برهان وجوب شكر المنعم
تمهيد
على تقدير وجود المنعم الحقيقي يجب شكره عقلاً، ويتحقّق شكره بمعرفته، واحتمال الوجوب العقلي ينجّز الفحص.
وأوّل النعم هو أصل الوجود، وثانيها الفهم والمعرفة، ووسائلهما التي زوّدنا الله بها، ثُمّ باقي النعم التي لا تحصى، وقد ذكّر الله تعالى عباده في محكم كتابه مرّات كثيرة بنعمه، ومنها هذان المقطعان:
- ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَة فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفٌْ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَد لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْم يَتَفَكَّرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الليْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِّقَوْم يَعْقِلُونَ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْم يَذَّكَّرُونَ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلامَات وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.[١]
- ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الليْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾.[٢]
ومن الطريف أنّ كلا المقطعين خُتما بقوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ كما أنّ كلا المقطعين مشتملان على مسألة شكر النعمة وكفرانها، فالأوّل بتعبير: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ والثاني بتعبير: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾.
ومن الطريف أيضاً في المقطع القرآنيّ الأوّل أنّه حثّ في ثلاثة مواضع من عدّه نعم الله تعالى على التفكّر تارة وعلى التعقّل اُخرى وعلى التذكّر ثالثة، فقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْم يَتَفَكَّرُونَ... إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِّقَوْم يَعْقِلُونَ... إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْم يَذَّكَّرُونَ﴾.
وعلى أيّة حال فالآيات التي تذكّر الناس بنعم الله تعالى كثيرة، نختم الحديث عنها هنا بقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الارْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْم وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَاب مُّنِير﴾.[٣]
وأمّا الروايات فأقتصر منها هنا على ذكر رواية واحدة تربط بين جسيم النعمة وبين الهداية، وهي المرويّة عن عليّ(ع): " وَ لَوْ فَكَّرُوا فِي عَظِيمِ اَلْقُدْرَةِ وَ جَسِيمِ اَلنِّعْمَةِ لَرَجَعُوا إِلَى اَلطَّرِيقِ وَ خَافُوا عَذَابَ اَلْحَرِيقِ وَ لَكِنِ اَلْقُلُوبُ عَلِيلَةٌ وَ اَلْأَبْصَارُ مَدْخُولَةٌ ... ".[٤].[٥]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ النحل، الآية: ۳ ـ ۱۸.
- ↑ إبراهيم، الآية: ۳۲ ـ ۳٤.
- ↑ لقمان، الآية: ۲٠.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ۱۸٥.
- ↑ السيد كاظم الحائري، أصول الدين، ص13-15.