الوحي في علم الكلام

من إمامةبيديا

تمهيد

قال الله تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَر أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَاب أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيم[١].

والظاهر أنّ قوله: مِن وَرَاء حِجَاب إشارة إلى الصوت الذي يخلقه الله في موجود يسمعه النبيّ، ولا يرى صاحب الصوت الأصلي وهو الله سبحانه، وذلك كالصوت الذي خلقه الله في الشجرة أو في نار في الشجرة لموسى(عليه السلام)، قال عزّ من قائِل: فَلَمَّا قَضَى مُوسىَ الاَْجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لاَِهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَر أَوْ جَذْوَة مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الاَْيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين [٢]، وقال أيضاً سبحانه وتعالى: فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيم[٣]، وقوله: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً إشارة إلى إرسال الملك لإيصال الوحي إلى النبيّ كما قال الله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَْمِينُ * عَلَى قَلْبِك[٤]، وقال عزّ وجلّ: وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى[٥].

والوحي تارة يستعمل في مقابل هذين القسمين، أعني سماع الصوت ونزول الملك، واُخرى يشمل هذين القسمين، ففي الآية التي بدأنا بها الحديث استعمل في مقابل هذين القسمين، في حين أنّه طُبّق الوحي في القرآن في قصّة موسى(عليه السلام)على الصوت الذي سمعه موسى(عليه السلام)، قال الله تعالى: وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لاَِهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَس أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي[٦].

وكذلك يطلق الوحي على ما كان يأتي به جبرئيل(عليه السلام)على رسول الله(صلى الله عليه وآله)وهو أحد التفسيرين المذكورين لقوله تعالى: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى[٧].

وعلى أيّة حال فالوحي بالنسبة للأنبياء قد يستعمل بمعنى عامّ يشمل الوحي عن طريق الملك، أو عن طريق خلق الصوت في جسم أو مكان، بل وعن طريق الرؤيا أيضاً، كما في قصّة رؤيا إبراهيم(عليه السلام) لذبح ولده، وقصّة رؤيا رسول الله(صلى الله عليه وآله)لدخول المسلمين المسجد الحرام آمنين، وقد يستعمل بمعنى خاصّ في مقابل هذه الأقسام، وهو وحيٌ مباشر لله إليه، ونحن يستحيل علينا طبعاً أن ندرك حقيقته، كما يستحيل على من ولد أعمى من بطن اُمّه أن يدرك حقيقة الرؤية بالعين أو حقيقة اللون أو حقيقة النور، ولكن المقدار الذي نحدسه هو أن يكون سنخ إدراك حُضوري، وتوضيح المقصود: أنّه قد مضى منّا في بحث التوحيد أنّ الإيمان بالله تعالى أمر فطري، وقد مضى تفسير الفطريّة بأمرين، أحدهما: البداهة ودركه بالوجدان كما في البديهيّات الفطريّة، والثاني: العلم الحضوري بالله تعالى، وقلنا: إنّ المتيقّن من ذلك هو المعنى الأوّل، أمّا المعنى الثاني ـ وهو العلم الحضوري ـ فلا دليل قطعي لدينا عليه وإن كان ثبوته لبعض أولياء الله أمراً ممكناً. والوجه في عدم الدليل عليه: أنّ المخلوق ـ على ما نقّح في محله ـ وجود ربطيّ بالخالق، وليس وجوداً مستقلاًّ في مقابل الخالق مع فرض علاقة الخلق أو العلّيّة والمعلوليّة بينه وبين الخالق؛ فإنّ هذا خلف الخلق بل هو عين تلك العلاقة وذاك الربط، وهذا إنّما يقتضي إحاطة الخالق بالمخلوق، وكون المخلوق معلوماً حضوريّاً للخالق، كما أنّ مخلوقات ذهننا معلومة بالعلم الحضوري لنا وليس العكس، أي ليس من الضروري كون الخالق معلوماً حضوريّاً للمخلوق؛ لأنّ الخالق هو المحيط بالمخلوق وليس المخلوق محيطاً بالخالق.

ومن الممكن افتراض أنّ الأنبياء ـ لشدّة قربهم إلى الله ـ لهم العلم الحضوري بالله تعالى ولو في بعض الأحيان، وهذا أحد التفسيرين لقوله تعالى: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى[٨]، فلعلّ الوحي المباشر يكون في حالة العلم الحضوري بالله تعالى.

ويشهد لذلك الثقل الذي كان يحسّ به النبيّ(صلى الله عليه وآله) في وقت الوحي المباشر على ما ورد في بعض الأحاديث، فعن زرارة قال: «قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): جعلت فداك، الغشية التي كانت تصيب رسول الله(صلى الله عليه وآله) إذا نزل عليه الوحي؟ قال: فقال: ذلك إذا لم يكن بينه وبين الله أحد، ذاك إذا تجلّى الله له»[٩].

ولئن كان موسى(عليه السلام) لم يتحمّل تجلّي الله للجبل وليس له فخرّ صعقا، فيكفي فخراً لرسولنا الأعظم(صلى الله عليه وآله) أنّه كان يتحمّل تجلّي الله له مباشرةً في بعض حالات الوحي، إلّا أنّه كان يحسّ بالثقل.

وقد تقول: إنّ تجلّي الله تعالى للإنسان بمعنى علم الإنسان به علماً حضوريّاً مستحيل؛ لما مضى من أنّ الخالق هو المحيط بالمخلوق، ولا يعقل أن يكون المخلوق ـ الذي هو عين الربط ـ محيطاً بالخالق، والعلم الحضوري إنّما يكون بإحاطة العالم بذات المعلوم.

ولكن الواقع أنّناإنّما أشرنا إلى نكتة: أنّ الإحاطة هي للخالق بما ليست حقيقته إلّا عين الربط به دون العكس لتوضيح أنّ هذا الالتصاق بين العبد وربّه لا يبرهن على العلم الحضوري بالله أو بالتوحيد، ولكنّا لا نجعل هذا برهاناً على عدم إمكان العلم الحضوري بالله؛ فإنّ العلم الحضوري به لا ينحصر افتراضه بافتراض الإحاطة الكاملة للعبد بربّه، بل يمكن افتراض الإحاطة النسبيّة بقدر ارتباط الربّ بهذا العبد عن طريق كون هذا العبد عين الربط به وفانياً فيه، ويحتمل اختلاف درجات العلم الحضوري، فلعلّ الرسول(صلى الله عليه وآله)كان عالماً بالله بالعلم الحضوري ببعض الدرجات في تمام أحواله، وكان يشتدّ علمه الحضوري بالله في حالة الوحي المباشر؛ ولهذا كان يحسّ بالثقل.

أمّا حينما كان ينزل عليه الوحي بواسطة جبرئيل(عليه السلام) فلم يكن عليه ثقل من هذا القبيل، بل كان ينزل عليه الوحي عندئذ بكمال الأدب من قبل جبرئيل، فعن عمرو بن جميع عن الصادق(عليه السلام) قال: «كان جبرئيل إذا أتى النبيّ(صلى الله عليه وآله) قعد بين يديه قِعدة العبد وكان لا يدخل حتّى يستأذنه»[١٠].

وا عجباً يستأذن الأمينُببابه ويدخل الخؤون![١١]

المراجع

  1. السيد كاظم الحائري، أصول الدين

الهوامش

  1. س ٤۲ الشورى، الآية: ٥۱.
  2. س ۲۸ القصص، الآية: ۲۹ ـ ۳٠.
  3. س ۲۷ النمل، الآية: ۸ ـ ۹.
  4. س ۲٦ الشعراء، الآية: ۱۹۳ ـ ۱۹٤.
  5. س ۱۱ هود، الآية: ٦۹.
  6. س ۲٠ طه، الآية: ۹ ـ ۱٤.
  7. س ٥۳ النجم، الآية: ۸ ـ ۱٠.
  8. س ٥۳ النجم، الآية: ۱۱ ـ ۱٥.
  9. البحار ۱۸: ۲٥٦، الباب ۲ من أبواب أحوال الرسول(صلى الله عليه وآله) من البعثة إلى نزول المدينة، الحديث ٦.
  10. المصدر السابق، الحديث ٥.
  11. السيد كاظم الحائري، أصول الدين، ص160-163.