تمهيد

تتلاءم هذه الطريقة في الاستدلال مع المنهج الفلسفي الذي رسمه "صدرالدين الشيرازي" المعروف ب "صدر المتألهين" أو "الملا صدرا".

وتتميز هذه الطريقة عن غيرها من الطرق بأنه لا توجد فيها واسطة لإثبات ذات الله عز وجل، أي إنها تستغني عن (الحد الوسط) الذي يحتاج إليه كل قياس منطقي.

فمثلاً كان الحد الوسط فى طريقة المتكلمين هو (حدوث العالم)، وفي طريقة الحكماء الطبيعيين هو (الحركة).

وعلى ضوء الطرق المتقدمة كان المستدل ينتقل من العالم المشهود إلى العالم اللامشهود ومن الطبيعة إلى ما وراء الطبيعة... أما في طريقة الصديقين فالصورة تتغير.

إنَّ في المعارف الإسلامية باباً خاصاً يشير إلى أنَّ الله تعالى كما أنه باطن فهو ظاهر، قال تعالى ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[١] وقال أيضاً: ﴿نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ[٢] أي إن ظهور جميع الأشياء قائم بذاته عزّوجلّ. وهناك آية أخرى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ[٣]، تفيد أنه لا يخلو مكان أو جهة من وجهة الله تعالى وقد ثبت في الحكمة المتعالية أنَّ جهة الظهور وجهة البطون متحدتان في ذات الله، أي أنه ليس ذا حيثيتين وجهتين (إحداهما الظهور والأخرى البطون) بل حيثية واحدة هي أساس الظهور وأساس البطون معاً ... تلك الحيثية الواحدة عبارة عن كمال الفعلية والوجود اللامتناهي.

لقد أشار الحكيم السبزواري إلى هذا المفهوم في (منظومته) حيث قال: الظاهر الباطِنُ في ظُهورِه يا مَنْ هُوَ اخْتَفِى لَفَرْطِ نوره

و قال آخر: و لَيْسَ لَهُ إِلا جَلالَكَ ساترُ جَمَالُكَ فِي كُلِّ الحقائقِ سَائِرُ

أما العرفاء الإسلاميون فقد شنعوا على الفلاسفة استدلالهم بالمخلوقات على ذات الله، وانتقالهم من العالم المشهود إلى العالم اللامشهود.

يقول محيي الدين ابن العربي في ذلك: «الله تعالى ظاهر ما غاب قط، والعالم غائب ما ظهر قط»[٤].

و سُئل الجنيد البغدادي: ما الدليل على وجود الصانع؟

فقال: أغنى الصباح عن المصباح[٥].

فهذه مقتطفات من العبارات التي تشير إلى برهان الصديقين على وجود الله وإذا أدركناها ننتقل إلى الأشذاء الفواحة من روض العترة الطاهرة لنقتبس منها الشواهد الحية على هذا المنهج.

و قد أشارت أدعية الأئمة(ع) إلى هذه الحقيقة.

  1. في دعاء الصباح للإمام أمير المؤمنين(ع): «يَا مَنْ دَلَّ عَلَى ذَاتِهِ بِذَاتِهِ وَ تَنَزَّهَ عَنِ مُجَانَسَةِ مَخْلُوقَاتِهِ ».
  2. وفي دعاء الإمام الحسين(ع) يوم عرفة: «أَلِغَيْرِكَ مِنَ الظَّهورِ ما لَيْسَ لك حتى يَكونَ هُوَ الْمُظْهِرُ لَكَ؟ مَتَى غِبْتَ حَتَّى تَحْتاجَ إِلى دَليلٍ يَدُلُّ عَلَيْكَ؟ أَوْ مَتى بَعُدْتَ حَتَّى تَكونَ الآثارُ هي التي توصلُ إِلَيْكَ؟».
  3. وفي دعاء السحر الذي كان يدعو به الإمام السجاد(ع) وروي عن طريق أبي حمزة الثمالي: «بكَ عَرَفْتُكَ وأَنْتَ دَلَلْتَني عَلَيْكَ ودَعَوْتَنِي إِلَيْكَ ولَوْ لا أَنْتَ لَمْ أَدْرِ ما أَنْتَ».

ويمكن اختصار وجه الاستدلال في هذه الكلمات الرائعة بما يأتي:

الدليل: هو المرشد للطريق.

ومن هنا سمي البرهان الذي يقام لإثبات شيء (دليلاً).

والمفروض في (الدليل) أن يكون أجلى وأوضح من الأمر الذي يراد الاستدلال عليه، اذ لو تساويا لم يزد الدليل شيئاً، ولو كان أقل وضوحاً لسبب الضلال والغموض.

فإذا كنا نبحث عن دليل على وجود الله تعالى، فلا بد أن يكون أجلى وأوضح وآكد وجوداً منه، ولا شيء أظهر في الوجود وأكمل من ذات الله عز اسمه.

هذا هو المدعى وأما البرهنة على من الناحية الفلسفية فتتوقف على مقدمات[٦]: 

  1. لقد ثبت في الفلسفة أنَّ الأصل في التحقق هو (الوجود) أما (الماهيات) فهي موجودات بالعرض والمجاز[٧].
  2. كما ثبت أنَّ حقيقة الوجود لا تقبل الكثرة التي أساسها التباين، وإذا قبلت الاختلاف فذلك إما يعود إلى شدة الوجود وضعفه، وكماله أو نقصه، أو يعود إلى الامتدادت والاتصالات التي هي من نوع تشابك الوجود والعدم. و بصورة موجزة: فإنَّ الكثرة المتصورة في الوجود كثرة مقترنة بالوحدة[٨]:
  3. حقيقة الوجود لا تقبل العدم، فالموجود من حيث هو موجود لا ينعدم والمعدوم من حيث معدوم لا يوجد. وفي الحقيقة فإنَّ انعدام الموجودات نوع من محدودية الوجود الخاص، أي إنَّ العدم نسبي[٩].
  4. حقيقة الوجود بغض النظر عن الحيثيات والجهات الطارئة عليه مساوية للكمال والإطلاق والغنى والعظمة والجلال والنور. أما النقص والتقيد والفقر والضعف والإمكان والصغر والمحدودية فهي إعدام ... والموجود حيث يتصف بهذه الصفات فلأنه وجود محدود ومشوب بالعدم. إذاً فهذه الصفات ناشئة من العدم، وحقيقة الوجود تناقض العدم[١٠].
  5. إنَّ عروض العدم ولوازمه (من النقص والضعف والمحدودية) ناشئ من المعلولية، أي إنَّ وجوداً إذا أصبح معلولاً وكان متأخراً في الرتبة عن علته كان محتوياً على النقص والمحدودية، لأنه متعلق بالعلة وتابع لها.

وإذا تمت هذه المقدمات نقول:

إن حقيقة الوجود ثابتة وهي لا تقبل العدم، ومن جهة أخرى فالوجود ليس في ذاته مشروطاً بشيء، بل هو مرادف للكمال والعظمة والغنى والجلال والفعلية والإطلاق ... وهذه الأمور على طرف نقيض مع النقص والإمكان والمحدودية والحاجة.

نستنتج من ذلك أنَّ الوجود في ذاته مرادف للوجود الذاتي الأزلي، والكمال المطلق.

إذن فأصالة الوجود ترشدنا إلى وجود الله بصورة مباشرة، من دون توسط شيء آخر.

وكل ما في العالم من وجودات حيث إنها تقبل العدم، وتطرأ عليها التغييرات فإنها ظلال الوجود وتستند في وجودها إلى مصدر أزلي لا يقبل العدم هو الله تعالى.

هذه نماذج خمسة من المنهج القديم في إثبات الخالق عرضناها باختصار.[١١]

المراجع والمصادر

  1.   السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية

الهوامش

  1. سورة الحديد: ۳
  2. سورة النور: ٣۵
  3. سورة البقرة: ١١۵
  4. أصول الفلسفة، ج۵، ص۷۹.
  5. شرح گلشن راز – تألیف محمد اللاهیجی، ص۶۹.
  6. اصول الفلسفة، ج۵، ص۸۲.
  7. فَصَّلَ الفيلسوف محمد جعفر اللاهيجي في شرح الأدلة على أصالة الوجود تبعاً للحكيم المحقق (صدر المألهين) في (شرح رسالة المشاعر). فمن أراد التعمق فليراجع من ص۲۸ إلى ص۱۱۲.
  8. شرح رسالة المشاعر، ص۱۹۹.
  9. أصول الفلسفة، ج۲، ص۲۹ – ۵۷.
  10. شرح رسالة المشاعر للاهيجي، ص٢٠۵.
  11. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ٣٥-٣٩.