نقاش:الإمام موسی الكاظم عليه السلام

محتويات الصفحة غير مدعومة بلغات أخرى.
من إمامةبيديا

التمهيد

استمر الإمام موسى بن جعفر(ع) يعمل على نفس محاور العمل والتخطيط الذي اعتمده الإمام الصادق(ع) في مواجهته للمجتمع.

المحور الأول: الإستمرار المتصاعد في التخطيط الفكري والتوعية العقائدية، ومعالجة الإتجاهات العقائدية المنحرفة، والنزعات الشعوبية والعنصرية والنحل الدينية.

وكانت من أخطر تلك الدعوات المحمومة هي الدعوة إلى الأفكار الإلحادية والتي أخذت تنشط وتبث سمومها في نفوس الناشئة الإسلامية وكان موقف الإمام موسى(ع) من هذه الدعوى موقف المتصدي والناقد لها بالأدلة العلمية الرصينة وتبيان تهافتها وبعدها عن منطق الواقع، حتى اعترف قسم كبير من حملة تلك المبادىء بخطئهم وفساد اتجاههم وقد لمعت بسبب ذلك حركة الإمام(ع) وذاعت مقدرتها العلمية، حتى دان بها قسم كبير من المسلمين وقد ثقل ذلك الأمر على المسؤولين فتصدوا لهم بالاضطهاد والتنكيل ومنعوهم من الكلام في مجالات العقيدة مما اضطر الإمام موسى(ع) أن يبعث إلى هشام (و هو أحد أصحابه) أن يكف عن الكلام نظرا لخطورة الموقف فكف هشام عن ذلك حتى مات المهدي[١].

ولقد التف بالإمام أثناء إقامته في يثرب جمع غفير من كبار العلماء ورواة الحديث ممن تتلمذوا في جامعة أبيه الكبرى، وقد زود الفقه الإسلامي بطاقات كبيرة من آرائه الحصيفة، وتنسب له مجموعة كثيرة من الأحكام الإسلامية، وقد دونت في موسوعات الحديث والفقه، وكان العلماء والرواة لا يفارقونه ولا يفترقون عنه يسجلون أحاديثه وأبحاثه وفتاواه، فقد روى السيد ابن طاووس أن أصحاب الإمام وخواصه كانوا يحضرون مجلسه ومعهم في أكمامهم ألواح آبنوس وأمبال فإذا نطق بكلمة أو أفتى في نازلة بادروا إلى تسجيل ذلك[٢] وقد روى عنه هؤلاء العلماء جميع أنواع العلوم على اختلافها وتباعد أطرافها، وقد عمت جهوده العلمية جميع المراكز الإسلامية، وأصبح عطاؤه العلمي يتناقله العلماء جيلا بعد جيل.

المحور الثاني: الإشراف المباشر على قواعده الشعبية ومواليه والتنسيق معها في اتخاذ المواقف السلبية تجاه الحكم لإضعافه سياسياً ومقاطعته وحرمة الإتصال به، وعدم الترافع إلى مجالس قضائه تمهيدا لإسقاطه وإزالة وجوده سياسياً.

ومما شجع الإمام على هذا الموقف الصارم ذلك التحول الواضح من التوسع والإنتشار لقواعده الشعبية، والتي أخذت تتعاطف مع حركة الإمام(ع) ونشاطاته السلبية من الحكم العباسي المنحرف ودعوته في تحريم التعاون مع الحكم في أي مجال من مجالاتها، وقد ظهر هذا الموقف في حواره مع أحد أصحابه (صفوان) فقد قال له الإمام(ع): «يَا صَفْوَانُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْكَ حَسَنٌ جَمِيلٌ مَا خَلاَ شَيْئاً وَاحِداً! قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَيُّ شَيْءٍ قَالَ إِكْرَاؤُكَ جِمَالَكَ مِنْ هَذَا اَلرَّجُلِ يَعْنِي هَارُونَ قُلْتُ: وَ اَللَّهِ مَا أَكْرَيْتُهُ أَشَراً وَ لاَ بَطَراً وَ لاَ لِصَيْدٍ وَ لاَ لِلَّهْوِ، وَ لَكِنِّي أُكْرِيهِ لِهَذَا اَلطَّرِيقِ يَعْنِي طَرِيقَ مَكَّةَ، وَ لاَ أَتَوَلاّهُ بِنَفْسِي وَ لَكِنْ أَنْصِبُ مَعَهُ غِلْمَانِي، فَقَالَ لِي: يَا صَفْوَانُ أَ يَقَعُ كِرَاؤُكَ عَلَيْهِمْ قُلْتُ: نَعَمْ جُعِلْتُ فِدَاكَ، قَالَ: فَقَالَ لِي: أَ تُحِبُّ بَقَاءَهُمْ حَتَّى يَخْرُجَ كِرَاؤُكَ قُلْتُ نَعَمْ، قَالَ: فَمَنْ أَحَبَّ بَقَاءَهُمْ فَهُوَ مِنْهُمْ وَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ كَانَ وَرَدَ اَلنَّارَ».

واستمر الإمام(ع) يعرب عن نقمته وسخطه الشديدين على حكومة هارون، ودعوته إلى حرمة التعاون معهم بأي لون كان، وقد منع(ع) الركون إليهم مستشهداً بقوله: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ[٣] وقد حرّم على المسلمين الميل إليهم وضرورة مقاطعتهم حتى لو كان ذلك مستندا إلى بعض المصالح الشخصية وحذر أصحابه من الدخول في سلك حكومة هارون أو القبول لأي وظيفة من وظائف الدولة. فقال(ع) لزياد بن أبي سلمة: «يَا زِيَادُ لَئِنْ أَسْقُطَ مِنْ حَالِقٍ فَأَتَقَطَّعَ قِطْعَةً قِطْعَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَوَلَّى لِأَحَدٍ مِنْهُمْ عَمَلاً، وَ أَطَأَ بِسَاطَ رَجُلٍ مِنْهُمْ»[٤].

وقد استثنى الإمام(ع) علي بن يقطين أحد أصحابه الكبار أن يتولى منصب الوزارة أيام هارون ومن قبلها منصب الأزمة أيام المهدي[٥] وقد تقدم إلى الإمام موسى(ع) يطلب منه الإذن في ترك منصبه والإستقالة منه فنهاه(ع) عن ذلك وقال له: «لاَ تَفْعَلْ فَإِنَّ لَنَا بِكَ أُنْساً وَ لِإِخْوَانِكَ بِكَ عِزّاً وَ عَسَى أَنْ يَجْبُرَ اَللَّهُ بِكَ كَسْراً وَ يَكْسِرَ بِكَ نَائِرَةَ اَلْمُخَالِفِينَ عَنْ أَوْلِيَائِهِ يَا عَلِيُّ كَفَّارَةُ أَعْمَالِكُمُ اَلْإِحْسَانُ إِلَى إِخْوَانِكُمْ اِضْمَنْ لِي وَاحِدَةً وَ أَضْمَنَ لَكَ ثَلاَثاً اِضْمَنْ لِي أَنْ لاَ تَلْقَى أَحَداً مِنْ أَوْلِيَائِنَا إِلاَّ قَضَيْتَ حَاجَتَهُ وَ أَكْرَمْتَهُ وَ أَضْمَنَ لَكَ أَنْ لاَ يُظِلَّكَ سَقْفُ سِجْنٍ أَبَداً وَ لاَ يَنَالَكَ حَدُّ سَيْفٍ أَبَداً وَ لاَ يَدْخُلَ اَلْفَقْرُ بَيْتَكَ أَبَداً يَا عَلِيُّ مَنْ سَرَّ مُؤْمِناً فَبِاللَّهِ بَدَأَ وَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ثَنَّى وَ بِنَا ثَلَّثَ»[٦].

المحور الثالث: الموقف العلمي والصريح في احتجاجه على الحاكم بأنه أحق بالخلافة من غيره وأولى بها من جميع المسلمين.

وقد جرى احتجاجه(ع) مع هارون الرشيد وهو في مرقد النبي(ص) أمام حشد غفير من الأشراف وقادة الجيش وكبار الموظفين في الدولة، فقد أقبل هارون بوجهه على الضريح المقدس وسلم بقوله: «السلام عليك يا ابن العم» معتزاً ومفتخراً على غيره بصلته من النبي(ص) وأنه إنما نال الخلافة لقربه من الرسول(ص) وكان الإمام - آنذاك - حاضرا فسلم على النبي(ص) قائلاً: «اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أَبَتِ».

ففقد الرشيد صوابه واستولت عليه موجات من الإستياء، حيث قد سبقه الإمام إلى ذلك المجد والفخر، فقال له بنبرات تقطر غضباً وحقداَ: «لم قلت إنك أقرب إلى رسول الله(ص) منا؟ فأجابه(ع) برد مفحم قائلاً: «لو بعث رسول الله(ص) حياً وخطب منك كريمتك هل كنت تجيبه إلى ذلك‌؟ فقال هارون: سبحان الله!! وكنت أفتخر بذلك على العرب والعجم.

فانبرى الإمام(ع) قائلاً: لكنه لا يخطب مني ولا أزوجه لأنه والدنا لا والدكم فلذلك نحن أقرب إليه منكم»[٧].

واضطر هارون بعدما أعياه الدليل إلى منطق العجز، فأمر باعتقال الإمام(ع) وزجه في السجن [٨].

وقد كان موقف الإمام موسى(ع) من هارون صريحاً وواضحاً فقد دخل عليه في بعض قصوره المشيدة الجميلة التي لم ير مثلها في بغداد ولا في غيرها، فانبرى إليه هارون وقد أسكرته نشوة الحكم قائلاً: «مَا هَذِهِ اَلدَّارُ فَقَالَ هَذِهِ دَارُ اَلْفَاسِقِينَ قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا[٩] اَلْآيَةَ فَقَالَ لَهُ هَارُونُ فَدَارُ مَنْ هِيَ قَالَ هِيَ لِشِيعَتِنَا فَتْرَةٌ وَ لِغَيْرِهِمْ فِتْنَةٌ قَالَ فَمَا بَالُ صَاحِبِ اَلدَّارِ لاَ يَأْخُذُهَا فَقَالَ أُخِذَتْ مِنْهُ عَامِرَةً وَ لاَ يَأْخُذُهَا إِلاَّ مَعْمُورَةً قَالَ فَأَيْنَ شِيعَتُكَ فَقَرَأَ أَبُو اَلْحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ﴿ِ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ[١٠] قَالَ فَقَالَ لَهُ فَنَحْنُ كُفَّارٌ قَالَ لاَ وَ لَكِنْ كَمَا قَالَ اَللَّهُ ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ[١١] فَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ وَ غَلَّظَ عَلَيْهِ فَقَدْ لَقِيَهُ أَبُو اَلْحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِمِثْلِ هَذِهِ اَلْمَقَالَةِ وَ مَا رَهِبَهُ وَ هَذَا خِلاَفُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ هَرَبَ مِنْهُ مِنَ اَلْخَوْفِ»

وهكذا فقد كان يرى الإمام أن هارون غاصب لمنصب الخلافة ومختلس للسلطة والحكم، مما أثار غضب هارون عليه وأغلظ في كلامه على الإمام(ع) بعد أن سمعه يتحداه بموقف لا لين فيه.

وفي موقف آخر، حينما سأله هارون عن فدك وحدودها لكي يرجعها إليه، فأبى(ع) أن يأخذها إلا بحدودها، فقال الرشيد: - ما حدودها؟ فقال(ع): «إِنْ حَدَدْتُهَا لَمْ تَرُدُّهَا».

فأصر هارون عليه أن يبينها له، ولم يجد الإمام(ع) بدا من إجابته فقال له: «أَمَّا اَلْحَدُّ اَلْأَوَّلُ فَعَدَنُ» فلما سمع الرشيد ذلك تغير وجهه، واستمر الإمام(ع) في بيانه قائلاً: «وَ اَلْحَدُّ اَلثَّانِي سَمَرْقَنْدُ» فاربد وجه هارون، واستولت عليه موجة من الغضب الهائل، ولكن الإمام(ع) استمر قائلاً «وَ اَلْحَدُّ اَلثَّالِثُ إِفْرِيقِيَةُ» فاسود وجه هارون وقال بنبرات تقطر غيظا «هيه» وانطلق الإمام يبين الحد الأخير قائلاً: «وَ اَلرَّابِعُ سِيفُ اَلْبَحْرِ مِمَّا يَلِي اَلْجُزُرَ وَ أَرْمِينِيَةَ».

فثار الرشيد، ولم يملك أعصابه قائلاً: لم يبق لنا شيء. قد علمت أنك لا تردها[١٢].

المحور الرابع: تحريك الضمير الثوري للأمة عن طريق تشجيعهم ومباركتهم للثورات والإنتفاضات التي مارسها علويون ثائرون حفاظاً على الضمير الإسلامي والإرادة الإسلامية من الإنهيار أمام الحكام المنحرفين، وكان الأئمة(ع) يسندون المخلصين منهم.

وعندما عزم الحسين بن علي بن الحسن - صاحب واقعة فخ الشهيرة - أن يثور على الأوضاع الفاسدة التي وصلت إلى حد الإذلال والاضطهاد الشديد لكل من هو شيعي وعلوي يوالي الإمام(ع)، أقبل إلى الإمام موسى(ع) يستشيره في ثورته وعرض عليه فكرة الثورة، فالتفت إليه الإمام(ع) قائلاً: «إِنَّكَ مَقْتُولٌ فَأَجِدَّ اَلضِّرَابَ فَإِنَّ اَلْقَوْمَ فُسَّاقٌ يُظْهِرُونَ إِيمَاناً وَ يَسْتُرُونَ شِرْكاً وَ ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ[١٣] أَحْتَسِبُكُمْ عِنْدَ اَللَّهِ مِنْ عُصْبَةٍ».

ولما سمع الإمام موسى(ع) بمقتل الحسين بكاه وأبّنه بهذه الكلمات: «﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، مضى والله مسلماً صالحاً صواماً قواماً، آمرا بالمعروف، ناهياً عن المنكر، ما كان في أهل بيته مثله»[١٤].

ولما استأصل موسى الهادي شأفة العلويين أخذ يتوعد الأحياء منهم بالقتل والدمار، وقد ذكر الإمام موسى فقال: «وَ اَللَّهِ مَا خَرَجَ حُسَيْنٌ إِلاَّ عَنْ أَمْرِهِ لاَ اِتَّبَعَ إِلاَّ مَحَبَّتَهُ لِأَنَّهُ صَاحِبُ اَلْوَصِيَّةِ فِي أَهْلِ هَذَا اَلْبَيْتِ»[١٥].

فأسرع إلى الإمام أصحابه مسرعين فزعين، يشيرون عليه أن يختفي ليسلم من شر هذا الطاغية، فتبسم(ع) وتمثل بقول الشاعر كعب بن مالك:

زَعَمَتْ سَخِينَةُ أَنْ سَتَغْلِبُ رَبَّهَافَلَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ اَلْغَلاَّبِ‏


عمل الإمام(ع) ومجالاته

كان عمل الإمام(ع) يجري في مجالين أحدهما سري وثانيهما علني.

العمل السري: مقاومة الإمام(ع) للأوضاع سلكت طريقتين:

أولاهما: الطريقة السلبيةوقد تمثلت في أمره لقواعده ومواليه والمرتبطين به بمقاطعة الحكم، وتجنب أي معاملة معهم على أي مستوى من المستويات.

«و هذه المعارضة بالرغم من أنها اتخذت مظهر السلبية والمقاطعة في أكثر الأحايين بدلاً من مظهر الإصطدام الإيجابي والمقابلة المسلحة غير أن المعارضة حتى بصيغتها السلبية كانت عملاً إيجابياً عظيماً في حماية الإسلام والحفاظ على مثله وقيمه لأن انحراف الزعامات القائمة كان يعكس الوجه المشوه للرسالة فكان لا بد للقادة من أهل البيت أن يعكسوا الوجه النقي المشرق لها وأن يؤكدوا عملياً باستمرار المفارقات بين الرسالة والحكم الواقع، وهكذا خرج الإسلام على مستوى النظرية سليماً من الانحراف وإن تشوهت معالم التطبيق[١٦].

وكانت بعض التنظيمات الشيعية تعتمد على نظام الخلايا، وكانت هناك سجلات خاصة سرية بأسماء الشيعة عند بعض أصحاب الأئمة[١٧] وقد جهدت السلطات الحاكمة آنذاك للعثور عليها فلم تتمكن.

وعلى أي حال فإن تلك الخلايا هي التي عملت على نشر التشيع في جميع الأقاليم الإسلامية بعيداً عن أعين السلطة ورقابتها حتى أصبح قوة كبيرة وصار من العسير إرغام معتنقيه وإخضاعهم إلى رغبات السلطة، مما سوف تضطر السلطات - فيما بعد كما سنرى في عهد الإمام الرضا(ع) - كيف أن المأمون لجأ إلى الإمام الرضا وأولاه ولاية العهد[١٨].

وبهذا الأسلوب من العمل السري يؤكد الإمام(ع) حقه في الحكم ويعمل على صيانة أصحابه وقواعده من الإندماج في الوضع الفاسد والإشراف عليهم والتخطيط لسلوكهم وتنمية وعيهم وإمدادهم بكل أساليب الصمود والإرتفاع بهم إلى مستوى الطليعة الواعية المتفهمة لدورها ورسالتها.

وتتمثل الطريقة السرية في عمله بجانبين:

  1. تأييده للحركات الثورية، وإسناده للمخلصين منهم والتي قادها ثوار من أهل بيته أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، كما رأينا في موقفه(ع) من وقعة - فخ - التي قادها الحسين بن علي بن الحسن الذي يرجع نسبه إلى الإمام علي بن أبي طالب(ع). فهذه الثورات كانت ترتبط بشكل من أشكال الإرتباط بإذن الإمام(ع) وموافقته، فهي واجهات ظاهرة لعملهم ترتبط بهم، وتعمل من أجل انتزاع الأمر للرضا من آل محمد.
  2. ممارسة الإمام للقيادة والإشراف المباشر على شؤون شيعته وتوجيههم توجيهاً عقائدياً وفكرياً وسلوكياً خاصاً ليصنع منهم قاعدة صلبة لحركته تمتد داخل الأمة لتحقيق أهداف الإمام وتصحيح الانحرافات التي تقع داخل الأمة.

ومن هنا كان الإمام(ع) ومن قبله آباؤه يتعرضون للملاحقة والمراقبة والاضطهاد.

ونظراً للمحن الشاقة والخطوب العسيرة التي واجهتها الشيعة في تلك الظروف السود، فقد كانوا لا يجدون سبيلاً للتعبير عن آلامهم وبث شكواهم حتى التجأ البعض منهم إلى أن يكتب على الجدران، ليطلع على ذلك الجمهور من الناس[١٩] ويعرّفوا مدى ما لحقهم من الضيم والاضطهاد.

وكانت بعض الشعارات المكتوبة تصور جانباً من احتجاج العلويين في أحقيتهم للخلافة ورعاية شؤون المسلمين، فهم أولى الناس بالنبي(ص) وأنهم خلفاؤه على أمته[٢٠].

العمل العلني: وقد أتاح العمل العلني للإمام(ع) أن يباشر علاج جهل الأمة بالإسلام عقيدة وأحكاما، ورد الشبهات الإلحادية التي أخذت تبثها الحركات التي تولدت نتيجة لإنفتاح العالم الإسلامي آنذاك على التيارات الأجنبية والغريبة[٢١] وهي من المشاكل الكبرى التي كانت تواجه الإمام(ع) وتباعد بينه وبين هدفه ولهذا بادر إلى مقاومة هذه العقائد وإبطال نظرياتها المخالفة للإسلام.

وفي مجال آخر كان الإمام يعقد المناظرات والإحتجاجات العلنية مع أئمة المذاهب الإسلامية وقادتها للتدليل على فكرة الإمامة وأطروحتها وكانت تلك المناظرات تعقد في الأماكن العامة، وكان يقوم بتلك المناظرات كل من هشام بن الحكم وهشام بن سالم، ومؤمن الطاق مما أدى إلى انتشار الفكر الشيعي وذيوع أفكاره بين المسلمين بفضل تلك الحجج القوية والبراهين الحاسمة، التي كانت تقوم على المنطق والبحث الموضوعي المجرد، وقد نعتهم (كرادي فوا) بأنهم أصحاب الفكر الحر[٢٢].

ولا شك أن عمله(ع) في هذين المجالين الآنفين كان يقربه من الهدف بما يفرضه من إمامته العلمية وبما يهيئه من سلطان لمبادئه وقوة لأفكاره وبما يشيعه في أوساط الأمة من مناخ ملائم لدعوته.

الوشاية بالإمام(ع)

كانت بعض أخبار نشاط الإمام(ع) تتسرب عن طريق الواشين إلى هارون الرشيد، فيثير هذا حقده وغضبه، وقد أخبر مرة بأن الإمام موسى بن جعفر(ع) تجنبى له الأموال الطائلة من شتى أقطار العالم الإسلامي، وتحمل إليه من المشرق والمغرب وأن له بيوت أموال[٢٣] وقد أمر هارون بإلقاء القبض على الإمام وإيداعه السجن[٢٤].

وقد سعى يحيى البرمكي إلى هارون فأوغر صدره على الإمام عندما أخبره بأن الإمام(ع) يعمل على طلب الخلافة إلى نفسه وأنه كتب إلى قواعده في سائر الأقطار الإسلامية يدعوهم إلى نفسه ويحفزهم إلى الثورة ضد حكومته.

وعمل هارون من جانبه على سجن الإمام(ع) وعزله عن شيعته وقضى الإمام(ع) زمناً طويلاً (ربما ستة عشر سنة) في السجون حتى لقي ربه فيها وقد عانى أمر الآلام وأدهى العذاب وقد سئم الإمام من السجن وضاق صدره من طول المدة، وكان ينقل من حبس إلى حبس تراقبه الشرطة والعيون خوفاً من إتصال أحد من شيعته به.

وقد مكث الإمام(ع) زمناً طويلاً في سجن هارون وقد هدّ السجن صحته وأذاب جسمه حتى أصبح حين يسجد لربه كالثوب المطروح على الأرض فيدخل عليه رسول الزعامة المنحرفة فيقول إن الخليفة يعتذر إليك ويأمر بإطلاق سراحك على أن تزوره وتعتذر إليه، أو تطلب رضاه، فيشمخ الإمام(ع) وهو يجيب بالنفي بكل صراحة ويتحمل مرارة الكأس إلى الثمالة لا لشيء إلا لكي لا يحقق للزعامة المنحرفة هدفها في أن يبارك الإمام(ع) خطها فتنعكس معالم التشويه[٢٥].

وأرسل الإمام(ع) وهو في السجن رسالة إلى هارون يعرب فيها عن سخطه البالغ عليه، وهذا نصها: «أَنَّهُ لَنْ يَنْقَضِيَ عَنِّي يَوْمٌ مِنَ اَلْبَلاَءِ إِلاَّ اِنْقَضَى عَنْكَ مَعَهُ يَوْمٌ مِنَ اَلرَّخَاءِ حَتَّى نَقْضِيَ جَمِيعاً إِلَى يَوْمَ لَيْسَ لَهُ اِنْقِضَاءٌ يَخْسَرُ فِيهِ اَلْمُبْطِلُونَ»[٢٦].

ولقد عانى الإمام(ع) من سجنه ألوان العذاب والتنكيل، فتكبيل بالقيود، وتضييق شديد، وأذى مرهق، وبعدما صب عليه الرشيد جميع النكبات الموجعة دس إليه سما فاتكاً، فقضى عليه ومضى لربه شهيداً سعيداً وكانت وفاته سنة ١٧٣ه‍ لخمس بقين من شهر رجب[٢٧].[٢٨]

خلاصه صفحه اول سایت

«الإمام موسی الكاظم عليه السلام» هو موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبي طالب (ع).

وأُمّه: ام ولد يقال لها: «حميدة البربرية» - أو «الأندلسية» - و«حُميدة المصفاة».

كنيته ولقبه: كان يكنّى بـ «أبي الحسن» - و «أبي الحسن الأوّل» - و «أبي إبراهيم»، و «أبي عليّ»، والأوّل اشهرها. والقابه كثيرة، أهمّها: «الكاظم»، و «العبد الصالح»، و«الصابر»، وأشهرها الأوّل.

وُلد بالأبواء سنة مئة وثمان وعشرين، في السابع من شهر صفر، كما قيل.

كان عمره خمساً وخمسين سنة، بقي عشرين سنة منها مع ابيه، وخمساً وثلاثين بعده.[٢٩]

بلغت امامته خمساً وثلاثين سنة، وتقلّدها وهو ابن عشرين عاماً.

عاصر الإمام موسى (ع) من الحكّام: «المنصور»، و«المهدي»، و«الهادي»، و هارون الرشيد، وتوفّي في حكم الأخير.

الظروف السياسية في عصره: لاقى الإمام الكاظم (ع) ضغطاً شديداً من قبل حكّام عصره.

أمّا المنصور انّه كتب الى محمد بن سليمان: «إن كان - يعني الإمام جعفر الصادق(ع)- أوصى إلى رجل واحد بعينه فقدّمه واضرب عنقه». ولهذا السبب اوصى الإمام الصادق الى خمسة هم: المنصور، و محمد بن سليمان - الوالي على المدينة - و عبد الله بن جعفر- اخو الإمام موسى (ع) و موسى بن جعفر، وحميدة أُمّه، ليدرا الشبهة عن الإمام موسى(ع).

فكانت عيون المنصور وجواسيسه تراقب من تجتمع عليه الشيعة ليقضي عليه؛ ولذلك خفى على كثير من الشيعة إمامة الكاظم (ع) وذهبوا الى إمامة اخيه عبد الله الذي كان أكبر ولد أبيه، ولمّا لم يقدر على إجابة الأسئلة الموجّهة اليه رجعوا إلى إمامة الكاظم بالتدريج.

مات المنصور سنة مئة وثمان وخمسين، وبدأت خلافة المهدي ودامت عشر سنين. أقدمه المهدي الى بغداد وحبسه ثمّ أطلق سراحه لرؤيا رآها. ومضي المهدي وجاء بعده ابنه موسى الهادي، ولم يبق في الحكم إلّا خمسة عشر شهراً. وصادف في أيامه خروج الحسين بن على صاحب فخ، فاستشهد وأكثر من معه، واسر جماعة من آل عليّ (ع) وجيء بهم وبالرؤوس الى موسى الهادي.

وما ان ذهب موسى الهادي حتّى جاء اخوه‌ هارون الرشيد فازدادت النقمة على آل عليّ (ع) وخاصّة على موسى بن جعفر (ع)، وكانت العيون تراقبه من قريب وبعيد، اضف الى ذلك وجود الحسّاد من اقاربه وغيرهم، فانّ هؤلاء كلّهم كانوا يرفعون التقارير الي‌ هارون ضدّ الإمام (ع)، فكان يزداد بغضاً وحنقاً عليه.

فضائل الإمام موسى (ع) ومناقبه:قال الشيخ المفيد: «وكان أبو الحسن موسى (ع) أعبد أهل زمانه، وافقههم واسخاهم كفّاً واكرمهم نفساً. وروي: انّه كان يصلّي نوافل الليل ويصلها بصلاة الصبح، ثمّ يعقّب حتّى تطلع الشمس، ويخرّ لله ساجداً فلا يرفع راسه من الدعاء والتمجيد حتّى يقرب زوال الشمس، وكان يدعو كثيراً، فيقول: « اَللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ اَلرَّاحَةَ عِنْدَ اَلْمَوْتِ وَ اَلْعَفْوَ عِنْدَ اَلْحِسَابِ »، ويكرّر ذلك. وكان يبكي من خشية الله حتّى تخضلّ لحيته بالدموع، وكان أوصل الناس لإهله ورحمه، وكان يفتقد فقراء المدينة في الليل، فيحمل اليهم فيه العين والورق، والأدقّة، والتمور، فيوصل اليهم ذلك، ولا يعلمون من ايّ جهة هو...» .

تلامذة الإمام موسى(ع): مع شدّة الضغوط السياسية على الإمام (ع) وعلى اصحابه، اعتنى تلامذته بما يصدر عنه من معارف وعلوم، فروى انّه: «كان جماعة من خاصّة ابي الحسن (ع) من اهل بيته وشيعته يحضرون مجلسه ومعهم في اكمامهم ألواح آبنوس لطاف وأميال، فاذا نطق ابو الحسن (ع) بكلمة وافتى في نازلة اثبت القوم ما سمعوا منه في ذلك».

وقد ذكر الشيخ الطوسي في رجاله اسماء مئتين وسبعين من اصحابه، منهم: هشام بن الحكم، و هشام بن سالم، و ابن ابي عمير، و علي بن يقطين، و ابو جعفر الأحول، و يونس بن عبد الرحمن، و...

مناظرات الإمام موسى (ع) واحتجاجاته: على الرغم من الموقف المعادي للسلطة الحاكمة تجاه الإمام (ع) وما ترتّب عليه من مضايقات شديدة له، فقد زخرت حياته العلمية بعطاءات جليلة، ونهل طلّاب العلم الإلهي من معينه الصافي، وخاض مناظرات مع شخصيات سياسيّة وعلميّة وغيرها نذكر نماذج منها:

  1. مناظرته مع ابي حنيفة.

مناظرته مع محمد بن الحسن الشيباني.

  1. مناظراته مع حكّام عصره: كانت للإمام (ع) مناظرات واحتجاجات مع المهدي العباسي و هارون الرشيد، محاورها: قضيّة فدك، والنسبة الى رسول الله (ص)، وتقديم عليّ (ع) على العبّاس في الميراث، ونحوها.

استُشهد في الخامس والعشرين من شهر رجب سنة مئة وثلاث وثمانين ببغداد في سجن‌ هارون الرشيد على أثر السمّ الذي دسّه اليه. ودفن في مقابر قريش في باب التبن، وكانت لبني‌ هاشم والأشراف من الناس قديماً.

ونقل ابن خلكان عن الخطيب: انّ «قبره هناك مشهور يزار، وعليه مشهد عظيم فيه قناديل الذهب والفضّة، وانواع الآلات والفرش ما لا يحدّ».

المراجع والمصادر

  1. عادل الأديب، الأئمة الاثنا عشر

الهوامش

  1. رجال الكشي ص١٧٢.
  2. الأنوار البهية ص٩١.
  3. سورة هود، الآية ١١٣.
  4. المكاسب للشيخ الأنصاري باب الولاية من قبل الجائز.
  5. الجهشياري.
  6. المكاسب للأنصاري.
  7. أخبار الدول ص١١٣.
  8. تذكرة الخواص ص٣٥٩.
  9. سورة الأعراف، الآية ١٤٦.
  10. سورة البينة، الآية ١.
  11. سورة إبراهيم، الآية ٢٨.
  12. المناقب جزء ٢ ص٣٨١.
  13. سورة البقرة، الآية ١٥٦.
  14. المقاتل ص٤٥٣.
  15. بحار الأنوار جزء ١١ ص٢٧٨.
  16. دائرة المعارف الإسلامية، مقال دور الأئمة للصدر ص٩٦.
  17. رجال النجاشي.
  18. حياة الإمام موسى باقر شريف القرشي ج٢ ص١٨٨.
  19. حياة الإمام موسى القرشي ص١٩٠.
  20. راجع الشعارات بالتفصيل في مقاتل الطالبيين ٤١١-٤١٢.
  21. راجع هذه التيارات الالحادية في كتاب حياة الإمام موسى للقرشي ص١٢٦ وما بعدها.
  22. الحضارة الإسلامية ج١ ص١٢٧.
  23. عيون أخبار الرضا.
  24. الفصول المهمة ص٢٥٢.
  25. دائرة المعارف دور الأئمة للصدر ص٩٦.
  26. البداية والنهاية ج١٠ ص١٨٣ وتاريخ بغداد.
  27. ابن خلكان ج٢ ص١٧٣ وتاريخ بغداد.
  28. عادل الأديب، الأئمة الاثنا عشر، ص 185 - 196.
  29. انظر الارشاد ٢: ٢١٥، وغيره.