برهان الصديقين في الفلسفة الإسلامية
برهان الصديقين عند ابن سينا
يُعدّ ابن سينا رحمه الله أوّل من ابتكر مصطلح «برهان الصديقين»، وقد استوحاه من بعض آيات القرآن الكريم. ومُسمّى هذا المصطلح في كلماته هو البرهان على وجود الله بالاستناد إلى الإمكان الماهويّ، وسرّ التسمية ومبرّرها هو أنّ الاستدلال في هذا البرهان لا يُلحظ فيه أيّ فعل من أفعال الله تعالى أو مخلوقاته، كالحركة والحدوث، ولا يجعل أيّ من ذلك واسطة في الإثبات؛ بل بعد نفي السفسطة والإذعان بالواقع، ومن النظر في الوجود دون حاجة إلى واسطة أخرى، وبالتقسيم العقلي للموجود إلى واجب وممكن، وبناءاً على وجود شيء مّا ممكن، يلزم منه الاعتراف بوجود الواجب وهو الله عزّ وجلّ.
يقول أبو علي رحمه الله في النمط الرابع من الإشارات والتنبيهات، بعد إقامة البرهان، وفي مجال بيان خصوصيّات وتسمية هذا البرهان:
«تأمّل كيف لم يحتج بياننا لثبوت الأوّل ووحدانيّته وبراءته عن الصفات إلى تأمّل لغير نفس الوجود، ولم يحتج إلى اعتبارٍ من خلقه وفعله، وإن كان ذلك دليلاً عليه؛ لكنّ هذا الباب أوثق وأشرف؛ أي إذا اعتبرنا حال الوجود، فشهد به الوجود من حيث هو وجود، وهو يشهد بعد ذلك على سائر ما بعده في الواجب. إلى مثل هذا أشير في الكتاب الإلهي: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾[١]. أقول إنّ هذا حكمٌ لقوم، ثمّ يقول: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾[٢] . أقول: إنّ هذا حكمٌ للصدّيقين الذين يستشهدون به لا عليه»[٣].
والعبارة الأخيرة التي يستشهد بها ابن سينا أي قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾[٤] تعني أنّ الله فوق كلّ شيءٍ مشهود؛ أي حتّى لو أردتم أن تعرفوا أنفسكم، فإنّ الله مشهودٌ أوّلاً ثمّ أنفسكم ثانياً. يقول الإمام الصادق (ع) «لَا يُدْرِكُ مَخْلُوقٌ شَيْئاً إِلَّا بِاللهِ وَ لَا تُدْرَكُ مَعْرِفَةُ اللهِ إِلَّا بِاللهِ»[٥].[٦]
برهان الصدّيقين في الحكمة المتعالية
وعلى الرغم من رجحان برهان ابن سينا على غيره من البراهين واستغنائه عن ما احتاجت إليه، فإنّ إثبات الواجب فيه يتوقّف على تصوّر الماهيّة والإمكان، وقد توقّف صدر المتألّهين عند هذه النقطة والتفت إليها، وأشار إلى أنّ برهان جمهور الحكماء والمتكلمين ليس جديراً بهذا الوسم:
«و غير هؤلاء (الصدّيقين) يتوسّلون إلى معرفته تعالى وصفاته بواسطة أمرٍ آخر غيره كجمهور الفلاسفة بالإمكان، والطبيعيّين بالحركة للجسم، والمتكلّمين بالحدوث والخلق أو غير ذلك»[٧]
ويستدلّ صدر المتألّهين بعبارات قريبة من عبارات ابن سينا على وجود الله ببرهان آخر يرى أنّه هو الجدير بالوسم السينويّ (أي برهان الصديقين)، فيقول قبل عرض برهانه:
«واعلم أنّ الطرق إلى الله كثيرة؛ لأنّه ذو فضائل وجهات كثيرة، ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾[٨]؛ لكنّ بعضها أوثق وأشرف وأنور من بعضٍ. وأسدّ البراهين وأشرفها إليه هو الذي لا يكون الوسط في البرهان غيره بالحقيقة، فيكون الطريق إلى المقصود هو عين المقصود وهو سبيل الصديقين الذين يستشهدون به تعالى عليه، ثمّ يستشهدون بذاته على صفاته، وبصفاته على أفعاله واحداً بعد واحدٍ، وغير هؤلاء كالمتكلمين والطبيعيّين وغيرهم يتوسّلون إلى معرفته تعالى وصفاته بواسطة اعتبار أمر آخرَ غيره كالإمكان للمهيّة والحدوث للخلق والحركة للجسم، أو غير ذلك. وهي أيضاً دلائل على ذاته وشواهد على صفاته؛ لكنّ هذا المنهج أحكمُ وأشرف. وقد أُشير في الكتاب الإلهي إلى تلك الطرق بقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾[٩]، وإلى هذه الطريقة بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾[١٠] .[١١]
وبعد إلحاق صدر المتألّهين برهان الإمكان الماهوي بسائر البراهين، يطرح برهاناً آخر يرى أنّه المصداق الحقيقي لمفهوم برهان الصديقين، يستغني فيه عن الإمكان والماهية، فضلاً عن أمور أخرى كالحدوث والحركة، ويكتفي بالاستناد إلى الوجود والأحكام الخاصّة به، وإلى أصول أخرى مثل أصالة الوجود والبساطة والتشكيك.
وبعده تصدّى عددٌ من الحكماء المتألّهين لإعادة صياغة هذا البرهان واختصاره، ومن هؤلاء الحكيم السبزواري؛ حيث استفاد من مفهوم الإمكان الفقري لاختزال بعض مقدّمات البرهان[١٢]؛ ولكن وعلى الرغم من هذه الجهود التي بُذِلت، لم يُستغنَ عن الإمكان الفقري وحاجة المراتب الدنيا من الحقيقة المشكّكة، ومن الوجود المحتاج للموجودات الممكنة، وهذه الأفكار كلّها تحول دون تحقّق الوعد بمعرفة الله بصورة مستقلّة ودون الاستعانة بالوسائط.
وبرهان الصديقين، كما تشعِر الآية، ينبغي أن يكون برهاناً مباشراً على الوجود الإلهي دون النظر إلى غيره، ومع الاستغناء عن المقدّمات، بحيث يكون الوجود الواجب لله تعالى أوّل المسائل الفلسفية.
لقد احتضن تاريخ الفكر الإسلامي عدداً من المحاولات تصدّى لها أهل المعرفة، لصياغة برهان تتوفّر فيه هذه السمة الأساس، وهي المعرفة المباشرة غير المبنيّة على مقدّمات أخرى سوى النظر في الوجود الواجب بذاته، وقد عرض الحكيم المتألّه ميرزا مهدي الأشتياني في تعليقته على شرح المنظومة اثني¬عشر برهاناً دُوِّنت بهذه الغاية وفي هذا الإطار، وهي براهين يمكن نسبتها إلى أهل هذا الاتجاه المعرفي[١٣].
هذا ولكنّ براهين أهل المعرفة على تنوّعها واختلافها لا تسلم من الإشكال والاعتراض، وإذا غضضنا النظر عن الإشكالات الخاصّة التي يمكن توجيهها إلى كلّ برهان بعينه، فإنّ بينها إشكالاً مشتركاً يرد عليها جميعاً هو إشكال الخلط بين المفهوم والمصداق[١٤].
برهان الصديقين عند العلامة الطباطبائي
العلامة الطباطبائي رحمه الله في حاشيّته على الأسفار وفي المجلّد الخامس من كتاب «اصول فلسفه وروش رئاليسم» (أصول الفلسفة والمذهب الواقعي)، يقدّم صياغة خاصّة به لبرهان يمكن عدّه مصداقاً تامّاً وكاملاً ينطبق عليه مصطلح «برهان الصديقين»، وذلك بالاكتفاء بالنظر إلى الضرورة الأزليّة للوجود المطلق دون الاستعانة بغير ذلك من المبادئ والأصول الفلسفية، ويطرح هذه الفكرة بوصفها أوّل مسائل الفلسفة الإلهيّة[١٥]
وأوّليّة هذه المسألة من جهة الاستغناء عن المبادئ التصديقيّة، ولا تنافي بين عدم الاعتماد على المبادئ التصديقيّة والحاجة إلى بعض المبادئ التصوّريّة.
والمبادئ التصوّريّة التي يحتاجها أو يتوقّف عليها برهان الصديقين هي: مفهوم الوجود، ومفهوم الضرورة الذاتيّة، والضرورة الأزليّة وما شابه، وهذه الطائفة من التصوّرات هي مفاهيم عامّة وبديهيّة، وكلّ محاولات تعريفها لا شكّ سوف تبوء بالفشل، ولا تعدو كونها تعريفات لفظيّة تهدف إلى شرح اللفظ وتنبيه المخاطب إلى معناه وليس إلى تعريفه بالحدّ بحسب الاصطلاح المنطقي.
وثمّة نقطة أخرى لابدّ من الالتفات إليها قبل الخوض في الحديث عن البرهان وهي أنّ هذا البرهان يتوجّه إلى ذات الله ولا يهتمّ بإثبات الصفات والأفعال.
التصوّر الذي يحمله الإنسان عن الذات الإلهيّة هو أنّ الله سبحانه وجودٌ واقعيٌّ يتّصف بالضرورة الأزليّة. والضرورة الأزليّة غير الضرورة الذاتيّة، والوصفيّة، والشرطيّة وما شابهها؛ وذلك لأنّ الضرورة الوصفيّة والشرطيّة، تعني ثبوت المحمول ثبوتاً ضروريّاً للموضوع مع تقييد هذا الثبوت بشرطٍ أو وصفٍ. والضرورة الذاتيّة تعني ثبوت المحمول للموضوع مقيّداً بدوام الذات يعني ما دام الموضوع باقياً فإنّ المحمول يبقى ثابتاً له.
أمّا الضرورة الأزليّة، فتعني ثبوت المحمول للموضوع دون أيّ قيد أو شرط أو وصف، حتّى شرط مادام الموضوع وبقائه. وبالتالي فإنّ المحمول ثابت للموضوع على الدوام.
الضرورة الأزليّة لله تعني اتّصاف الله تعالى بالواقعيّة دون قيد أو شرطٍ، وذاته في جميع الأحوال واقعيّة، وهذا هو معنى ما يُقال: مفهوم الواقعيّة لذات الله يُنتزع منه تعالى دون قيدٍ أو شرطٍ، وليس مع حيثيّة تقييديّة أو تعليليّة. إذن وفق هذا التصوّر لله، فإنّ واقعيّته ليست منوطةً بشرط أو زمان أو قيد خاصٍّ، وهذا يعني أنّ واقعيّته ضروريّة أزليّة.
وبرهان الصديقين في الحقيقة لا يتصدّى لإثبات واقعيّة مجهولة على المستوى النظري، ثمّ تُعلم بواسطة البرهان؛ بل يثبت أنّ العلم به أوّليّ؛ وذلك لأنّ إقامة البرهان على المتّصف بالضرورة الأزليّة، تؤدّي إلى عدم إمكان طرح مسألة الوجود المطلق بوصفها أوّل مسألة فلسفيّة؛ وذلك لأنّ البرهان مؤلّف من مقدّمتين تفضيان إلى النتيجة وهي تحقّق الوجود الإلهي، ومن الواضح تقدّم المقدّمات على النتيجة وتأخّر هذه الأخيرة عنها، ولا خلاص من هذه الإشكاليّة إلّا بكون المقدّمات من العلوم المتعارفة، ومن المسائل غير الفلسفيّة.
وبرهان الصديقين يثبت أوّليّة القضيّة التي تخبر عن الضرورة الأزليّة لوجود الله. وأوّليّة القضايا أو بداهتها، لا تقوّم القضايا البديهيّة ولا الأوّليّة. ومن هنا، فإنّه حتّى لا يمكن التشكيك في أصل القضايا البديهيّة الأوّليّة من قبيل مبدأ عدم التناقض؛ لأنّ الشكّ في مثل هذا المبدأ يفضي إلى الشكّ في جميع العلوم والمعارف، ويسدّ باب الإثبات والنفي في وجه أيّ شيء أو أيّ قضيّة من القضايا، فحتّى لو عجزنا عن الشكّ في مثل هذه القضايا، فإنّه لا مانع يمنع من الشكّ في أوّليّتها وبداهتها، أو الغفلة عن هاتين الخصوصيّتين. وإذا لم تكن الأوّليّة والبداهة مقوّماً، بل وصفاً لازماً، يمكن بالنظر إلى موقع هذا النوع من القضايا في العلوم والمعارف البشريّة إقامة البرهان على استحالة الغفلة والشكّ فيها لإثبات أوّليّتها وليس لإثبات مفادها ومضمونها.
ومدّعى برهان الصديقين هو أنّ تحقّق واقعٍ أو أمرٍ واقعي يتّصف بالضرورة الأزليّة قضيّة بديهيّة أوّليّة لا سبيلَ إلى الشكّ فيها. وبعبارة أخرى: أنّ الحدّ الفاصل بين السفسطة والفلسفة هو القبول بهذه القضيّة. السفسطة هي إنكار الواقع، والفلسفة هي الاعتراف به، وبطلان السفسطة قضيّة بديهيّة أوّليّة؛ كما أنّ أصل الواقعيّة أوّليّة لا سبيل إلى الشكّ فيه.
السوفسطائيّ هو الشخص الذي ينكر الواقع أو يشكّ فيه، والفيلسوف هو الشخص الذي يذعن بالواقع ويعترف به، ويبحث في المرحلة اللاحقة لهذا الإذعان عن كيفيّة ظهوره وطريقة حكاية المفاهيم ودلالتها عليه. والقائل بأصالة الوجود يجعل من حكاية الوجود هي الأصل، والقائل بأصالة الماهيّة يجعل من الواقعيّة مصداقاً حقيقيّاً للماهيّة، وفي المباحث الفلسفيّة اللاحقة يُبحث عن: الوحدة، والكثرة، والحياة، والقدرة وغير ذلك من أحكام هذا الواقع المسلّم. إذن أوّلُ المسائل الفلسفيّة التي لابدّ من الإيقان بها هي الإيقان بالواقع، ومن ينكر هذه القضيّة أو يشكّ فيها، يكون قد سدّ باب الحوار والنقاش معه، ولا يمكن حلّ مشكلته إلّا بالعمل على قاعدة: «آخر الدواء الكيّ»[١٦].
والنقطة التي يلفت إليها العلامة الطباطبائي رحمه الله في بيانه هي أنّ قضيّتي: «الواقع حقٌّ» و«السفسطة باطلة» هما قضيّتان تتّصفان بالضرورة الأزليّة، أي إنّ الجهة فيهما هي الضرورة الأزلية وليس الضرورة الوصفيّة أو الشرطيّة أو الذاتيّة، والقبول بهذا الأمر لا يحتاج إلى برهان؛ بل يحتاج إلى تنبيه فحسب. أي كما أنّ تصوّر الواقع يستدعي التصديق به، كذلك تصوّر معنى الضرورة الأزليّة لأصل الواقع، يستدعي تلقائيّاً التصديق به.
والإنسان لا يمكنه الحكم بتحقّق السفسطة في أيّ ظرف من الظروف، ولا بأيّ شرط من الشروط، ولا مقيّداً بأيّ قيد من القيود؛ لأنّ الظرف والشرط والقيد كلّ منها واقعٌ كافٍ لإبطال السفسطة والشهادة على بطلانها.
وإذا زال الواقع في ظرف من الظروف، في بداية أو في نهاية من النهايات أو البدايات، أو بناءاً على فرض خاصٍّ، فإنّ زواله هذا لا يخرج عن أحد حالين: إمّا أن يكون الواقع ثابتاً وغير زائلٍ والخبر عن زواله كاذبٌ أو مجازيٌّ؛ وإمّا أنّ الواقع زال على الحقيقة والواقعيّة، وعلى هذا الفرض أيضاً يثبت أصل الواقع؛ وهو واقعيّة زوال الواقع على نحو الحقيقة والواقعيّة؛ وذلك لأنّ الفرض هو أنّ الواقع قد زال واقعاً. وعليه، فإنّ الاعتقاد بزوال الواقع حاكٍ عن واقعٍ مّا هو الزوال. وبالتالي إنّ بطلان السفسطة والإذعان بالواقع أمرٌ صادقٌ في جميع الحالات، ولا فرضَ أو حالة يمكن الإخبار فيها عن صحّة السفسطة وبطلان الواقع. والقضيّة التي تتصدّى للإخبار عن نفي الواقع، هي قضيّة لا يمكن التصديق بها في أيّ ظرف ولا في ظلِّ أي فرضٍ، كما لا يمكن الشكّ في بطلانها أو التردّد؛ لأنّ ذلك كلّه يؤدّي إلى إثبات وواقعيّة.
ولو كانت الواقعيّة أمراً محدوداً غير متّصف بالضرورة الأزليّة، وكانت ضرورتها مقيّدة بدوام الذات، فسوف تصدق السفسطة في ظرف زوال الواقعيّة، وصدق السفسطة في حدّ ذاته واقعيّة لها نفس الأمر الخاصّ بها. وموطن السفسطة ليس موقع المخبِر، حتّى يرجع صدقهاأو «نفس أمرها» إلى موقع المخبِر؛ بل موطن صدقها هو ذلك الفرض الذي ينظر إليه الخبرَ، ولمّا كان المخبِر ناظراً إلى نفي الواقعيّة في ذلك الفرض، فسوف يؤدّي الإخبار إلى نفي الفلسفة وإثبات السفسطة إلى واقعيّة يحكي عنها ذلك الخبر. وهكذا تظهر الواقعيّة في صلب نفي المخبرَ عنه... إذن الواقعيّة أمرٌ لا مجال إلى إنكاره في أيّ فرض ممكن؛ ولهذا كانت القضيّة البديهيّة الأوّليّة التي تخبر عنها متحلّية ومتّصفة بالضرورة الأزليّة.
والواقعيّات المحدودة والمقيّدة التي كلّ واحدة منها مشروطة بشرط ومحدودة بحدٍّ خاصٍّ، لا يمكن لأيّ منها أن تكون مصداقاً للواقعيّة التي يخبر عنها بالضرورة الأزليّة؛ وذلك لأنّ القضايا التي تخبر عن الواقعيّات المحدودة صادقة في مجالها الخاصّ بها، وكاذبة خارج ذلك الإطار.
ومجموع الواقعيّات المحدودة ليست واقعيّة زائدة وممتازة عن مفرداتها؛ والعنوان الجامع بين تلك المفردات ليس لها سهمٌ خاصٌّ به من الواقعيّة، بل هو مجرّد مفهوم ذهني ليس له حظٌّ من الوجود خارج إطار الذهن وحيّزه، ولو لا وجود الذهن لما نال ذلك المفهوم نصيبه من الوجود. وبناءاً على هذا كلّه، فإنّ الواقعيّة التي يتحقّق وجودها بنحو الضرورة أزليّة وظاهرة، وهي تختلف عن جميع الواقعيّات المحدودة، كما تختلف عن مجموعها من حيث هو مجموع، وهي غير الجامع بينها أيضاً؛ وذلك لأنّ بعضها لا واقعيّة له، وبعضها له واقعيّة خارجيّة محدودة وبعضها الآخر واقعيّته في حيّز الذهن وحدوده.
إذن، القضيّة الأولى التي لا يجد الإنسان بدّاً من الإذعان بها هي أصل الواقعيّة، وجهة القضيّة هي الضرورة الأزليّة، ومصداقها هو الواقعيّة أو الواقع المطلق غير المشروط بشرط ولا المقيّد بقيد. هذا وكما أشير آنفاً، لا شيء من الواقعيّات المحدودة كالسماء والأرض والإنسان والعالم يستأهلّ انطباق هذا العنوان عليه، بل ذلك الواقع أمر مع جميع الواقعيّات المتفرّقة ولا غيبة له ولا زوال، على الرغم من أنّه لا حدّ له ولا قيد.
بهذا البيان، يكون برهان الصديقين قد تحرّر من مغالطة الخلط بين المفهوم والمصداق؛ وذلك لأنّ الاستدلال فيه لا يدور حول محور مفهوم الواقع وضرورة حمل الواقعيّة عليه بالحمل الأوّليّ؛ بل الاستدلال فيه متوجّه إلى التصديق بالواقع وجعله أوّل مسألة تنطلق منه الفلسفة. ونفي السفسطة والإذعان بالواقع لم يكن بلحاظ المفهوم واقعيّاً، بل بلحاظ المصداق. ولو كان الأمر يدور حول المفهوم، لكان الواقع واقعاً وواقعيّاً، والسفسطة سفسطة. وعليه فإنّ الحكم ببطلان السفسطة واستنتاج صحّة نقيضها الذي هو الواقعيّة ملحوظ فيه المصداق والحملالشائع[١٧].
تقرير البرهان في كتابي أصول الفلسفة وحاشية الأسفار
بالنظر إلى أصل الواقع ومصداقه وليس مفهومه، يصوغ العلامة الطباطبائي رحمه الله بعبارات مختصرة وبيان واضح في المقالة الرابعة عشرة من كتابه أصول الفلسفة والمذهب الواقعيّ، فيقول:
«واقعيّة الوجود التي لا شكّ فيها لا تقبل الفناء والزوال. وبعبارة أخرى: واقعيّة الوجود دون قيد أو شرط، واقعيّة ولا تصير غير واقعيّة تحت أيّ شرط أو ظرفٍ، ولمّا كان كلّ جزءٍ من أجزاء العالم قابلاً للفناء والزوال، فلا شيء منه يصلح ليكون مصداقاً للواقعيّة المطلقة»[١٨].
وقد قرّر الشهيد شارح «أصول الفلسفة...» هذا البرهان مستفيداً في تقريره وصياغته من عدد من الأصول والمبادئ الفلسفية من قبيل: أصالة الوجود ووحدته، وقرّبه بصياغته الخاصّة به من براهين أخرى مثل برهان الإمكان الفقري، والحال أنّ البرهان بصيغته الطباطبائيّة ليس أيّاً من تلك البراهين، بل هو برهان مغاير لها، وليس مبنيّاً على أيٍّ من تلك المبادئ التي يستفيد منها الشارح الشهيد في صياغته، بل تجعل الصياغة الطباطبائيّة وجود الواجب أوّل مسألة فلسفيّة.
ويدور البرهان ويرتكز على أصل الواقعيّة، ولعلّ عبارة «واقعيّة الوجود» الواردة في عبارة الطباطبائي هي التي أوحت إلى الشارح الاستفادة من الأحكام العامّة للوجود وإدخالها في صياغته الجديدة. هذا ولكنّ عبارة العلامة الطباطبائي لا تبقي مجالاً لهذا الوهم عند الشهيد مطهري:
«و هذه هي الواقعيّة التي ندفع بها السفسطة ونجد كلّ ذي شعور مضطرّاً إلى إثباتها. وهي لا تقبل البطلان والرفع لذاتها، حتّى أنّ فرض بطلانها ورفعها مستلزمٌ لثبوتها ووضعها، فلو فرضنا بطلان كلّ واقعيّة في وقت أو مطلقاً، كانت حينئذٍ كلّ واقعيّة باطلة واقعاً؛ أي الواقعيّة ثابتة. وكذا السوفسطيّ لو رأى الأشياء موهومةً أو شكّ في واقعيّتها، فعنده الأشياء موهومة واقعاً والواقعيّة مشكوكة واقعاً أي هي ثابتة من حيث هي مرفوعة.
وإذ كانت أصل الواقعيّة لا تقبل العدم والبطلان لذاتها، فهي واجبة بالذات، فهناك واقعيّة واجبة بالذات، والأشياء التي لها واقعيّةٌ مفتقرةٌ إليها في واقعيّتها، قائمةُ الوجود بها.
ومن هنا، يظهر للمتأمّل أنّ أصل وجود الواجب بالذات ضروريّ عند الإنسان والبراهين المثبِتة له تنبيهاتٌ بالحقيقة» [١٩].
ومراد العلّامة الطباطبائي من الوجوب الذاتي في هذه العبارة، الاصطلاح الفلسفي الذي يفيد معنى الضرورة الأزليّة، حسب المصطلح المنطقي، والضرورة الذاتيّة في المعجم الاصطلاحيّ المنطقي في مقابل الضرورة الأزليّة، وهي مقيّدة بدوام ذات الموضوع.
والفقرة الأخيرة من كلام العلّامة رحمه الله يشير إلى أنّ الغرض من برهان الصدّيقين ليس هو إثبات ذات الواجب؛ بل هو الإعلام والتنبيه إلى صحّة المدّعى ورفع الغفلة عنه[٢٠].
مزايا برهان الصدّيقين
على الرغم من أنّ الغاية الأساس في برهان الصدّيقين هو الدلالة على ذات الواجب، دون إثبات الصفات والأفعال، فإنّه مضافاً إلى استغنائه عن المقدّمات الفلسفية الكثيرة التي تتوقّف عليها سائر البراهين، يمتاز بأنّ الغاية التي تصل إليها تلك البراهين بعد طيّ مراحل ومقدّمات كثيرة تعدّ نقطة الانطلاق في هذا البرهان.
وإنّ سائر البراهين الفلسفية، إذا لم تكن ناظرة إلى فعلٍ من الأفعال أو صفة من صفات الباري، وتصدّت لإثبات الواجب، فإنّها تعجز عن إثبات إطلاق وجوده. وممّا يعجّز بعض هذه البراهين عن إثبات الإطلاق المقدّمات الكثيرة التي تعتمد عليها مثل التشكيك والكثرة في الوجود. ونقطة الارتكاز في اكتساب برهان الصدّيقين هذه السمة، وهي سمة إثبات الإطلاق، أنّه يبدأ من خاصّيّة الإطلاق في وجود الواجب بوصفها الصفة الأولى التي يبدأ الكلام منها، وذلك حسب تقرير العلّامة الطباطبائي.
وعلى ضوء ظهور الإطلاق وعدم التناهي في الواقع، ثمّة صفاتٌ أخرى نظير الوحدة والحياة، والعلم والإحاطة، تظهر بالتوالي واحدة بعد أخرى. وبعد تعيّنات الأوصاف الذاتيّة تبدأ مراتب الخصوصيّات والتجلّيات بالظهور والانكشاف.
والإطلاق والإحاطة كصفتين من صفات الواقع المطلق تنقل الكثرة من متن الوجود المطلق إلى ظهوراته وشؤونه، وهكذا يتجلّى بوضوح أنّ العالم والإنسان، ما هي إلّا أسماء وصفات وآيات تكشف عن صفاته المطلقة وغير المحدودة المستورة بغيب الهويّة.[٢١].
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة فصلت، الآية 53.
- ↑ سورة فصلت، الآية 53.
- ↑ ابن سينا، الإشارات والتنبيهات ٣: ۶۶.
- ↑ سورة فصلت، الآية 53.
- ↑ ابن بابويه القمي، التوحيد: ١۴٣
- ↑ عبد الله الجوادي الآملي، تبيين البراهين علي اثبات وجود الله: ١٧٣ و ١٧٤.
- ↑ الشيرازي، المشاعر: ۶٨.
- ↑ سورة البقرة، الآية 148.
- ↑ سورة فصلت، الآية 53.
- ↑ سورة فصلت، الآية 53.
- ↑ الشيرازي، الأسفار ۶: ١٢.
- ↑ السبزواري، شرح منظومه: ١۴۶.
- ↑ الآشتياني، تعليقه بر شرح منظومه حكمت سبزواري: ۴٨٩
- ↑ عبد الله الجوادي الآملي، تبيين البراهين علي اثبات وجود الله: ١٧٤ ـ ١٧٦
- ↑ المطهري، حاشيه اسفار ٦: ١۴؛ المطهري، مجموعة آثار ٦: ٩٨٢ - ٩٨۴.
- ↑ القمي، سفينة البحار ٧: ۵۵٠. والكلمة هي مثل عربيٌّ مشهور
- ↑ عبد الله الجوادي الآملي، تبيين البراهين علي اثبات وجود الله: ١٧٦ ـ ١٨٠
- ↑ المطهري، مجموعه آثار شهيد مطهري ٦: ۹۸۲.(اصول فلسفه وروش رئاليسم
- ↑ الطباطبائيّ، حاشية على الحكمة المتعالية، الأسفار الأربعة ٦: ١۴ - ١۵
- ↑ عبد الله الجوادي الآملي، تبيين البراهين علي اثبات وجود الله: 181 - 182.
- ↑ عبد الله الجوادي الآملي، تبيين البراهين علي اثبات وجود الله: 182 - 183.