الجبر والاختيار في علم الكلام
التعريف
التعريف اللغوي
معنى الجبر (في اللغة): الجبر هو الإكراه والإرغام والقهر. والجبر في الفعل هو الحمل على الفعل بالقسر والغلبة[١].[٢]
التعريف الاصطلاحي
معنى الجبر (في الاصطلاح العقائدي): هو إجبار الله العباد على ما يفعلون، خيراً كان أو شراً، حسناً كان أو قبيحاً، دون أن يكون للعباد أية إرادة أو قدرة أو اختيار على الرفض والامتناع[٣].
بعبارة أُخرى: إنّ أفعال الإنسان كلّها لله تعالى، والإنسان كالآلة الجامدة يسيّره الله بإرادته واختياره، من دون أن يمتلك الإنسان أية إرادة أو اختيار في أفعاله، وإنّما يصدر الفعل منه وهو مجبر عليه.
معنى الاختيار (في اللغة والاصطلاح العقائدي): الاختيار هو التمكّن من فعل الشيء وتركه[٤].[٥]
مناهج البحث في الجبر والاختيار
هذا البحث لا يختص بعلم الكلام، بل إنه بحث في علوم مختلفة من زوايا مختلفة وهذا يدل على تعدد وجوه هذه المسألة، جزء منه يبحث في علم الكلام وجزء آخر يبحث في الفلسفة، كما أن الجبر والاختيار مسألة إنسانية وتتعلق بمباحث معرفة النفس ومن هنا فهي تُطرح في العلوم الإنسانية من زوايا مختلفة، والنتيجة أنه توجد طرق مختلفة في بحث الجبر والاختيار وأهمها ثلاثة هي:
- المنهج الكلامي: المحور الأصلي هنا نسبة الجبر أو الاختيار وعلاقته ببعض الصفات الإلهية، كالتوحيد في الخالقية، الإرادة، العلم و... ومن هنا يصبح للبحث صبغة كلامية.
- المنهج الفلسفي: ينظر للبحث بالاهتمام ببعض الأصول الفلسفية ولا يتصل بشكل مباشر ببحث معرفة الله وصفات الباري تعالى[٦].
- منهج علم الاجتماع وعلم النفس: لا شك أن هناك عوامل كالوراثة والتربية والمحيط تؤثّر تأثيراً عميقاً على سلوك الإنسان. فهل هذه العوامل تسلب اختيار الإنسان؟
والبحث هنا منصب على المنهج الأول؛ أي ما يتداول الحديث عنه في الأبحاث الكلامية.[٧]
تاريخ المسألة
بالنظر إلى تاريخ صدر الإسلام يتضح أن التفكر الجبري ظهر منذ القرن الأول الهجري بالتدريج وانتشر بين المسلمين، ولانسجام هذا الفكر مع أفكار تلك الحكومات الجائرة لذلك كان مورد تأييدها وحمايتها[٨]. ومن هنا اختار جماعة من أهل الحديث طريق الجبر وقد طرح هذا الفكر ابتداء من أمثال جهم بن صفوان (رئيس الفرق الجهمية) وكان له صبغة إفراطية بالكامل حيث ليس للإنسان أيّ دور في الفعل، مثلاً: كان يعتقد جهم بن صفوان أن الإنسان يفقد أيّ نوع قدرة أو إرادة أو اختيار والله يخلق أفعال الإنسان فيه كما يخلق آثار الجمادات فيها، ثم بالتدريج أصبحت الرؤية الجبرية أكثر اعتدالاً وبابتداع نظرية الكسب من قبل الأشاعرة تم السعي إلى حد ما أن يُعطى الإنسان شيء من الاختيار في أعماله، في قبال الجبريين، جماعة منهم (معبد الجهني) وتلميذه (غيلان الدمشقي) دافعوا عن الاختيار ولكن بالتدريج تمايل اختيار الإنسان إلى التفويض عند المعتزلة. أما أصحاب الأئمة(ع) ومن يرتوي من نبع قادة الدين(ع) استطاعوا بدون الغوص في التفويض أن يخفوا التفكر الجبري واتخذوا سبيلاً دقيقاً وظريفاً لا ينتهي لا إلى الجبر ولا إلى التفويض. وهكذا ففي تاريخ المباحث الكلامية للجبر والاختيار يُمكن الإشارة إلى ثلاث نظريات:
- نظرية الجبر: طُرحت هذه النظرية بصورة جبر خالص ابتداءً، ثم أصبحت أكثر اعتدالاً مع طرح
- نظرية الكسب: ويُعتبر الأشاعرة من أهم أتباع الجبر المعتدل.
- نظرية التفويض: هذه النظرية كانت مورد اختيار المعتزلة، كردة فعل للرد على الجبريين.
نظرية الاختيار (الأمر بين الأمرين): وهو رأي متكلوا الإمامية بالاقتباس من روايات أهل البيت(ع) حيث بينوا طريق وسط بين الجبر والتفويض والمعروف ب (أمر بين الأمرين). بعد اتضاح الآراء الأساسية في هذا البحث من المناسب أن نبحث مباني وأدلة هذه الآراء. ولكن قبل ذلك يلزم أن نُشير إلى أمر مهم.[٩]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ راجع: لسان العرب، ابن منظور: مادّة (جبر).
- ↑ علاء الحسون، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، ص177.
- ↑ انظر: المصطلحات الإسلامية، مرتضى العسكري: 148.
- ↑ راجع: لسان العرب، ابن منظور: مادّة (خير). وللمزيد راجع: المصطلحات الإسلامية، مرتضى العسكري: 149.
- ↑ علاء الحسون، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، ص177.
- ↑ أحد فروع بحث العلية في الفلسفة، أن وجود المعلول في ظرف وجود علته التامة، فيتصف بالضرورة بالغير، ومن جهة أخرى فلا شك في أن أعمال الإنسان معلولة ولكل منها علتها التامة الخاصة بها، فيطرح عادة هذا البحث وهو أنه هل يُمكن أن تنسجم هذه الضرورة الفلسفية مع العمل الاختياري؟ للاطلاع على المسائل الفلسفية للجبر والاختيار، يُمكن الرجوع إلى: الإلهيات على هدى...، ج۲، ص۳۰۳- ۳۱۴.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣٤٢.
- ↑ يقول القاضي عبدالجبار المعتزلي: ظهر مسلك الجبر بعد وصول معاوية إلى السلطة وأيده حكام بنو أميه، إذن: ظهرت نظرية الجبر بين حكام بني أمية وانتشرت بين أهل الشام... قاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال، ص۱۲۲.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣٤٣-٣٤٤.