إعجاز القرآن في علم الكلام
تمهيد
هناك ثلاث مزايا للقرآن الكريم امتاز بها عن الكتب السماوية الأخرى وكذا معجزته من بين جميع المعاجز التي جرت على يد الأنبياء السابقين(ع)، فكل نبي كانت له معجزة وهذه المعجزة كانت مقترنة بادعاء النبوة والرسالة وإتيانه بنبأ من السماء يبلغه للناس.
فلنبي الله موسى(ع) معجزات كالعصا، واليد البيضاء و.. ولنبي الله عيسى(ع) معجزة إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله و.. والنبي داوود وسليمان كذلك لهما معاجز والنبي هود وصالح أيضاً، كلهم كانت لهم معاجز ولكن لو قارنا القرآن الكريم بمعاجزهم لوجدناه يمتاز بمزايا عدة منها:
- القرآن يتكفل الهداية الروحية ولا يكتفي بالآثار الجسمية والمادية.
- الخلود ومجاراة كل عصر. (سمة بارزة من سمات القرآن الكريم).
- القرآن يستخدم أبسط الأدوات وهي الحروف الأبجدية في إثبات إعجازه.
فالميزة الأولى: حينما ألقى موسى(ع) عصاه وتحولت إلى ثعبان مبين وهذا الثعبان التقف الآثار السحرية التي رمى بها السحرة في عهد فرعون، ففي الحقيقة إن الأثر كان أثراً ظاهرياً يعود إلى الظواهر المادية، يعني من الناحية الفيزيائية، كتلة معينة إنما تتشكل من خشب وهي عبارة عن عصا، قال تعالى في وصفها: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى* قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَوا عَلَيْهَا وَأَهُشُ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَشَارِبُ أُخْرَى﴾ [١]، فهذا الأثر المادي والتحول الفيزيائي، بمعنى أنَّ هذا الجسم يتحول من شكل خاص وهو العصا إلى شكل آخر، فإعجازه كان بصورة أثر مادي وجسمي. وكذلك عيسى(ع) عندما كان يعالج مريضاً أو يحيي ميتاً بإذن الله تعالى، فالأثر الذي كان يرى أثر ظاهري في الجسم، فالجسم الساقط بلا حراك يأتي عيسى(ع) يقرأ دعاء ويمسح يده عليه مثلاً وإذا به يستيقظ بإذن الله ويمشي! كما نلاحظ هذه كلها آثار ظاهرية جسمية تنعكس على الذي نشاهده.
إذن الميزة الأولى إنَّ القرآن الكريم يتكفل الهداية الروحية ولميتوقف على جانب ظاهري أو مادي. فالأنبياء كلهم متفقون على أنَّ الإنسان من روح وجسم، والأشياء التي تساعد الجسم على النمو وجمال المظهر والصحة والنظافة واللياقة من جانب ومن جانب آخر تهذيب النفس والروح وإنضاج العملية التربوية بحيث تصير النفس شفافة، صقيلة، بعيدة عن الدرن، نظيفة تحلق إلى درجة أنَّ الإنسان يتشرف بها ويصل بها إلى مراتب السمو المعنوي والكمال.
فمعجزات الأنبياء السابقين(ع) كلها كانت دلائل على استناد هذا النبي إلى القوة الغيبية ومصدر الخليقة ولكن لم يكن فيها هذا الجانب الذي تكون نفس المعجزة هي دليل على إعجاز النبي، أي بنفسها تكون مؤثرة في الهداية الروحية والمعنوية وسمو الذات، فإننا نجد أنَّ القرآن الكريم يصف قوانين المجتمع والبنية الفوقية للمجتمع، وفي الوقت نفسه ينظر إلى البنية التحتية وكيفية تهذيب النفس وصقل الشخصية وتزكيتها أيضاً، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءاياته، وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [٢]، إننا في هذه الآية نجد أن التزكية مقدمة على تعليم الكتاب والحكمة. وهي البنية التحتية بالنسبة إلى أهداف الرسالة، بل هي هدف بعثة النبي(ص). وبناء عليه نقول كل آية فيها دعوة إلى الخير وإلى العمل الصالح والكمال، ليس مجرد نظرية وإنما عملية تربوية تهذيبية مستمرة، والتاريخ مليء بهذه النماذج، كما أنَّ القرآن نفسه يعبر قائلاً بأنه كتاب هداية وبيان وفيه خير الدنيا والآخرة.
والميزة الثانية: لم يقتصر القرآن على عصر واحد وإنما الخلود ومجاراة كل عصر سمة بارزة من سماته. فالقرآن يتحدث عن نفسه في كل عصر، وليس من الضروري أن تقارن هذه المعجزة مع مَنْ أتى بها حتى يؤثر أثره. فمعجزة عيسى مثلاً لابد من حضوره فيها وقيامه بعملية إبراء الأكمه أمام الجمهور، ثم يلتفتون إلى النبي ويصدقون برسالته، بالتالي يحتاج فيها إلى وجود مدعي النبوة وإتيانه بالمعجز بجانب معجزته، وكأنه هو دليل صدق دعواه، بينما القرآن الكريم يبرهن عن عظمته وإنجازه ويثبت بأنه كلام الله تبارك وتعالى حتى لو لميذكر لنا النبي الذي أتى به.
و أما الميزة الثالثة: إنَّ القرآن يستخدم أبسط الأدوات والأساليب في إثبات إعجازه، أي وبكل بساطة ألف وباء، فهو يتكون من سور، والسور تتكون من آيات، والآيات تارة قصيرة مثل (مدهامتان) وأخرى طويلة، ونجد في الآية الواحدة عدد من الكلمات، والكلمات بالطبع تتكون من حروف الأبجدية التي يعرفها كل العرب والموجودة في كل لغة، ولميأت النبي بحروف جديدة أخرى، فلماذا لايستطيعون أن يأتوا بمثل هذا القرآن؟!
لكن المعجزات التي أتى بها موسى(ع) كانت من المواد الأولية التي كانت مستعصية على الآخرين، ولذلك بإمكان أي شخص أن يأتي ويقول له بأني لا أملك الأدوات والخصائص التي أنت تملكها!
لكن عظمة إعجاز القرآن أنه يتشكل من نفس الحروف.[٣]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ طه: ۱۷ – ۱۸.
- ↑ الجمعة: ۲.
- ↑ السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ١٩٨-٢٠١.