←المراجع والمصادر
لا ملخص تعديل |
|||
| سطر ٢٩١: | سطر ٢٩١: | ||
==أجل الأمم== | |||
جعل الله الناس شعوبًا وقبائل وأممًا ليتعارفوا وتكون بينهم الحياة الطيبة يعمرون هذه الأرض بعبادة الله وبنشر الحق والخير، ولكن الشياطين اجتالتهم وحملت بعض الأمم على بعض فاستكبروا وعتو وسعوا بالباطل في هذه الأرض، ونسوا سنن الله في خلقه فجاءت آيات الكتاب العزيز كي تذكر الأمم بأن الله تعالى جعل لهم أعمارًا وآجالًا إليها ينتهون، وجعل لمن عتا منهم عقوبة بها يرتدعون. | |||
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية 34.</ref>. | |||
ولكل جماعة اجتمعت على تكذيب رسل الله، ورد نصائحهم، والشرك بالله، مع متابعة ربهم حججه عليهم أجل. | |||
«يعني: وقت لحلول العقوبات بساحتهم، ونزول المثلات بهم على شركهم، فإذا جاء الوقت الذي وقته الله لهلاكهم، وحلول العقاب بهم لا يتأخرون بالبقاء في الدنيا، ولا يمتعون بالحياة فيها عن وقت هلاكهم وحين حلول أجل فنائهم ساعة من ساعات الزمان ولا يتقدمون بذلك أيضًا عن الوقت الذي جعله الله لهم وقتًا للهلاك» <ref>جامع البيان، الطبري، ١٢/٤٠٥.</ref>. | |||
===فناء الأمم=== | |||
ومما هو معلوم مكتوب في أم الكتاب، آجال الأمم والشعوب وما قد قدر لها من آثار على وجه هذه الأرض، فكم من أمةٍ اندرست واندثرت آثارها، وكم من شعوبٍ تتابع بعضها على ديار بعض، وكم من أمةٍ أبقاها الله دهرًا وأمدها، وهكذا. | |||
يقول الله تعالى: {{ نص قرآني |قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}}<ref> سورة يونس، الآية 49.</ref>. | |||
لكل قوم ميقاتٌ لانقضاء مدتهم وأجلهم، فإذا جاء وقت انقضاء أجلهم وفناء أعمارهم لا يستأخرون عنه ساعة فيمهلون ويؤخرون، ولا يستقدمون قبل ذلك، لأن الله قضى أن لا يتقدم ذلك قبل الحين الذي قدره وقضاه <ref>جامع البيان، الطبري، ١٥/١٠٠.</ref>. | |||
===هلاك الأمم=== | |||
وإن لم يكن اندثار الأمم بفنائها واندراسها مع مرور الزمان جاء فناؤها بهلاكها عقوبةً من عند الله تعالى على انحرافها وسيرها في طريق الشيطان. | |||
يقول سبحانه: {{ نص قرآني |وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ}}<ref> سورة الحجر، الآية 4-5.</ref>. | |||
يخبر تعالى أنه ما أهلك قريةً إلا بعد قيام الحجة عليها وانتهاء أجلها، وإنه لا يؤخر أمة حان هلاكها عن ميقاتهم ولا يتقدمون عن مدتهم، وهذا تنبيهٌ لأهل مكة وإرشادٌ لهم إلى الإقلاع عما هم عليه من الشرك والعناد والإلحاد الذي يستحقون به الهلاك <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤/٤٥٢.</ref>. | |||
وقد تتتابع العقوبات على أمة ما قبل أن يحين هلاكها فلا يكون تتابعها أو شدتها مظنة لتعجيل هلاكهم، فإن أجل الهلاك لا يتقدم مهما زادت العقوبات. | |||
يقول تعالى: {{ نص قرآني | وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ }}<ref> سورة الأعراف، الآية 130-136.</ref>. | |||
حين نزل العذاب الشديد وتواترت ألوان العقاب على فرعون وقومه الكافرين من الجراد والضفادع والدم وطوفان الماء وغيرها من الآيات التسع، حينئذ اضطرب قوم فرعون واشتد فزعهم، وطلبوا من موسى عليه السلام أن يدعو ربه، بسبب ما عهد الله عنده من النبوة والرسالة والكرامة والمحبة وصلة العهد مع الله من طاعة موسى ونعمه عليه، وأقسموا له: لئن كشفت عنا بدعائك ذلك العذاب، لنصدقن برسالتك، ونؤمنن بما جئت به من عند ربك، ولنرسلن معك بني إسرائيل إلى حيث تتوجه وتريد، ليتمكنوا من عبادة ربهم كما شاؤوا. | |||
وهذا عهد من فرعون وملئه الذين بيدهم الحل والعقد، ولكن قوم فرعون لما كشف الله عنهم العذاب، وأزال عنهم العقاب مرة بعد مرة، مؤقتًا إلى أجل محدود، منتهون إليه حتمًا، فمعذبون فيه، وهو الغرق، إذا هم ينقضون العهد ويحنثون في كل مرة، ولم ينفعهم ما تقدم في حقهم من الإمهال. | |||
ومعنى قوله تعالى: {{ نص قرآني |إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ}}<ref> سورة الأعراف، الآية 135.</ref> أي: غاية كل واحد منهم بما يخصه من الهلاك والموت، في الغرق المنتظر... ولما كشف الله العذاب (وهو الرجز) عن قوم فرعون من قبل مرات ومرات، ولم يقلعوا عن كفرهم وجهلهم، ثم حان الأجل المؤقت لعذابهم، انتقم الله منهم، بأن أهلكهم بالغرق في البحر؛ بسبب تكذيبهم بآيات الله التي نزلت عليهم كلها، وكانوا غافلين عنها وعما يتبعهم من العذاب في الدنيا والآخرة <ref>التفسير الوسيط، الزحيلي، ١/٧١٤ ٧١٥.</ref>. | |||
===استعجال العذاب لا يغير أجله=== | |||
يستعدي ابن آدم بجهله، ويستعجل وقوع العذاب بطيشه، ويسيء الظن بربه فيظن أن ربه لا يقدر عليه، فتدفعه رعونته إلى أن يطلب من الرسل أن ينزل الله بهم العذاب، ولكن الله تعالى برحمته الواسعة يمهلهم إلى أجلهم المكتوب لهم. | |||
يقول سبحانه: {{ نص قرآني |وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}}<ref> سورة العنكبوت، الآية 53.</ref>. | |||
{{ نص قرآني |وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ}}، نزلت في النضر بن الحارث حين قال: فأمطر علينا حجارة من السماء، {{نص حديث| وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى }}، قال ابن عباسٍ: ما وعدتك أني لا أعذب قومك، ولا أستأصلهم وأؤخر عذابهم إلى يوم القيامة، كما قال: {{ نص قرآني |بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ}}<ref> سورة القمر، الآية 46.</ref>. وقال الضحاك مدة أعمالهم؛ لأنهم إذا ماتوا صاروا إلى العذاب، وقيل: يوم بدرٍ، {{ نص قرآني |لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ}}<ref> سورة العنكبوت، الآية 53.</ref> يعني: العذاب، وقيل: الأجل، {{ نص قرآني |بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية 95.</ref> بإتيانه <ref>معالم التنزيل، البغوي، ٣/٥٦٤.</ref>. | |||
ورحمة الله تعالى سابقة سابغة فهو لا يعاجل المستعجل بالعقوبة رحمة به ورأفة بعباده، وقد بين سبحانه سبب عدم معاجلة المستعجل بالعقوبة وحكمة تأجيل الآجال والعذاب. | |||
يقول: {{ نص قرآني |وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}}<ref> سورة يونس، الآية 11.</ref>. | |||
وهذا إجمال ينبىء بأن الله جعل نظام هذا العالم على الرفق بالمخلوقات واستبقاء الأنواع إلى آجالٍ أرادها، وجعل لهذا البقاء وسائل الإمداد بالنعم التي بها دوام الحياة، فالخيرات المفاضة على المخلوقات في هذا العالم كثيرةٌ، والشرور العارضة نادرةٌ ومعظمها مسببٌ عن أسبابٍ مجعولةٍ في نظام الكون وتصرفات أهله... فهذه الجملة معطوفةٌ على جملة {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ}}<ref> سورة يونس، الآية 7.</ref> الآية. | |||
فحيث ذكر عذابهم الذي هم آيلون إليه ناسب أن يبين لهم سبب تأخير العذاب عنهم في الدنيا لتكشف شبهة غرورهم وليعلم الذين آمنوا حكمةً من حكم تصرف الله في هذا الكون. | |||
فبينت هذه الآية أن الرفق جعله الله مستمرًا على عباده غير منقطعٍ عنهم؛ لأنه أقام عليه نظام العالم إذ أراد ثبات بنائه، وأنه لم يقدر توازي الشر في هذا العالم بالخير؛ لطفًا منه ورفقًا، فالله لطيفٌ بعباده، وفي ذلك منةٌ عظيمةٌ عليهم، وأن الذين يستحقون الشر لو عجل لهم ما استحقوه لبطل النظام الذي وضع عليه العالم <ref>التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١١/١٠٦.</ref>. | |||
ومن جهة موازية فإن الله تعالى يبين أن الآجال لا ترتبط بحجم ظلم البشر وطغيانهم وفسادهم وإفسادهم على هذه الأرض، وإلا لو كان ذلك كذلك ما بقي على وجهها أحد. | |||
يقول تعالى: {{ نص قرآني |وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}}<ref> سورة النحل، الآية 61.</ref>. | |||
{{ نص قرآني |وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ}} أي: بشركهم ومعصيتهم، {{نص قرآني| مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ }} أي: لم يترك على ظهر الأرض من دابة، ودل الإضمار على الأرض؛ لأن الدواب إنما هي على الأرض، يقول: أنا قادر على ذلك. {{نص قرآني| وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى }} أي: إلى وقت معلوم، ويقال: {{نص قرآني| مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ }}؛ لأنه لو أخذهم بذنوبهم لمنع المطر، وإذا منع المطر لم يبق في الأرض دابة إلا أهلكت، ولكن يؤخر العذاب إلى أجل مسمى. | |||
وروي عن [[عبد الله بن مسعود]] أنه قال: لو عذب الله الخلائق بذنوب بني آدم، لأصاب العذاب جميع الخلائق، حتى الجعلان في جحرها، ولأمسكت السماء عن الأمطار، ولكن يؤخرهم بالفضل والعفو». ثم قال: {{نص قرآني| فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ }} أي: أجل العذاب {{نص قرآني| لَا يَسْتَأْخِرُونَ }} أي: لا يتأخرون عن الوقت {{نص قرآني| سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}} أي: لا يتقدمون قبل الوقت <ref>تفسير السمرقندي، ٢/٢٧٩٩.</ref>. | |||
==المراجع والمصادر== | ==المراجع والمصادر== | ||
# | # | ||