القناعة في نهج البلاغة
تمهيد
«كَفَى بِالْقَنَاعَةِ مُلْكاً»[١].
وهي خلق جميل، باطنه الرضا، وظاهره حسن التعامل بالمعطى، وجماع صفاته فاضلة، وخلال متكاملة.
وتقف في النهج الشريف على مآثر هذه الخصلة الكريمة، وعمق تأصلها في ذوات المتحلین بفضلها، المتجملین بخلائقها، وهم سادات الأولياء، والأمثل فالأمثل.
«وَلَكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ رُسُلَهُ أُولِي قُوَّةٍ فِي عَزَائِمِهِمْ وَضَعَفَةً فِيمَا تَرَى الأعْیُنُ مِنْ حَالاتِهِمْ مَعَ قَنَاعَةٍ تَمْلا الْقُلُوبَ وَالْعُيُونَ غِنًى وَخَصَاصَةٍ تَمْلا الأبْصَارَ وَالأسْمَاعَ أَذًى»[٢].
«أَ أَقْنَعُ مِنْ نَفْسِيِ بِأَنْ يُقَالَ هَذَا أمیر المؤمنین وَلا أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ»[٣].
«وَكَأَنِّ بِقَائِلِكُمْ يَقُولُ إِذَا كَانَ هَذَا قُوتُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَدْ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ عَنْ قِتَالِ الأقْرَانِ وَمُنَازَلَةِ الشُّجْعَانِ أَلا وَإِنَّ الشَّجَرَةَ الْبَرَّيَّةَ أَصْلَبُ عُوداً وَالرَّوَاتِعَ الْخَضِرَةَ أَرَقُّ جُلُوداً وَالنَّابِتَاتِ الْعِذْيَةَ أَقْوَى وَقُوداً وَأَبْطَأُ خُمُوداً. وَأَنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ كَالضَّوْءِ مِنَ الضَّوْءِ وَالذِّرَاعِ مِنَ الْعَضُدِ»[٤]. وله (ع) في هذا المضمار وفي ذات الكتاب كلام عجيب وجميل وكل كلمه عجيب وجميل.
«وَأيْمُ اللهِ يَمِيناً أَسْتَثْنِي فِيهَا بِمَشِيئَةِ اللهِ لأرُوضَنَّ نَفْسِيِ رِيَاضَةً تَهِشُّ مَعَهَا إلى الْقُرْصِ إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ مَطْعُوماً وَتَقْنَعُ بِالمِلْحِ مَأْدُوماً»[٥].
«يَرْحَمُ اللهُ خَبَّابَ بْنَ الأرَتِّ فَلَقَدْ أَسْلَمَ رَاغِباً وَهَاجَرَ طَائِعاً وَقَنِعَ بِالْكَفَافِ وَرَضِيَ عَنِ اللهِ وَعَاشَ مُجَاهِداً»[٦].
«قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيمَا لا يَزُولُ وَزَهَادَتُهُ فِيمَا لا يَبْقَى يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ وَالْقَوْلَ بِالْعَمَلِ تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ قَلِيلاً زلَلُهُ خَاشِعاً قَلْبُهُ قَانِعَةً نَفْسُهُ مَنْزُوراً أَكْلُهُ سَهْلاً أَمْرُهُ»[٧].
الدنيويون غير قنَّاع
- قال (ع) لرجل سأله أن يعظه: «لا تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الْآخِرَةَ بِغَیْرِ عَمَلٍ، وَيُرَجَّي التَّوْبَةَ بِطُولِ الأمَلِ، يَقُولُ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِ الزَّاهِدِينَ، وَيَعْمَلُ فِيهَا بِعَمَلِ الرَّاغِبِینَ، إِنْ أُعْطِيَ مِنْهَا لَمْ يَشْبَعْ، وَإِنْ مُنِعَ مِنْهَا لَمْ يَقْنَعْ، يَعْجِزُ عَنْ شُكْرِ مَا أُوتِيَ، وَيَبْتَغِي الزِّيَادَةَ فِيمَا بَقِيَ»[٨].
- «وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ المُلْكِ ضُئُولَةُ نَفْسِهِ وَانقطاع سَبَبِهِ فَقَصَرَتْهُ الْحَالُ عَىَ حَالِهِ فَتَحَلَّى بِاسْمِ الْقَنَاعَةِ وَتَزَيَّنَ بِلِبَاسِ أَهْلِ الزَّهَادَةِ وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي مَرَاحٍ وَلا مَغْدًى»[٩].
- من كتاب له (ع) لـ شريح بن الحارث قاضيه وقد اشترى داراً: «اشْتَرَى هَذَا المُغْتَرُّ بِالأمَلِ مِنْ هَذَا المُزْعَجِ بِالأجَلِ هَذِهِ الدَّارَ بِالْخُرُوجِ مِنْ عِزِّ الْقَنَاعَةِ وَالدُّخُولِ فِي ذُلِّ الطَّلَبِ وَالضَّرَاعَةِ»[١٠].
من قصار كلمه في القناعة
«الْقَنَاعَةُ مَالٌ لا يَنْفَدُ»[١١].
«وَلا كَنْزَ أَغْنَى مِنَ الْقَنَاعَةِ»[١٢].
وسئل (ع) عن قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾[١٣]. فقال (ع): «هِيَ الْقَنَاعَةُ»[١٤].
من جوامع كلمة وقوله الفصل: «طُوبَى لَمِنْ ذَكَرَ المَعَادَ وَعَمِلَ لِلْحِسَابِ وَقَنِعَ بِالْكَفَافِ وَرَضِيَ عَنِ اللهِ»[١٥].[١٦]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ خطبة ٢٢٩/ ٥٠٨.
- ↑ خطبة ١٩٢/ ٢٩٢.
- ↑ خطبة ٤٥/ ٤١٨.
- ↑ خطبة ٤٥/ ٤١٨.
- ↑ خطبة ٤٥/ ٤١٩.
- ↑ خطبة ٤٣/ ٤٧٦.
- ↑ خطبة ١٩٣/ ٣٠٥.
- ↑ خطبة ١٥٠/ ٤٩٧- ٤٩٨.
- ↑ خطبة ٣٢/ ٧٥.
- ↑ خطبة ٣/ ٣٦٥.
- ↑ خطبة ٣٧١/ ٥٤٠.
- ↑ خطبة ٣٧١/ ٥٤٠.
- ↑ سورة النحل، الآية ٩٧.
- ↑ خطبة ٢٢٩/ ٥٠٨.
- ↑ خطبة ٤٤/ ٤٧٧.
- ↑ محسن علي المعلم، الأخلاق من نهج البلاغة، ص ٣٦٤.