←التعريف اللغوي
| سطر ٣: | سطر ٣: | ||
==التعريف== | ==التعريف== | ||
=== التعريف اللغوي === | === التعريف اللغوي === | ||
«الإيمان» في [[اللغة]] مصدر «آمن»، بمعنى [[الأمن]] ضد [[الخوف]]<ref>المفردات: ٩٠.</ref>، ومنه قوله تعالى: {{نص قرآني|وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا}}<ref> سورة البقرة، الآية ١٢٥.</ref>، وقوله تعالى: {{نص قرآني|أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ}}<ref> سورة فصلت، الآية ٤٠.</ref>، وقوله عزّ وجلّ: {{نص قرآني|ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ}}<ref> سورة الحجر، الآية ٤٦.</ref>. وغالباً ما يستعمل الإيمان في [[التصديق]] والاعتقاد مقابل [[التكذيب]]، كما في قوله تعالى: {{نص قرآني|وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ}}<ref> سورة يوسف، الآية ١٧.</ref>.<ref>العين ٣٨٨: ٨.</ref> للمناسبة؛ لما في [[الاعتقاد]] والتصديق من السكون والإطمئنان القلبي<ref>انظر: الصحاح ٢٠٧١: ٥. مجمع البحرين ٨١: ١، مادة (امن).</ref>. | «الإيمان» في [[اللغة]] مصدر «آمن»، بمعنى [[الأمن]] ضد [[الخوف]]<ref>المفردات: ٩٠.</ref>، ومنه قوله تعالى: {{نص قرآني|وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا}}<ref> سورة البقرة، الآية ١٢٥.</ref>، وقوله تعالى: {{نص قرآني|أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ}}<ref> سورة فصلت، الآية ٤٠.</ref>، وقوله عزّ وجلّ: {{نص قرآني|ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ}}<ref> سورة الحجر، الآية ٤٦.</ref>. وغالباً ما يستعمل الإيمان في [[التصديق]] والاعتقاد مقابل [[التكذيب]]، كما في قوله تعالى: {{نص قرآني|وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ}}<ref> سورة يوسف، الآية ١٧.</ref>.<ref>العين ٣٨٨: ٨.</ref> للمناسبة؛ لما في [[الاعتقاد]] والتصديق من السكون والإطمئنان القلبي<ref>انظر: الصحاح ٢٠٧١: ٥. مجمع البحرين ٨١: ١، مادة (امن).</ref>.<ref>[[السيد محمود الهاشمي الشاهرودي]]، [[موسوعة الفقه الإسلامي المقارن (كتاب)|'''موسوعة الفقه الإسلامي المقارن''']]، ج٣، ص ٦٣٠-٦٣١.</ref> | ||
«[[الإيمان]]» مصدر من مادّة «أم ن»، و يدلّ على معنيين متقاربين، و هما: سكون [[القلب]]، والتصديق ؛ لأنّ [[الإنسان]] إنّما يصدّق ويشهد بالشيء الّذي يثق به ويسكن قلبه إليه . | |||
يقول [[ابن فارس]] في هذا المجال: الهَمزَةُ وَالميمُ وَالنّونُ أصلانِ مُتَقارِبانِ، أحَدُهُما: الأَمانَةُ الَّتي هِي ضِدُّ الخِيانَةِ، ومَعناها سُكونُ القَلبِ . وَالآخَرُ: التَّصديقُ . وَالمَعنِيانِ كَما قُلنا مُتَدانِيانِ .<ref>معجم مقاييس اللغة: ج ١ ص ١٣٣ .</ref> | |||
يصرّح [[الخليل بن أحمد الفراهيدي]] بشأن المعنى اللغوي ل «الإيمان» قائلاً: الإِيمانُ: التَّصديقُ نَفسُهُ، وَقولُهُ تَعالى: {{نص قرآني|وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا}}<ref> سورة يوسف، الآية ١٧.</ref> أي بِمُصَدِّقٍ .<ref>ترتيب كتاب العين: ص ٥٦ .</ref> | |||
ويذكر [[أبو منصور الأزهري]] في معرض بيانه لمعنى الإيمان: وأَمَّا «الإِيمانُ» فَهُوَ مَصدَرُ آمَنَ يُؤمِنُ إيمانا فَهُوَ مُؤمِنٌ . وَاتَّفَقَ أهلُ العِلمِ مِنَ اللُّغَوِيّينَ وغَيرِهِم أنَّ «الإِيمانَ» مَعناهُ التَّصديقُ .<ref>تهذيب اللغة: ج ١ ص ٢١٠ ؛ وراجع: لسان العرب: ج ١٣ ص ٢٣ .</ref> | |||
بناءً على ذلك، فإنّ مادّة «أمن» لها معنيان متقاربان، ولكنّ كلمة «الإيمان» في [[اللغة]] بمعنى [[التصديق]] الّذي يشمل التصديق القلبي واللساني والعملي . | |||
وما ذكره [[الفيروز آبادي]] من أنّ الايمان: «الثقة وإظهار [[الخضوع]] وقبول [[الشريعة]]» <ref>القاموس المحيط: ج ٤ ص ٩٧ .</ref> اشارة إلى هذا المعنى .<ref>[[محمد محمدي ريشهري]]، [[موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة]]، ج٥، ص ١٤٩.</ref> | |||
==الإيمان في [[الكتاب]] والسنّة== | |||
تحدّث [[الفقهاء]]، والمحدّثون، والمتكلّمون والمفسّرون كثيرا مّا عن المفهوم الشرعي ل «الإيمان»، وأبدوا آراءً مختلفة <ref>راجع: المعجم في فقه لغة القرآن وسرّ بلاغته: ج ٣ ص ٦٢٩ ـ ٦٥٣ ونضرة النعيم: ج ٣ ص ٦٤١ ـ ٦٤٥ .</ref> لا مجال هنا لطرحها ونقدها . سوف نبيّن هنا أوّلاً مفهوم الإيمان بالاستناد إلى نصّ [[القرآن]] والأحاديث [[الإسلامية]]، ونبحث الاختلاف بين مفهومي الإيمان والإسلام، كذلك الاختلاف بين الإيمان واليقين من منظار [[الروايات]]، ثمّ نمضي إلى الإشارة إلى أبرز العناوين المستخدمة في تقويم تحقّق الإيمان الحقيقي، [[مثل]]: «ملاك الإيمان» و«[[نظام]] الإيمان» و«دعائم الإيمان» . . . وغيرها .<ref>محمد محمدي ريشهري، [[موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة]]، ج٥، ص ١٥٠.</ref> | |||
==استخدامات «[[الإيمان]]» في [[الكتاب]]== | |||
تظهر دراسة المواضع الّتي استخدم فيها [[القرآن الكريم]] كلمة «الإيمان» أو اشتقاقاتها، أنّ لهذه [[الكلمة]] استعمالات مختلفة في [[القرآن]] في إطار معناها اللغوي، بناءً على ذلك فإنّنا سنستعرض أوّلاً استخدامات «الإيمان» في الكتاب، ثمّ نستخلص النتائج، منها: | |||
#'''[[شريعة خاتم الأنبياء]]: ''' إنّ المراد من الإيمان عندما يُذكر إلى جانب [[الأديان]] الأُخرى، هو [[الشريعة]] الّتي جاء بها محمّد صلى [[الله]] عليه و آله من جانب اللّه ـ تعالى ـ لهداية [[المجتمع]] [[البشري]]، نظير الآية التالية: {{نص قرآني|إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٦٩.</ref>. | |||
#'''[[الاعتقاد]] المقترن بالإقرار بالحقائق [[الدينية]] والعمل بها: ''' إنّ المراد من الإيمان في [[الآيات]] التي مُدح فيها أهل الإيمان، هو الاعتقاد القلبي المقترن بإقرار اللسان وعمل الجوارح، [[مثل]] قوله تعالى: {{نص قرآني|وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ}}<ref> سورة الحديد، الآية ١٩.</ref> . | |||
#'''الاعتقاد المقترن بالإقرار بالحقائق الدينية: ''' لقد استخدمت هذه الكلمة في [[العقائد]] الدينية المقترنة بالاعتراف بها، وذلك في الآيات الّتي طرح فيها «الإيمان» إلى جانب [[العمل]] [[الصالح]]، مثل: {{نص قرآني|إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ}}<ref> سورة البينة، الآية ٧.</ref>. | |||
#'''الإقرار اللساني بالحقائق الدينية: ''' استُعمل الإيمان بمعنى الإقرار اللساني فقط، في الآيات الّتي أطلقت فيها كلمة [[المؤمن]] على الّذين لا يلتزمون به من الناحية العملية، أو طلب منهم الإيمان بها، مثل: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّه لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}}<ref> سورة النساء، الآية ٧١-٧٤.</ref>. روي عن [[الإمام الصادق]] {{ع}} في تفسير هذه [[الآيات]]: {{نص حديث|لَو أنَّ هذِهِ الكَلِمَةَ قالَها أهلُ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ لَكانوا بِها خارِجينَ مِنَ الإِيمانِ وَلكِن سَمّاهُمُ اللّه ُ مُؤمِنينَ بِإقرارِهِم}}. <ref>تفسير القمّي: ج ١ ص ٣٠ .</ref> وكقوله تعالى: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ}}<ref> سورة النساء، الآية ١٣٦.</ref> [[الإيمان]] الأوّل في هذه الآية بمعنى الإقرار باللسان، والإيمان الثاني بمعنى [[التصديق]] القلبي، كما استُخدم الإيمان في بعضٍ من [[الأحاديث]] بمعنى الإقرار باللسان فقط، [[مثل]] ما نُقل عن [[رسول اللّه]] صلى [[الله]] عليه و آله أنّه خاطب جماعةً من المسلمين قائلاً: {{نص حديث|يا مَعشَرَ مَن آمَنَ بِلِسانِهِ ولَم يَخلُصِ الإيمانُ في قلبِهِ، لا تَتَّبِعوا عَوراتِ المُؤمِنينَ}}.<ref>الأمالي للمفيد: ص ١٤١ ح ٨، ثواب الأعمال: ص ٢٨٨ ح ١، المحاسن: ج ١ ص ١٨٩ ح ٣١٥، بحارالأنوار: ج ٧٥ ص ٢١٤ ح ١٠ .</ref> | |||
#'''التصديق القلبي: ''' استُعمل الإيمان في [[القرآن]] أحيانا بمعنى التقوية والتأييد والتصديق القلبي بالحقائق [[الدينية]]، مثل: {{نص قرآني|أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ}}<ref> سورة المجادلة، الآية ٢٢.</ref> . فكتابة الإيمان في [[القلب]]، ما هي إلّا تقويته بروحٍ وقوّةٍ من جانبه . | |||
#التصديق العملي: كان [[المسلمون]] يصلّون أربعة عشر عاما بعد [[البعثة]] باتّجاه بيت المقدس، ثلاثة عشر عاما منها تقريبا <ref>وقع الاختلاف بين المفسّرين في المدّة التي كان المسلمون يصلّون فيها في المدينة باتّجاه بيت المقدّس، وهم قائلون بين سبعة أشهر إلى سبعة عشر شهرا .</ref> كان في مكّة والباقي في المدينة، وبعد هذه المدّة أصبحت [[الكعبة]] قبلة المسلمين بأمر اللّه تعالى، وفي تلك الفترة كان [[السؤال]] المطروح هو: ما [[حكم]] [[الصلاة]] الّتي أدّوها باتّجاه بيت المقدس حتّى ذلك [[التاريخ]] ؟ وهل كانت مجزية، أم باطلة ؟ يصرّح [[القرآن الكريم]] إجابةً على هذا السؤال أثناء طرح الآيات المتعلّقة بتغيير [[القبلة]]: {{نص قرآني|وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ}}<ref> سورة البقرة، الآية ١٤٣.</ref>. وهنا، قد استُعمل الإيمان بمعنى [[العمل]] بمقتضى [[العقيدة]]، أي الصلاة، وقد اعتُبر العمل جزء من [[الإيمان]] في رواياتٍ كثيرة أيضا. | |||
#<ref>تصديق الادّعاء: </ref> من المصاديق الأُخرى للإيمان في [[القرآن الكريم]] [[تصديق]] الادّعاء، فعندما ألقى إخوة [[يوسف]] أخاهم في البئر وجاؤوا أباهم يبكون قالوا: {{نص قرآني|إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ}}<ref> سورة يوسف، الآية ١٧.</ref> فاستُخدم «الإيمان» في هذه الآية بمعنى «[[التصديق]]»، أي: إنّك لا تصدّقنا ولو كنّا صادقين . | |||
#تصديق [[العقائد]] الوهميّة: استعمل القرآن الكريم كلمة «الإيمان» في آيات عديدة على نحو [[الذم]] لتصديق العقائد الموهومة، [[مثل]]: {{نص قرآني|أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ}}<ref> سورة العنكبوت، الآية ٦٧.</ref> . وقوله تعالى: {{نص قرآني|وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}}<ref> سورة العنكبوت، الآية ٥٢.</ref>. وقوله تعالى: {{نص قرآني|أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ}}<ref> سورة النساء، الآية ٥١.</ref>. | |||
يصرّح [[الراغب الأصفهاني]] في بيان استعمال «الإيمان» في الآية الأخيرة، قائلاً: فذلك مذكور على سبيل الذمّ لهم، وأنّه قد حصل لهم [[الأمن]] بما لا يقع به الأمن، إذ ليس من شأن [[القلب]] ـ ما لم يكن مطبوعا عليه ـ أن يطمئنّ إلى [[الباطل]]، وإنّما ذلك كقوله تعالى: {{نص قرآني|مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}}<ref> سورة النحل، الآية ١٠٦.</ref>. وهذا كما يقال: إيمانه [[الكفر]] وتحيَّته الضرب، ونحو ذلك .<ref>مفردات ألفاظ القرآن: ص ٩١ .</ref>.<ref>[[محمد محمدي ريشهري]]، [[موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة]]، ج٥، ص ١٥١.</ref> | |||
== تعريف «الإيمان» من منظار [[القرآن]]== | |||
استخدم القرآن ـ كما لاحظنا في جميع الأمثلة السابقة ـ كلمة «الإيمان» بمعناها اللغوي وهو «التصديق» مع هذا الاختلاف، وهو: أنّ هذه [[الكلمة]] استُعملت في القرآن بمعنى تصديق [[الشريعة]] الّتي نزلت على [[خاتم الأنبياء]] أحيانا، وفي التصديق القلبي واللساني والعملي للحقائق [[الدينية]] ثانية، وفي التصديق القلبي للحقائق الدينية تارة، وتارةً في التصديق اللساني، وتارةً في التصديق القلبي المؤيّد من دون [[عمل]]، وتارةً في التصديق العملي للحقائق الدينية، وحينا في تصديق الادّعاء، وأخيرا في تصديق الحقّ حينا وتصديق الباطل حينا آخر . | |||
على هذا الأساس، فإنّ لكلمة «[[الإيمان]]» في [[القرآن]] استعمالات كثيرة تتجاوز الوجوه الّتي ذُكرت في تفسير القمّي <ref>جاء في تفسير عليّ بن إبراهيم القمي: الإيمان في كتاب اللّه على أربعة أوجه: فمنه إقرار باللسان قد سمّاه اللّه إيمانا، ومنه تصديق بالقلب، ومنه الأداء، ومنه التأييد . الأوّل: الإيمان الّذي هو إقرار باللسان وقد سمّاه اللّه تبارك وتعالى إيمانا ونادى أهله به، لقوله: «يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا * وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا * وَلَـئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا» (النساء: ٧١ ـ ٧٣) . قال الصّادق {{ع}}: لو أنَّ هذِهِ الكَلِمَةَ قالَها أهلُ المَشرق وَأهلُ المَغرِبِ، لَكانُوا بِها خارجِينَ مِنَ الإيمانِ، وَلكِن قد سَمّاهُمُ اللّه ُ مُؤمِنينَ بإقرارِهِم . وقوله: «يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» (النساء: ١٣٦)، فقد سمّاهم اللّه مؤمنين بإقرارهم ثمّ قال لهم صدّقوا . الثاني: الإيمان الّذي هو التصديق بالقلب، فقوله: «الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ كَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَ فِى الْأَخِرَةِ» (يونس: ٦٣ و ٦٤)، يعني صدقوا . وقوله: «وَ إِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً» (البقرة: ٥٥)، أي لا نصدّقك . وقوله: «يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ»، أي يا أيّها الّذين أقرّوا صدِّقوا، فالإيمان الحقّ هو التصديق، وللتصديق شروط لا يتمّ التصديق إلّا بها . وقوله: «لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ لَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْأَخِرِ وَ الْمَلَائِكَةِ وَ الْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَ ءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَ الْيَتَـمَى وَ الْمَسَاكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ السَّآئِلِينَ وَ فِى الرِّقَابِ وَ أَقَامَ الصَّلَوةَ وَ ءَاتَى الزَّكَوةَ وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَ الصَّابِرِينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَ الضَّرَّآءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ» (البقرة: ١٧٧)، فمن أقام بهذه الشروط فهو مؤمن مصدِّق . الثالث: الإيمان الذي هو الأداء، فهو قوله لمّا حوّل اللّه قبلة رسوله إلى الكعبة، قال أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله: يا رسول اللّه ! صلواتنا إلى بيت المقدس بطلت؟ فأنزل اللّه تبارك وتعالى: «وَ مَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ» (البقرة: ١٤٣)، فسمّى الصلاة إيمانا . الرابع: من الإيمان، وهو التأييد الّذي جعله اللّه في قلوب المؤمنين من روح الإيمان، فقال: «لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْأَخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كَانُواْ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَـئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَ أَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ» (المجادلة: ٢٢)، والدليل على ذلك قوله {{ع}}: لا يَزنِي الزّاني وَهُوَ مُؤمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السّارقُ وَهُوَ مُؤمِنٌ، يُفارقُهُ روحُ الإيمانِ مادامَ عَلَى بَطنِها، فَإذا قامَ عادَ إلَيهِ . قيل: وما الّذي يفارقه؟ قال: الَّذي يَدَعُهُ (يرعد ظ) في قلبِهِ . ثمّ قال {{ع}}: ما مِن قلبٍ إلَا وَلَهُ اُذنانِ عَلَى أَحَدِهِما مَلَكٌ مُرشِدٌ، وَعَلَى الآخَر شَيطانٌ مُغتَرٌّ، هذا يَأمُرُهُ وَهذا يَزُجرُهُ . ومن الإيمان ما قد ذكره اللّه في القرآن حيث قال: «مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ» (آل عمران: ١٧٩) . ومنهم من يكون مؤمنا مصدّقا ولكنّه يلبس إيمانه بظلم، وهو قوله: «الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُـلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ» (الأنعام: ٨٢)، فمن كان مؤمنا ثمّ دخل في المعاصي الّتي نهى اللّه عنها، فقد لبس إيمانه بظلم، فلا ينفعه الإيمان حتّى يتوب إلى اللّه من الظلم الّذي لبس إيمانه، حتّى يخلص للّه، فهذه وجوه الإيمان في كتاب اللّه (تفسير القمّي: ج ١ ص ٣٠) .</ref>. | |||
وأمّا [[الإيمان]] الّذي دعا إليه هذا [[الكتاب]] السماوي، فيمكننا تعريفه كالتالي: «الإيمان»: هو [[تصديق]] [[الحقائق]] الّتي جاء بها النبيّ الأكرم صلى [[الله]] عليه و آله من جانب اللّه ـ سبحانه ـ لهداية [[البشر]]، مع [[التصديق]] القلبي والالتزام العملي، لذلك ينفي [[القرآن الكريم]] بصراحة [[الإيمان]] عن الّذين لا يلتزمون به عمليا، ويؤكد على أنهم ليسوا مؤمنين، كما يصرّح بذلك قائلاً: {{نص قرآني|فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}}<ref> سورة النساء، الآية ٦٥.</ref>. | |||
أمّا [[الاعتقاد]] القلبي دون [[التصديق]] اللساني والالتزام العملي، فهو [[علم]] وليس إيمانا، كما جاء في [[القرآن]] بشأن أتباع [[فرعون]]: {{نص قرآني|وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا}}<ref> سورة النمل، الآية ١٤.</ref> . | |||
كما ان التصديق اللساني والالتزام العملي المجرّد عن التصديق القلبي ليس إيمانا كما يصرّح القرآن في شأن من يدعى الإيمان من [[الأعراب]] قائلاً: {{نص قرآني|قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا}}<ref> سورة الحجرات، الآية ١٤.</ref>.<ref>[[محمد محمدي ريشهري]]، [[موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة]]، ج٥، ص ١٥٤.</ref> | |||
==الإيمان من منظار [[الأحاديث]]== | |||
تنقسم الأحاديث الّتي فسّرت الإيمان إلى عدة مجموعات: | |||
'''المجموعة الاُولى: ''' الأحاديث الّتي فسّرت الإيمان بالاعتقاد القلبي بالحقائق الغيبية وتصديقها، في مقابل [[الكفر]] بمعنى إنكار [[الحقائق]] الغيبية، [[مثل]] الحديث التالي: {{نص حديث|الإِيمانُ أن يُصَدِّقَ اللّه َ فيما غابَ عَنهُ ... وَالكُفرُ الجُحودُ}}. <ref>الاحتجاج: ج ٢ ص ٢٤٣ ح ٢٢٣، بحارالأنوار: ج ١٠ ص ١٨٣ ح ٢ .</ref> | |||
'''المجموعة الثانية: ''' الأحاديث الّتي فسّرت الإيمان بالاعتقاد القلبي والإقرار اللساني والعمل بمقتضاه، مثل هذه الرواية: {{نص حديث|الإِيمانُ مَعرِفَةٌ بِالقَلبِ، وقَولٌ بِاللِّسانِ، وَعَمَلٌ بِالأَركانِ}}.<ref>سنن ابن ماجة: ج ١ ص ٢٦ ح ٦٥، المعجم الأوسط: ج ٦ ص ٢٢٦ ح ٦٢٥٤، وفيه «إقرار» بدل «قول» وكلاهما عن أبي الصلت الهروي عن الإمام الرضا عن آبائه {{عم}}، كنز العمّال: ج ١ ص ٢٣ ح ٢ ؛ نهج البلاغة: الحكمة ٢٢٧، الخصال: ص ١٧٨ ح ٢٣٩ عن أبي الصلت الهروي عن الإمام الرضا عن آبائه {{عم}} عنه صلى الله عليه و آله، عيون أخبار الرضا {{ع}}: ج ٢ ص ٢٨ ح ١٧ عن داود بن سليمان الفراء عن الإمام الرضا عن آبائه {{عم}} عنه صلى الله عليه و آله وفيها «إقرار» بدل «قول»، بحار الأنوار: ج ٦٩ ص ٦٤ ح٩ .</ref> | |||
'''المجموعة الثالثة: ''' [[الأحاديث]] الَّتي فسّرت [[الإيمان]] بالإقرار اللساني والعمل بموجبه، [[مثل]]: {{نص حديث|الإِيمانُ، إقرارٌ بِالقَولِ، وعَمَلٌ بِالجَوارِحِ}}. <ref>تاريخ بغداد: ج ١١ ص ٥١ الرقم ٥٧٢٨، تهذيب الكمال: ج ١٨ ص ٨١ الرقم ٣٤٢١، الأنساب: ج ٥ ص ٦٣٨ كلّها عن الإمام الصادق عن آبائه {{عم}}، كنز العمّال: ج ١ ص ٢٧٤ ح١٣٦٢ عن الإمام عليّ {{ع}} عنه صلى الله عليه و آله ؛ الأمالي للطوسي: ص ٣٦٩ ح ٧٨٩ عن علي بن رزين عن الإمام الرضا عن آبائه عن الإمام علي {{عم}} نحوه، بحارالأنوار: ج ٦٩ ص ٦٨ ح ٢٢ .</ref> | |||
'''المجموعة الرابعة: ''' الأحاديث الّتي فسّرت الإيمان بالعمل بموجب [[الاعتقاد]] القلبي، مثل: {{نص حديث|الإِيمانُ، عَمَلٌ كُلُّهُ، وَالقَولُ بَعضُ ذلِكَ العَمَلِ}}. <ref>الكافي: ج ٢ ص ٣٤ ح ١ عن أبي عمرو الزبيري وص ٣٩ ح ٧ عن حماد بن عمرو النصيبي عن العالم {{ع}} وفيه «بيّنه» بدل «بيّن»، تفسير العياشي: ج ١ص ٦٣ ح ١١٥ عن أبي عمرو الزبيري وفيه «مفرض من اللّه مبين» بدل «بفرض من اللّه بين»، دعائم الاسلام: ج ١ ص ٤، بحار الأنوار: ج ٦٩ ص ٢٣ح ٦ .</ref> وممّا يجدر ذكره أنّ في هذه الأحاديث تعريضا بعقيدة [[المرجئة]]، الّذين لا يرون الالتزام العملي شرطا لتحقق الإيمان، وجميع [[الآيات]] والأحاديث الّتي تعتبر الالتزام بالأوامر والنواهي الإلهيّة شرط تحقّق الإيمان الحقيقي، أو الّتي [[تذكر]] بعض الآثار والعلامات للإيمان الحقيقي، هي مؤيدة لهذه الطائفة من الأحاديث . | |||
'''المجموعة الخامسة: ''' الأحاديث الّتي فسّرت الإيمان بالاعتقاد القلبي الّذي يصدّقه [[العمل]] [[الصالح]]، مثل: {{نص حديث|لكِنَّ الإِيمانَ، ما خَلَصَ فِي القَلبِ وَصَدَّقَهُ الأَعمالُ}}. <ref>معاني الأخبار: ص ١٨٧ ح ٣ عن حفص بن البختري عن الإمام الصادق {{ع}}، تحف العقول: ص ٣٧٠ عن الإمام الصادق {{ع}}، عوالي اللآلي: ج ١ ص٢٤٨ ح ٥ نحوه، بحارالأنوار: ج ٦٩ ص ٧٢ ح ٢٦ ؛ الفردوس: ج ٣ ص ٤٠٤ ح ٥٢٣٢ عن أنس نحوه، كنز العمّال: ج ١ ص ٢٥ ح ١١ .</ref> | |||
ومن خلال التأمّل في المجموعات الخمس المشار إليها، يتّضح أن لا اختلاف بينها، وأنّها جميعا تشير إلى [[أمر]] واحد وهو ما ذُكر في المجموعة الخامسة من [[الأحاديث]]، وهو أنّ [[الإيمان]] [[تصديق]] [[القلب]] والإقرار باللسان والأعمال الصالحة، وتصديق عملي للاعتقاد القلبي . بعبارةٍ أُخرى، فإنّ الإقرار والعمل هما علامة [[كون]] [[الاعتقاد]] القلبي حقيقيّا، والشرط الإثباتي له . | |||
على هذا، فإنّ الأحاديث المذكورة تفسّر وتبيّن [[نفس]] الاستنتاج الّذي توصّلنا إليه في تعريف الإيمان من منظار [[القرآن]]، والأحاديث الّتي جاءت في الفصل الأوّل وسائر الفصول حول خصوصيات الإيمان الحقيقي وآثاره، تنسجم مع هذا التعريف .<ref>[[محمد محمدي ريشهري]]، [[موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة]]، ج٥، ص ١٥٧.</ref> | |||
== [[الفرق]] بين الإيمان والإسلام== | |||
لمصطلح [[الإسلام]] نوعان من الاستخدام في [[الكتاب]] والسنّة: فقد استُعمل أحيانا في الإسلام الحقيقيّ، [[مثل]]: {{نص قرآني|إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ١٤.</ref>. أو ما روي عن [[الإمام]] عليّ {{ع}} في تعريف الإسلام: {{نص حديث|الإِسلامُ هُوَ التَّسليمُ، وَالتَّسليمُ هُوَ اليَقينُ، وَاليَقينُ هُوَ التَّصديقُ، وَالتَّصديقُ هُوَ الإِقرارُ، وَالإِقرارُ هُوَ الأَداءُ، وَالأَداءُ هُوَ العَمَلُ}}. <ref>نهج البلاغة: الحكمة ١٢٥، معاني الأخبار: ص ١٨٥ ح ١، تفسير القمّي: ج ١ ص ١٠٠، بحارالأنوار: ج ٦٨ ص ٣٠٩ ح ١ .</ref> | |||
وهذا يعني أنّ شدّة ارتباط الألفاظ السبعة الّتي ذُكرت، تبلغ حدّا بحيث يمكن تفسير كلّ منها وتبيينه بالآخر . | |||
والإسلام بهذا المعنى لا يختلف عن الإيمان، ولكنّ للإسلام استخداما آخر في الكتاب والسنّة وهو الإسلام الظاهري، مثل هذه الآية: {{نص قرآني|قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}}<ref> سورة الحجرات، الآية ١٤.</ref> . | |||
فالإسلام في هذه الآية يختلف عن الإيمان، فهو عبارة عن الإقرار الظاهري دون الاعتقاد القلبي، والإيمان هو الاعتقاد القلبي مع جميع لوازمه . | |||
ويمكن تقسيم [[الروايات]] الّتي فسّرت هذه الآية أو استلهمت منها في بيان الاختلاف بين الإسلام والإيمان إلى سبع مجموعات: | |||
'''المجموعة الاُولى: ''' [[الأحاديث]] الدالّة على أنّ [[الإيمان]] شريك [[الإسلام]] ولكنّ الإسلام ليس شريكا للإيمان، وتستنتج أنّ كلّ [[مؤمن]] [[مسلم]] وليس كلّ مسلم مؤمنا بالضرورة . | |||
'''المجموعة الثانية: ''' الأحاديث الدالّة على أنّ الإيمان هو [[الاعتقاد]] القلبي الّذي تصدّقه [[الأعمال الصالحة]]، والإسلام هو ما يجري على اللسان ويهيّئ الأرضية لتنفيذ أحكامه [[الظاهرية]] [[مثل]] صحّة [[الزواج]] . | |||
'''المجموعة الثالثة: ''' الأحاديث الّتي تصرّح بأنّ الإيمان هو الإقرار المقترن بالعمل، والإسلام هو الإقرار بدون [[عمل]] . | |||
'''المجموعة الرابعة: ''' الأحاديث الدالّة على أنّ الإسلام هو الإقرار والقيام بضروريات [[الدين]] مثل الصّلاة والصوم والحجّ . والإيمان يقتضي مضافا إلى ذلك ترك المعاصي وخاصّة الكبائر . | |||
'''المجموعة الخامسة: ''' ما دلّ على أنّ الإيمان هو الإقرار والعمل والنيّة، والإسلام هو الإقرار والعمل دون النيّة . والمراد من [[العمل]] بدون النيّة، العمل بظواهر الإسلام دون الاعتقاد القلبي بها ؛ لأنّ النيّة تصدر من الاعتقاد القلبي . | |||
'''المجموعة السادسة: ''' الأحاديث الدالّة على أنّ الإسلام ظاهر والإيمان في [[القلب]] . | |||
'''المجموعة السابعة: ''' الأحاديث الّتي ذكرت الاختلاف بين الإسلام والإيمان في آثاره، أي تنفيذ [[الأحكام]] والقوانين في [[الدنيا]]، والأجر في [[الآخرة]] . | |||
يتّضح من خلال [[التأمل]] في هذه الأحاديث أنّ اختلافها ظاهري، وهي جميعا تشير إلى [[حقيقة]] واحدة .<ref>[[محمد محمدي ريشهري]]، [[موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة]]، ج٥، ص ١٥٨.</ref> | |||
==إجابة على [[شبهة]]== | |||
قد تُطرح هنا شبهة مفادها أنّ كلمة الإيمان تُستعمل في [[الكتاب]] والسنّة ـ كما سبقت الإشارة إليه ـ في الإقرار اللساني مثل كلمة الإسلام . بناءً على ذلك، لا يوجد اختلاف في تعريف الإيمان والإسلام . | |||
بعبارةٍ أُخرى، الاختلافات المذكورة تمثّل الاختلاف بين الإسلام والإيمان الحقيقي والظاهري، لا الاختلاف بين الإسلام والإيمان ؛ لأنّ الإسلام الحقيقي هو الإيمان الحقيقي نفسه، والإسلام الظاهري هو [[نفس]] الإيمان الظاهري . | |||
وللجواب على ذلك نقول: | |||
#إنّ الاستعمال يشمل الحقيقي والمجازي، بناءً على ذلك لا يمكن القول بعدم وجود اختلاف بين مفهومي الإيمان والإسلام استنادا إلى استعمال هاتين الكلمتين في معنيين متشابهين . | |||
#يختلف [[الإيمان]] والإسلام من ناحية المفهوم اللغوي، ومن ناحية مفهومهما في [[الكتاب]] والسنّة، ومن ناحية [[الأحكام]] المترتبة عليهما . | |||
أمّا من الناحية اللغوية، فقد أوضحنا من قبل أنّ الإيمان من مادّة «أمن» الّتي لها معنيان متقاربان، أحدهما: سكون [[القلب]]، والآخر [[التصديق]]، وكلاهما من [[فعل القلب]]، ولكنّ [[الإسلام]] يعني التسليم الّذي يشمل التسليم الظاهري والواقعي . | |||
أما الكتاب والسنّة فقد صرّح [[القرآن]] والأحاديث [[الإسلامية]] أيضا ـ كما مرّ ذلك بالتفصيل ـ بأنّ للإيمان والإسلام معنيين، وأنّ الأحكام المترتّبة عليهما مختلفة أيضا . | |||
بعبارةٍ أُخرى، فإنّ الخروج من الإيمان لا يعني الدخول في [[الكفر]]، وهذا [[التدبير]] في التشريع هو من مظاهر [[الحكمة]] والرحمة في مدرسة [[الوحي]] .<ref>[[محمد محمدي ريشهري]]، [[موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة]]، ج٥، ص ١٦٠.</ref> | |||
==الاختلاف بين الإيمان واليقين== | |||
[[اليقين]] لغةً: هو الاطلاع العميق والعلمي الّذي يقترن بِطمأنينة القلب وسكونه إلى المعلوم . ويُطلق في [[الأحاديث]] على الحالة الّتي في قمّة [[مراتب الإيمان]]، فبعد اجتياز مرحلة [[التقوى]] نقطة تتجلّى فيها له حقائق الوجود، فهذه المرحلة من الإيمان هي اليقين . على هذا الأساس، فإنّ الشخص الّذي يصل إلى مرحلة اليقين العُليا، يشاهد [[الحقائق]] غير المحسوسة في [[العالم]] بعين قلبه . | |||
ويتبيّن من هذا الإيضاح المراد ممّا روي عن [[الإمام]] المجتبى {{ع}} في بيان الاختلاف بين الإيمان واليقين، هذا هو نصّ الرواية: | |||
{{نص حديث|لِأَنَّ الإِيمانَ ما سَمِعناهُ بِآذانِنا وَصَدَّقناهُ بِقُلوبِنا، وَاليَقينَ ما أبصَرناهُ بِأَعيُنِنا وَاستَدلَلنا بِهِ عَلى ما غابَ عَنّا}}. <ref>مشكاة الأنوار: ص ٤٨ ح ٣٤، بحار الأنوار: ج ٧٠ ص ١٨٢ ح ٥٢ .</ref> | |||
بتعبير آخر: الإيمان يدخل القلب عن طريق [[الدليل]] والبرهان، واليقين عن طريق [[الشهود]] والعرفان .<ref>محمد محمدي ريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٥، ص ١٦١.</ref> | |||
==ما يجب الإيمان به== | |||
الأُمور الّتي يجب الإيمان بها من منظار [[القرآن الكريم]] هي: اللّه والغيب والملائكة، [[الكتب السماوية]] والأنبياء والرسل وخاتم [[الأنبياء]] محمّد صلى [[الله]] عليه و آله وما نزل على [[رسول اللّه]] والقيامة . وقد خصّصنا الفصل الثاني لبيان هذه الأُمور بشكلٍ إجمالي . | |||
وهناك عدّة ملاحظات تلفت الانتباه في هذا المجال: | |||
#إنّ [[الإيمان]] بالغيب وعدم انحصار الوجود في المحسوسات، هما أهمّ أصل في النظرة [[الدينية]] للعالم، وأوّل نقطة تفصل أهل الإيمان عن المجاهدين للّه والوحي والقيامة، ولذلك فقد اعتبره [[القرآن]] أوّل خصوصية للمتّقين . | |||
#الإيمان باللّه يشمل الإيمان بالتوحيد والعدل والصفات الإلهيّة الأُخرى أيضا . | |||
# لزوم الإيمان بما نزل على [[رسول اللّه]] صلى [[الله]] عليه و آله يحتمّ على أتباعه الإيمان بسائر [[الحقائق]] الّتي اعتُبر [[الاعتقاد]] بها ضروريا، [[مثل]] الإيمان بخاتمية نبوّته صلى الله عليه و آله، وولاية [[أهل البيت]] {{عم}} والقضاء والقدر والمعراج والسؤال في [[القبر]] والجنّة والنار، كذلك الإيمان بالأعمال الّتي اعتبر أداءها واجبا، مثل: [[الصلاة]] والصوم والحجّ . | |||
#كلّ ما يُعدّ الإيمان به واجبا في [[الإسلام]] يعود إلى أصلين: [[التوحيد]] والنبوّة . إلّا أنّ الإيمان بالعدل الإلهي وإمامة أهل البيت {{عم}} اعتبرت من أُصول [[الدين]] أيضا في [[مذهب]] أتباع أهل البيت {{عم}}، بالإضافة إلى الأصلين السابقين ؛ وذلك بسبب أهمّيتها ودورها في بناء الفرد والمجتمع . سوف نورد توضيحا أكثر في هذا المجال تحت عنوان «الدين» في المواضيع القادمة من موسوعة معارف [[الكتاب]] والسنّة . | |||
#في الإيمان بالملائكة والأنبياء والرسل والكتب السماوية وأمثالها لا يلزم الاعتقاد بجزئياتها ـ كخصائص [[الملائكة]]، [[عدد]] [[الأنبياء]] وعدد [[الكتب السماوية]] ـ الّتي لا يوجد [[دليل]] قاطع عليها في الكتاب والسنّة، بل يكفي الاعتقاد الإجمالي بها .<ref>[[محمد محمدي ريشهري]]، [[موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة]]، ج٥، ص ١٦٢.</ref> | |||
==قيمة الإيمان== | |||
لقد طرحت [[الأحاديث]] ملاحظات تستحقّ التأمّل في بيان قيمة الإيمان، مثل: «أحبّ الأشياء إلى اللّه» و«لا يعطيه إلّا من أحبّه» و«أعلى غاية» و«أعلى شرف» و«[[أفضل]] الذخيرة» و«ثمن الجنّة» . | |||
كما روى حول عظمة أهل الإيمان ومنزلتهم لدى اللّه ـ تعالى ـ أنّ: {{نص حديث|قَلبُ المُؤمنِ عَرشُ الرَّحمنِ}}، و {{نص حديث|المُؤمِنُ أعظَمُ حُرمَةً عِندَ اللّه ِ مِنَ الكَعبَةِ ومِنَ المَلَكِ المُقَرَّبِ}}، و {{نص حديث|أطيَبُ الأشياءِ ريحا في الآفاقِ}} و ... | |||
كما أنّ [[حياة]] أهل الإيمان على [[الأرض]] تتمخّض عن بركاتٍ كثيرةٍ لنظام الوجود والمجتمع [[البشري]] . | |||
ويتّضح من خلال التأمّل في [[الروايات]] الدالّة على قيمة [[الإيمان]] والمؤمن، أنّ جميع هذه الفضائل ليست لمطلق الإيمان والمؤمن، بل إنّ للإيمان درجات يعتمد مستوى قيمته عليها، فكلّما ارتقى [[المؤمن]] من الناحية [[الأخلاقية]] والعملية، بلغ مراتب أعلى من الفضائل المذكورة.<ref>[[محمد محمدي ريشهري]]، [[موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة]]، ج٥، ص ١٦٣.</ref> | |||
==مبادئ الإيمان== | |||
تمتدّ جذور الإيمان في [[فطرة]] [[الإنسان]] من وجهة [[نظر]] [[الكتاب]] والسنّة، وإنّ [[العقل]] والعلم والوحي تُسهم في ازدهار فطرة الإيمان في الظاهر والباطن . بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الأشخاص الّذين يتبعون حجّة العقل والوحي، تشملهم [[الهداية]] الإلهيّة الخاصّة، ويبلغون [[مراتب الإيمان]] العالية بتوفيق اللّه ـ تعالى ـ <ref>محمد محمدي ريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٥، ص ١٦٤.</ref> | |||
==[[ثبات]] الإيمان وتزلزله== | |||
عن [[الملاحظة]] اللّافتة للانتباه والّتي حَظيت بالاهتمام في [[أحاديث أهل البيت]] {{عم}}، تقسيم الإيمان إلى [[ثابت]] وغير ثابت . | |||
فالإيمان [[الثابت]]، هو الإيمان الّذي يرافق الإنسان دائما ويُسمّى الإيمان «المستقرّ»، والإيمان غير الثابت، هو الإيمان الّذي ينفصل عن الإنسان بعد فترة، لذلك يُسمّى «المستودع»<ref>استلهم التعبير ب«المستقرّ» و «المستودع» من الآية ٩٨ من سورة الأنعام، ويبدو أنّ الروايات الّتي طبّقت هذه الآية على الإيمان الثابت والمتزلزل، أوضحت تأويل الآية لا تفسيرها .</ref>، بمعنى أنّ جوهر الإيمان أودع لديه لفترة كأمانة، ولكنّه فقده لأنّه لم يستطع المحافظة عليه كما ينبغي . | |||
ومن خلال التأمّل في هذه الملاحظة ينكشف لنا سرّ سياسي تاريخي مهمّ، وهو كيف أنّ الأشخاص المؤمنين المضحّين أعرضوا عن [[الإسلام]] الحقيقي بعد فترة، بل إنّهم وقفوا في وجهه وفي وجه المدافعين الحقيقيّين عن الإسلام؟! | |||
إنّ من عوامل ثبات الإيمان ـ من منظار أحاديث أهل البيت {{عم}} ـ: الورع والانسجام بين الأقوال والأفعال والثبات والصمود في السير على طريق [[الحق]] والعمل [[الصالح]] ومساعدة البؤساء والاستمداد من اللّه ـ تعالى ـ . | |||
كما أنّ من آفات الإيمان وعوامل تزلزله: [[الشرك]] والبدعة والغلوّ والعناد وترك التمسّك بولاية [[أهل البيت]] {{عم}} وإفشاء أسرارهم {{عم}} والكذب عليهم {{عم}} وتحليل المحرّمات الإلهيّة والهلع وعدم [[الحياء]] والحسد وإيذاء أهل [[الإيمان]] وتتّبع هفواتهم وإيذاء الجارّ وأنواع الذنوب الأُخرى بشكلٍ عام .<ref>[[محمد محمدي ريشهري]]، [[موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة]]، ج٥، ص ١٦٤.</ref> | |||
==[[مراتب الإيمان]]== | |||
اتّضح لنا أنّ الإيمان هو [[المعرفة]] والاعتقاد القلبي المقارن للالتزام العملي، ونظرا إلى أنّ كلّاً من [[العلم]] والعمل قابلان للزيادة والنقصان، وأنّ الإيمان يتألّف من هذين العنصرين، فإنّ الإيمان أيضا قابل للزيادة والنقصان، على هذا الأساس فإنّ اختلاف مراتب الإيمان ودرجاته بديهيّ ولا يقبل الشكّ . | |||
ويمكن أن نستخلص النتائج التالية من [[الآيات]] والروايات الّتي وردت في الفصل السادس بهذا الخصوص: | |||
#دلّت ثمّة آيات من [[القرآن]] على [[كون]] الإيمان قابلاً للزيادة، وعلى الاختلاف بين درجات المؤمنين وتبعا لها فقد أيدت روايات [[أهل البيت]] {{عم}} بصراحة اختلاف مراتب الإيمان ودرجاته . على هذا، فإنّ ما نُقل عن أبي حنيفة وإمام الحرمين وأمثالهما من أنّ الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان، إنّما هو [[كلام]] ضعيف لا قيمة له . <ref>راجع: الميزان في تفسير القرآن: ج ١٨ ص ٢٥٩ .</ref> | |||
#أدنى درجات الإيمان معرفة [[التوحيد]] والنبوّة والإمامة، والالتزام العملي بهذه [[الأصول]] الثلاثة . | |||
# يعمل [[المؤمن]] في ذروة الالتزام العملي بالمعتقدات [[الدينية]] إلى مرتبة [[التقوى]]، وفي ذروة مراتب التقوى يبلغ مرتبة [[اليقين]]، في هذه المرحلة تتجلّى [[الحقائق]] الغيبية للإنسان، ويرتقي إيمانه العلمي إلى [[الشهود]] القلبي . | |||
#الطريق الوحيد للسير الصحيح والسلوك والارتقاء إلى مراتب الإيمان العليا وبلوغ قمّة اليقين هو السعي من [[أجل]] تحلّي [[الروح]] بالأخلاق الحسنة والأعمال الصالحة . | |||
#من الخطورة بمكان، [[دعوة]] [[الناس]] إلى درجات الإيمان العليا والصعود إلى ذروة اليقين دون الأخذ بنظر [[الاعتبار]] [[استعداد]] المخاطب وقدرته على الاستيعاب، فما أكثر ما يؤدّي ذلك إلى انحرافه عن مسار الإيمان.<ref>محمد محمدي ريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٥، ص ١٦٥.</ref> | |||
== فوائد الإيمان وبركاته== | |||
للإيمان آثار و بركات فردية واجتماعية كثيرة لأهل الإيمان والمجتمع [[الإسلامي]]، وتتمثّل أُولى بركات الإيمان في [[البصيرة]] والهداية الإلهيّة، والتي تتمخض عن معرفته، بحقائق الوجود والنظرة الصحيحة للعالم، ويصبح على إثرها متمتّعا بخصائص [[أخلاقية]] اجتماعية وعملية ودينية قيّمة . | |||
وبفضل [[الإيمان]] يتحرّر [[الإنسان]] من نير العبودية، وأصحاب الثروات والطغاة، وينجو من مصائد تزوير [[الشيطان]] والنفس الأمّارة، وينال بذلك [[السكينة]] والسعادة [[الأبدية]] وخير [[الدنيا]] والآخرة.<ref>[[محمد محمدي ريشهري]]، [[موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة]]، ج٥، ص ١٦٦.</ref> | |||
==مضار عدم الإيمان== | |||
إنّ [[الضرر]] الأوّل من أضرار انعدام الإيمان هو الحرمان من [[الهداية]] الإلهيّة، وبالتالي [[الخطأ]] في النظرة إلى [[العالم]] . فالشخص العديم الإيمان يعتبر العالم فاقدا للغاية، على هذا الأساس فإنّ القيم [[الأخلاقية]] لا معنى لها بالنسبة إليه، لذلك فإنّه يقع بسهولة في مصائد [[الشياطين]] [[الباطنية]] والظاهرية، وينفتح أمامه طريق الابتلاء بأنواع المفاسد والمآثم الفردية والاجتماعية، وبالتالي فإنّ انعدام الإيمان لن تكون له نتيجة سوى [[الحسرة]] والندم . <ref>محمد محمدي ريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٥، ص ١٦٧.</ref> | |||
==المسافة بين الإيمان والكفر== | |||
علينا هنا أن نجيب على هذا [[السؤال]]: فيجب القول ـ استنادا إلى ما مرّ في بيان العلاقة بين [[الجهل]] والكفر ـ إنّ هناك مسافة بين [[الكفر]] والإيمان، وإنّ الشخص الّذي يشكّ في أُصول [[الإسلام]] [[العقيدية]] ولكنّه لا ينكرها، ليس مسلما ولا كافرا، في حين أنّه لا مسافة بين الكفر والإيمان من الناحية الفقهية، فكلّ شخص غير [[مؤمن]] [[كافر]]؟ | |||
للجواب على هذا السؤال نقول: إنّ ما يخضع للدراسة في هذا الموضوع، هو العلاقة بين الجهل والكفر من حيث [[علم]] [[الدلالة]] لا من حيث الناحية الفقهية، صحيح أنّه لا مسافة بين الإيمان والكفر من الناحية الفقهية استنادا إلى النصوص الكثيرة الواردة في هذا المجال<ref>مثل الآية ٦٧ من سورة النمل، والرواية ١٠ و ١١ من أُصول الكافي، ج ٢ ص ٣٨٦ .</ref>، ولكنّ هناك مسافة بينهما بالتأكيد من حيث علم الدلالة . ولكنّ الشاك ليس كافرا من حيث علم الدلالة، إلّا إذا أنكر أُصول الإسلام العقيدية، ولكنّه إذا لم ينكرها خاصّةً إذا كان بصدد التحقّق والعثور على [[الحقيقة]]، فلي س بكافر، بل يعتبر جاهلاً ومستضعفا من الناحية العقيدية . | |||
على هذا الأساس، فليس هناك مسافة بين [[الكفر]] والإيمان من الناحية الفقهية، وكلّ شخص ليس بمؤمنٍ حقيقةً أو حكما، يعتبر كافرا، ولكن هناك مسافة بين الكفر والإيمان من حيث [[علم]] [[الدلالة]]، بعبارةٍ أُخرى فإنّ هناك من حيث علم الدلالة فرقا بين [[العالم]] والجاهل الّذي لا ينكر جهله والجاهل الّذي ينكر جهله، والكافر هو [[الجاهل]] الّذي لا ينكر جهله ويدّعي [[العلم]] .<ref>[[محمد محمدي ريشهري]]، [[موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة]]، ج٥، ص ١٦٧.</ref> | |||
=== التعريف الاصطلاحي === | === التعريف الاصطلاحي === | ||