كلام الله في علم الكلام

من إمامةبيديا

تمهيد

لا خلاف بين المسلمين في أن الله تعالى متكلم.

وقد دل على ذلك أيضا من القرآن الكريم قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا[١]، وقوله تعالى: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ[٢]، وأمثال هاتين الآيتين[٣].

محل الخلاف في التکلم

ولكن اختلفوا في ماهية وحقيقة كلامه تعالى:

فذهبت الأشاعرة إلى أن كلامه تعالى: وصف قائم بذاته ليس بصوت ولا حرف، بل لا يشبه كلامه كلام غيره، كما لا يشبه وجوده وجود غيره[٤].

والكلام بالحقيقة كلام النفس، وانما الأصوات قطعت حروفا للدلالات، كما يدل عليها تارة بالحركات والإشارات[٥].

وقال الرازي في (المحصل): اما أصحابنا فقد اتفقوا على أن الله تعالى ليس بمتكلم بالكلام الذي هو الحروف والأصوات، بل زعموا أنه متكلم بكلام النفس[٦].

وعبروا عنه ب (الكلام النفسي) و (الكلام الأزلي) وقالوا عنه: إنه معنى قائم في ذات المتكلم به.

والألفاظ في الحقيقة - ليست كلاما، وانما هي دوال على ذلك المعنى القائم في النفس (أو الكلام النفسي) الذي هو الكلام حقيقة.

واستشهدوا لذلك بقول الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا فان الشاعر هنا اعتبر ما في النفس هو الكلام، والألفاظ اللسانية دوال عليه.

وذهبت الفرق الاسلامية الأخرى أمثال: الأمامية والمعتزلة والزيدية والأباضية والسلفية إلى أن الكلام هو هذا الذي نعرفه، وهو الكلمات المؤلفة من الأصوات والحروف. ويمكننا أن نسميه (الكلام اللفظي) في مقابل (الكلام النفسي).

وخلاصة ما استدل به الأشاعرة:

  1. أننا ندرك وجدانا أن المتكلم عندما يتكلم بلغة الألفاظ انما يعبر بها عن فكرة عنده أو إحساس لديه. أي انه يعبر بالكلام اللفظي عما يحمل ويعتمل في نفسه من أفكار وأحاسيس، وهذا من الأمور الواضحة.
  2. ان الكلام اللفظي مركب من الأصوات والحروف، ومن البديهي ان كل مركب حادث، فيكون من المستحيل أن تتصف به الذات الإلهية لاستحالة اتصاف القديم بالصفة الحادثة، فلا مناص إذا من الالتزام بالكلام النفسي لأنه قديم، ليصح اطلاق المتكلم على الله سبحانه باعتبار اتصافه به[٧]..

واستدل للقول الآخر - وهو أن الكلام هو المركب اللفظي - بما يلي:

1 - التبادر

وذلك أن المتبادر إلى الذهن عند اطلاق عبارة (كلام) هو هذا المركب اللفظي.

والتبادر دليل أن الكلمة حقيقة في المعنى المتبادر.

كما أننا نرى أبناء اللغة لا يقولون للساكت وكذلك للأخرس إنه متكلم، مع أن المعاني قائمة في نفسه. وما هذا الا لأنه لا يستخدم الألفاظ وسيلة لابرازها، وإنما يتوسل إلى ذلك بالإشارة وأمثالها مما لا يعد كلاما[٨].

2 - عدم التعقل

وهو أن الكلام النفسي الذي يقول به الأشعريون مما لا يمكن تصوره وتعقله في الذهن.

وذلك لأن المتصور عقلا من الصفات الإلهية التي يمكن أن يرتبط بها الكلام ويكون أثرا من آثارها إما القدرة التي يمكن أن تصدر عنها الحروف والأصوات، أو العلم.

والأشعرية نصوا على أن ما لا يمكن تصوره لا يمكن إثباته، لأن الاثبات تصديق، والتصديق لا بد أن يسبق بالتصور.

وحيث لا تصور لا تصديق، أي لا اثبات، وحينئذ يبطل القول بالكلام النفسي لأنه لا يمكن تعقله ليمكن اثباته.

وعندما يبطل القول بالكلام النفسي يتعين القول الآخر، وهو المطلوب.

غير أن السلفيين تفردوا من بين الفرق الاسلامية المذكورة بالقول بان الكلام اللفظي قديم قائم بذاته تعالى. والموازنة بين الرأيين تنهينا إلى التالي:

  1. ان المتكلم عند الأشاعرة والسلفية هو: من قام به الكلام. وعند الآخرين هو: من فعل الكلام.
  2. ان المعنى النفسي الذي يؤكد عليه الأشاعرة لا يخلو ان يكون واحدا من الأمور التالية:

أ - أن يكون هو الوجود الذهني.

ويفهم هذا من قولهم (ان الألفاظ دوال على المعاني النفسية)، ذلك أن الألفاظ - كما هو معلوم - تعبر وتدل على المعنى الذهني أي الموجود في الذهن.

وكل ما في الأمر أنهم عبروا عن الذهن ب (النفس).

وعليه يعود الخلاف بين الطرفين لفظيا. ولكن قد يلاحظ: انه لو كان هو المراد لما وقع الخلاف - وبعنف في المسألة.

ب - ان يكون شيئا آخر غير الوجود الذهني، له سمته وطابعه الخاص به.

ويفهم هذا من قولهم: (لا يشبه كلامه كلام غيره كما لا يشبه وجوده وجود غيره).

وهذا مما لا يتعقل ولا يتصور، كما تقدم في الدليل الثاني للقول الثاني.

وما لا يتصور لا يمكن الحكم عليه بالوصفية أو غيرها.

ومن هنا لا إخال أنه المقصود لهم.

ح - ان يكون مقصودهم من الكلام: التكلم.

ويفهم هذا من قولهم بأنه (وصف).

وأقول هذا، لأن الكلام بما هو أثر لا يمكن الاتصاف به، أي لا يمكن أن يكون صفة للذات الا إذا قلنا إن المراد به هو (التكلم).

ولذا يقال: (الله متكلم)، ولا يقال: (الله كلام). وهذا هو الأقرب في تحليل وبيان مرادهم من الكلام النفسي.

ولكن على أساس هذا يشكل عليهم: بان التكلم من الصفات الفعلية لا الذاتية.

والفرق بين الصفة الفعلية والصفة الذاتية هو: أن الصفة الذاتية (مثل القدرة والعلم والحياة) يستحيل اتصاف الذات الإلهية بنقيضها، فلا يقال: (الله عالم بكذا) و (ليس عالما بكذا).

أما الصفات الفعلية (مثل الخلق والرزق) فيمكن اتصاف الذات الإلهية بها في حال وبنقيضها في حال آخر، فيقال: (ان الله خلق كذا ولم يخلق كذا) ويقال: (ان الله رزق فلانا ولدا ذكرا ولم يرزقه بنتا). والتكلم مثل الخلق والرزق، فإنه يصح أنه يقال: (كلم الله موسى ولم يكلم فرعون) ويقال: (كلم الله موسى في جبل طور ولم يكلمه في بحر النيل).

وهذه التفرقة بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية لم تتضح في الدرس العقائدي الا بعد نضج الفكر الاعتزالي وانتشار الفكر الامامي.

وممن أشار إلى أن المتقدمين من العقائديين لم يفرقوا بينهما التفرقة المذكورة أبو الفتح الشهرستاني، قال في كتابه (الملل والنحل)[٩]: إعلم أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والاكرام والجود والانعام والعزة والعظمة، ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سوقا واحدا.

وبثبوت ان التكلم صفة فعلية يترتب عليه أننا نستطيع أن نتصور هنا ثلاثة أمور هي:

متكلم وتكلم وكلام كما نتصور: خالقا وخلقا ومخلوقا، ورازقا ورزقا ومرزوقا.

والأول يعبر عن الموصوف، والثاني عن الصفة، والثالث عن الأثر.

وهذا يعني أن هناك فرقا بين (التكلم) و (الكلام) هو الفرق بين الصفة وأثرها.

والذي يبدو لي أن الذي ألجأ الأشاعرة إلى التعبير عن هذه الصفة ب (الكلام) ولم يعبروا عنها ب (التكلم) هو اصرارهم على أن القرآن الكريم غير مخلوق، وهو (كلام الله)، كما عبر عنه تعالى في مثل قوله: وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ[١٠]، وقوله: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ[١١]، وكما هو الحق.

لأنهم إذا فسروا الكلام بالكلام اللفظي لا مناص لهم من القول بحدوث القرآن وأنه مخلوق، لأن القول بقدم الكلام اللفظي يستلزم ان يكون الله تعالى محلا للحوادث، لأن الحروف والأصوات من المركبات، والمركبات حوادث بالضرورة.

وهم لا يريدون ذلك، وبخاصة انهم يقولون بحدوث الكلام اللفظي، وانما الذي يريدونه - وباصرار - تأييد فكرة أو معتقد أن القرآن أزلي فقط.

تلك الفكرة التي قال بها قبلهم الحنابلة، وجرت عليهم من الويل والعذاب من قبل السلطة الحاكمة آنذاك الشئ الكثير.

من هنا أصروا على أزلية كلام الله تعالى الا انهم أرادوا أن يبتعدوا بالفكرة عما قد تنقد به من لزوم: الوقوع في محذور أن يكون الله تعالى محلا للحوادث فجاؤوا بفكرة الكلام النفسي، وقالوا بأزليته وقدمه، ليحافظوا على فكرة أزلية القرآن الكريم التي أصبحت بعد معركة خلق القرآن معلمة مذهبية من معالم العقيدة عند السنة.

ونخلص من هذا إلى:

أ - ان التكلم هو الصفة.

ب - أما الكلام فهو فعل من أفعاله تعالى يحدثه ويخلقه في الأجسام إذا أراد مخاطبة المخلوقين بالأمر والنهي والوعد والوعيد والزجر والترغيب كما يقول القاضي المعتزلي عبد الجبار الهمداني[١٢].

ويقول الشيخ المفيد المتكلم الأمامي: متكلم لا بجارحة، بمعنى أنه يوجد حروفا وأصواتا في جسم من الأجسام تدل على المعاني المطلوبة، كما فعل في الشجرة حين خاطبه موسى - ع -[١٣].

ويقول القاسم الرسي الزيدي: ومعنى كلامه جل ثناؤه لموسى صلوات الله عليه - عند أهل الايمان والعلم: أنه أنشأ كلاما خلقه كما شاء فسمعه موسى - صلى الله عليه - وفهمه. وكل مسموع من الله فهو مخلوق لأنه غير الخالق له. وإنما ناداه الله جل ثناؤه فقال: إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ[١٤]، والنداء غير المنادي، والمنادي بذلك هو الله جل ثناؤه، والنداء غيره. وما كان غير الله مما يعجز عنه الخلائق فمخلوق لأنه لم يكن ثم كان بالله وحده لا شريك له[١٥].

ح - ان المعتزلة والامامية والزيدية والأباضية يذهبون إلى أن الكلام قائم بغير الذات المقدسة.

ع - ان الأشعرية والسلفية يذهبون إلى أن الكلام قائم بذاته تعالى، مع فارق: أن القائم بالذات عند الأشاعرة هو المعني الأزلي (الكلام النفسي)، وعند السلفية الحروف والأصوات (الكلام اللفظي)[١٦].

خلق القرآن

ترتبط هذه المسألة بالمسألة التي قبلها ارتباطا وثيقا وعريقا، فمن قال بأزلية كلام الله تعالى قال هنا بقدم القرآن وإنه غير مخلوق، ومن قال بحدوث كلام الله تعالى قال بحدوث القرآن وخلقه[١٧].

والأقوال في المسألة مع خلاصات أدلتها هي:

1 - الحنابلة (السلفية)

قالوا: القرآن هو هذه الألفاظ المقروءة بالألسنة والمحفوظة في الصدور والمكتوبة في الصحف والمطبوعة على الورق والمسجلة على الأشرطة.

فالذي نقرأه هو كلام الله تعالى الأزلي القديم القائم بذاته تعالى، إلا أن قراءتنا تكون له بأصواتنا. وقراءتنا له بأصواتنا لا تخرجه عن كونه كلام الله الذي تكلم به بحروفه ومعانيه، ليست الألفاظ دون المعاني، ولا المعاني دون الألفاظ[١٨].

ودليلهم على هذا: اجماع السلف على أن القرآن الكريم أزلي غير مخلوق، وأنه هو هذا الذي بين أظهرنا نبصره ونسمعه ونقرأه ونكتبه.

وقالوا: ونحن لا نزيد من أنفسنا شيئا، ولا نتدارك بعقولنا أمرا لم يتعرض له السلف.

قال السلف: ما بين الدفتين كلام الله.

قلنا: هو كذلك.

واستشهدوا بقوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. إذ من المعلوم أنه لم يسمع الا هذا الذي نقرأه[١٩].

وتعقبهم الفخر الرازي بالرد، فقال: أطبق العقلاء على أن الذي قالوه جحد للضروريات، ثم الذي يدل على بطلانه وجهان:

الوجه الأول: أنه إما ان يقال إنه تكلم بهذه الحروف دفعة واحدة أو على التعاقب.

فإن كان الأول لم يحصل منها هذه الكلمات التي نسمعها، لأن التي نسمعها حروف متعاقبة، فحينئذ لا يكون هذا القرآن المسموع قديما.

وإن كان الثاني فالأول لما انقضى كان محدثا لأن ما ثبت عدمه امتنع قدمه، والثاني لما حصل بعد عدمه كان حادثا.

والوجه الثاني: ان هذه الحروف والأصوات قائمة بألسنتنا وحلوقنا، فلو كانت هذه الحروف والأصوات نفس صفة الله تعالى لزم أن تكون صفة الله وكلمته حالة في ذات كل أحد من الناس.

واحتجوا على قولهم بان كلام الله تعالى مسموع بدليل قوله تعالى وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ، وهذا يدل على أن كلام الله مسموع.

فلما دل الدليل على أن كلام الله قديم وجب أن تكون هذه الحروف المسموعة قديمة.

والجواب: ان المسموع هو هذه الحروف المتعاقبة، وكونها متعاقبة يقتضي أنها حدثت بعد انقضاء غيرها.

ومتى كان الأمر كذلك كان العلم الضروري حاصلا بامتناع كونها قديمة[٢٠].

وخلاصة ما قرره الرازي: ان قول السلفية بقدم القرآن (وهو الذي بين الدفتين) يلزمه أمران ممتنعان على الذات الإلهية هما:

أ - ان يكون القديم محلا للحوادث.

ب - ان يحل القديم في الحادث[٢١].

2 الأشاعرة

قالوا: القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، وهو مكتوب في مصاحفنا، محفوظ في قلوبنا، مقروء بألسنتنا، مسموع بآذاننا، غير حال فيها[٢٢].

ومعنى غير حال فيها: ان الكلام الدال غير الكلام المدلول عليه، لأنهم - كما تقدم - يذهبون إلى أن العبارات والألفاظ المنزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء (ع) دلالات على الكلام الأزلي، والدلالة مخلوقة محدثة، والمدلول قديم أزلي.

والفرق بين القراءة والمقروء، والتلاوة والمتلو، كالفرق بين الذكر والمذكور، فالذكر محدث والمذكور قديم[٢٣].

وخلاصة ما استدلوا به على ذلك ما يلي:

أ - من العقل:

1 - ان الكلام من صفات الكمال، فلو كان محدثا لكانت (الذات الإلهية) خالية عن صفات الكمال قبل حدوثه. والخالي عن الكمال ناقص. وذلك على الله محال.

2 - ان الكلام لو كان حادثا لكان:

  • إما أن يقوم بذات الله أو بغيره.
  • أو لا يقوم بمحل.

فلو قام بذات الله تعالى لزم كونه محلا للحوادث، وهو محال. وان قام بغيره فهو أيضا محال، لأنه لو جاز ان يكون متكلما بكلام قائم بغيره لجاز ان يكون متحركا بحركة قائمة بغيره، وساكنا بسكون قائم بغيره، وهو محال.

وان وجد ذلك الكلام لا في محل فهو باطل بالاتفاق[٢٤].

ب - من القرآن:

1 - قوله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ[٢٥]. قال أبو الحسن الأشعري: يعني من قبل أن يخلق الخلق، ومن بعد ذلك، وهذا يوجب أن الأمر غير مخلوق[٢٦].

وقال الفخر الرازي: فأثبت الأمر لله من قبل جميع الأشياء، فلو كان أمر الله مخلوقا لزم حصول الأمر قبل نفسه، وهو محال[٢٧].

2 - قوله تعالى: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ[٢٨] بتقرير أن الله تعالى ميز بين الخلق وبين الأمر، فوجب أن لا يكون الأمر داخلا في الخلق[٢٩]. أو كما أفاد الأشعري بأنه تعالى لما قال: (ألا له الخلق) كان هذا في جميع الخلق، ولما قال (والأمر) ذكر أمرا غير جميع الخلق فدل ما وصفنا على أن أمر الله غير مخلوق[٣٠].

3 - قوله تعالى: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[٣١].

قال الأشعري: ومما يدل من كتاب الله على أن كلامه غير مخلوق قوله عز وجل: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فلو كان القرآن مخلوقا لوجب ان يكون مقولا له: كن فيكون.

ولو كان الله عز وجل قائلا للقول: كن، كان للقول قول.

وهذا يوجب أحد أمرين:

  1. إما أن يؤول الأمر إلى أن قول الله غير مخلوق.
  2. أو يكون كل قول واقعا بقول لا إلى غاية (نهاية). وذلك محال.

وإذا استحال ذلك صح وثبت أن لله عز وجل قولا غير مخلوق[٣٢].

ويرد استدلالهم بما حاصله:

1 - ان الصفة هي التكلم لا الكلام، والكل متفقون على أن التكلم أزلي.

أما القرآن الكريم أو كلام الله عامة فهو أثر تلك الصفة لا هو نفسه الصفة.

وعلى هذا فما يقال في الأثر من الحدوث وأمثاله من الأحكام، لا يقال في الصفة وذلك للفرق بينهما. فإنه مما لا شك فيه ان الانسان مخلوق لله تعالى.

ومما لا شك فيه أيضا أن هناك فرقا بينه وبين صفة الخلق لأنه أثرها.

وفي ضوئه: تقول: فكما يصح أن نحكم على الانسان بأنه حادث وعلى صفة الخلق بأنها قديمة.. يصح هنا أن نحكم على الكلام بأنه حادث، وعلى صفة التكلم بأنها قديمة.

2 - ان القائلين بحدوث القرآن عندما يقولون: إن الله تعالى أحدثه وخلقه قائما بغيره، ينفون اتصافه تعالى بالحركة والسكون عندما يحدثه لأنه سبحانه لم يحدثه بجارحة، تعالى عن ذلك. فالقياس بنا في إحداثنا للكلام قياس مع الفارق.

والى هذا أشار أمير المؤمنين (ع) بقوله: ولا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، الذي كلم موسى تكليما، وأراه من آياته عظيما، بلا جوارح ولا أدوات ولا نطق ولا لهوات.

3 - ان كلمتي (قبل) و (بعد) من الأسماء الملازمة للإضافة، وهذا متفق عليه في علم العربية والاستعمال لهما قديما وحديثا. ويحدد ويعين ما تضافان اليه في ضوء ما تقترنان به من قرائن. والآية الكريمة وردت في السياق التالي: غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ[٣٣].

فقرينة السياق هنا تنهي إلى أن المضاف اليه هو (الغلب) أي (لله الأمر من قبل غلب الروم ومن بعد غلبهم). وبهذا فسرت الآية، وتفسر.

فتقدير المضاف اليه (من قبل ان يخلق الخلق ومن بعد ذلك) كما يقول الأشعري، أو (من قبل جميع الأشياء) كما يقول الرازي، يتطلب لأجل ان يتم الاستدلال به ويصح، أمرين:

أ - إبطال قرينة السياق.

ب - إقامة الدليل على أن المضاف اليه هو ما ذكراه. وهما لم يقوما بشئ من هذا، وانما أفتيا فتيا لم يذكرا دليلها.

ثم إن (الامر) في الآية الكريمة، أريد به (التصرف والقدرة)، وبه فسرت الكلمة وتفسر. فلم يرد به القول أو الكلام.

وقرينة السياق تدل على ذلك.

فالمعنى: له الامر حين غلبوا وحين يغلبون، ليس شئ منهما الا بقضائه كما يقول البيضاوي[٣٤].

وهنا نقول أيضا لا يتم الاستدلال ويصح الا إذا ثبت بالدليل القاطع أن المراد بالامر القول والكلام. ولا أقل من احتمال أن المضاف اليه ما ذكرنا، وأن الأمر هنا بمعنى القدرة. ومتى تطرق الاحتمال بطل الاستدلال.

4 - قوله تعالى أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ هو من الآية الكريمة إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ[٣٥].

وسياق الآية الكريمة يدل على أن قوله (والأمر) مراد به نفس المراد من قوله (بأمره).

ومعنى (بأمره) كما تدل عليه قرينته السياقية (التصريف والتدبير)، أي أن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بتصريفه وتدبيره.

يقول الشيخ الجمل: قوله: ألا له الخلق والأمر... الخلق بمعنى المخلوقات، والأمر معناه التصرف في الكائنات.

وفي هذه الآية رد على من يقول إن للشمس والقمر والكواكب تأثيرات في هذا العالم[٣٦].

ويقول الزمخشري: بأمره: بمشيئته وتصريفه... سمي ذلك أمرا على التشبيه، كأنهن مأمورات بذلك.

أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ: أي وهو الذي خلق الأشياء كلها، وهو الذي صرفها على حسب ارادته[٣٧].

أما مسألة الفصل بين كلمتي (الخلق) و (الأمر) التي هي موضع الشاهد، وبها الاستشهاد، فيقول فيها الشيخ الطوسي: انما فصل الخلق من الأمر، لأن فائدتهما مختلفة، لان (له الخلق) يفيد أن له الاختراع، و (له الأمر) معناه: له أن يأمر فيه بما أحب، فأفاد الثاني ما لم يفده الأول.

فمن استدل بذلك على أن كلام الله قديم، فقد تجاهل ما بينا[٣٨] فالآية الكريمة ليس فيها دلالة على ما ذهبوا اليه لأن الأمر في الآية بمعنى التصريف والتدبير، كما يفيده السياق.

5 - لأهمية ما قيل في قوله تعالى: (كن فيكون)، وما يترتب من آثار على ما يفسر به النص، لا بد هنا من عرض يوفي به الموضوع توفية كافية.

وقد رأيت فيما بين يدي من تفاسير أن أفضل من وفى الموضوع هذا وأوفاه بما لا يحتاج بعده إلى مزيد بيان أو تبسيط عرض. هو تفسير (الميزان) فكان من المناسب ان اقتصر على أن انقل منه ما يرتبط بالاحتجاج بالآية الكريمة والرد عليه: قال مؤلفه السيد الطباطبائي: قوله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[٣٩]، الآية من غرر الآيات القرآنية (التي) تصف كلمة الايجاد، وتبين أنه تعالى لا يحتاج في ايجاد شئ مما أراده إلى ما وراء ذاته المتعالية من سبب يوجد له ما أراده أو يعينه في ايجاده أو يدفع عنه مانعا يمنعه.

وقد اختلف تعبيره تعالى عن هذه الحقيقة في كلامه، فقال: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[٤٠] وقال: وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[٤١].

فقوله (انما أمره). الظاهر أن المراد بالأمر الشأن، وقوله في آية النحل المنقولة آنفا إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ، وإن كان يؤيد كون الأمر بمعنى القول، وهو الامر اللفظي بلفظة (كن)، الا أن التدبر في الآيات يعطي ان الغرض فيها وصف الشأن الإلهي عند إرادة خلق شئ من الأشياء.

لا بيان أن قوله تعالى عند خلق شئ من الأشياء هذا القول دون غيره.

فالوجه حمل القول على الأمر بمعنى الشأن، بمعنى أنه جئ به لكونه مصداقا للشأن، لا حمل الأمر على القول بمعنى ما يقابل النهي.

وقوله: (إذا أراد شيئا) أي إذا أراد إيجاد شئ، كما يعطيه سياق الآية.

وقد ورد في عدة من الآيات (القضاء) مكان (الإرادة) كقوله: وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.

ولا ضير فالقضاء هو الحكم، والقضاء والحكم والإرادة من الله شئ واحد، وهو كون الشئ الموجود بحيث ليس له من الله سبحانه الا أن يوجد.

فمعنى (إذا أردناه) إذا أوقفناه موقف تعلق الإرادة. وقوله: (ان يقول له كن) خبره (انما امره) أي يخاطبه بكلمة (كن).

ومن المعلوم انه ليس هناك لفظ يتلفظ به، والا احتاج في وجوده إلى لفظ آخر، وهلم جرا. فيتسلسل.

ولا ان هناك مخاطبا ذا سمع يسمع الخطاب فيوجد به، لأدائه إلى الخلف.

فالكلام تمثيل لافاضته تعالى وجود الشئ من غير حاجة إلى شئ آخر وراء ذاته المتعالية، ومن غير تخلف ولا مهل.

وبه يظهر فساد ما ذكره بعضهم حيث قال: الظاهر أن هناك قولا لفظيا هو لفظ (كن)، واليه ذهب معظم السلف، وشؤون الله تعالى وراء ما تصل اليه الافهام، فدع عنك الكلام والخصام، انتهى.

وذلك أن ما ذكره من كون شؤونه تعالى وراء طور الافهام، لو أبطل الحجة العقلية القطعية بطلت بذلك المعارف الدينية من أصلها، فصحة الكتاب، مثلا، بما يفيده من المعارف الحقيقية انما تثبت بالحجة العقلية، فلو بطلت الحجة العقلية بكتاب - أو سنة أو شئ آخر، مما يثبت هو بها لكان ذلك الدليل المبطل مبطلا لنفسه أولا، فلا تزل قدم بعد ثبوتها.

ومن المعلوم أن ليس هناك الا الله عز اسمه، والشئ الذي يوجد لا ثالث بينهما.

واسناد العلية والسببية إلى ارادته دونه تعالى، والإرادة صفة فعلية منتزعة من مقام الفعل - يستلزم انقطاع حاجة الأشياء اليه تعالى من رأس لاستيجابه استغناء الأشياء بصفة منتزعة منها عنه تعالى وتقدس.

ومن المعلوم أن ليس هناك أمر ينفصل عنه تعالى يسمى ايجادا أو وجودا، ثم يتصل بالشئ فيصير به موجودا، وهو ظاهر، فليس بعده تعالى الا وجود الشئ فحسب. ومن هنا يظهر ان كلمة الايجاد وهي كلمة (كن) هي وجود الشئ الذي أوجده، لكن بما أنه منتسب اليه قائم به، وأما من حيث انتسابه إلى نفسه فهو موجود لا ايجاد، ومخلوق لا خلق.

ويظهر أيضا ان الذي يفيض منه تعالى لا يقبل مهلة ولا نظرة، ولا يتحمل تبدلا ولا تغيرا، ولا يتلبس بتدريج.

وما يتراءى في الخلق من هذه الأمور انما يتأتى في الأشياء من ناحية نفسها، لا من الجهة التي تلي ربها سبحانه، وهذا باب ينفتح منه ألف باب.

وفي الآيات للتلويح إلى هذه الحقائق إشارات لطيفة كقوله تعالى : كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[٤٢]، وقوله تعالى: وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ[٤٣]، وقوله تعالى: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا[٤٤]، إلى غير ذلك.

وقوله في آخر الآية: (فيكون) بيان لطاعة الشئ المراد له تعالى، وامتثاله لأمر (كن) ولبسه الوجود[٤٥].

وفي كلام الامام أمير المؤمنين (ع) ما يلخص الموضوع وافيا ويدل عليه كافيا، قال (ع): يقول لمن أراد كونه: (كن فيكون)، لا بصوت يقرع، ولا بنداء يسمع، وانما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثله، لم يكن من قبل ذلك كائنا، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا.

وفي حديث صفوان بن يحيى عن الإمام الرضا (ع)، قال يحيى: قلت لأبي الحسن (ع) عن الإرادة من الله ومن المخلوق.

قال: فقال: الإرادة من المخلوق الضمير وما يبدو له بعد ذلك من الفعل.

وأما من الله عز وجل فإرادته إحداثه لا غير ذلك، لأنه لا يروي ولا يهم ولا يتفكر، وهذه الصفات منفية عنه، وهي من صفات الخلق.

فإرادة الله هي الفعل لا غير ذلك، يقول له: كن، فيكون، بلا لفظ ولا نطق بلسان، ولا همة، ولا تفكر، ولا كيف لذلك، كما أنه بلا كيف[٤٦].[٤٧]

3 الامامية والزيدية والأباضية والمعتزلة

ذهبوا إلى القول بخلق القرآن وحدوثه.

واستدلوا على هذا بما خلاصته:

أ - من العقل:

1 - ان القرآن الكريم مؤلف من كلمات مركبة من حروف وأصوات متتابعة يتلو بعضها بعضا، فيعدم السابق منها بوجود لاحقه. والقديم لا يجوز عليه العدم، وإذا انتفى قدمه ثبت حدوثه. وهو المطلوب.

وقرره القاضي المعتزلي بطريق آخر، قال: ان الكلام لا يعقل ولا يفيد الا بأن يتولى حدوث حروفه على نظم مخصوص. وما هذا حاله محال ان يكون قديما.

كما أن المشي لا يعقل الا بتوالي حدوث الحركات فمحال قدمها مع ذلك[٤٨].

2 - ان القرآن الكريم لو كان قديما لزم من ذلك الكذب عليه تعالى. ولأن الكذب باطل في حقه تعالى يكون قدم القرآن مثله باطلا.

وتقرير هذا: أنه تعالى أخبر بارسال نوح (ع) بقوله: إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ[٤٩]، فلو كان القرآن أزليا يكون هذا الاخبار أزليا أيضا، ويكون المخبر به - وهو ارسال نوح - قبل الأزل.

وهو معنى قولنا يلزم منه الكذب. تعالى الله عن ذلك. ولئلا نقع في مثل هذا المحذور الباطل لا مناص من القول بحدوث القرآن.

3 - أن القرآن الكريم لو كان قديما لزم منه العبث الممتنع في حقه تعالى.

وتقريره: رأن في القرآن أوامر أمثال قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ[٥٠].

فلو كان القرآن أزليا كانت أوامره مثله أزلية.

ومعنى هذا حصول الأمر والنهي من دون وجود مكلف يخاطب بهما إذ لا مكلف في الأزل.

فيكون هذا من العبث، والعبث قبيح، فيمتنع في حقه.. فيبطل كون القرآن قديما، وإذا بطل كونه قديما ثبت حدوثه وخلقه.

4 - ان النسخ في أوامر القرآن الكريم ونواهيه - وهو رفع حكم شرعي سابق بنص لاحق - جائز وواقع.

وما ثبت زواله امتنع قدمه، فيثبت ان القرآن حادث وهو المطلوب.

5 - انه تعالى إذا أمر زيدا - مثلا - بالصلاة، فإذا أداها لم يبق ذلك الأمر، وما ثبت عدمه امتنع قدمه.

ب - من القرآن:

1 - قوله تعالى: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ[٥١].

وقوله تعالى: وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَٰنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ[٥٢].

ووجه الاستدلال: أن المراد ب (الذكر) هنا (القرآن) بدليل قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[٥٣]، وقوله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ[٥٤].

وقد وصفه الله تعالى بالحدوث نصا وصراحة، فلو كان قديما لما جاز وصفه بالحدوث.

6 - قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ[٥٥] بتقريب أن (إذ) ظرف زمان، والمختص بزمان معين محدث. وما كان بعضه محدثا كان كله محدثا.

7 - وأخيرا: أوجز استدلالهم ببقية آي الذكر الحكيم بما قرره ملخصا القاضي المعتزلي، قال: والقرآن يدل على ذلك (يعني الحدوث) لأنه تعالى قال وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ[٥٦]. وهذا يوجب أنه بعد غيره، وهذا من علامات الحدوث.

وقال تعالى : نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ[٥٧]. ومن حق الحديث ان يكون محدثا.

وقال تعالى : وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا[٥٨]. والمفعول لا يكون الا محدثا.

ووصفه تعالى القرآن بأنه:

  • ينتسخ وينسى.
  • ويبتدأ به ومنه.
  • وبأنه ذكر محدث.
  • وبانه مفصل محكم موصل.
  • وبانه عربي.
  • وبانه سور كثيرة.

يدل على أنه فعله، لأن كل ذلك من علامات الحوادث والافعال[٥٩].

وردهم العضد الإيجي بقوله:والجواب: انها تدل على حدوث اللفظ، وهو غير المتنازع فيه[٦٠].

أقول: ان الإيجي بهذا يقر بان ما ذكروه من أدلة ناهض باثبات مدعاهم، وهو المطلوب.

وذلك لأنهم لا يريدون أكثر من اثبات حدوث هذا القرآن المتداول حفظا وكتابة، لأنهم لا يؤمنون بقرآن آخر وراء هذا القرآن، إذ لم يقولوا بان لله كلاما آخر غير هذا القرآن، دل عليه هذا القرآن. وفكرة الكلام النفسي ناقشوها مسبقا وانتهوا إلى بطلانها، وهم الآن بصدد اثبات حدوث هذا القرآن المتداول.

ونخلص من هذا إلى:

  1. ان اعتبار القرآن الكريم بألفاظه والمداد الذي كتب به والورق الذي دون عليه صفة التكلم الإلهية الأزلية القائمة بذاته تعالى، فكرة غير مقبولة، لأنها انكار لضرورة العقل وبداهة الوجدان.
  2. ان القول بأن القرآن حقيقة هو الكلام النفسي، وهذا المصحف الذي بين أيدينا دال عليه، هي الأخرى فكرة غير مقبولة، لان ما لا يتعقل لا يقبل، ولأنه لم يبرهن عليها بما يفيد اليقين بها.
  3. وعليه: ان القرآن حقيقة هو هذا الذي بين أيدينا، وانه محدث، خلقه الله تعالى، وأنزله عن طريق الوحي على رسوله الكريم محمد بن عبد الله (ص)، وقرأه الرسول (ص) بلسانه الشريف، وبلغه للناس كما أمره ربه تعالى، وتلقاه المسلمون المعاصرون له، ثم الذين من بعدهم جيلا بعد جيل، كما نزل عليه، وكما قرأه عليهم.

وأضيف إلى ما يقدم:

  1. اننا لم نجد في القرآن الكريم ما يشير به الله تعالى من قريب أو من بعيد، إلى القرآن الأزلي (الكلام النفسي).
  2. والذي وجدناه في أكثر من آية هو ان الله تعالى يشير إلى هذا القرآن الذي بين أيدينا، وهذا نص منه تعالى على أنه هو القرآن. لا ما يدعى أو يتوهم من أن هناك آخر غيره قديما.

وقد جاء هذا في اثنتي عشرة آية هي:

  1. وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ[٦١].
  2. وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَىٰ[٦٢].
  3. بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ[٦٣].
  4. إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ[٦٤].
  5. صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا[٦٥].
  6. هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ[٦٦].
  7. لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ[٦٧].
  8. اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا[٦٨].
  9. إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ[٦٩].
  10. فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ[٧٠].
  11. لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ[٧١].
  12. لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ[٧٢].[٧٣]

المراجع

  1. عبدالهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام

الهوامش

  1. سورة النساء: 164.
  2. سورة الأعراف: 143.
  3. عبدالهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 141.
  4. أبو حامد الغزالي، قواعد العقائد، ص 182.
  5. أبو حامد الغزالي، قواعد العقائد، ص 183.
  6. تلخیص المحصل، ص 289.
  7. عبدالهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 141 - 142.
  8. عبدالهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 142 - 143.
  9. محمد بن عبدالکریم الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 92.
  10. سورة البقرة: 75.
  11. سورة التوبة: 6.
  12. القاضي عبدالجبار بن أحمد، المختصر في أصول الدين، ص 379.
  13. الشيخ المفید، النکت الاعتقادية، ص 394.
  14. سورة القصص: 30.
  15. أصول العدل والتوحيد، ص 264
  16. عبدالهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 143 - 147.
  17. عبدالهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 147.
  18. انظر: العقيدة الواسطية لابن تيمية، تقديم مصطفى العالم، ص 51.
  19. أنظر: الملل والنحل، ج 1، ص 106 - 107.
  20. فخر الدین الرازي، معالم أصول الدين، ص 67 - 68.
  21. عبدالهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 147 - 149.
  22. العقائد النسفية، ص 22
  23. محمد بن عبدالکریم الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 96.
  24. فخر الدین الرازي، معالم أصول الدين، ص 66.
  25. سورة الروم: 4.
  26. أبو الحسن الأشعري، الإبانة، ص 20
  27. فخر الدین الرازي، معالم أصول الدين، ص 66.
  28. سورة الأعراف: 54.
  29. فخر الدین الرازي، معالم أصول الدين، ص 66.
  30. أبو الحسن الأشعري، الإبانة، ص 19
  31. سورة النحل: 40.
  32. أبو الحسن الأشعري، الإبانة، ص 20
  33. سورة الروم: 2 - 4.
  34. تفسیر البیضاوي، ص 531، (مواهب الجلیل من تفسیر البیضاوي.
  35. سورة الأعراف: 54
  36. سلیمان بن عمر العجيلي الشافعي، الفتوحات الإلهية، ج 2، ص 168
  37. الکشاف، ج 2، ص 82 - 83.
  38. البیان، ج 4، ص 453 - 454.
  39. سورة یس: 82.
  40. سورة النحل: 40.
  41. سورة البقرة: 117.
  42. سورة آل عمران: 59.
  43. سورة القمر: 50.
  44. سورة الأحزاب: 38.
  45. السید محمد حسین الطباطبائي، تفسیر المیزان، ج 17، ص 114 - 116.
  46. الشیخ الصدوق، التوحيد، ص 147.
  47. عبدالهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 149 - 157.
  48. القاضي عبدالجبار بن أحمد، المختصر في أصول الدين، ص 339.
  49. سورة نوح: 1.
  50. سورة البقرة: 43.
  51. سورة الأنبیاء: 2.
  52. سورة الشعراء: 5.
  53. سورة الحجر: 9.
  54. سورة الزخرف: 44.
  55. سورة البقرة: 30.
  56. سورة الأحقاف: 12.
  57. سورة الزمر: 23.
  58. سورة الأحزاب: 37.
  59. القاضي عبدالجبار بن أحمد، المختصر في أصول الدين، ص 340 - 341.
  60. عضد الدین الإیجي، المواقف، ص 395
  61. سورة الأنعام: 19.
  62. سورة یونس: 37.
  63. سورة یوسف: 3.
  64. سورة الأسراء: 9.
  65. سورة الأسراء: 41.
  66. سورة الأسراء: 88.
  67. سورة الأسراء: 89.
  68. سورة الفرقان: 30.
  69. سورة النمل: 76.
  70. سورة الروم: 58.
  71. سورة الزمر: 27.
  72. سورة الحشر: 21.
  73. عبدالهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 158 - 162.