عالم البرزخ

من إمامةبيديا

تمهيد

البرزخ هو عالم وسط بين الحياة الدنيا والآخرة. فالجزاء والثواب والعقاب في مرحلة البرزخ إنما يكون بما يقتضي هذه المرحلة، حيث قال رسول الله(ص): «القَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ».

خصوصيات عالم البرزخ

وللبرزخ خصوصيات تعرض لذكرها القرآن الكريم وبين حقيقتها. فمن تلك الآيات:

قال تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [١]

قال تعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [٢]، في هذه الآية إشارة إلى الرزق الذي يكون في عالم البرزخ.

قال تعالى: فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [٣]، وهذه الآية جلية في إثبات البرزخ حيث أنه:

أولاً: النار يُعرضون عليها، إذ الغرض من هذا هو التخويف بالنار ويكون هذا من خواص البرزخ، والدخول في النار إنما يكون في مرحلة لاحقة حيث تقول الآية الكريمة: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [٤]، إذاً هناك حالتان، قبل قيام الساعة وبعد قيامها.

ثانياً: في يوم القيامة لايوجد ليلٌ ولانهارٌ، ولايوجد صباح ولامساء، وإنما يكون ذلك في عالم البرزخ، فالنار يعرضون عليها غدواً وعشياً.

ثالثاً: إنَّ قيام الساعة إنما هو مشترك لكل الأمم ولكل أبناء البشر بينما كان هذا العذاب التي تعرضت له الآية لخصوص آل فرعون.[٥]

تجسم الأعمال

حاول صدر المتألهين الملا صدرا وتلميذه الفيض الكاشاني أنْ يثبتا أنَّ للعمل وزناً يوزن به، قالا: إنَّ كل عمل سواء كان خيراً أو شراً، حسناً أو سيئاً له وزن معين ما دام الإنسان في هذه الحياة، فهذه الأعمال تصدر منه كجهدٍ ينتسب إلى الفاعل ولكن الوزن غير واضح، لأنَّ الوزن إنما باقي بالأمور المادية، ولكن حينما يتجسد العمل ويتبدل إلى جسمٍ مشهودٍ من قبيل تبدل الطاقة إلى مادة، فإذا تجسدت الطاقة حينئذ توزن، فالعملُ وزنٌ باعتبار أنَّ الطاقة وهي الأعمال الصادرة من الإنسان في الدنيا تتبدل يوم القيامة إلى مادة فيكون للأعمال وزنٌ وبُعْدٌ.

وهناك حديث نبوي شريف يسلط الضوء على هذه الحقيقة، حيث يروى أنَّ النبي(ص) كان جالساً مع أصحابه ذات يوم فقال(ص): «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مَلَائِكَةً فِي الْجَنَّةِ يَبْنُونَ بُيُوتاً مِنْ ذَهَبٍ وَ لَبِنَةً مِنْ فِضَّةٍ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُونَ عَنِ الْعَمَلَ، فَقُلْتُ لجبرائيل: سَلْهُمْ لَمْ توقفوا عَنِ الْعَمَلَ؟ قالُوا: حَتَّى تَأْتِيَنَا نَفَقَتُنَا، فَقُلْتُ: مَا هِيَ نَفَقَتُهُمْ؟ قالُوا نَفَقَتُنَا قَوْلُ الْعَبْدِ: سُبْحانَ اللهِ والحَمْدُ للهِ ولا إِلهَ إِلا اللَّهُ واللَّهُ أَكْبَرُ!»

فنلاحظ من خلال ذلك كيف أنَّ الذكر الذي يكون طاقة يعد عملاً ويُترجم عملياً إلى مادة. ولذا نجد قول النبي(ص): «إِيَّاكُمْ وَ اَلْحَسَدَ فَإِنَّ اَلْحَسَدَ يَأْكُلُ اَلْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ اَلنَّارُ اَلْحَطَبَ»، فتبدلُ الطاقةِ إلى مادةٍ هو عبارة عن تجسم العمل وحينئذ يكون العمل خفيفاً أو ثقيلاً، قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [٦].[٧]

الصراط والشفاعة

ذكر الشيخ الصدوق في الاعتقادات إنَّ الصراط حق وهو جسر على جهنم يمر عليه جميع الناس يوم القيامة، كما قال تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا [٨]، والصراط من جهة أخرى اسم لحجج الله تبارك وتعالى، فمن عرف حجة الله في هذه الحياة وأطاع الحجج فيسمح لهم يوم القيامة بالعبور من ذلك الصراط الذي ينصب على جهنم، ولهذا فإنَّ رسول الله(ص) قال لعليٍّ(ع): «يَا عَلِيُّ عندما تَقُومُ الْقِيَامَةُ نَجْلِسُ أَنَا وَ أَنْتَ وَ جَبْرَائِيلُ عَلَى الصِّرَاطِ فَلَا يَجُوزَ الصِّرَاطَ أَحَدُ إِلَّا مَنْ كَانَتْ بِيَدِهِ بَرَاءَةً مِنْكَ ». إذاً الصراط في هذا المعنى عبارة عن المقياس التام لمن قبل ولاية علي(ع).[٩]

الصراط المستقيم

يذهب بعض المفسرين إلى أنَّ الحياة قد رسمت على أساس الحق والعدالة وبعيداً عن كل إفراط وتفريط، وهذا السلوك المعتدل في الحياة هو الصراط المستقيم، قال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [١٠]، يقول صدر المتألهين في تفسير فاتحة كتاب: هذا الصراط المستقيم إنما نصب على جهنم طبيعة الإنسان.

وأما مواصفات الصراط فقد ورد فيه عدة صور كما في الروايات ويمكن إجمالها بما يلي:

  1. أدق من الشعرة.
  2. أحد من السيف.
  3. أحر من النار.
  4. أحلك من الليل.

فحينما يستطيع الإنسان أنْ يتجاوز هذه الأمور ويعبر الصراط والعقبات فإنه يصل إلى الجنة وإلا فإنه يسقط في النار حتماً، قال تعالى: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [١١].[١٢]

المرور على الصراط

لقد وصفت الروايات المباركة طبيعة المرور على الصراط يوم القيامة ففي حديث عن الإمام الصادق(ع) وهو يصف حالات الناس في مرورهم على الصراط، وكل ذلك يرتبط بمدى سلوك الإنسان في الحياة، يقول الإمام الصادق(ع): «النَّاسُ يَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ طَبَقَاتٍ، وَ الصِّرَاطُ أَدَقُّ مِنِ الشَّعْرَةُ وَ أَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ حَبْواً، وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ مَشْياً، وَ مِنْهُمْ يَمُرُّ مُتَعَلِّقاً وَقَدْ تَأْخُذُ النَّارِ مِنْهُ شَيْئاً وَ تَتْرُكُ شَيْئاً»، وهذا الحديث أيضاً يذكره ويشيره إليه العلامة السيد عبد الله شبر في كتابه حق اليقين.

وبناء على هذا التصوير يرى صدر المتألهين وقسم من الذين اتبعوه يقولون بأنَّ الصراط يستمر من الدنيا إلى الآخرة، فإذا سلك الفرد وعبر هذا الصراط بتوفيقٍ ونجاحٍ فإنه يصل إلى الجنة وإلا فيسقط في النار وفي ظلمة الصراط حيث أنه أحلك من الليل، فنجد المؤمن يصفه الله تعالى بقوله: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [١٣]، وفي مقابل ذلك المنافقون والمنافقات قال تعالى: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ [١٤]، وفي حديث عن المفضل بن عمر الجعفي قال سألت أبا عبد الله(ع) عن الصراط؟ فقال(ع): «هُوَ الطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ عزوجل ، وَهْماً صراطان ؛ صِراطِ فِي الدُّنْيَا وَ صِراطٍ فِي الْآخِرَةِ ، فَأَمَّا صِراطِ الدُّنْيَا هُوَ الْإِمَامِ الْمَفْرُوضِ الطَّاعَةِ مَنْ عَرِّفْهُ فِي الدُّنْيَا وَ اقْتَدَى بِهُدَاهُ ، مَرَّ عَلَى الصِّرَاطِ الَّذِي هُوَ جِسْرِ جَهَنَّمُ فِي الْآخِرَةِ ، وَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ فِي الدُّنْيَا زِلْتُ قَدَمُهُ عَنِ الصِّرَاطُ فِي الْآخِرَةِ فَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ».

وفي حديث آخر عن الإمام الحسن العسكري(ع) يقول: «إِنَّ الصِّرَاطِ صراطان صِراطٍ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ ، فَأَمَّا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ مَا قَصَرَ مِنِ الْغُلُوِّ وَ ارْتَفَعَ عَنِ التَّقْصِيرُ وَ اسْتَقَامَ فَلَمْ يَعْدِلَ إِلَى شَيْ‏ءٍ مِنَ الْبَاطِلِ ، وَ أَمَّا الصِّرَاطُ فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ طَرِيقِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْجَنَّةِ الَّذِي هُوَ مُسْتَقِيمٍ لَا يَعْدِلُونَ عَنِ الْجَنَّةِ إِلَى النَّارِ وَ لَا إِلَى غَيْرِ النَّارِ سِوَى الْجَنَّةِ ».

ومما يحبس الإنسان على الصراط فأعمال عدة وقد أشارت إليها الروايات المباركة، ففي حديث عنهم(ع) عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [١٥]، يقول(ع): «عَلَى جَهَنَّمَ سَبْعَ محابس ، يُسْأَلُ الْعَبْدِ عِنْدَ أَوَّلُهَا عَنْ شَهَادَةٍ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَإِنْ جَاءَ بِهَا تَامَّةً جَازَ إِلَى الثَّانِي فَيُسْأَلُ عَنِ الصَّلَاةُ فَإِنْ جَاءَ بِهَا تَامَّةً جَازَ إِلَى الثَّالِثِ فَيُسْأَلُ عَنِ الزَّكَاةُ فَإِنْ جَاءَ بِهَا تَامَّةً جَازَ إِلَى الرَّابِعُ فَيَسْأَلُ عَنِ الصَّوْمَ فَإِذَا جَاءَ بِهِ تَامّاً جَازَ إِلَى الْخَامِسُ فَيُسْأَلُ عَنِ الْحَجِّ فَإِذَا أَتَى بِهِ تَامّاً جَازَ إِلَى السَّادِسُ فَيُسْأَلُ عَنِ الْعُمْرَةَ فَإِنْ جَاءَ بِهَا تَامَّةً جَازَ إِلَى السَّابِعِ فَيُسْأَلُ عَنِ الْمَظَالِمِ فَلَوْ خَرَجَ مِنْهَا . . وَ إِلَّا يُقَالُ فَانْظُرُوا فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعُ أَكْمَلَ بِهِ أَعْمَالِهِ ، فَإِذَا فَرَغَ انْطَلَقَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ ! ».[١٦]

الشفاعة

الشفاعة هي إحدى مواقف القيامة. في القرآن الكريم وفي الأحاديث الشريفة نجد أنَّ من مواقف القيامة المقام المحمود، قال تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [١٧]، فالمقام المحمود هو مقام الشفاعة الذي يكون رسول الله(ص) وفي هذا المقام الملائكة، الأنبياء، الأولياء، الشهداء، الصديقون، الصالحون، العلماء، وحتى المؤمنون الذين ارتكبوا بعض المعاصي ولكنهم وفقوا للتوبة فإنهم يشفعون. و قد ورد في الشفاعة عن النبي(ص): «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي ».

والشفاعة ربطها القرآن الكريم بضوابط معينة، وأشار إليها في قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا [١٨]، وقال تعالى: لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا [١٩]، فهذه الآيات المباركة توضح أنَّ الشفاعة ثابتة بنص القرآن.

وأما الشفاعة في السنة فقد ورد فيها روايات عدة منها:

عن النبي(ص) قال: «إِذَا قُمْتَ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ تَشَفَّعْتُ فِي أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي، فيشفِّعني اللَّهُ فِيهِمْ، وَ اللَّهِ لَا تَشَفَّعْتُ فِيمَنْ آذَى ذُرِّيَّتِي».

عن الإمام الصادق(ع): «مَنْ أَنْكَرَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ فَلَيْسَ مِنْ شِيعَتِنَا ، الْمِعْرَاجُ وَ الْمُسَائَلَةِ فِي الْقَبْرِ وَ الشَّفَاعَةَ».

عن الإمام الرضا(ع) عن أمير المؤمنين(ع) عن النبي(ص): «مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بحوضي فَلَا أَوْرَدَهُ اللَّهِ حَوْضِي وَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِشَفَاعَتِي فَلَا أَ نَالَهُ اللَّهُ شَفَاعَتِي » ثم قال(ص): «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي فَأَمَّا الْمُحْسِنُونَ فَمَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ »

قال الحسين بن خالد فقلت للرضا(ع): يا ابن رسول الله فما معنى قول الله عزوجل: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [٢٠] ؟ قال(ع): «لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى اللَّهُ دِينِهِ».

النتيجة: إنَّ الاعتقاد بالشفاعة من ضروريات الدين، وقد صرح بذلك (القوشجي) في شرح التجريد: إنَّ الشفاعة تخص أهل الإيمان والتوحيد الذين ارتكبوا المعاصي الكبيرة ولم يُوَفَّقوا للتوبة، وأهل الشرك والكفر والمنكرون لأصول العقائد محرومون من الشفاعة.[٢١]

أوجه الفرق بين الدنيا والآخرة

والفرق بين الدنيا والآخرة واضح للإنسان بأدنى تأمل ولكن نحاول أنْ نستعرض ذلك من خلال الآيات المباركة.

أولاً: الحياة الدنيا متاع والآخرة قرار. قال تعالى: يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ [٢٢]، إنَّ الحياة الدنيا فيها تحوُّلٌ وتبدُّلٌ، فالإنسان دائماً في حركة تكاملية مستمرة وفي الآخرة يكون الاستقرار والثبات، ويحصل الإنسان على النتيجة النهائية والكمال القطعي والخلود. والثبات السمة المميزة للآخرة، قال تعالى: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ [٢٣]

ثانياً: الحياة الدنيا مليئة بالعناء، أما الآخرة لا نصب فيها ولا لغوب يكون فيها العيش الرغيد والمسرة والسرور. أما الدنيا فإنها دار اختبار وامتحان وفتن، ولكن السمة البارزة للآخرة هي النعمة ولهذا لا يرضى أهل الجنة بالانتقال من ذلك المكان مطلقاً لأنهم استقروا، ولأنهم سعدوا فلا يحتاجون للانتقال إلى بيت آخر، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا [٢٤]

ثالثاً: إنَّ الدنيا مقرُّ عملٍ ولا حساب، بينما الآخرة حساب ولا عمل، يقول الإمام علي(ع) في إحدى خطبه: «عِبَادَ اللَّهِ الْآنَ فَاعْمَلُوا وَالْأَلْسُنُ مُطْلَقَةُ، وَالْأَبْدَانُ صَحِيحَةُ، وَالْمُنْقَلَبُ فَسِيحُ ...» وأما إنْ كان الإنسان بدون هذا العمل فالحال هو كما قال تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [٢٥]

رابعاً: إنَّ الآخرة مليئة بالوعي والشعور وهي الحياة الحقيقية دون الحياة الدنيا، قال تعالى: وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [٢٦]، فكل تلك الموجودات تملك شعوراً وحياة حتى جهنم، قال تعالى: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [٢٧]

خامساً: السعة في الأفق، قال تعالى: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [٢٨]، فما دام الإنسان في هذه الحياة فهو مرتبط بالعلل والمعاليل ومتأثر بما حوله من القوانين الطبيعية التي تتحكم فيه، وأما في الآخرة فلا توجد قوانين فيزيائية ولايوجد بُعد أو فاصل ولايوجد مكان ولازمان وإنما يعيش الإنسان في عالم أوسع وأفضل بكثير من هذه الدنيا الضيقة المحدودة.[٢٩]

مواصفات الجنة

وقد وصفت الجنة في القرآن الكريم بأوصاف متعددة ومختلفة نذكر منها:

  1. الأنهار الجارية: قال تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [٣٠]
  2. النعيم والفاكهة الكثيرة: قال تعالى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ [٣١]
  3. الزينة والثياب: قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا [٣٢]
  4. النعم الروحية: قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [٣٣]، وقال تعالى: ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ [٣٤].[٣٥]

مواصفات النار

و قد وصفت النار في القرآن الكريم بأوصاف متعددة ومختلفة نذكر منها:

  1. ألسنة النار: قال تعالى: إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ [٣٦]
  2. ثياب النار: قال تعالى: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ [٣٧]
  3. شراب أهل النار: قال تعالى: لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا [٣٨]
  4. التعذيب النفسي والجسدي الذي لا ينقطع: قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا [٣٩]
  5. الأغلال والسلاسل: قال تعالى: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ [٤٠]
  6. أبواب النار: قال تعالى: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ [٤١].[٤٢]

المراجع والمصادر

  1. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية

الهوامش

  1. المؤمنون: ۹۹-۱۰۰
  2. آل‌عمران: ۱٦۹
  3. غافر: ٤٥-٤٦
  4. غافر: ٤٦.
  5. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ٣٠١-٣٠٢.
  6. الأنبياء: ٤٧.
  7. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ٣١٨-٣١٩.
  8. مريم: ۷۱
  9. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية (كتاب)|العقائد الإسلامية، ص ٣٢٠.
  10. الأنعام: ١٥٣
  11. مريم ۷۱-۷۲
  12. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ٣٢٠-٣٢١.
  13. الحديد: ۱۲.
  14. الحديد: ۱۳
  15. الفجر: ١٤
  16. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ٣٢١-٣٢٢.
  17. الإسراء: ۷۹.
  18. طه: ۱۰۹
  19. مريم: ۸۷
  20. الأنبياء: ۲۸
  21. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ٣٢٣-٣٢٤.
  22. غافر: ٣٩
  23. فاطر: ٣٤-٣٥.
  24. الكهف: ۱۰۷-۱۰۸.
  25. المؤمنون: ۹۹-۱۰۰
  26. العنكبوت: ٦٤.
  27. ق: ٣٠.
  28. ق:۲۲ .
  29. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ٣٢٤-٣٢٥.
  30. محمد: ١٥.
  31. الزخرف: ۷۰-۷۳
  32. الكهف: ٣٠-٣١
  33. التوبة: ۷۲
  34. الحجر: ٤٦.
  35. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية (كتاب)|العقائد الإسلامية، ص ٣٢٦.
  36. الملك: ۷-۸.
  37. الحج: ١٩.
  38. النبأ: ٢٤-٢٥
  39. النساء: ٥٦
  40. الحاقة ٣٠-٣٢.
  41. الحجر: ٤٣-٤٤
  42. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ٣٢٧.