وحدانية الله تبارك وتعالى

من إمامةبيديا

تمهيد

بعد معرفة وجود الله القدسي، واليقين بوجوده السرمدي، لنعرف هل أن وجوده واحد أحدي يعني واحد لا شريك له ولا شبيه، ولا جزء له ولا نظير؟

وتوحيده هذا أيضاً مما هوعيان لا يحتاج إلى بيان، بل تقضي به الفطرة السليمة ولا تحتاج إلى إقامة الأدلة.

ألا ترى أن كل إنسان يتوجه قلبه ويتجه وجدانه ويفزع ضميره عند الحاجة والاضطرار إلى مصدر واحد، للإستعانة والإلتجاء، مما يكشف أن القلب والعقل والفطرة تعرف أن الله تعالى واحد لا شريك له فلا تتوجه إلى غيره، ولا ترى التعدد في الخالق المستغاث وفي من تسأله حاجته حتى تطلب منه نجاته... هذا أمر واضح إلا أنه نذكر براهين التوحيد من باب تمام الحجة وكمال المحجة.

وينبغي التنبيه في البداية على حق المعنى والمعنى الحق، في توحيد الله تعالى ووحدانيته وهوما فُسّر في لسان أهل البيتقالب:عم، المتصلين بالله والناطقين عنه، والعارفين به حق معرفته، يبينون عنه، ولا يسبقونه بالقول، وهم الحجج من قِبَله والمعصومون الصادقون عليه... وقد فسرواقالب:عم التوحيد بنفي الشريك والشبيه، ونفي الجزء والتركيب كما تلاحظه في الأحاديث التالية:

  1. "ما رواه مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى سَيِّدِي مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ(ع) فَقُلْتُ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ! عَلِّمْنِي التَّوْحِيدَ فَقَالَ: يَا أَبَا أَحْمَدَ لَا تَتَجَاوَزْ فِي التَّوْحِيدِ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي كِتَابِهِ فَتَهْلِكَ واعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاحِدٌ أَحَدٌ صَمَدٌ لَمْ يَلِدْ[١] فَيُورَثَ وَلَمْ يُولَدْ[٢] فَيُشَارَكَ ولَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا[٣] ولَا شَرِيكاً وأَنَّهُ الْحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ والْقَادِرُ الَّذِي لَا يَعْجِزُ والْقَاهِرُ الَّذِي لَا يُغْلَبُ والْحَلِيمُ الَّذِي لَا يَعْجَلُ والدَّائِمُ الَّذِي لَا يَبِيدُ والْبَاقِي الَّذِي لَا يَفْنَى والثَّابِتُ الَّذِي لَا يَزُولُ والْغَنِيُّ الَّذِي لَا يَفْتَقِرُ والْعَزِيزُ الَّذِي لَا يَذِلُّ والْعَالِمُ- الَّذِي لَا يَجْهَلُ والْعَدْلُ الَّذِي لَا يَجُورُ والْجَوَادُ الَّذِي لَا يَبْخَلُ وأَنَّهُ لَا تُقَدِّرُهُ الْعُقُولُ ولَا تَقَعُ عَلَيْهِ الْأَوْهَامُ ولَا تُحِيطُ بِهِ الْأَقْطَارُ ولَا يَحْوِيهِ مَكَانٌ ولَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُويُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُواللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[٤] ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوالسَّمِيعُ الْبَصِيرُ[٥] مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُورَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوسَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُومَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا[٦] وهُوالْأَوَّلُ الَّذِي لَا شَيْءَ قَبْلَهُ- والْآخِرُ الَّذِي لَا شَيْءَ بَعْدَهُ وهُوالْقَدِيمُ ومَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ مُحْدَثٌ تَعَالَى عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ عُلُوّاً كَبِيراً"[٧].
  2. "ما رواه شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ عَنْ أَمِيرِالْمُؤْمِنِينَ(ع) قَالَ: ... فَقَوْلُ الْقَائِلِ وَاحِدٌ يَقْصِدُ بِهِ بَابَ الْأَعْدَادِ فَهَذَا مَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ مَا لَا ثَانِيَ لَهُ لَا يَدْخُلُ فِي بَابِ الْأَعْدَادِ أَ مَا تَرَى أَنَّهُ كَفَرَ مَنْ قَالَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ. وقَوْلُ الْقَائِلِ هُووَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ يُرِيدُ بِهِ النَّوْعَ مِنَ الْجِنْسِ فَهَذَا مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ[٨] وجَلَّ رَبُّنَا عَنْ ذَلِكَ وتَعَالَى. وأَمَّا الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ يَثْبُتَانِ فِيهِ فَقَوْلُ الْقَائِلِ هُووَاحِدٌ لَيْسَ لَهُ فِي الْأَشْيَاءِ شِبْهٌ كَذَلِكَ رَبُّنَا وقَوْلُ الْقَائِلِ إِنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أَحَدِيُّ الْمَعْنَى يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ لَا يَنْقَسِمُ فِي وُجُودٍ ولَا عَقْلٍ ولَا وَهْمٍ كَذَلِكَ رَبُّنَا عَزَّ وجَلَّ"[٩].[١٠]

دليل الكتاب

صرح القرآن الكريم بوحدانية مُنزِّله تعالى في آياتٍ كثيرةِ جداً تزيد على المئة أحصاها العلامة المجلسي في البحار[١١] تحت عنوان «باب التوحيد ونفي الشريك».

وجمعت أيضاً في تفصيل آيات القرآن الحكيم[١٢]، نتبرك بذكر بعضها مثل:

  1. قوله تعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوالرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ[١٣].
  2. قوله تعالى: وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوإِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ[١٤].
  3. قوله تعالى: فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ[١٥].
  4. قوله تعالى: لَوكَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ[١٦].
  5. قوله تعالى في سورة التوحيد التي هي نسبة الله تعالى: قُلْ هُواللَّهُ أَحَدٌ[١٧].

وغير ذلك من سائر الآيات الكريمة التي تحصر الألوهية في الواحد الأحد، وتنفي الشريك والشبيه للفرد الصمد تعالى شأنه وجلت قدرته..[١٨]

دليل السنة

قد استفاضت أزاهير الحكمة وتواترت رياض النبوة، في أحاديث أهل بيت العصمةقالب:عم، المصرحة بوحدانية الله تعالى والهادية إلى ركنية توحيده بما يوجب العلم واليقين بهذا الاعتقاد الراسخ، والمعتقد الشامخ فلاحظ من رواياتهم المباركة ما بلي:

  1. خطبة الرسول الأعظم(ص) في حديث إسحاق بن غالب: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَانَ فِي أَوَّلِيَّتِهِ وَحْدَانِيّاً..."[١٩].
  2. وصية أميرالمؤمنين(ع) لولده الإمام الحسن عند انصرافه من صفين وقد جاء فيها: "... واعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّهُ لَوكَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكٌ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ ولَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وسُلْطَانِهِ ولَعَرَفْتَ أَفْعَالَهُ وصِفَاتِهِ ولَكِنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ لَا يُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ ولَا يَزُولُ أَبَداً ولَمْ يَزَلْ أَوَّلٌ قَبْلَ الْأَشْيَاءِ بِلَا أَوَّلِيَّةٍ وآخِرٌ بَعْدَ الْأَشْيَاءِ بِلَا نِهَايَةٍ..."[٢٠].
  3. دعاء سيدنا الإمام الحسين(ع) يوم عرفة وقد جاء فيه: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً فَيَكُونَ مَوْرُوثاً، ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ فَيُضادَّهُ فِيمَا ابْتَدَعَ، ولا وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ فَيُرْفِدَهُ فِيما صَنَعَ"[٢١].
  4. حديث الإمام الصادق(ع) التالي: "ثُمَّ يَلْزَمُكَ إِنِ ادَّعَيْتَ اثْنَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ فُرْجَةٍ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَكُونَا اثْنَيْنِ فَصَارَتِ الْفُرْجَةُ ثَالِثاً بَيْنَهُمَا قَدِيماً مَعَهُمَا فَيَلْزَمُكَ ثَلَاثَةٌ وإِنِ ادَّعَيْتَ ثَلَاثَةً لَزِمَكَ مَا قُلْنَا فِي الِاثْنَيْنِ حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُمْ فُرْجَتَانِ فَيَكُونُوا خَمْسَةً ثُمَّ يَتَنَاهَى فِي الْعَدَدِ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ فِي الْكَثْرَةِ"[٢٢]. فهذا الحديث الشريف يفيد أن التعدد مستلزم للتسلسل وهومستحيل فإذا استحال التعدد صدق ضده وهي الوحدة، فالله واحد لا شريك له، وقديم لا قديم معه، علماً بأن صفاته الذاتية الشريفة عين ذاته فلا تكون معية له، فيستفاد ثبوت الوحدة وامتناع التعدد وعدم إمكان تعدد القدماء.
  5. خطبة سيدنا الإمام الرضا(ع) الجليلة في مجلس المأمون وقد جاء فيها: "أَوَّلُ عِبَادَةِ اللَّهِ مَعْرِفَتُهُ وأَصْلُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَوْحِيدُهُ..."[٢٣].

إلى غير ذلك من أنوار المعارف الحقة، المروية عن أئمة الطائفة المحقة، الهادية للأمة والخليقة.[٢٤]

دليل العقل

بالإضافة إلى فطرية التوحيد والتجاء النفس إلى إله واحد عند التضرع والشدة الكاشف عن أحدية الملجأ كما عرفت...، يحكم العقل بأدلته القطعية، وبراهينه الوجدانية، بوحدانية الخالق تعالى.

وجاء استدلال العقل بأنحاء كثيرة نختار منها تقريرات ثمانية يثبت بها المطلوب ويحصل منها الغرض وهي:

برهان الإرتباط والتدبير

إن الإنسان إذا تأمل بفكر سليم وعقل مستقيم في هذا العالم الكبير والكون الشهير، من أعالي سماواته إلى أعماق أراضيه وما في أجوافه وبحاره، رأى ووجد أن موجوداتها مترابطة متشابكة ومتناسبة بعضها مع بعض بأتم الإرتباط والتناسب كجهاز واحد، ومجموعة واحدة.

وهذا يدل على أن خالق جميعها واحدٌ وهوالعالم باحتياجاتها والعارف بارتباطاتها، والخبير بما يحتاج العالم إليه من الأجزاء والجزئيات، وهذا أمر عقلى واضح يحسه كل ذي تدبر، بل هومن البديهيات العقلية لجميع المستويات البشرية. ألا ترى أنهم يحكمون في المصنوعات البشرية، كالسيارة مثلاً، أوالطائرة فرضاً بوحدة صانعها ومبتكرها لانسجام أجزائها وترابطها بعضها مع بعض ولا يمكن أن يكون مخترع هيكل الطائرة غير مبتكر أجنحتها... ولا يمكن أن يكون مبتكر السيارة غير مبتكر عجلاتها... مع الحاجة الماسة إلى تلك الأجزاء فيما بينها.

وكذلك اتصال التدبير وارتباط الصنع وتناسب الخلقة في هذا العالَم دليل على وحدة المدبِّر الصانع.

وإذا كررت التأمل في هذا النظام الكوني الكبير المرتبط، وجدت أنه بالإضافة إلى ارتباطه وتناسبه هوخال عن أي فساد بالرغم من كبره وعظمته.

فعدم الفساد والإختلال بنفسه دليل على وحدة صانعه وحكمته فإنه لوكانت الآلهة متعددة لاختل العالم في التدبير، وفسد في التقدير، وهذا أيضاً أمر محسوس نلاحظه في حياتنا العادية.

فالفساد يحدث عند التعدد... إذا تعدد السلطان في مملكةٍ، أوتعدد الحاكم في بلدةٍ، أوتعدد الرئيس في عائلةٍ، بل حتى إذا تعدد الروح في بدنٍ واحد بالرغم من محبة البدن لروحه حيث إنه عند وجود التعدد يحدث الفساد والتبدد، فعدم الفساد دليل على عدم التَعداد.

وهذه الحكمة العلمية العقلية أشار إليها القرآن الكريم في قوله عز اسمه: لَوكَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا[٢٥].

وقوله عز اسمه: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ[٢٦].

واستفيد هذا البرهان أيضاً من حديث "هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ؟ قَالَ: اتِّصَالُ التَّدْبِيرِ وتَمَامُ الصُّنْعِ..."[٢٧].

وعنه(ع) أيضاً: "فَلَمَّا رَأَيْنَا الْخَلْقَ مُنْتَظِماً والْفَلَكَ جَارِياً والتَّدْبِيرَ وَاحِداً واللَّيْلَ والنَّهَارَ والشَّمْسَ والْقَمَرَ دَلَّ صِحَّةُ الْأَمْرِ والتَّدْبِيرِ وائْتِلَافُ الْأَمْرِ عَلَى أَنَّ الْمُدَبِّرَ وَاحِدٌ"[٢٨].

وعليه فاتصال التدبير المنتظَم يدل على وحدة المدبِّر المنظِم، ولا يمكن ولا يليق هذا الخلق العظيم بأحد إلا بالله تبارك وتعالى الذي هوالعالم بحقائقه والعارف باحتياجاته، والحكيم في تدبيره.

وهذا هوبرهان الارتباط وحكمة التدبير، الدال على وحدة الخالق الخبير.[٢٩]

برهان عدم وجود الأثر للشريك، الكاشف عن عدم المؤثر

فإنه لا داعي ولا موجب أولا إلى الإيمان بتعدد الآلهة ما لم نجد أثراً لغير الله تعالى كخلق من مخلوقاته، أورسول من رسله، أوكتاب من كتبه.

فكما أن وجود الأثر دليل على وجود المؤثر كذلك عدمه دليل على العدم.

والفطرة السليمة شاهدةٌ والعلم الجزمي قاضٍ بأنه لوكان إله غير الله لعرفناه بآثاره أوملائكته أوكتبه أورسله، وحيث أيقنا بعد التتبع الكامل والاستقصاء الشامل، بأنه ليس في الكون أثر لغير الله علمنا بأنه ليس إله شريكاً مع الله.

وهذا البرهان بزغ نوره من مدينة علم الرسول الأمين، أميرالمؤمنين(ع) في وصيته المتقدمة لولده الإمام الحسن(ع): "لَوكَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكٌ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ..."[٣٠].[٣١]

برهان الفُرجة وملازمة الشريك التسلسل والاحتياج

وهذا هوالدليل القطعي المفيد استحالة تعدد القديم، والموضّح لزوم وحدة الخالق، وهوالذي أرشد إليه الإمام الصادق(ع) في حديث هشام بن الحكم المتقدم عن البحار[٣٢]. وحاصله أنه يلزم من تعدد الإله وجود الفاصِل المائز القديم بينهما، ثم وجود الفصل أيضاً بين الثلاثة فيما بينها، وهكذا متسلسلاً، والتسلسل باطل فيصدق ضد التعدد وهي الوحدة.

وقد تمسك بهذا الدليل شيخ الإسلام المجلسي في كتابه البحار، وأضاف قدس سره في توضيحه: «... أنه لوكان التعدد موجوداً لكان امتياز أحد الآلهتين عن الآخر بأمر خارج يٌحتاج إليه في الامتياز؛ فيكون الإلهان محتاجين إلى هذا المائز، والإحتياج ليس شأن الإله، فإن كل محتاج ممكن، والله الغني أجلُّ من الاحتياج، فلا يكون له شريك»[٣٣].[٣٤]

برهان السبر والتقسيم، المستفاد أيضاً من أحاديث أهل البيتقالب:عم

بيان ذلك: أنه لوقيل بالتعدد فلا يخلوالأمر فيهما من أحد ثلاثة:

  1. إما أن يكونا قادرين على إقامة النظام.
  2. أو غير قادرين عليها.
  3. أو متفاوتين ومختلفين فيها.

فإذا كانا قادرين كان أحدهما لغواً، وإذا كانا عاجزين كان كلاهما عبثاً، وإذا كان أحدهما قادراً والآخر عاجزاً ثبتت الاٌلوهية للإله القادر، ولم يكن يليق بها الآخر العاجز، فتتعين الاُلوهية للإله الواحد القدير بلا شريك ولا نظير.[٣٥]

استلزام الشركة للاستحالة

وهو ما أفاده الصدوق في كتابه «التوحيد» بما حاصله: «أنه لوكان الإله اثنين لم يخل الأمر فيهما من أن يكون كل واحد منهما قادراً على منع صاحبه أوغير قادر... فإن كان قادراً كان الآخر ممنوعاً، والممنوع حادث، والحدوث ليس من صفات الإله، وإن لم يكن قادراً لزم عجزه ونقصه، والعجز أيضاً ليس من صفات الله فيستحيل الشريك على كلا التقديرين، ويثبت أن الإله واحد لا شريك له، وهوالإله القادر جلت قدرته»[٣٦].[٣٧]

برهان الدَّفْع

فإن وجوب الوجود الله تعالى الذي هو مسلم يستلزم القدرة والقوة الكاملة على جميع الممكنات، بحيث يقدر على دفع جميع ما يضاده ويقابله بنحو مطلق.

فإن عدم القدرة على هذا الدفع نقض، والنقص عليه محال بالضرورة لوجوب وجوده، وعليه فشريكه مندفع بالبداهة، ومستحيل وجوده بالوضوح، فيكون هوتعالى واحداً لا شريك له.

وقد أفاد هذا الدليل وما يليه من الدليلين التاليين بعض العلماء والحكماء.[٣٨]

دليل الكمال

إن التفرد بالصنع كمال للصانع، والشركة مستلزمة لسلب هذا الكمال، وسلب الكمال عن ذاته المقدسة المستجمعة لجميع الصفات الكمالية محال ببداهة، فلا يكون له شريك لأن الشريك يستلزم سلب الكمال، وسلب الكمال باطل، فوحدة الصانع هي الحق.[٣٩]

دليل الاستغناء

وذلك أن الله تعالي غني عما سواه، ومستغن بذاته عن غيره، ولا طريق للاحتياج إليه، فيكون غنياً عن الشريك ومنزهاً عن الحاجة والشركة.

مع أن الشركة بنفسها من النقص والحاجة، للاحتياج فيه إلى الإذن في التصرف، والغني أجلُّ من الإحتياج، وأرفع من الاستيذان فلا يناسبه الشريك، بل هوالواحد الأحد الكبير الغني عن الشريك، والمستغنى عن النظير فحكومة العقل عند الاستدلال بأنه واحد لا شريك له ثابتة بلا إشكال.[٤٠]

المراجع

  1. سورة الإخلاص: ۳.
  2. سورة الإخلاص: ۳.
  3. سورة الجن: ۳.
  4. سورة الأنعام: ۱۰۳.
  5. سورة الشورى: ۱۱.
  6. سورة المجادلة: ۷.
  7. توحيد الصدوق، ص۷۶، باب التوحيد ونفي التشبيه، ح۳۲.
  8. أي تشبيه الخالق بالمخلوقات التي لها جنس ونوع.
  9. توحيد الصدوق، ص۸۳، باب معنى الواحد و...، ح۳.
  10. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 44-46.
  11. بحار الأنوار، ج۳، ص۱۹۸، الباب ۶.
  12. تفصيل آيات القرآن الحكيم، ص۱۲۹.
  13. سورة البقرة: ۱۶۳.
  14. سورة النحل: ۵۱.
  15. سورة الشعراء: ۲۱۳.
  16. سورة الأنبياء: ۲۲.
  17. سورة الإخلاص: ۱.
  18. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 46-47.
  19. توحيد الصدوق، ص۴۴، باب التوحيد ونفي التشبيه، ح۴.
  20. نهج البلاغة، قسم الرسائل، رقم الوصية ۳۱، ص۴۹، من الطبعة المصرية.
  21. البلد الأمين، ص۲۵۳.
  22. بحار الأنوار، ج۳، ص۲۳۰، الباب ۶، ح۲۲.
  23. توحيد الصدوق، ص۳۴، باب التوحيد ونفي التشبيه، ح۲.
  24. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 47-49.
  25. سورة الأنبياء: ۲۲.
  26. سورة المؤمنون: ۹۱.
  27. تفسير البرهان، ج۲، ص۶۸۵.
  28. تفسير البرهان، ج۲، ص۶۸۵.
  29. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 49-51.
  30. نهج البلاغة، قسم الرسائل، ص۴۹، من الطبعة المصرية رقم الوصية ۳۱.
  31. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 52.
  32. بحار الأنوار، ج۳، ص۲۳۰، الباب ۶، ح۲۲.
  33. بحار الأنوار، ج۳، ص۲۳۰.
  34. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 52-53.
  35. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 53.
  36. توحيد الصدوق، ص۲۶۹.
  37. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 53-54.
  38. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 54.
  39. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 54-55.
  40. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 55.