قدرة الله في معارف الإمام الحسين وسيرته
تمهيد
قال الإمام الحسين (ع): «وَاِجْعَلْ لِي مِنْ أَمْرِي فَرَجاً وَمَخْرَجاً فَإِنَّكَ تَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ وَتَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْئٍ قَدِيرٌ»[١]، وفي دعاء عرفة قال (ع): «إلهي، حُكمُكَ النّافِذُ، ومَشِيَّتُكَ القاهِرَةُ، لَم يَترُكا لِذي مَقالٍ مَقالاً، ولا لِذي حالٍ حالاً»[٢]. وقال (ع): «وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ قُدْرَتَهُ سُبْحَانَ مَنْ أَوَّلُهُ عِلْمٌ لاَ يُوصَفُ»[٣].
يكتسب البحث في صفة القدرة التي وردت في كلمات الإمام الحسين (ع) الهيكلية الآتية: [٤].
التعريف اللغوي
القدرة في لغة العرب: هي الملك والغنى واليسر، وهذا ما ذكره ابن منظور، حيث قال: «يقال: قدر على الشيء قدرة، أي: ملكه فهو قادر وقدير. يقول سبحانه: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾[٥] أي قادر، والقدر: الغنى واليسر»[٦].[٧].
التعريف الاصطلاحي
أما في الاصطلاح: فقد أصبح تعريف القدرة موضع اختلاف بين الفلاسفة والمتكلمين، بحيث صار البحث في القدرة بمنزلة المجس الذي يرسم الحدود الفاصلة بين المنهج الكلامي والفلسفي؛ إذ يمكن من خلال البحث في القدرة التمييز بين النسقين الكلامي والفلسفي، ومن ثم معرفة هوية الباحث وموقعه المعرفي والفكري، انطلاقاً من طبيعة ما يتبناه من تعريف القدرة، وما يقدمه على صعيد الفهم ونظرية التفسير، ولا نريد التوغل في غمار هذا البحث، بل نتناول بحث القدرة في حدود ما ورد على لسان سيد الشهداء (ع).
وعلى هذا؛ فإن التعريف السليم للقدرة والذي تبناه مشهور فلاسفة الإسلام هو أن القدرة هي الفعل عند المشيئة والترك عند عدمها، بمعنى أن القادر إن شاء فعل، وإن لم يشأ لم يفعل.[٨].
أدلة القدرة في النص الحسيني
قال الإمام الحسين (ع): «اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي لَيْسَ لِقَضَائِهِ دَافِعٌ وَلاَ لِعَطَائِهِ مَانِعٌ وَلاَ كَصُنْعِهِ صُنْعُ صَانِعٍ وَهُوَ اَلْجَوَادُ اَلْوَاسِعُ فَطَرَ أَجْنَاسَ اَلْبَدَائِعِ وَأَتْقَنَ بِحِكْمَتِهِ اَلصَّنَائِعَ»[٩].
هنالك بعض الأدلة التي أشار إليها الإمام الحسين (ع) لإثبات القدرة لله تعالى: [١٠].
الدليل الأول: دليل إحكام الصنع
من الواضح أن الفعل كلما كان عظيماً فهو يكشف عن عظمة قدرة الفاعل، وعظمة هذا الكون وما فيه من دقة وجمال وروعة، وإحكام وإتقان، تدل بوضوح على قدرة خالقه ومبدعه، وقد أشار الإمام الحسين (ع) _ في مواضع متعددة _ إلى عظمة صنع الله تعالى وابتداع هذه المخلوقات، وإتقان صنائعه، حيث قال: «وَلاَ كَصُنْعِهِ صُنْعُ صَانِعٍ وَهُوَ اَلْجَوَادُ اَلْوَاسِعُ فَطَرَ أَجْنَاسَ اَلْبَدَائِعِ وَأَتْقَنَ بِحِكْمَتِهِ اَلصَّنَائِعَ». وفي موضع آخر قال: «مُبْدِعُ اَلْأَشْيَاءِ وَخَالِقُهَا وَمُنْشِئُ اَلْأَشْيَاءِ بِقُدْرَتِهِ يَتَلاَشَى مَا خَلَقَ لِلْفَنَاءِ بِمَشِيَّتِهِ وَيَبْقَى مَا خَلَقَ لِلْبَقَاءِ بِعِلْمِهِ فَذَلِكُمُ اَللّٰهُ اَلصَّمَدُ اَلَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ»[١١]. ونحوها من الشواهد التي تكشف عن قدرته تعالى.[١٢].
الدليل الثاني: عدم القدرة يستلزم عجزه تعالى وهو محال
قال الإمام الحسين (ع): «بَدِيعَ اَلسَّمَوَاتِ وَاَلْأَرْضِ يَا ذَا اَلْجَلاَلِ وَاَلْإِكْرَامِ ...»[١٣].
وحاصل هذا الدليل: هو أن فقدان القدرة يثبت العجز، والعجز نقص لا يليق به تعالى؛ لأنه تعالى مستجمع لجميع الصفات الكمالية، ومنزه عن جميع النقائص.[١٤].
الدليل الثالث: الله تعالى غني بذاته
قال الإمام الحسين (ع) في دعاء عرفة: «إِلَهِي أَنْتَ اَلْغَنِيُّ بِذَاتِكَ»، وما يكون غنياً بذاته، فهو منزه عن الاحتياج. وعليه؛ فلو لم يكن الله تعالى قادراً لكان محتاجاً إلى غيره، وهو تعالى منزه عن الاحتياج.[١٥].
الدليل الرابع: معطي الشيء غير فاقد له
قال الإمام الحسين (ع): «يَا مَنْ أَسْبَغَ اَلنِّعْمَةَ بِفَضْلِهِ يَا مَنْ أَعْطَى اَلْجَزِيلَ بِكَرَمِهِ»[١٦]. وقال أيضاً: «اَللهُمَّ إِنَّكَ أَقْرَبُ مَنْ دُعِيَ وَأَسْرَعُ مَنْ أَجَابَ وَأَكْرَمُ مَنْ عَفَا وَأَوْسَعُ مَنْ أَعْطَى وَأَسْمَعُ مَنْ سُئِلَ يَا رَحْمَانَ اَلدُّنْيَا وَاَلْآخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا»[١٧]. وقال أيضاً: «دَعَوْتُكَ فَأَجَبْتَنِي وَسَأَلْتُكَ فَأَعْطَيْتَنِي وَرَغِبْتُ إِلَيْكَ فَرَحِمْتَنِي»[١٨].
وتقريب الاستدلال: استناداً إلى القاعدة العقلية التي تقول: «معطي الشيء لا يكون فاقداً له»، التي هي من القواعد الواضحة التي يقر بها الوجدان والفطرة، فقد أشار الإمام الحسين (ع) إلى أن الله تعالى قد أسبغ وأعطى النعمة للإنسان كما في قوله (ع): «يَا مَنْ أَسْبَغَ اَلنِّعْمَةَ بِفَضْلِهِ يَا مَنْ أَعْطَى اَلْجَزِيلَ بِكَرَمِهِ». ونحوها من الكلمات، ومن جملة النعم هي القدرة الموجودة عند كل إنسانٍ، وما دامت القدرة كمالاً وجودياً، فبناءً على القاعدة العقلية التي تقول: «يستحيل أن يكون معطي الكمال الوجودي فاقداً له»، فلا بد إذاً أن يكون واجداً له بالنحو الذي ينسجم مع الواجب وغناه سبحانه.
ولا يخفى أن القدرة من الصفات الذاتية؛ لانطباق الميزان الفلسفي والكلامي عليها، فإن الميزان الفلسفي يقول: إن الذات إذا كانت بنفسها كافية للاتصاف بتلك الصفة فهي صفة ذات، أما إذا كانت محتاجة إلى الغير للاتصاف بها فهي صفة فعل. ومن الواضح أن الذات الإلهية كافية للاتصاف بالقدرة.
أما الميزان الكلامي، فهو يفيد بأن صفة الذات هي كل صفةٍ اتصف بها الله سبحانه ولم يتصف بضدها ونقيضها، ومن الواضح أن الله تعالى لا يتصف بضد القدرة ولا بنقيضها، فلا يكون تعالى قادراً على شيء وعاجزاً عن آخر؛ لذا تكون من صفات الذات أيضاً.[١٩].
سعة قدرته تعالى في كلمات الإمام (ع)
قال الإمام الحسين (ع): «إِنَّكَ تَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ وَتَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»[٢٠]. وفي دعاء عرفة: «إلهي، حُكمُكَ النّافِذُ، ومَشِيَّتُكَ القاهِرَةُ، لَم يَترُكا لِذي مَقالٍ مَقالاً، ولا لِذي حالٍ حالاً».
وفي موضع آخر: «وَلَيْسَ دُونَكَ ظَهِيرٌ وَلاَ فَوْقَكَ قَدِيرٌ». وأيضاً في دعاء عرفة: «اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي لَيْسَ لِقَضَائِهِ دَافِعٌ وَلاَ لِعَطَائِهِ مَانِعٌ». وفي موضع آخر من دعاء عرفة: «يَا مَنْ جَعَلَتْ لَهُ اَلْمُلُوكُ نِيرَ اَلْمَذَلَّةِ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ فَهُمْ مِنْ سَطَوَاتِهِ خَائِفُونَ». وقال (ع): «وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ قُدْرَتَهُ».
تُشير هذه الكلمات العظيمة إلى أن قدرته تعالى مطلقة وغير محدودة بحدٍّ، فهو على كل شيء قدير، ولا فوقه ظهير بحسب تعبير الإمام (ع).
فقد ثبت أن قدرته تعالى لا متناهية؛ لأن القدرة صفة ذاتية، فمن المستحيل أن تكون متناهية؛ لأن الصفات الذاتية عين الذات مصداقاً، وحيث إن ذاته تعالى لا متناهية كما ثبت في مبحث التوحيد الواحدي؛ فعليه يستحيل أن تكون قدرة الله سبحانه مقيدة بقيدٍ، بل هي قدرة مطلقة، ومحال أن يوصف غير الله بالقدرة المطلقة؛ لأن كل ما هو غيره قادر على شيء وعاجز عن شيء.
وعلى هذا الأساس من المستحيل تصور قدرة الله تعالى؛ وذلك لاستحالة إحاطة المتناهي باللامتناهي، وهذا ما يشير إليه الإمام الحسين (ع) بقوله: «وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ قُدْرَتَهُ»، وقوله (ع): «لاَ يَقْدِرُ اَلْوَاصِفُونَ كُنْهَ عَظَمَتِهِ وَلاَ يَخْطُرُ عَلَى اَلْقُلُوبِ مَبْلَغُ جَبَرُوتِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي اَلْأَشْيَاءِ عَدِيلٌ»[٢١].[٢٢].
قدرة الله تعالى لا تتعلق بالأمور المستحيلة عقلاً
قال الإمام الحسين (ع) _ في جواب السائل الذي سأله عن الدعوة الضالة _: «اَلدَّاعِي بِمَا لاَ يَكُونُ»[٢٣].
لكي يتضح هذا المعنى لا بد من التمييز بين المستحيل عقلاً، وبين المستحيل عادةً؛ لأن القدرة الإلهية لا تتعلق بالمستحيل عقلاً، لكنها تتعلق بالمستحيل العرفي، ومقصودهم من المستحيل العقلي: هو ما يحكم العقل بعدم إمكان وقوعه أبداً، من قبيل اجتماع النقيضين، فلا يمكن اجتماع وجود الشيء وعدمه في آنٍ واحدٍ وفي زمانٍ واحدٍ، وكذلك من المستحيل العقلي وجود المعلول من دون علة.
أما المستحيل عادةً: فهو من قبيل أن العادة جرت على أن كل شيءٍ يتحقق في الواقع الخارجي فله علة معينة معروفة، فإذا قيل: هل يمكن أن يتحقق هذا الشيء من غير علته المتعارفة؟ فسرعان ما يأتي الجواب بالنفي، وأنه أمر مستحيل. ولكن قد يكون لهذا الأمر علة أخرى نجهلها، فإذا تحقق ذلك الشيء من تلك العلة التي لا نعرفها، فنتصور أن هذا أمر مستحيل. ويطلق على هذا القسم بالمستحيل من باب التسامح؛ لأنه ليس من المستحيل الذي يحكم العقل باستحالة وقوعه، بل هو مستحيل من وجهة نظر العرف، وليس من وجهة نظر العقل.
ومثال المستحيل عادةً: ما لو سُئل عن إمكان الطيران في السماء قبل اختراع الطائرة، فيأتي الجواب بأن هذا مستحيل، وهذا هو مقصودهم من المستحيل عادةً. ومن الواضح أن الإنسان يحكم باستحالة الشيء عادةً لعدم علمه بالأسباب، فإذا عرف أسباب وعلل الشيء فلا يحكم باستحالة ذلك الشيء.
والمعاجز التي صدرت من الأنبياء والأولياء من قبيل المستحيل عادةً؛ لأنها معاجز لها عللها الخاصة، وهي خارجية عن نطاق علمنا.
وإذا تبين ذلك يتضح أن قدرته تعالى لا تتعلق إلا بالأمور الممكنة ولا تتعلق بالأمور المستحيلة عقلاً، وهذا لا يعني ضعف أو عجز في القدرة الإلهية، وبحسب التعبير الاصطلاحي ليس عجزاً في الفاعل، بل لعدم قابلية القابل؛ ومن ثم فهو خارج عن مدار القدرة من دون أن يكون ذلك عجزاً في القدرة ذاتها.
إذاً لا بد أن يكون الشيء قابلاً لكي يأخذ فيض الفاعل، وأما لو عجز عن أخذ فيض الفاعل؛ لبطلانه كامتناع اجتماع النقيضين، فسيكون خارجاً عن مدار القدرة، بيدَ أن خروج الممتنع عن القدرة خروج تخصصي لا تخصيصي، أي: خروج موضوعي لا خروج حكمي بحسب الاصطلاح.
ولتقريب ذلك بمثال: لو أن إنساناً رياضياً قادر على رمي (٥كغم) من الحديد لمسافة عشرين متراً، ولكن حينما يرمي ريشة فلا تتحرك الريشة أكثر من مترٍ واحدٍ، وهذا لا يعني أن العجز في قدرة الإنسان الرياضي الذي يرمي مئات أضعاف وزن الريشة من الحديد. ومن هنا نفهم أن عدم تحقق المحالات الذاتية ليس لعجز في الفاعل، بل لعدم قابلية القابل للتحقق.
وعلى هذا الأساس؛ يتضح الجواب عن بعض الإشكالات والشبهات التي ترد على عموم قدرة الله تعالى، من قبيل قولهم: هل يستطيع الله أن يخلق مثله؟ أو هل الله قادر على أن يجعل هذا العالم الكبير في بيضة من دون أن يصغر العالم أو تكبر البيضة؟ أو هل يستطيع أن يخلق شيئاً لا يقدر على إفنائه؟ فتبين أن هذه الأسئلة تطلب إيجاد المحالات العقلية التي يعود عدم تحققها لنقص في قابلية القابل لا في فاعلية الفاعل. وهذا الجواب يمكن أن نتلمسه في جواب الإمام الحسين (ع) لذلك السائل الذي سأله عن أضل دعوة، حيث قال السائل: أي دعوةٍ أضل؟ فأجاب الإمام الحسين (ع) بأن أضل دعوة هي دعوة «اَلدَّاعِي بِمَا لاَ يَكُونُ»[٢٤]، ومن الواضح أن المراد من الذي لا يكون هو الأمر المستحيل، فالداعي إلى الله تعالى بإيجاد أمر مستحيل، دعوته لا تتحقق وباطلة؛ ولذا نعتها الإمام (ع) بأنها دعوة ضالة.
ومما يعضد ذلك النصوص الروائية الحافلة في تأكيد هذا المعنى، منها تلك الرواية المعروفة التي تفيد بأن رجلاً جاء إلى أمير المؤمنين (ع) وسأله: هل يقدر ربك أن يدخل الدنيا في بيضة من غير أن يصغر الدنيا أو يكبر البيضة؟ فقال (ع): «إِنَّ اَللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لاَ يُنْسَبُ إِلَى اَلْعَجْزِ وَاَلَّذِي سَأَلْتَنِى لاَ يَكُونُ»[٢٥]. وهو صريح في أن الله تبارك وتعالى لا ينسب إلى العجز، إنما يكمن السبب في كون هذا الأمر مستحيل في ذاته، وهو ما عبّر عنه الإمام بقوله: «وَاَلَّذِي سَأَلْتَنِى لاَ يَكُونُ»، والقدرة لا تتعلق بالأمر المستحيل.
فقول الإمام أمير المؤمنين (ع) في الجواب: «اَلَّذِي سَأَلْتَنِى لاَ يَكُونُ»، وهو نفس جواب الإمام الحسين (ع) في بيان سبب عدم إجابة الدعوة الضالة؛ لكون الداعي يدعو بإيجاد أمر مستحيل، وبحسب تعبير الإمام (ع) «اَلدَّاعِي بِمَا لاَ يَكُونُ».[٢٦].
كلمات الإمام الحسين (ع) في رجوع أسماء الله إلى صفة القدرة
هنالك بعض الأسماء للباري تعالى تعود إلى صفة القدرة، منها:
أولاً: القوي
قال الإمام الحسين (ع) _ في بيان كلمات الأذان _: «اَللهُ أَكْبَرُ أَيِ اَلْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَقْدِرُ عَلَى مَا يَشَاءُ اَلْقَوِيُّ لِقُدْرَتِهِ اَلْمُقْتَدِرُ عَلَى خَلْقِهِ اَلْقَوِيُّ لِذَاتِهِ قُدْرَتُهُ قَائِمَةٌ عَلَى اَلْأَشْيَاءِ كُلِّهَا إِذٰا قَضىٰ أَمْراً فَإِنَّمٰا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»[٢٧].[٢٨].
والمراد بالقوي: ذو القوة الكاملة، فلا يعجزه أمر ممكن في إيجاد أو إعدام، ولا يمسه نصب ولا ضعف، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾[٢٩].[٣٠].
ثانياً: العزيز
في دعاء العثرات: «اَللهُمَّ لَكَ اَلْحَمْدُ عَلَى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ... وَوَافِيَ اَلْعَهْدِ وَصَادِقَ اَلْوَعْدِ وَعَزِيزَ اَلْجُنْدِ قَدِيمَ اَلْمَجْدِ»[٣١]. وفي دعاء آخر له (ع) يقول فيه: «يَا عَزِيزُ يَا جَبَّارُ يَا مُتَكَبِّرُ يَا خَالِقُ...»[٣٢].[٣٣].
والمراد من العزيز: هو الغالب القوي الذي لا يغلب[٣٤]؛ ولذا يقال: تعزز بالقدرة، أي: غلب على كل شيء بالقدرة الكاملة، أو أظهر عزه وغلبته بما له من القدرة القاهرة حيث أحيا وأمات[٣٥].[٣٦].
ثالثاً: الملك
قال الحسين بن علي (ع) في دعاء العثرات: «سُبْحَانَ اَلْمَلِكِ اَلْحَيِّ»[٣٧].
والمراد من الملك: هو المتصرف بالأمر والنهي التكويني في كل شيء، فإذا قال لشيء: كن. وُجدَ وتحقق الشيء حسب مشيئته، وهذا يرجع إلى كمال قدرته في التصرف بالممكنات، قال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾[٣٨].
وهنالك أسماء أخرى ترجع إلى صفة القدرة أيضاً، كاسم المتين، والواجد، والمقيت، ومالك الملك ونحوها.[٣٩].
هل يوجد سهل وصعب أمام قدرة الله تعالى؟
قال الإمام الحسين (ع) في شرح كلمات الأذان: «وَاَلثَّالِثُ اَللهُ أَكْبَرُ أَيِ اَلْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَقْدِرُ عَلَى مَا يَشَاءُ اَلْقَوِيُّ لِقُدْرَتِهِ اَلْمُقْتَدِرُ عَلَى خَلْقِهِ اَلْقَوِيُّ لِذَاتِهِ قُدْرَتُهُ قَائِمَةٌ عَلَى اَلْأَشْيَاءِ كُلِّهَا إِذٰا قَضىٰ أَمْراً فَإِنَّمٰا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»[٤٠].
ولما ثبت أن قدرته تعالى غير متناهية، فعلى هذا لا يمكن تصور أن شيئاً أسهل وأصعب أمام قدرة الله تعالى.
وذلك لأننا نتساءل عن سبب الصعوبة، ليكون الفعل صعباً أمام الله تعالى؟ من الواضح أن هذا المعنى يستحيل أن ينطبق على قدرة الله؛ إذ لا يمكن أن نتصور وجود فعل أسهل وآخر أصعب بالنسبة إليه؛ لأن ذلك يعني التحديد في قدرته تعالى، وهو مستحيل؛ لأن قدرته تعالى غير متناهية، ومن ثم لا معنى لأن يكون هذا الفعل أسهل من ذاك، وذاك أصعب وأعقد، وهكذا. وهذا ما يصرح به الإمام الحسين (ع)، حينما يقول: «قُدْرَتُهُ قَائِمَةٌ عَلَى اَلْأَشْيَاءِ كُلِّهَا إِذٰا قَضىٰ أَمْراً فَإِنَّمٰا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»[٤١].
ولا يخفى أن ما أشار إليه (ع) هو ما أكدته النصوص القرآنية المتضافرة، من قبيل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾[٤٢]، فلا فرق بين الأفعال، وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾[٤٣]، حيث تفيد هذه الآية لما فيها من التعبير ب_(كلمح البصر) التشبيه لما يألفه الإنسان في حياته من دالة على السرعة الخارقة، ومن الواضح أن تحقيق الفعل في القدرة الإلهية يفوق حتى هذا التصور.[٤٤].
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ ابن طاووس، علي بن موسى، مهج الدعوات: ص١٥٧. لجنة الحدیث فی معهد باقر العلوم (ع)، موسوعة کلمات الإمام الحسین (ع): ص٩٣٦.
- ↑ المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج٩٥، ص٢٢٥.
- ↑ المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج٩١، ص٢٠٦.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٢٥.
- ↑ سورة القمر، الآية ٥٥.
- ↑ ابن منظور، محمد بن مکرم، لسان العرب: ج٥، ص٧٦.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٢٥.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٢٥-١٢٦.
- ↑ المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج٩٥، ص٢١٦.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٢٦.
- ↑ الصدوق، محمد بن علي، التوحيد: ص٩٠.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٢٦-١٢٧.
- ↑ الصدوق، محمد بن علي، التوحيد: ص٩٠.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٢٧.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٢٧.
- ↑ المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج٩٥، ص٢٢٥.
- ↑ الطوسي، محمد بن الحسن، مصباح المتهجد: ص٤٩٧.
- ↑ ابن طاووس، علي بن موسى، إقبال الأعمال: ج٢، ص٨٥.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٢٧-١٢٨.
- ↑ ابن طاووس، علي بن موسى، مهج الدعوات: ص١٥٧. لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (ع)، موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع): ص٩٣٦.
- ↑ ابن شعبة الحراني، الحسن بن علي، تحف العقول: ص١٧٣. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج٤، ص١٠٣.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٢٨-١٢٩.
- ↑ الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص٤٣٥.
- ↑ الصدوق، محمد بن علي، التوحيد: ص١٣٠.
- ↑ الصدوق، محمد بن علي، التوحيد: ص١٣٠.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٢٩-١٣٢.
- ↑ الصدوق، محمد بن علي، التوحيد: ص٢٣٨.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٣٢.
- ↑ سورة هود، الآية ٦٦.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٢٩-١٣٢.
- ↑ ابن طاووس، علي بن موسى، مهج الدعوات: ص١٤٨.
- ↑ ابن طاووس، علي بن موسى، مهج الدعوات: ص١٥١.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٣٢.
- ↑ انظر: المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن: ج٩، ص٤٣٨.
- ↑ انظر: الفيروز آبادي، محمد بن يعقوب، القاموس المحيط: ج٢، ص١٨٢.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٣٢.
- ↑ ابن طاووس، علي بن موسى، مهج الدعوات: ص١٤٩.
- ↑ سورة طه، الآية ١١٤.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٣٢.
- ↑ الصدوق، محمد بن علي، التوحيد: ص٢٣٨.
- ↑ الصدوق، محمد بن علي، التوحيد: ص٢٣٨.
- ↑ سورة يس، الآية ٨٢.
- ↑ سورة القمر، الآية ٥٠.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٣٢-١٣٤.