «هبة الدين الحسيني الشهرستاني» في كتابه «المعجزة الخالدة»: هذه الكلمات كانت أوّل إقرار صدر من عالم بلاغة كبير حول القرآن وكيف تأثّر ببلاغته المعجزة.
أوّلاً: إنّه ليس من كلام البشر أو الجن. وهذا معنى عميق جدّاً، فالبلغاء العرب اعتادوا سماع النثر من البلغاء والفصحاء وهو كلام البشر. وقد يسمعون الشعر الموزون المقفى فيظنّونه كلام الجن. فالوليد أراد أن يقول إنّ هذا الكلام لا يمكن مقارنته بأيّ كلام آخر لعظمته وإعجازه ودقّته.
ثانياً: إنّ فيه لحلاوة. والمقصود بالحلاوة ذلك الطعم الجميل الذي يغذّي العقول والنفوس ويكون أثره مستساغاً لديها كتأثير الحلوى على الذائقة! وهذه الحلاوة لم توجد في غير الأسلوب القرآني.
ثالثاً: إنّ عليه لجمالاً أخّاذاً. والمقصود به المحسنات والجماليات اللفظية والمعنوية الكثيرة التي يمتلئ بها القرآن.
رابعاً: إنّ أعلاه لمثمر. شبّه القرآن بشجرة عظيمة لها أغصان كثيرة مليئة بالثمار.
خامساً: إنّ أسفله لعميق. أي أنّ له أصولاً وجذوراً ومصادر عميقة مستمرّة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾[٨].
سادساً: إنّه يعلو ولا يُعلى عليه. أي أنّ القرآن يتميّز ويتفوّق على كلّ الأساليب الأخرى. فالوليد بن المغيرة عندما تأثّر بالقرآن الكريم وببلاغته، أبدى إعجابه واعترافه بهذه الكلمات، ولخّصها في شيء واحد وهو أنّ القرآن لا يُجارى، وأنّ التحدي الذي جاء به الرسول (ص) لا يمكن مواجهته بأيّ شكل من أشكال المعارضة. ومن البلغاء الذين تأثّروا بالأسلوب القرآني أيضاً عتبة بن ربيعة، أحد كبار شخصيّات قريش. ذهب يوماً إلى أصدقائه وقال إنّه سيذهب إلى محمد (ص) ويقترح عليه بعض الأمور ولابدّ أن يقبل بإحداها. كان الرسول (ص) جالساً في المسجد، فذهب إليه عتبة بمجموعة من المقترحات، وبعد أن انتهى من كلامه، قال له الرسول (ص): «أ فرغت يا أبا وليد؟» فأجاب بنعم، فقال له (ص): «استمع إلى جوابك من آيات قرآنية». فقرأ له سبعة وثلاثين آية من سورة فصلت، وعندما وصل إلى آية السجدة قال: «هل سمعت كلام الله وما تلوته إليك...؟» كان عتبة متأثّراً بالأسلوب القرآني لدرجة أنّه بقي مسمراً في مكانه ولم يستطع الكلام! وبعد أن استعاد قواه، قال: «والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة!» ويُستفاد من هذا نقطتان:
- إنّ تأثير هذا على السامع كان الإعجاب والانبهار ببلاغة القرآن وجمال ألفاظه ودقّة معانيه وبلاغته التي لا تُجارى، ممّا جعل القرآن متميّزاً بلا حدود.
- وجدنا هذا الاعتراف عند عتبة وعند الوليد، حيث صرّحا بأنّ هذا ليس كلام البشر ولا يمكن مجاراته أبداً.
ومثال آخر طفيل بن عمرو، الشاعر الجاهلي الذي أسلم وكان من الصعب على قريش تقبّل إسلامه. وسواء تقبّلوا ذلك أم لا، فقد تأثّر طفيل ببيان الرسول (ص) لدرجة أنّه لم يستطع المقاومة. وعندما عاتبه أصدقاؤه على قبوله الإسلام، أسكتهم بقوله: «فوالله ما سمعت قولاً أحسن منه ولا أمراً أعدل منه». وهناك أمثلة أخرى كثيرة[٩].
الإخبار عن المغيبات
يبدأ القرآن في سورة البقرة كلامه بالإيمان بالغيب. ولابدّ من الإشارة إلى أنّ الرؤية الفلسفية في الإسلام تعتمد على أنّ الخلق في عالمين: عالم الخلق وعالم الأمر. فالله تعالى في عالم التكوين له الخلق والأمر، ولكن في عالم الولاية المطلقة الإلهية له الأمر. وعالم الخلق يعتمد على الأمور التدريجية ويرتبط بالزمان والمكان والمقادير والتقديرات، بعكس عالم الأمر الذي لا يكون إلّا دفعيّاً. فعالم الخلق يتكوّن من ظاهر وباطن، من شيء أمام الستار وخلفه. فما نراه أمام الستار هو عالم الشهود، ولكنّ القرآن والعقيدة الإسلامية تؤكّد على أنّ وراء هذا الستار عالماً آخر هو عالم الغيب. ولابدّ للمؤمن حتّى يكمل إيمانه أن يؤمن بالغيب، كما في قوله تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَبُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَمِمَّا رَزَقنَاهُم يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُم يُوقِنُونَ﴾ [١٠]. فالإيمان بالغيب شرط أساسي ليكون الشخص متصفاً بتقوى الله ويكون أهلاً لتلقّي الهداية الإلهية. والإيمان بالغيب يعني أنّ هناك حوادث وأموراً تأتي من وراء هذا الستار المادّي الظاهري. والله تعالى خالق للغيب والشهادة، وعالم بهما، ولا يخفى عليه شيء. فالإيمان بالغيب من مستلزمات الإيمان بوجود الخالق وبالحياة الآخرة. والذي يأتي ويتحدّث عن عالم الغيب هو الرسول (ص) وكلّ نبي. والإخبار عن الغيب نوع آخر من الإعجاز؛ لأنّ هذا الغيب لا يطّلع عليه إلّا الله. فمن يُخبر عن أمور غائبة يريد بيان أنّ له اتصالاً بمصدر الغيب وخالق الغيب وعالمه.
نماذج قرآنية من الإخبار عن الغيب
يحدّثنا القرآن الكريم عن بعض الأمور المستقبلية في بعض آياته، ومن هذه الأمثلة:
يقول الله تعالى: ﴿ألم * غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾[١١]. هذه الآية نزلت في زمن كان من الصعب جدّاً أن يتصوّر أحد حدوث ما ذكر فيها؛ لأنّ الروم كانوا قد هُزموا هزيمة كبيرة أمام الفرس. ولكنّ القرآن الكريم أخبر أنّ الروم سينتصرون على الفرس خلال بضع سنين (أقل من ١٠ سنوات). وفي نفس الوقت الذي سينتصر فيه الروم على الفرس، سيفرح المسلمون أيضاً بنصر من الله.
عدم قدرة الجن والإنس على الإتيان بمثل القرآن
يقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾[١٢]. فالله يتحدّى الإنس والجن بأنّهم لن يستطيعوا الإتيان بمثل القرآن حتّى لو تعاونوا وساعد بعضهم بعضاً. وقد عجز الناس فعلاً عن ذلك كما أخبر الله.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾[١٣]. فعندما اضطرّ الرسول (ص) للهجرة من مكة إلى المدينة هرباً من اضطهاد المشركين، نزلت هذه الآية تبشّره بأنّه سيعود إلى مكة فاتحاً منتصراً، رغم أنّ ذلك كان مستبعداً في ذلك الوقت. ولكن تحقّق وعد الله ورجع النبي إلى مكة بعد سنوات وفتحها.
دخول المسلمين المسجد الحرام آمنين
يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنينَ مُحَلِّقينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَريباً﴾[١٤]. فقد رأى النبي في المنام وهو بالمدينة أنّه دخل المسجد الحرام هو والمسلمون آمنين محرمين. فأخبر أصحابه بالرؤيا وتوجّهوا لأداء العمرة. لكنّ المشركين منعوهم من دخول مكة وحصل صلح الحديبية الذي اضطرّ فيه المسلمون للعودة دون أداء العمرة. فشكّ بعضهم في صدق رؤيا النبي. لكنّ الله أكّد لهم صدق رؤيا نبيّه. وبالفعل، دخل المسلمون في العام التالي المسجد الحرام آمنين كما وعدهم الله، ثمّ فتحوا مكة بعد ذلك بعامين تحقيقاً لوعد الله بالفتح القريب. فالقرآن أخبر عن أحداث مستقبليّة لم تكن متوقّعة في حينها ممّا يدلّ على أنّه من عند الله العليم بالغيب. وتحقّق ما أخبر به القرآن يثبت صدق نبوة محمد (ص).
يقول الله تعالى في سورة النصر: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * ورَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾[١٥]. هذه الآيات تحمل بشارة عظيمة للنبي محمد (ص) بأنّ الناس سيدخلون في دين الإسلام بأعداد كبيرة. وهذا أمر لم يكن متوقّعاً في ذلك الوقت؛ لأنّ المسلمين كانوا يدخلون الإسلام فرادى أو في مجموعات صغيرة جدّاً وبفترات زمنيّة متباعدة. لكنّ القرآن أخبر عن مستقبل سيأتي فيه الناس إلى الإسلام بأفواج كبيرة، وهو ما تحقّق بالفعل. ولم يكن أحد يستطيع التنبّؤ بهذا الأمر من قبل.
سورة المسد (اللهب)
في سورة المسد، يخبر الله تعالى عن مصير أبي لهب، عمّ النبي محمد (ص) الذي كان من ألدّ أعدائه. تقول السورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبِ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾[١٦]. هذه الآيات تتحدّث بوضوح عن أنّ أبا لهب سيموت على الكفر وسيدخل النار، وهو ما حدث بالفعل. فقد استمرّ أبو لهب في عناده وعدم إيمانه بالإسلام حتّى وفاته. وكان هذا أمراً غيبيّاً أخبر عنه القرآن قبل حدوثه.
حفظ القرآن من التحريف
يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[١٧]. هذه الآية تتضمّن وعداً إلهيّاً بحفظ القرآن من أيّ تحريف أو تغيير أو زيادة أو نقصان. وهذا الأمر يختلف عمّا حدث مع الكتب السماوية السابقة مثل التوراة والإنجيل التي تعرّضت للتحريف. فنجد مثلاً عدّة نسخ مختلفة للإنجيل - متى، مرقس، لوقا، يوحنا، برنابا - وبينها اختلافات كثيرة. أمّا القرآن فقد حفظه الله كما وعد، حتّى أنّه لا يوجد اختلاف بين نسخه ولو في حرف واحد. وقد حدث خلاف بين الصحابة حول كتابة حرف «الواو» في آية معيّنة، وهدّد بعضهم بأنّه ستحدث فتنة إن لم يتمّ وضعه، ممّا يدلّ على حرصهم الشديد على عدم تغيير أيّ شيء في كتاب الله. فإذا كان الأمر كذلك مع حرف واحد، فكيف بتغييرات أكبر؟ وهكذا تحقّق وعد الله بحفظ القرآن من أيّ تحريف أو تبديل، وبقي محفوظاً كما أنزل منذ أكثر من ١٤٠٠ سنة حتّى يومنا هذا، وسيبقى كذلك إلى يوم القيامة[١٨].
وجوه إعجاز القرآن
الإعجاز العلمي
الإعجاز البياني
إعجاز القرآن الكريم في بيان المعارف الحقة
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ انظر: السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية: ٢٠٣ و ٢٠٤.
- ↑ سورة الزلزلة، الآية ۷ و ۸.
- ↑ سورة البقرة، الآية ۱۷۹.
- ↑ انظر: السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية: ٢٠٤ -٢٠٧.
- ↑ سورة فصّلت، الآية ۱۳.
- ↑ سورة غافر، الآية ١ – ٤.
- ↑ الرازي، فخر الدين، مفاتيح الغيب ٣٠: ٧٠٦.
- ↑ سورة الجن، الآية ١٦.
- ↑ انظر: السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية: ٢٠٨ - ٢١١.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١ – ٤.
- ↑ سورة الروم، الآية ۱ – ٥
- ↑ سورة الإسراء، الآية ٨٨.
- ↑ سورة القصص، الآية ٨٥.
- ↑ سورة الفتح، الآية ٢٧.
- ↑ سورة النصر، الآية ١ - ٣.
- ↑ سورة المسد، الآية ١ – ٥.
- ↑ سورة الحجر، الآية ٩.
- ↑ انظر: السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية: ٢١١ - ٢١٦.