توحيد العبادة
تمهيد
ومعناه على الإجمال أنّه لا تجوز عبادة أحد سواه، قال الله تعالى:﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون﴾،[١] وقال عزّ وجّل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة﴾.[٢][٣]
الدليل على التوحيد في العبادة
العبادة والتي هي كمال الخضوع لا ينبغي أن تكون للإنسان الحرّ إلّا بأحد ملاكات ثلاثة:
- الاحتياج الحقيقي إلى المعبود.
- والأشرف من ذلك أن تكون العبادة بملاك المالكيّة الحقيقيّة للمعبود.
- والأشرف منهما أن تكون بملاك الكمال المطلق للمعبود.
وكلّ هذه الملاكات الثلاثة منحصرة في الله سبحانه وتعالى، فإنّ المخلوقين هم المحتاجون، والغنيّ الحقيقي المطلق هو الخالق، وهل يرحم المخلوق إلّا الخالق؟ وكذلك الملكيّة الحقيقيّة بمعنى الواجديّة الحقيقيّة لله سبحانه المالك لجميع ما خلق، وكذلك من هو أهل للعبادة لأنّه الكمال المطلق إنّما هو واجب الوجود سبحانه وتعالى.
والنصوص المحرّمة في الكتاب والسنّة لعبادة غير الله لعلّها فوق حدّ الإحصاء، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون﴾[٤] فترى الآية المباركة قد جعلت الشرك اسما لتعدد المعبود.
بل لم ينقل في القرآن عن مشركي مكّة إلّا الشرك في العبادة، قال الله تعالى عن لسانهم:﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾[٥]، فأمّا أصل اختصاص الخلق بالله تعالى فقد كان معترفاً به من قِبَلهم كما قال الله تعالى:﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّه﴾[٦]، وكذلك قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُون﴾[٧]، فالظاهر أنّ المقصود بالشرك في هذه الآية إمّا هو الشرك في العبادة أو الشرك في الربوبيّة لا الشرك في الخلق؛ لأنّه لو لم يكن عدم الشرك في الخلق مسلّماً عندهم فما معنى الاحتجاج عليهم بقوله: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُون﴾؟
أمّا سجود الملآئكة لآدم(عليه السلام) فبما أنّه كان بأمر الله كان عبادة لله تعالى كما ورد عن الصادق(عليه السلام) في حديث: «أَنَّ زِنْدِيقاً قَالَ لَهُ أَ فَيَصْلُحُ اَلسُّجُودُ لِغَيْرِ اَللَّهِ قَالَ لاَ قَالَ فَكَيْفَ أَمَرَ اَللَّهُ اَلْمَلاَئِكَةَ بِالسُّجُودِ لآِدَمَ، فَقَالَ إِنَّ مَنْ سَجَدَ بِأَمْرِ اَللَّهِ فَقَدْ سَجَدَ لِلَّهِ فَكَانَ سُجُودُهُ لِلَّهِ إِذَا كَانَ عَنْ أَمْرِ اَللَّهِ»[٨].
وقد يقال: إنّ السجود لغير الله وإن كان محرّماً في شريعتنا لكن ليس كلّ سجود عبادة، والسجود المحرّم لغير الله غير القابل للاستثناء إنّما هو سجود العبادة، وهي نهاية الخضوع للمعبود باعتبار مالكيته للعابد، ولم يكن سجود الملآئكة لآدم ولا سجود إخوة يوسف وأبويه له بهذا الاعتبار[٩][١٠].
اقسام التّوحيد العباديّ
والتّوحيد العباديّ على اقسام:
- التّوحيد في العبادة، بمعنى انّه لا يعبد إلّاايّاه، فهو القائل والعامل بقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾[١١].
- التّوحيد في الطاعة، بمعني انّه لا يطيع غير اللَّه أو من يرجع طاعته إلى طاعته تعالى، قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾[١٢]. فطاعة الهوى شرك، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾[١٣] وطاعة الشّيطان شرك، قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾[١٤] وكلّ طاعة لا يرجع إلى طاعة اللَّه فهو شرك قال: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾[١٥]
- التّوحيد في النّية، فمن عمل لغير اللَّه في عباداته فهو كافر غير موحّد، ومن عمل للَّه ولغيره فهو مشرك غير موحّد، وعلى كلا التّقديرين فهو المرائي، ومضافاً إلى بطلان عمله انّ الذنب المترتّب على نيّته عظيم.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾[١٦]
ومن عمل للَّه وابتغاء مرضاته فهو الموحّد وتحصيل هذا المقام مشكل خطير.
وعند أهل القلوب لو كان نيّته للَّه وابتغاء مرضاته، ولكنّ الدّاعى غير اللَّه كما إذا عمل ليصل إلى خير الدّنيا والآخرة، فهو وان لم يمكن بمرائي وانّه من المخلصين إلّاانّه لا يخلو من شوب الشّرك، بل نسب إلى الشّهيد الثّاني والسّيّد بن طاووس بطلان عمله هذا.
والظّاهر انّ مرادهما لو صحّت النّسبة، هو عدم القبول لا عدم الصّحة، بل عدم قبوله ايضاً ليس بصحيح، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾[١٧]
وعلى كلّ حال قد وردت عن الأئمّة (ع) انّهم قالوا: «مَا عَبَدْتُكَ خَوْفاً مِنْ نَارِكَ وَ لاَ طَمَعاً فِي جَنَّتِكَ وَ لَكِنْ وَجَدْتُكَ أَهْلاً لِلْعِبَادَةِ فَعَبَدْتُكَ»[١٨]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ التوبة، الآية: ۳۱.
- ↑ البيّنة، الآية: ٥.
- ↑ السيد كاظم الحائري، أصول الدين، ص86.
- ↑ التوبة، الآية: ۳۱.
- ↑ الزمر، الآية: ۳.
- ↑ الزمر، الآية: ۳۸.
- ↑ الأعراف، الآية: ۱۹٠ ـ ۱۹۲.
- ↑ وسائل الشيعة ٦: ۳۸۷، الباب ۲۷ من أبواب السجود، الحديث ٤.
- ↑ البحار ۱۱: ۱٤٠.
- ↑ السيد كاظم الحائري، أصول الدين، ص100-102.
- ↑ سورة الفاتحة، الآية ٥.
- ↑ سورة النساء، الآية ٨٠.
- ↑ سورة الجاثية، الآية ٢٣.
- ↑ سورة يس، الآية ٦٠.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٢١.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٦٤.
- ↑ سورة الصافات، الآية ٦٠-٦١.
- ↑ حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية، ج١، ص ٣٠٠.