نقاش:برهان الصديقين في الفلسفة الإسلامية
برهان الصدّيقين عند ابن سينا
هذا البرهان عند ابن سينا يعتمد على التفكير العقلي البحت دون الحاجة إلى النظر في مخلوقات الله وآثاره في الكون. ويمكن تلخيص هذا البرهان بالشكل التالي:
- يقسّم ابن سينا الموجودات إلى قسمين: واجب الوجود (أي ما يجب وجوده ولا يمكن عدمه) وممكن الوجود (أي ما يمكن وجوده ويمكن عدمه).
- بما أنّه يوجد في الواقع أشياء ممكنة الوجود (أي يمكن تصوّر عدمها)، فلابدّ أن يكون هناك موجود واجب الوجود هو علة وجودها، وإلّا لما وجدت هذه الممكنات.
- هذا الموجود الواجب هو الله تعالى؛ لأنّه لو كان غيره لكان ممكناً لا واجباً.
فإذن، بمجرد ملاحظة وجود شيء مّا في الواقع، وبالتفكير العقلي المجرد، نصل إلى الاعتراف بوجود الله الواجب. ويرى ابن سينا أنّ هذا البرهان أقوى وأشرف من سائر البراهين؛ لأنّه لا يحتاج للنظر في المخلوقات والآثار الإلهية[١].
ويستشهد على ذلك ببعض الآيات، كقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾[٢]، ثمّ قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾[٣]، فالآية الثانية تدلّ على أنّ الله معروف بنفسه لا بآثاره فقط.
وفي نفس المعنى، يقول الإمام الصادق (ع): «لَا يُدْرِكُ مَخْلُوقٌ شَيْئاً إِلَّا بِاللهِ وَ لَا تُدْرَكُ مَعْرِفَةُ اللهِ إِلَّا بِاللهِ»[٤].[٥]
برهان الصدّيقين في الحكمة المتعالية
حاول صدر المتألهين الشيرازي تطوير برهان الصدّيقين الذي طرحه ابن سينا، وذلك لأنّه رأى أنّ برهان ابن سينا وغيره من الحكماء والمتكلمين يعتمد على مفاهيم كالإمكان والماهية وغيرها، فليس جديراً بهذا الاسم (برهان الصدّيقين). يقول:
«و غير هؤلاء (الصدّيقين) يتوسّلون إلى معرفته تعالى وصفاته بواسطة أمرٍ آخر غيره كجمهور الفلاسفة بالإمكان، والطبيعيّين بالحركة للجسم، والمتكلمين بالحدوث والخلق أو غير ذلك»[٦].
ويرى صدر المتألهين أنّ البرهان الأمثل هو الذي لا يعتمد على وسائط أخرى غير الله نفسه:
«وأسدّ البراهين وأشرفها إليه هو الذي لا يكون الوسط في البرهان غيره بالحقيقة، فيكون الطريق إلى المقصود هو عين المقصود وهو سبيل الصدّيقين».
ويستشهد بقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾[٧] على الطرق الأخرى، وبقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾[٨] على هذه الطريقة المثلى[٩].
فيطرح صدر المتألهين برهانه الخاص الذي يعتمد على الوجود وأحكامه وتشكيكه فقط دون الحاجة للإمكان والماهية. وحاول من جاء بعده كالسبزواري اختصار هذا البرهان باستخدام الإمكان الفقري.
لكن رغم هذه المحاولات، لم يستغنوا تماماً عن مفهوم الإمكان الفقري والحاجة وتشكيك مراتب الوجود، ممّا يتنافى مع فكرة معرفة الله مباشرة دون وسائط، كما تشير إليه الآية ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
وذكر الميرزا مهدي الأشتياني اثني عشرة محاولة أخرى لصياغة براهين تعتمد فقط على الوجود الواجب ذاته. لكنّ هذه المحاولات أيضاً لا تخلو من إشكالات، أهمّها إشكال الخلط بين المفهوم والمصداق[١٠].[١١]
برهان الصدّيقين عند العلامة الطباطبائي
برهان الصدّيقين الذي قدّمه العلامة الطباطبائي یمكن تلخيصه علی النحو التالي:
- إنّ الله تعالى هو الوجود الواقعي الذي يتّصف بالضرورة الأزلية. أي أنّ وجوده ليس مشروطاً بأيّ شرط أو مقيّد بأيّ قيد، بل هو واجب الوجود دائماً وأبداً.
- هذه الضرورة الأزلية تختلف عن أنواع الضرورة الأخرى كالضرورة الذاتية أو الشرطية أو الوصفية. فهذه الأنواع تعني ثبوت صفة مّا لموضوع مّا بشرط أو قيد معيّن. أمّا الضرورة الأزلية فتعني ثبوت الصفة للموضوع دون أيّ شرط أو قيد حتّى شرط بقاء الموضوع نفسه.
- فوجود الله ووجوب وجوده ليس مشروطاً بأيّ شيء، لا بزمان ولا بمكان ولا بأيّ ظرف. فهو موجود واجب الوجود في كلّ حال وعلى الدوام. وهذا ما يسمّى بالضرورة الأزلية.
- ولإثبات وجود الله بهذا البرهان، يكفي التأمّل في مفهوم الوجود ومفهوم الضرورة الأزلية، دون الحاجة لمقدّمات فلسفية أخرى؛ لأنّ هذين المفهومين بديهيان لا يحتاجان لتعريف وإثبات.
- وبالتالي، بمجرد تصوّر الإنسان لله على أنّه وجود واقعي يتّصف بالضرورة الأزلية، ينتج ضرورة وجوده تعالى دون الحاجة لأيّ مقدّمات إضافية.
فالعلامة الطباطبائي أراد تقديم دليل مباشر على وجود الله ووجوب وجوده، من خلال التأمّل في حقيقة الوجود الإلهي ذاته دون وسائط، وذلك بالتركيز على صفة الضرورة الأزلية التي تميّز وجوده تعالى عن كلّ أنواع الوجود الأخرى التي لها ضرورة مشروطة ومقيّدة. وهذا البرهان وإن كان دقيقاً، إلّا أنّه يحاول إيصال فكرة أنّ إدراك وجود الله لا يحتاج لتعقيدات فلسفية، بل يمكن الوصول إليه مباشرة بتأمّل بسيط في معنى وجوده تعالى وحقيقة ضرورته المطلقة غير المشروطة. برهان الصدّيقين هو برهان فلسفي إسلامي يهدف إلى إثبات وجود الله بشكل بديهي وأوّلي، دون الحاجة إلى الاستدلال بالأدلّة التفصيلية. ويمكن تبسيط الفكرة الأساسية لهذا البرهان كالتالي:
- هناك حقيقة واقعية ضرورية وأزلية لا يمكن إنكارها، وهي وجود شيء مّا في الواقع. فالإنسان بفطرته يدرك أنّ هناك واقعاً موجوداً، ولا يمكنه الشك في ذلك.
- إنكار هذه الحقيقة الواقعية يؤدّي إلى السفسطة (الشك المطلق في كلّ شيء). والسفسطة موقف باطل؛ لأنّه ينفي إمكانية المعرفة والعلم بشكل كامل.
- بما أنّ السفسطة باطلة، فلابدّ من الاعتراف بوجود حقيقة واقعية ضرورية وأزلية. وهذا الاعتراف بديهي وفطري، ولا يحتاج إلى برهان.
- هذه الحقيقة الواقعية الضرورية الأزلية هي الله سبحانه وتعالى، فوجوده ضروري وأزلي، ومعرفته بديهية وفطرية في نفس الإنسان.
ولذلك، فبرهان الصدّيقين يثبت وجود الله انطلاقاً من بداهة وجود الواقع وضرورته، دون الحاجة للاستدلال بالأدلّة الأخرى التفصيلية. فهو يعتبر أنّ معرفة وجود الله أولية وفطرية، كمعرفة وجود الواقع، ولا يمكن التشكيك فيها. والهدف من هذا البرهان تنبيه الإنسان لهذه الحقيقة الفطرية في نفسه، وهي معرفة الله والإقرار بوجوده سبحانه وتعالى. فهو يدعو للتأمّل في حقيقة الوجود والواقع، والوصول من خلالها إلى معرفة الله بشكل بديهي دون الحاجة للتفصيل والجدل الفلسفي المعقّد. النقطة الأساسية هي استحالة إنكار وجود الواقع (أو الحقيقة) مهما كانت الظروف أو الافتراضات. وذلك لأنّ أيّ محاولة لنفي الواقع ستؤدّي بالضرورة إلى إثبات واقع آخر، وهو واقع نفي الواقع نفسه. بمعنى آخر، حتّى لو افترضنا جدلاً أنّه لا يوجد واقع في لحظة مّا أو في ظلّ ظرف معيّن، فإنّ هذا الافتراض نفسه سيكون واقعاً جديداً يثبت وجود الواقع. وبالتالي، فإنّ القول بعدم وجود واقع على الإطلاق هو قول باطل ومتناقض منطقياً. ويوضّح العلامة الطباطبائي رحمه الله أنّ الواقع والحقيقة هما أمران ضروريان وأزليان، بمعنى أنّهما دائمان ولا يمكن نفيهما بأيّ حال من الأحوال. أمّا الحقائق الجزئية والمحدودة - مثل وجود الإنسان أو العالم المادي - فهي حقائق مشروطة وليست مطلقة، ولا يمكن اعتبارها مصداقاً للواقع الأزلي غير المحدود. والخلاصة، كما يقول العلامة الطباطبائي رحمه الله، هي أنّ أوّل قضية بديهية لا مفرّ من الإذعان لها هي «وجود الواقع»، وأنّ هذا الواقع هو واقع مطلق وأزلي لا يقيّده شرط أو حدّ، وهو مختلف عن جميع الحقائق الجزئية المحدودة التي نعرفها في عالمنا. فبهذا الاستدلال، تكون نظرية «برهان الصدّيقين» في إثبات وجود الله قد سلمت من مغالطة الخلط بين المفهوم والمصداق؛ لأنّها لا تستند إلى مفهوم الواقع، بل إلى التصديق بضرورة وجوده كحقيقة أوّلية لا يمكن إنكارها. ويمكن اختصار الفكرة بجملة واحدة: «وجود الواقع والحقيقة أمر لا يمكن نفيه منطقياً بأيّ حال من الأحوال، وهذا الواقع واقع مطلق وأزلي يختلف عن الحقائق الجزئية المحدودة»[١٢].
تقرير البرهان في كتابي أصول الفلسفة وحاشية الأسفار
حاول كلّ من العلامة الطباطبائي وتلميذه الشهيد مطهري تقديم برهان منطقي على وجود الله يعرف ببرهان الصدّيقين، لكن بصياغة مختلفة نوعاً مّا.
فالعلامة الطباطبائي في كتابه «أصول الفلسفة» ينطلق من حقيقة لا يمكن إنكارها وهي أنّ هناك وجود واقعي لا يقبل العدم والزوال. وبما أنّ كلّ جزء من أجزاء العالم يمكن أن يزول، فلابدّ أن يكون هناك وجود مطلق وواجب بذاته هو مصدر كلّ الموجودات الأخرى، وهو الله تعالى.
أمّا الشهيد مطهري في شرحه لكتاب أستاذه، فقد صاغ البرهان بطريقة مختلفة نوعاً مّا، حيث استفاد من بعض المبادئ الفلسفية كأصالة الوجود ووحدته، وقرّب البرهان من براهين أخرى كبرهان الإمكان والوجوب.
لكنّ العلامة الطباطبائي لم يستخدم هذه المبادئ الفلسفية في برهانه، بل اعتمد على بداهة الوجود الواقعي وعدم إمكانية زواله، ليصل إلى ضرورة وجود الله كعلّة لكلّ الموجودات الممكنة. وهو بذلك يجعل وجود الله أوّل مسألة فلسفية لا تحتاج لإثباتات معقّدة.
وعموماً فإنّ جوهر البرهان عند كليهما هو تحليل حقيقة الوجود والوصول من خلالها إلى وجود الله كضرورة منطقية. لكنّ العلامة الطباطبائي أراد أن يجعل البرهان في متناول الجميع، فصاغه بأسلوب بسيط وبديهي دون تعقيدات فلسفية، بينما أدخل عليه الشهيد مطهري شيئاً من التحليلات الفلسفية والمقاربات مع براهين أخرى.
والمهمّ في النهاية هو وضوح الفكرة الأساسية للبرهان وقوّتها، وهي أنّ الوجود الواقعي الذي لا يمكن إنكاره يستلزم وجود الله كعلّة مطلقة وواجبة لهذا الوجود. فهو دليل بديهي ومقنع يمكن لأيّ شخص فهمه والتسليم به حتّى دون خلفية فلسفية عميقة[١٣].
مزايا برهان الصدّيقين
برهان الصدّيقين هو أحد أهمّ البراهين على وجود الله في الفلسفة الإسلامية. وهو يتميّز بعدّة مزايا تجعله سهل الفهم والاستيعاب حتّى لغير المتخصّصين في الفلسفة وعلم الكلام، وذلك للأسباب التالية:
- يبدأ من نقطة بديهية: برهان الصدّيقين ينطلق من حقيقة واضحة لا تحتاج لكثير من التأمّل، وهي أنّ هناك وجود حقيقي لا يمكن إنكاره. فهو لا يحتاج لمقدّمات فلسفية معقّدة كما في البراهين الأخرى.
- يصل للنتيجة مباشرة: بينما تحتاج البراهين الأخرى لخطوات ومراحل عديدة للوصول لوجود الله، فإنّ برهان الصدّيقين يجعل من وجود الله نقطة البداية والانطلاق، باعتباره العلة الضرورية للوجود.
- يثبت الإطلاق والكمال لله: البراهين الأخرى قد تثبت وجود علة أولى للعالم، لكن دون إثبات كونه مطلقاً وكاملاً، أمّا برهان الصدّيقين فينطلق من إطلاق وجود الله وعدم تناهيه منذ البداية.
- يثبت سائر الصفات الإلهية: بعد إثبات الوجود المطلق لله، يسهل استنتاج صفاته الأخرى كالوحدانية والعلم والقدرة؛ لأنّها ملازمة لكماله المطلق وإحاطته بكلّ شيء.
- يفسّر الكثرة في العالم: بما أنّ الله مطلق وغير محدود، فإنّ الكثرة والتعدّد ليست في ذاته، بل في مظاهره وتجليّاته التي تشمل العالم بما فيه. فوحدة الوجود الحقيقي لا تتنافى مع كثرة مخلوقاته.
- يؤكّد العلاقة بين الله والعالم: العالم بكلّ موجوداته ما هو إلّا آيات ودلالات على عظمة الخالق وقدرته وعلمه المطلق. فكلّ شيء يشهد على وجوده ويكشف عن صفاته.
إذن، تكمن قوّة برهان الصدّيقين في بساطته ووضوحه من جهة، وفي عمقه وشموليّته من جهة أخرى. فهو يقدّم تصوّراً دقيقاً عن الله وعلاقته بالعالم، بطريقة يسهل على العقل البشري استيعابها والاقتناع بها، حتّى دون الحاجة لتعمّق فلسفي كبير. وهذا ما يجعله من أهمّ الأدلة العقلية على وجود الله في التراث الإسلامي[١٤].
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ انظر: ابن سينا، الإشارات و التنبيهات ٣: ۶۶.
- ↑ سورة فصلت، الآية 53.
- ↑ سورة فصلت، الآية 53.
- ↑ ابن بابويه (الصدوق) محمد بن علي، التوحيد: ١٤٣
- ↑ انظر: عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله: ١٧٣ و ١٧٤.
- ↑ انظر: الشيرازي، المشاعر: ۶٨.
- ↑ سورة فصلت، الآية 53.
- ↑ سورة فصلت، الآية 53.
- ↑ انظر: الشيرازي، الأسفار ٦: ١٢
- ↑ انظر: الآشتياني، تعليقة علی شرح المنظومة: ٤٨٩
- ↑ انظر: عبد الله الجوادي الآملي، تبيين البراهين علي اثبات وجود الله: ١٧٤ ـ ١٧٦
- ↑ انظر: عبد الله الجوادي الآملي، تبيين البراهين علي اثبات وجود الله: ١٧٦ ـ ١٨٠
- ↑ انظر: عبد الله الجوادي الآملي، تبيين البراهين علي اثبات وجود الله: 181 - 182.
- ↑ انظر: عبد الله الجوادي الآملي، تبيين البراهين علي اثبات وجود الله: 182 - 183.