نقاش:الإمام الحسن المجتبى عليه السلام

محتويات الصفحة غير مدعومة بلغات أخرى.
من إمامةبيديا

التمهيد

تولى الإمام الحسن(ع) مسؤولية الخلافة في مناخ قلق غير مستقر وفي ظروف التعقيد والصراع، والتي برزت وتأزمت في أواخر حياة أبيه الإمام علي(ع).

ومن هذه الظروف المعقدة القاسية نذكر ما يلي:

  1. بدأ الإمام الحسن(ع) حكمه، مع جماهير لا تؤمن إيماناً واضحاً كاملاً برسالية المعركة وبأهدافها، ولا تتجاوب دينياً وإسلامياً مع متطلبات هذه المعركة. وكانت قد توزعت في تلك الفترة على أحزاب أربعة هي:
    1. الحزب الأموي: ويضم عناصر قوية تتمتع بنفوذ وكثرة في الاتباع وهؤلاء عملوا على نصرة معاوية في أوساط شيعة الحسن وكانوا بمثابة جواسيس وعيون على تحرك الإمام(ع).
    2. الخوارج: وكانوا أكثر أهل الكوفة لجاجة على الحرب حتى أنهم اشترطوا على الحسن(ع) عند بيعتهم له حرب الحالّين الضالين فرفض، فأتوا إلى الحسين مبايعين فقال لهم: «معاذ الله أن أبايعكم ما دام الحسن حياً» عندئذ لم يجدوا بداً من مبايعة الحسن(ع). وهؤلاء تعاونوا مع الحزب الأموي على حياكة المؤامرات الخطيرة والمنانضة لخطة الإمام الحسن(ع).
    3. الشكاكون: وهم المتأثرون بدعوة الخوارج من دون أن يكونوا منهم فهم المذبذبون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. ويغلب على طبعهم الانهزام.
    4. الحمراء: وهم شرطة زياد طابعهم العام أنهم جنود المنتصر وسيوف المتغلب، بلغ من استفحال أمرهم آنذاك أن نسبوا الكوفة إليهم فقالوا «كوفة الحمراء». وبمواجهة هؤلاء جميعاً كان «اتباع الحسن» الذين هرعوا إلى مبايعته بعد وفاة أبيه علي (ع)، وكانوا هم الأكثر عدداً في الكوفة ولكن دسائس الآخرين وفتنتهم كانت تعمل دائماً لا حباط أي تحرك صادر عنهم.
  2. الفارق التأريخي بين شخصية الإمام الحسن(ع) وشخصية أبيه الإمام علي(ع) ونعني بالفارق التاريخي: رصيد كل واحد منهما في أذهان الناس، إذ ليس هناك فارق بينهما في حساب الله عز وجل فإن كل واحد منهما أمام معصوم، ولكن المقصود هو أن المسلمين آنذاك لم يكونوا يؤمنون بفكرة النص على امامة الإمام سوى القلّة القليلة منهم، ولذلك لم يعاملوا الإمام الحسن(ع) كإمام مفترض الطاعة، منصوص عليه، وإنما عاملوه على أن امامته امامة عامة وامتداد لخط السقيفة ومفهومها للخلافة. والذي نؤكده هنا أن رصيد الإمام علي(ع) التأريخي في نفوس الناس لم يمتلك نظيره الإمام الحسن(ع).
  3. تسلّم الإمام الحسن(ع) الحكم بعد استشهاد أبيه مباشرة مما قوّى موجة الشك في رسالية‌ المعركة التي يخوضها الإمام الحسن(ع) حتى أن الإيحاء كان لديهم قويا بأن المعركة هي معركة بيت مع بيت، أمويين مع هاشميين، وهي بالتالي ليست معركة رسالية.

كل هذه الأسباب والملابسات، عقدّت موقف الإمام(ع) من مسألة الحكم وبات الإمام امام خيارات أربع لا خامس لها:

  1. الخيار الأول: وهو اغراء الزعامات وأصحاب النفوذ باعطائهم الأموال ووعدهم بمناصب، لاستمالتهم إلى جانبه، وهذا الخيار اقترحه البعض على الإمام الحسن لكنه رفضه بقوله «أتريدون أن أطلب النصر بالجور فو الله ما كان ذلك أبداً».
  2. الخيار الثاني: وهو أن يتجه الإمام إلى الصلح من أول الأمر ما دامت الأمة قد أنست بحياة الدعة وما دامت زعاماتها قد بدأت تتصل بمعاوية.

الإمام الحسن(ع) استبعد العمل بأحد هذين الخيارين نهائيا لعدم جدواهما وبقي عليه أن يخوض معركة يائسة يستشهد فيها هو وجماعته، أو أن يصالح بعد أن يستنفد أطول وقت ممكن ليسجل المواقف وليبين للناس من يثبت ممن ينحرف.

وها نحن نسأل بدورنا: هل خوض معركة يائسة كانت تؤدي إلى مفعول او الى تغيير للواقع الإسلامي آنذاك‌؟

والإجابة: كلا، لم تكن تلك المعركة اليائسة لتؤدي إلى أي مفعول، ما دامت سوف تتم في ظل شك الجماهير بهذه المعركة.

ومن هنا جاء لوم كثير من المؤرخين للإمام الحسن(ع) منددين بتكاسله وضعفه وتنازله عن حقه، حسما للفتنة وقبوله لحياة الدعة والراحة.

وجواباً على هذا الافتراء نقول: أن خوض الإمام(ع) ودخوله في معركة يائسة سلفاً يجعل معركته في نظر كثير من المسلمين، بمستوى المعركة التي خاضها عبد الله بن الزبير، حتى قتل وقتل معه كل اصحابه الخواص.

ونسأل، هل احداً من المسلمين فكر بابن الزبير؟ وهل أن معركته التي خاضها حققت مكسباً حقيقياً للإسلام او قدمت زخماً جديداً للعمل‌؟.

فالجواب، كلا، لم يفكر فيه أحد، لأن الناس كانوا يعيشون مفهوماً واضحاً تجاه عبد الله بن الزبير، فهو في نظرهم، خاض المعركة لزعامته الشخصية ضد عبد الملك بن مروان، ولم تكن من أجل انقاذ الرسالة أو حماية الإسلام أو تعديل الحكم المنحرف.

فنفس هذا الشك، بل بدرجة اقوى قد وجد عند الجماهير التي عاشت مع الإمام الحسن(ع). وهناك أرقام تأريخية كثيرة، تؤكد لنا أن الإمام(ع) كان مدركاً لموقفه وعارفاً أن معركته مع معاوية مستحيلة الانتصار مع وجود ظاهرة الشك في الجماهير.

والإمام(ع) ببياناته التأريخية، يرسم لنا ابعاد سياسته بوضوح في معالجته الواعية لأزمة الوضع مع اصحابه، وفي مقارعته لاعدائه، في بيان سياسي مؤثر، نلحظ فيه عمق المرارة وبليغ الرفض، ليؤكد من خلال كل كلمة من كلماته الحق الذي اطمأن إليه.

ونحن نعطي دور الأيضاًح والبيان للإمام(ع) ليكلمنا بكل شيء عن مجتمعه وموقفه من مشاكل زمانه، وعن الحلول التي خرج بها لحسم المشكلة: «وَ لَكِنِّي عَرَفْتُ أَهْلَ اَلْكُوفَةِ وَ بَلَوْتُهُمْ وَ لاَ يَصْلُحُ لِي مِنْهُمْ مَا كَانَ فَاسِداً إِنَّهُمْ لاَ وَفَاءَ لَهُمْ وَ لاَ ذِمَّةَ فِي قَوْلٍ وَ لاَ فِعْلٍ إِنَّهُمْ لَمُخْتَلِفُونَ وَ يَقُولُونَ لَنَا إِنَّ قُلُوبَهُمْ مَعَنَا وَ إِنَّ سُيُوفَهُمْ لَمَشْهُورَةٌ عَلَيْنَا».

«غَرَرْتُمُونِي كَمَا غَرَرْتُمْ مَنْ كَانَ مِنْ قَبْلِي مَعَ أَيِّ إِمَامٍ تُقَاتِلُونَ بَعْدِي مَعَ اَلْكَافِرِ اَلظَّالِمِ اَلَّذِي لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَ لاَ بِرَسُولِهِ قَطُّ».

«أَمَا وَاَللَّهِ مَا ثَنَانَا عَنْ قِتَالِ أَهْلِ اَلشَّامِ شَكٌّ وَ لاَ نَدَمٌ، وَ إِنَّمَا كُنَّا نُقَاتِلُ أَهْلَ اَلشَّامِ بِالسَّلاَمَةِ وَ اَلصَّبْرِ، فَشِيبَتِ اَلسَّلاَمَةُ بِالْعَدَاوَةِ، وَ اَلصَّبْرُ بِالْجَزَعِ وَ كُنْتُمْ فِي مُبْتَدَإِكُمْ إِلَى صِفِّينَ، وَ دِينُكُمْ أَمَامَ دُنْيَاكُمْ وَ قَدْ أَصْبَحْتُمْ وَ دُنْيَاكُمْ أَمَامَ دِينِكُمْ، وَ كُنَّا لَكُمْ وَ كُنْتُمْ لَنَا، فَصِرْتُمُ اَلْآنَ كَأَنَّكُمْ عَلَيْنَا».

لقد وصل الأمر في جمهور الإمام (ع) إلى حد الخيانة والإنحياز إلى جانب معاوية طمعاً، بما يغدقه عليهم من المال والجاه وبما يهيؤه لهم من الاستقرار حتى أن زعماء الكوفة كانوا يراسلون معاوية بتسليم الإمام(ع) مكتوفاً إليه متى شاء، ثم يأتون إلى الإمام(ع) فيظهرون له الطاعة والولاء، ويقولون له. «أنت خليفة أبيك ووصيه ونحن السامعون المطيعون لك فمرنا بأمرك».

فقال لهم الإمام(ع): «كَذَبْتُمْ وَ اَللَّهِ مَا وَفَيْتُمْ لِمَنْ كَانَ خَيْراً مِنِّي فَكَيْفَ تَفُونَ لِي أَوْ كَيْفَ أَطْمَئِنُّ إِلَيْكُمْ وَ لاَ أَثِقُ بِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَمَوْعِدُ مَا بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ مُعَسْكَرُ اَلْمَدَائِنِ فَوَافُونِي هُنَاكَ.». وخرج الإمام(ع) إلى المدائن فتخلف عنه أكثر الجيش...

إن تاريخ الحسن(ع) ومواقفه الإيجابية تدين كل من يتهمه بالضعف والتنازل عن حقه راضيا، أو أنه سلم الحكم إلى معاوية دون أن يتصدى لتصفيته ومحاربته ونحن نؤكد موقف الإمام(ع) الإيجابي، وموقفه متحدياً الإنحراف واستعداده لمحاربة معاوية عند ما قال(ع): «بَلَغَنِي أَنَّ مُعَاوِيَةَ بَلَغَهُ أَنَّا كُنَّا أَزْمَعْنَا عَلَى اَلْمَسِيرِ إِلَيْهِ فَتَحَرَّكَ لِذَلِكَ فَاخْرُجُوا رَحِمَكُمُ اَللَّهُ إِلَى مُعَسْكَرِكُمْ بِالنُّخَيْلَةِ حَتَّى نَنْظُرَ وَ تَنْظُرُونَ وَ نَرَى وَ تَرَوْنَ».

وفي مجال آخر يشير الإمام(ع) إلى استحالة خوض معركة منتصرة، في هذا الجو من الشك وقلة الأعوان المخلصين «وَ اَللَّهِ مَا سَلَّمْتُ اَلْأَمْرَ إِلَيْهِ إِلاَّ أَنِّي لَمْ أَجِدْ أَنْصَاراً وَ لَوْ وَجَدْتُ أَنْصَاراً لَقَاتَلْتُهُ لَيْلِي وَ نَهَارِي حَتَّى يَحْكُمَ اَللَّهُ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ».

اذن بقي على الإمام كما ذكرنا أن يخوض معركة يائسة ويستشهد فيها ويقتل فيها من يقتل... يقول الإمام(ع): «أني خشيت أن يجتث المسلمون عن وجه الأرض فأردت أن يكون للدين ناع» وفي مجال آخر يقول «إِنَّ مُعَاوِيَةَ نَازَعَنِي حَقّاً هُوَ لِي دُونَهُ فَنَظَرْتُ لِصَلاَحِ اَلْأُمَّةِ وَ قَطْعِ اَلْفِتْنَةِ وَ قَدْ كُنْتُمْ بَايَعْتُمُونِي عَلَى أَنْ تسالمون [تُسَالِمُوا] مَنْ سَالَمْتُ وَ تحاربون [تُحَارِبُوا] مَنْ حَارَبْتُ فَرَأَيْتُ أَنْ أُسَالِمَ مُعَاوِيَةَ وَ أَضَعَ اَلْحَرْبَ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ وَ قَدْ بَايَعْتُهُ وَ رَأَيْتُ [أَنَّ] حَقْنَ اَلدِّمَاءِ خَيْرٌ مِنْ سَفْكِهَا وَ لَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ إِلاَّ صَلاَحَكُمْ وَ بَقَاءَكُمْ ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ[١]».

فالمؤشرات الاجتماعية كلها تشير بأن أي معركة يخوضها الإمام لا تؤدي إلى أي نتيجة على الاطلاق، ولن تؤدي مفعولا على مستوى اهداف الإمام(ع) من التغيير الذي تتطلبه الرسالة كحضارة وممارسة حياتية لكل الأجيال وعلى مدى العصور.

ولابد من ان نتساءل عن اهداف هذه المعركة خصوصاً والأمة تعيش ظروف محنة الشك، وقسوة المواجهة واستحالة النصر.

ما هي اهدافها؟ وما هي طبيعتها؟ أهي مجرد عناد، أم هي رسالة وأمانة يقول الحسن(ع) «إِنَّ مِنِ اِبْتِغَاءِ اَلْخَيْرِ اِتِّقَاءَ اَلشَّرِّ» ويجيب(ع) عند ما سأله سائل عن الجهل فأجابه «سُرْعَةُ اَلْوُثُوبِ عَلَى اَلْفُرْصَةِ قَبْلَ اَلاِسْتِمْكَانِ مِنْهَا وَ اَلاِمْتِنَاعُ عَنِ اَلْجَوَابِ وَ نِعْمَ اَلْعَوْنُ اَلصَّمْتُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَ إِنْ كُنْتَ فَصِيحاً».

وفي حديث آخر له(ع) يبين لنا الموقف أكثر وضوحاً عند ما سئل عن معنى العقل قال(ع) «اَلتَّجَرُّعُ لِلْغُصَّةِ حَتَّى تُنَالَ اَلْفُرْصَةُ».

وعلى ضوء هذه الحقائق التأريخية الثابتة يحق لنا أن نطمئن إلى النتيجة القائلة لو أن الحسن(ع) خاض المعركة اليائسة لكانت معركته تشبه إلى درجة كبيرة معركة ابن الزبير اليائسة التي لم تكن لتقدم أي عطاء للاسلام ولرسالته الخالدة.

ومن هنا جاءت قرارات الإمام(ع) الصائبة، بأن يهادن مؤقتاً ويقبل بالصلح، ويفسح المجال لمعاوية يستولى على العالم الإسلامي، لكي يكشف واقعه وواقع اطروحته الجاهلية ولكي يعرّف هؤلاء المسلمين البسطاء، والذين لم يكونوا يعرفون الا ما يرون باعينهم وحواسهم، من هو معاوية وما هو واقعه وواقع حكمه، ومن كان علي بن أبي طالب وماذا كانت اطروحته.

وبناء على هذا استجاب الإمام لدعوة الصلح في وقت أصبحت فيه الاستجابة نصرا على معاوية وفصحاً لسياسته المخادعة وكشفا لخلقه أمام الجماهير، فقد كان معاوية في ذلك الوقت يتلبس وجه من يريد حقن دماء المسلمين بعد أن ادرك أن نتائج الحرب ستكون لصالحه، وهو يرى تصلّب الحسن(ع) واصراره على خوض المعركة، فأراد أن يبرز كمحب للصلح ولحقن دماء المسلمين ولكن سرعان ما فاجأته استجابة الإمام الحسن(ع) لعقد الصلح فشعر بخيبة في تحقيق سياسته الماكرة خاصة أن بنود الصلح ألزمته بأمور لم يكن له بد إلا القبول بها. وهي كما يلي (مأخوذة عن كتاب - صلح الحسن - للشيخ راضي آل ياسين ص٢٥٩-٢٦١:

المادة الأولى: تسليم الأمر إلى معاوية، على أن يعمل بكتاب الله وبسنة رسوله(ص) وبسيرة الخلفاء الصالحين.

المادة الثانية: أن يكون الأمر للحسن من بعده فإن حدث به حدث فلأخيه الحسين، وليس لمعاوية أن يعهد به إلى أحد.

المادة الثالثة: أن يترك سب أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة وأن لا يذكر عليا إلا بخير.

المادة الرابعة: استثناء ما في بيت مال الكوفة، وهو خمسة آلاف ألف فلا يشمله تسليم الأمر. وعلى معاوية أن يحمل إلى الحسين كل عام ألفي ألف درهم وأن يفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس، وأن يفرّق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل وأولاد من قتل معه بصفين ألف ألف درهم وأن يجعل ذلك من خراج دار (أبجرد) - ولاية بفارس على حدود الأهواز.

المادة الخامسة: على أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله، في شامهم وعراقهم وحجازهم، ويمنهم، وأن يؤمن الأسود والأحمر، وأن يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم وأن لا يتبع احداً بما مضى وأن لا يأخذ أهل العراق بإحنة.

وعلى أمان أصحاب علي حيث كانوا، وأن لا ينال أحدا من شيعة عليّ‌ بمكروه، وأن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم وأن لا يتعقب عليهم شيئاً، ولا يتعرض لأحد منهم بسوء، ويوصل إلى كل ذي حق حقه، وعلى ما أصاب أصحاب علي حيث كانوا.

وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي، ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت رسول الله غائلة، سراً ولا جهراً، ولا يخيف أحداً منهم، في أفق من الآفاق.

ونجحت خطوة الإمام الحسن(ع) وبدأ معاوية يساهم إلى درجة كبيرة بكشف نفسه وواقعه المنحرف، ولم ينتظر الوقائع والظروف لتساهم في كشف حقيقته، بل أعلن منذ اليوم الأول عن مضمون اطروحته، وأخذ يواصل الاعلان عنها، وفي مختلف المجالات السياسية «وَ اَللَّهِ مَا قَاتَلْتُكُمْ لِتُصَلُّوا وَ لاَ تَصُومُوا وَ لاَ تَحُجُّوا وَ لاَ تُزَكُّوا إِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَ لَكِنِّي قَاتَلْتُكُمْ لِأَتَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ وَ قَدْ أَعْطَانِي اَللَّهُ ذَلِكَ وَ أَنْتُمْ لَهُ كَارِهُونَ وَ إِنِّي مَنَّيْتُ اَلْحَسَنَ وَ أَعْطَيْتُهُ أَشْيَاءَ وَ جَمِيعُهَا تَحْتَ قَدَمَيَّ وَ لاَ أَفِي بِشَيْءٍ مِنْهَا».

وبهذا الأعلان، أخذ المسلمون يشعرون شعوراً واضحاً بأن اطروحة معاوية ما هي إلا امتداد للجاهلية، التي تريد هدم الإسلام، وإن الإمام علي(ع) هو الممثل الحقيقي لا طروحة الإسلام حتى أن تجربته القصيرة في الحكم بقيت املا وحلما في نظر الجماهير الإسلامية وهم في خضم بؤسهم الذي كانوا يعيشون فيه.

مطالبة الإمام بفسخ الهندسة

عند ما أخل معاوية بشروط الصلح المتفق عليها، أخذ كثير من المسلمين يطالبون الإمام(ع) بفسخ الهدنة ومواجهة معاوية من جديد... ولكن الإمام(ع) كان يجيبهم بقوله «أن لكل شيء أجل ولكل شيء حساب ... ولعله فتنة لكم ومتاع إلى حين».

ولم يكن الإمام(ع) يرفض بشكل مطلق فكرة نقض الهدنة، ولكن كان يؤجلها بالمنطق الذي يجعل لكل شيء أجل ولكل شيء حساب. لأنه كان يريد أن تتكشف شخصية معاوية بشكل اوضح، وإن تكون اهدافه الجاهلية مكشوفة لكل إنسان.

إلا أن معاوية احس بخطة الإمام، وعرف أن الإمام سيكشفه أمام الملأ، ويلعب ورقته بنجاح أمام الجماهير، وعند ذاك ينفضح أمره للمسلمين.. ولذا بادر معاوية لتحصين نفسه ضد هذه الفضيحة والعمل على افساد خطة الإمام(ع) حتى لا يكون مصيره مصير عثمان.

ولما كان معاوية يريد التمتع بالدنيا من خلال ملكه إلى اقصى ما يمكن أن يتمتع به الملك، فهو لا بد اذن أن ينكشف للناس، فعمد إلى اخفاء فضيحته بالعمل والتخطيط إلى اماتة ضمير الأمة وارادتها وقابليتها بتحدي الظالمين.

فكانت سياسته على مدى عشرين سنة، تخطيطاً دائباً لتمييع ضمير الأمة وارادتها، بأن يجعلهم ينصرفون عن التفكير في الهموم الكبيرة وينقطعون إلى همومهم اليومية الصغيرة، وينصرفون بها عن الاهداف التي حملوها مع نبيهم العظيم في تحطيم جاهليات العالم إلى الاهتمام بعيشهم ومصالحهم الشخصية وإلى اعطياتهم التي يتقاضونها من بيت المال.

وفعلاً أفلحت بعض خطط معاوية، حتى أصبح المسلم الذي كان يفكر بتحطيم عروش الظالمين في بلاد كسرى وقيصر أصبح الآن لا يفكر الا بعطائه الرخيص وحياته المبتذلة.

وقد وصل الحال بشيوخ بعض قبائل الكوفة، أن أصبحوا جواسيس لمعاوية بالرغم من تشيعهم لأمير المؤمنين(ع) وأخذوا ينقلون الأخبار أولا بأول عن أي بادرة تحرك أو تمرد من قبل رجال قبائلهم، ثم تأتي شرطة الحكومة وتلقي القبض عليهم وتخنق أنفاس المعارضة.

هذه الأعوام العشرون التي حكمها معاوية قد تكون من أخزى وأحرج الفترات التأريخية، التي مرت على الأمة الإسلامية، أصبح خلالها الإنسان المسلم يحس احساساً مدمراً بأنه مظلوم وأمته اصبحت مهددة بخطر الفناء، وإن احكام الشريعة الشريعة يتلاعب بها، وأصبح الفيء والسواد بستاناً لقريش والخلافة كرة يتلاعب بها صبيان بني امية.

دفاع عن الإمام الحسن(ع)

مع الأسف، أن كثيراً من المؤرخين، يؤكدون تصوراً شائعاً بينهم حول قيادة الإمام(ع) وضعفها وتراجعها أمام ضغط الأحداث، أو أنه تنازل عن حقه راضياً حسماً للفتنة أو أنه خان الثورة وسلمها دون قتال إلى معاوية عدو الإسلام، ركوناً للدعة والراحة... هكذا وبكل بساطة!! هذا الاعتقاد الشائع أغلب الظن سببه اعتقاد هؤلاء المؤرخين بأن دور الأئمة في حياتهم كان دوراً سلبياً على الأغلب، بسبب اقصائهم عن الحكم.

وهذا التفكير بالرغم من أنه خاطىء الا أنه يدل على جهل هؤلاء المؤرخين بتاريخ حياة الأئمة(ع)، فالأئمة، بالرغم من اقصائهم من مسؤولية الحكم، كانوا يتحملون بإستمرار مسؤوليتهم في الحفاظ على الرسالة وعلى التجربة الإسلامية وتحصينها ضد التردي إلى هاوية الانحراف والإنسلاخ من مبادئها، وقيمها انسلاخاً تاماً» فالإمام الحسن(ع) عند ما هادن معاوية، وتنازل عن الحكم، اتجه إلى تغيير الأمة وتحصينها من الأخطار التي كانت تهددها، والاشراف على القاعدة الشعبية، وتوعيتها بمتطلبات الشخصية الإسلامية، وتعبئتها بمحتوى التغيير الرسالي للاسلام، ولبعث الأمة من جديد.

هذا الدور الإيجابي للإمام(ع) وتحركه الفاعل على مسرح الاحداث، كلفه الكثير من الرقابة والحصار، وقصة محاولات اغتياله المتكررة، تشير بكل وضوح إلى مخاوف السلطة من تواجد الإمام(ع) كقوة معبرة عن عواطف الأمة ووعيها المتنامي. ولربما حملت معها خطر الثورة ضد ظلم بني أمية.

وأغتيال الإمام(ع) بالسم دليل صارخ بتواجده(ع) عملاً ونشاطاً دائباً في بعث الأمة وانهاضها من جديد.

فالإمام لم ينفرد ولم يتخاذل عن قيادة الأمة ومتطلباتها في الكفاح.

ومعاوية أدرك جيدا أن الإمام(ع) هو صاحب رسالة ومبدأ فلا بد أنه عامل لاعطاء رسالته من جهده وعرقه سيادة الحكم بما يبذله من أساليب العمل والتغيير.[٢]

المراجع والمصادر

  1. عادل الأديب، الأئمة الاثنا عشر

الهوامش

  1. سورة الأنبياء، الآية ١١١.
  2. عادل الأديب، الأئمة الاثنا عشر، ص 94-105.