البَذل في نهج البلاغة
تمهيد
«البَذل»: العطاء والسخاء عن طيب نفس، والبَذل: ضد المنع، ورجل بَذلٌ: يجود عن كرم نفس، كثير العطاء. وقولهم - على سبيل المجاز-: صَونُه خيرٌ مِن بَذلِهِ: كناية عن أن باطنه خير من ظاهره. ويقال: سألته فأعطاني بَذل يمينه؛ أي ما قدر عليه. وبَذَلَهُ يَبذِلُهُ ويَبذُله بَذلاً: جادَ به عن طيبِ نفس، وبذل نفسه عن فلان: فداه بنفسه. وبَذَلَ الجهد: أفرغ طاقته فيه.
قال(ع) في المؤمنين زمان النبي(ص): «لَمْ يَمُنُّوا عَلَى اللَّهِ بِالصَّبْرِ وَ لَمْ يَسْتَعْظِمُوا بَذْلَ أَنْفُسِهِمْ فِي الْحَقِّ»[١]. أي تضحياتهم بأرواحهم.
ومن حثه(ع) للأشتر رحمه الله على دوام المعروف والإحسان: «وَ لَا تَحْقِرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ وَ إِنْ قَلَّ فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِيحَةِ لَكَ وَ حُسْنِ الظَّنِّ بِكَ»[٢]. أي تقديم النصيحة لك بجد.
ومن أمره(ع) لمالك رحمه الله بمراقبة القاضي والفسح له في العطاء: «ثُمَّ أَكْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ. وَ افْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيلُ عِلَّتَهُ»[٣]. أي وسع عليه في العطاء.
ومن بيانه(ع) لمالك رحمه الله للسبب الداعي لعدم الاحتجاب عن الرعية: «وَ إِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ: إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُكَ بِالْبَذْلِ فِي الْحَقِّ، فَفِيمَ احْتِجَابُكَ مِنْ وَاجِبِ حَقٍّ تُعْطِيهِ، أَوْ فِعْلٍ كَرِيمٍ تُسْدِيهِ؟! أَوْ مُبْتَلًى بِالْمَنْعِ، فَمَا أَسْرَعَ كَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِكَ إِذَا أَيِسُوا مِنْ بَذْلِكَ»[٤]. أي تضحي بمالك ونفسك في الحق، وتبذل جهدك في أداء حوائج الناس.
ومن وصفه(ع) خذلان معاوية لعثمان: «فَأَيُّنَا كَانَ أَعْدَى لَهُ وَ أَهْدَى إِلَى مَقَاتِلِهِ؟! أَ مَنْ بَذَلَ لَهُ نُصْرَتَهُ فَاسْتَقْعَدَهُ وَ اسْتَكَفَّهُ، أَمْ مَنِ اسْتَنْصَرَهُ فَتَرَاخَى عَنْهُ؟!»[٥]. أي إنه(ع) قدم نصرته لعثمان، فاستقعده واستكفه، وأما معاوية فقد طلب منه عثمان أن ينصره، ولكن معاوية خذله.
ومن حثه على البذل والعطاء: «إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً يَخْتَصُّهُمُ اللَّهُ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ فَيُقِرُّهَا فِي أَيْدِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا»[٦].
فهي في أيديهم ما داموا يجودون بها، فإذا منعوها نزعها منهم، ثم حولها إلى غيرهم.
ومن ذمه(ع) لمنع الحقوق المالية: «فَلَا أَمْوَالَ بَذَلْتُمُوهَا لِلَّذِي رَزَقَهَا»[٧].
أي لم تنفقوها في سبيل الله تعالى وأنتم أمناء عليها. ولا يخفى ما في التعبير بهذه العبارة من اللطف، ففيها زيادة تقرير الغرض المسوق له الكلام ما ليس في التعبير بقوله: «لله».
ومن بيانه(ع) لنقص النفس بالدنية: «وَ أَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ وَ إِنْ سَاقَتْكَ إِلَى الرَّغَائِبِ فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً»[٨]. أي بما تجود به.
ومثلها أيضاً: «وَ ابْتَذِلْ نَفْسَكَ فِيمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ». أي اجتهد كل الاجتهاد فيما فرض الله عليك.[٩]