الفرق بين المراجعتين لصفحة: «البرهان»
ط
استبدال النص - 'محمد محمدي ريشهري' ب'محمد الريشهري'
ط (استبدال النص - 'محمد محمدي ريشهري' ب'محمد الريشهري') |
|||
| سطر ١٢: | سطر ١٢: | ||
ويمكن القول في مقام [[التحكيم]] وحلّ الاختلاف في هذا الباب: إنّ «البرهان» كان في الأصل مصدراً ومن مادّة «بره»، بمعنى «الإتيان بالحجّة والدليل الواضح» ومعنى «[[الحجّة]] الواضحة»، إلّا أنّه تمّ نحت [[فعل]] ثلاثي مزيد من هذه [[الكلمة]] على وزن «فَعْلَنَ» <ref>يُعَدّ هذا الفعل من الأبواب غير المشهورة وعلى الوزن العروضي للفعل الرباعي المجرد. وقد اصطلح على تسمية هذا النوع من الأفعال ومصادرها بالمنحوتة وهذا الفعل ملحق بالفعل المجرد. وقد وضع سيبويه في كتابه باباً بعنوان: «باب ما لحقته الزوائد من بنات الثلاثة واُلحق ببنات الأربعة، حتى صار يجري مجرى ما لا زيادة فيه، وصارت الزيادة بمنزلة ما هو من نفس الحرف». ثم ذكر أوزاناً وأمثلة على سبيل المثال، ومنها: «فَوْعَلْتُ، فَيْعَلْتُ، فَعْوَلْتُ، فَعْلَيْتُ، وفَعْلَنْتُ.. نحو: حَوقَلتُ وبَيطَرتُ وهَينَمتُ وجَهوَرتُ وقَلسَيتُ وقَلنَستُ وشَيطَنتُ» حيث ذكرها كلّها على الوزن العروضي «دَحرَجْتُ» ثم يذكر أوزاناً وأمثلة للملحقات بالرباعي المزيد مثل: «تقلسى وتشيطن وتمكَّن وتمسكن» حيث جاءت كلّها على الوزن «تدحرج» (راجع: الكتاب ـ لسيبويه ـ: ج ٢ ص ٤٠٢ ـ ٤٠٤).</ref> على إثر كثرة الاستعمال وترسّخ العلاقة الذهنية بين لفظ «[[برهان]]» ومعناه، واستخدم «بَرْهَنَ» بنفس معنى «أبْرَهَ»؛ ثمّ إنّ كثرة استعمال «بَرهَنَ» وغلبته في الاستعمال أوجدا من الاُنس والعلاقة بين هذا اللفظ والمعنى في أذهان أهل [[اللغة العربية]] بحيث لم يعدّ الاهتمام منصباً على مادّة «بره» في استخدام [[الفعل]] «بَرْهَنَ» ومشتقّاته؛ أي إنّ مادّة «برهن» اكتسبت هي نفسها وضعاً مستقلّاً وأصبحت في [[الحقيقة]] بمعنى [[الدليل]] والبرهان الواضح. وبناء على ذلك يتحوّل «بَرْهَن» على وزن «فَعْلَنَ» إلى الوزن «فَعْلَلَ». | ويمكن القول في مقام [[التحكيم]] وحلّ الاختلاف في هذا الباب: إنّ «البرهان» كان في الأصل مصدراً ومن مادّة «بره»، بمعنى «الإتيان بالحجّة والدليل الواضح» ومعنى «[[الحجّة]] الواضحة»، إلّا أنّه تمّ نحت [[فعل]] ثلاثي مزيد من هذه [[الكلمة]] على وزن «فَعْلَنَ» <ref>يُعَدّ هذا الفعل من الأبواب غير المشهورة وعلى الوزن العروضي للفعل الرباعي المجرد. وقد اصطلح على تسمية هذا النوع من الأفعال ومصادرها بالمنحوتة وهذا الفعل ملحق بالفعل المجرد. وقد وضع سيبويه في كتابه باباً بعنوان: «باب ما لحقته الزوائد من بنات الثلاثة واُلحق ببنات الأربعة، حتى صار يجري مجرى ما لا زيادة فيه، وصارت الزيادة بمنزلة ما هو من نفس الحرف». ثم ذكر أوزاناً وأمثلة على سبيل المثال، ومنها: «فَوْعَلْتُ، فَيْعَلْتُ، فَعْوَلْتُ، فَعْلَيْتُ، وفَعْلَنْتُ.. نحو: حَوقَلتُ وبَيطَرتُ وهَينَمتُ وجَهوَرتُ وقَلسَيتُ وقَلنَستُ وشَيطَنتُ» حيث ذكرها كلّها على الوزن العروضي «دَحرَجْتُ» ثم يذكر أوزاناً وأمثلة للملحقات بالرباعي المزيد مثل: «تقلسى وتشيطن وتمكَّن وتمسكن» حيث جاءت كلّها على الوزن «تدحرج» (راجع: الكتاب ـ لسيبويه ـ: ج ٢ ص ٤٠٢ ـ ٤٠٤).</ref> على إثر كثرة الاستعمال وترسّخ العلاقة الذهنية بين لفظ «[[برهان]]» ومعناه، واستخدم «بَرْهَنَ» بنفس معنى «أبْرَهَ»؛ ثمّ إنّ كثرة استعمال «بَرهَنَ» وغلبته في الاستعمال أوجدا من الاُنس والعلاقة بين هذا اللفظ والمعنى في أذهان أهل [[اللغة العربية]] بحيث لم يعدّ الاهتمام منصباً على مادّة «بره» في استخدام [[الفعل]] «بَرْهَنَ» ومشتقّاته؛ أي إنّ مادّة «برهن» اكتسبت هي نفسها وضعاً مستقلّاً وأصبحت في [[الحقيقة]] بمعنى [[الدليل]] والبرهان الواضح. وبناء على ذلك يتحوّل «بَرْهَن» على وزن «فَعْلَنَ» إلى الوزن «فَعْلَلَ». | ||
ومن الشواهد على ذلك، التطوّر التاريخي لاستخدام كلمتي «[[البرهان]]» و«برهن» ومشتقاتهما في لغة [[العرب]] وذكرهما في المعاجم اللغوية<ref>من الأمثلة والشواهد التي يمكن ذكرها تأييداً لهذا التحليل، ملاحظة استخدام كلمة «برهان» وعدم استخدام الفعل «برهن» ومشتقاته في القرآن الكريم والنصوص الإسلامية الاُخرى حتى أواخر القرن الثاني، وكذلك نوع ذكرهما في كتب علماء اللغة القدامى والمتوسطين والمتأخرين. ذلك لأن علماء اللغة القدامى مثل الخليل بن أحمد (المتوفى سنة ١٧٠) يكتفون بذكر مادة «بره» و«برهان» ولا يذكرون ـ أساساً ـ الفعل «برهن» ومشتقاته. ويذكرهما العلماء المتوسطون ـ مثل الليث وابن الأعرابي، من تلاميذ الخليل (والمتوفيين في حوالي سنة ٢٠٣ وسنة ٢٣١) ـ بشيء من الشكّ ويعتبرونهما مولّدتين أحياناً. إلّا أنّ هذه الكلمة تكتسب في ما ذكره اللغويون الأكثر تأخراً منهم ـ مثل الجوهري (المتوفى عام ثلاثمئة وتسعين ونيّف) والأزهري (المتوفى عام ٣٧٠) ـ مكانة أكثر استقراراً ورسوخاً ويذكرونها كمادّة مستقلّة. ويتجلّى ذلك بشكل واضح في ما ذكره علماء اللغة المتأخّرون (راجع: تهذيب اللغة: ج ١ ص ٣٢٢ ذيل مادة «بره» و«برهن»، صحاح اللغة: ج ٥ ص ٢٠٧٨ ذيل ماده «برهن»، لسان العرب: ج ١٣ ص ٤٧٦ ذيل مادة «بره» وج ١٣ ص ٥١ ذيل ماده «برهن»، تاج العروس: ج ١٨ ص ٥٥ ذيل مادة «برهن» وج ١٩ ص ١٥ ذيل مادة «بره»، المصباح المنير: ص ٤٦ موضع ذكر مادّة «بره» ).</ref>.<ref>[[محمد | ومن الشواهد على ذلك، التطوّر التاريخي لاستخدام كلمتي «[[البرهان]]» و«برهن» ومشتقاتهما في لغة [[العرب]] وذكرهما في المعاجم اللغوية<ref>من الأمثلة والشواهد التي يمكن ذكرها تأييداً لهذا التحليل، ملاحظة استخدام كلمة «برهان» وعدم استخدام الفعل «برهن» ومشتقاته في القرآن الكريم والنصوص الإسلامية الاُخرى حتى أواخر القرن الثاني، وكذلك نوع ذكرهما في كتب علماء اللغة القدامى والمتوسطين والمتأخرين. ذلك لأن علماء اللغة القدامى مثل الخليل بن أحمد (المتوفى سنة ١٧٠) يكتفون بذكر مادة «بره» و«برهان» ولا يذكرون ـ أساساً ـ الفعل «برهن» ومشتقاته. ويذكرهما العلماء المتوسطون ـ مثل الليث وابن الأعرابي، من تلاميذ الخليل (والمتوفيين في حوالي سنة ٢٠٣ وسنة ٢٣١) ـ بشيء من الشكّ ويعتبرونهما مولّدتين أحياناً. إلّا أنّ هذه الكلمة تكتسب في ما ذكره اللغويون الأكثر تأخراً منهم ـ مثل الجوهري (المتوفى عام ثلاثمئة وتسعين ونيّف) والأزهري (المتوفى عام ٣٧٠) ـ مكانة أكثر استقراراً ورسوخاً ويذكرونها كمادّة مستقلّة. ويتجلّى ذلك بشكل واضح في ما ذكره علماء اللغة المتأخّرون (راجع: تهذيب اللغة: ج ١ ص ٣٢٢ ذيل مادة «بره» و«برهن»، صحاح اللغة: ج ٥ ص ٢٠٧٨ ذيل ماده «برهن»، لسان العرب: ج ١٣ ص ٤٧٦ ذيل مادة «بره» وج ١٣ ص ٥١ ذيل ماده «برهن»، تاج العروس: ج ١٨ ص ٥٥ ذيل مادة «برهن» وج ١٩ ص ١٥ ذيل مادة «بره»، المصباح المنير: ص ٤٦ موضع ذكر مادّة «بره» ).</ref>.<ref>[[محمد الريشهري]]، [[موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة]]، ج٨، ص ١٦٧.</ref> | ||
==الفرق بين [[البرهان]] والدليل== | ==الفرق بين [[البرهان]] والدليل== | ||
ذكر [[أبو هلال العسكري]] موضحاً الفرق بين البرهان والدليل: الفَرقُ بَينَ البُرهانِ وَالدَّليلِ: البُرهانُ: الحُجَّةُ القاطِعَةُ المُفيدَةُ لِلعِلمِ، وأَمّا ما يُفيدُ الظَّنَّ فَهُوَ الدَّليلُ. <ref>معجم الفروق اللغوية: ص ٩٧.</ref> | ذكر [[أبو هلال العسكري]] موضحاً الفرق بين البرهان والدليل: الفَرقُ بَينَ البُرهانِ وَالدَّليلِ: البُرهانُ: الحُجَّةُ القاطِعَةُ المُفيدَةُ لِلعِلمِ، وأَمّا ما يُفيدُ الظَّنَّ فَهُوَ الدَّليلُ. <ref>معجم الفروق اللغوية: ص ٩٧.</ref> | ||
ومهما كانت مادّة كلمة «البرهان»، لا شكّ في أنّ هذه [[الكلمة]] تعني من وجهة نظر علماء [[اللغة]] [[الدليل]] الذي يمكنه أن يثبت الادّعاء بوضوح وبشكل أكيد<ref>راجع: ترتيب كتاب العين: ص ٨٠، لسان العرب: ج ١٣ ص ٥١، الصحاح: ج ٥ ص ٢٠٧٨، تاج العروس: ج ١٨ ص ٥٥، المصباح المنير: ص ٤٦ و....</ref>، إلّا أنّه ابتعد تدريجياً عن معناه الأصلي، وأطلق حسب اصطلاح المنطق على نوع خاص من [[الاستدلال]]. <ref>للتعرّف على المعنى المصطلح للبرهان راجع: دائرة المعارف بزرگ اسلامى و دانشنامه جهان إسلام ـ كلاهما بالفارسية ـ، كلمة «برهان».</ref>.<ref>محمد | ومهما كانت مادّة كلمة «البرهان»، لا شكّ في أنّ هذه [[الكلمة]] تعني من وجهة نظر علماء [[اللغة]] [[الدليل]] الذي يمكنه أن يثبت الادّعاء بوضوح وبشكل أكيد<ref>راجع: ترتيب كتاب العين: ص ٨٠، لسان العرب: ج ١٣ ص ٥١، الصحاح: ج ٥ ص ٢٠٧٨، تاج العروس: ج ١٨ ص ٥٥، المصباح المنير: ص ٤٦ و....</ref>، إلّا أنّه ابتعد تدريجياً عن معناه الأصلي، وأطلق حسب اصطلاح المنطق على نوع خاص من [[الاستدلال]]. <ref>للتعرّف على المعنى المصطلح للبرهان راجع: دائرة المعارف بزرگ اسلامى و دانشنامه جهان إسلام ـ كلاهما بالفارسية ـ، كلمة «برهان».</ref>.<ref>محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٨، ص ١٦٩.</ref> | ||
==البرهان في الكتاب والسنة== | ==البرهان في الكتاب والسنة== | ||
| سطر ٣٠: | سطر ٣٠: | ||
#'''الآية:''' البرهان [[دليل]] واضح وظاهر على أحقّية مَنْ جاء به، ولذلك فقد عُبِّر عنه ب «الآية» <ref>الآية: هي العلامة الظاهرة (مفردات ألفاظ القرآن: ص ١٠١ «أي»).</ref> في بعض المواضع، مثل: {{نص قرآني|ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ}}<ref> سورة المؤمنون، الآية ٤٥.</ref>. فقد عبّرت هذه الآية عن عصا [[موسى]] واليد البيضاء والاُمور الإعجازية الاُخرى التي ظهرت على يد موسى {{ع}} وأثبتت صدقه، ب «[[الآيات]]»، في حين ذكرت العصا واليد البيضاء في آية اُخرى باعتبارهما برهانين: {{نص قرآني|فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ}}<ref> سورة القصص، الآية ٣٢.</ref> | #'''الآية:''' البرهان [[دليل]] واضح وظاهر على أحقّية مَنْ جاء به، ولذلك فقد عُبِّر عنه ب «الآية» <ref>الآية: هي العلامة الظاهرة (مفردات ألفاظ القرآن: ص ١٠١ «أي»).</ref> في بعض المواضع، مثل: {{نص قرآني|ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ}}<ref> سورة المؤمنون، الآية ٤٥.</ref>. فقد عبّرت هذه الآية عن عصا [[موسى]] واليد البيضاء والاُمور الإعجازية الاُخرى التي ظهرت على يد موسى {{ع}} وأثبتت صدقه، ب «[[الآيات]]»، في حين ذكرت العصا واليد البيضاء في آية اُخرى باعتبارهما برهانين: {{نص قرآني|فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ}}<ref> سورة القصص، الآية ٣٢.</ref> | ||
#'''[[الحجة]]:''' البرهان هو [[الدليل]] القاطع والطريق الواضح لإحقاق الحقّ وإبطال [[الباطل]]، ولذلك يسمّى ب «[[الحجّة]]»<ref>الحجّة: الدّلالةُ المُبَيِّنَةُ لِلمَحَجَّةِ، أي المقصد المستقيم الذي يقتضي صحّة أحد النقيضين (مفردات ألفاظ القرآن: ص ٢١٩ «حجج»).</ref> مثل: {{نص قرآني|فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ١٤٩.</ref> | #'''[[الحجة]]:''' البرهان هو [[الدليل]] القاطع والطريق الواضح لإحقاق الحقّ وإبطال [[الباطل]]، ولذلك يسمّى ب «[[الحجّة]]»<ref>الحجّة: الدّلالةُ المُبَيِّنَةُ لِلمَحَجَّةِ، أي المقصد المستقيم الذي يقتضي صحّة أحد النقيضين (مفردات ألفاظ القرآن: ص ٢١٩ «حجج»).</ref> مثل: {{نص قرآني|فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ١٤٩.</ref> | ||
#'''البيّنة:''' البرهان دليل واضح وبيّن لإثبات الادّعاء والتمييز بين الحقّ والباطل، ولذلك فقد اُطلق عليه مصطلح «البيّنة»<ref>البينة: الدلالة الواضحة عقلية كانت أو محسوسة (مفردات ألفاظ القرآن: ص ١٥٧ «بان»). </ref>، مثل: {{نص قرآني|أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ}}<ref> سورة هود، الآية ١٧.</ref>، {{نص قرآني|لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}}<ref> سورة الأنفال، الآية ٤٢.</ref>.<ref>[[محمد | #'''البيّنة:''' البرهان دليل واضح وبيّن لإثبات الادّعاء والتمييز بين الحقّ والباطل، ولذلك فقد اُطلق عليه مصطلح «البيّنة»<ref>البينة: الدلالة الواضحة عقلية كانت أو محسوسة (مفردات ألفاظ القرآن: ص ١٥٧ «بان»). </ref>، مثل: {{نص قرآني|أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ}}<ref> سورة هود، الآية ١٧.</ref>، {{نص قرآني|لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}}<ref> سورة الأنفال، الآية ٤٢.</ref>.<ref>[[محمد الريشهري]]، [[موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة]]، ج٨، ص ١٧١.</ref> | ||
==قيمة البرهان وأهميته== | ==قيمة البرهان وأهميته== | ||
البرهان من وجهة نظر الكتاب وسنّة [[أهل البيت]] {{عم}}، قاعدة [[الإسلام]] وأساسه في [[العقيدة]] والأخلاق والعمل، وأئمة [[الدين]] يدعون [[الناس]] على أساس [[البرهان]] إلى [[التوحيد]] والنبوة والمعاد والإمامة، وكذلك إلى القيم [[الأخلاقية]] والعملية. وباختصار فإنّ الإسلام يرى أنّ البرهان هو [[ميزان]] ومعيار [[التمييز]] بين الحقّ والباطل، والإسلام نفسه يعتمد على البرهان وكما يطالب المعارضين بالبرهان<ref>راجع: البقرة: ٥٦، الأنبياء: ٢٤، النمل: ٦٤، القصص: ٧٥.</ref>.<ref>[[محمد | البرهان من وجهة نظر الكتاب وسنّة [[أهل البيت]] {{عم}}، قاعدة [[الإسلام]] وأساسه في [[العقيدة]] والأخلاق والعمل، وأئمة [[الدين]] يدعون [[الناس]] على أساس [[البرهان]] إلى [[التوحيد]] والنبوة والمعاد والإمامة، وكذلك إلى القيم [[الأخلاقية]] والعملية. وباختصار فإنّ الإسلام يرى أنّ البرهان هو [[ميزان]] ومعيار [[التمييز]] بين الحقّ والباطل، والإسلام نفسه يعتمد على البرهان وكما يطالب المعارضين بالبرهان<ref>راجع: البقرة: ٥٦، الأنبياء: ٢٤، النمل: ٦٤، القصص: ٧٥.</ref>.<ref>[[محمد الريشهري]]، [[موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة]]، ج٨، ص ١٧٢.</ref> | ||
==وَقفةٌ عند ما يسمّى بالبرهان== | ==وَقفةٌ عند ما يسمّى بالبرهان== | ||
إذا تأمّلنا فيما سُمّي برهاناً في الكتاب والسنّة ـ مثل: [[القرآن]] نفسه، [[الأنبياء]]، [[معجزات]] الأنبياء وأهل البيت {{عم}} وما إلى ذلك ـ إلى جانب [[الآيات]] والروايات التي تعتبر [[الفطرة]] والعقل معيار التمييز بين الحقّ والباطل، فإنّنا سنخلص إلى أنّ [[العقل]] السليم والفطرة النقيّة هما من وجهة نظر الإسلام قاعدة البرهان وأساسه، وقد سمّيت معجزات الأنبياء بالبرهان لأنّ العقل يدرك بوضوح دلالتها على [[صدق]] المدّعي، وسمّي الأنبياء والقرآن والإسلام وأهل البيت بالبرهان لأنّهم يقدّمون برامج للحياة تتطابق مع [[المقاييس]] العقلية والفطرية، كما أنّ تسمية اُمور اُخرى بالبرهان تدلّ على انسجامها مع الفطرة والعقل. | إذا تأمّلنا فيما سُمّي برهاناً في الكتاب والسنّة ـ مثل: [[القرآن]] نفسه، [[الأنبياء]]، [[معجزات]] الأنبياء وأهل البيت {{عم}} وما إلى ذلك ـ إلى جانب [[الآيات]] والروايات التي تعتبر [[الفطرة]] والعقل معيار التمييز بين الحقّ والباطل، فإنّنا سنخلص إلى أنّ [[العقل]] السليم والفطرة النقيّة هما من وجهة نظر الإسلام قاعدة البرهان وأساسه، وقد سمّيت معجزات الأنبياء بالبرهان لأنّ العقل يدرك بوضوح دلالتها على [[صدق]] المدّعي، وسمّي الأنبياء والقرآن والإسلام وأهل البيت بالبرهان لأنّهم يقدّمون برامج للحياة تتطابق مع [[المقاييس]] العقلية والفطرية، كما أنّ تسمية اُمور اُخرى بالبرهان تدلّ على انسجامها مع الفطرة والعقل. | ||
وعلى هذا الأساس، فلا وجود في الإسلام لشيء يتناقض مع العقل والفطرة، وإذا ما نُسب شيء إلى اللّه والأنبياء وأهل البيت {{عم}} يخالف العقل والفطرة، فإنّه غير صحيح بالتأكيد<ref>على أنّ هذا لا يعني أن بإمكان العقل أن يحيط بكلّ الحقائق الدينية؛ كأن يدرك كنه اللّه، أو يكتشف حقيقة الروح والملائكة، وهذه الاُمور تفوق العقل، وليست ضدّه.</ref>.<ref>محمد | وعلى هذا الأساس، فلا وجود في الإسلام لشيء يتناقض مع العقل والفطرة، وإذا ما نُسب شيء إلى اللّه والأنبياء وأهل البيت {{عم}} يخالف العقل والفطرة، فإنّه غير صحيح بالتأكيد<ref>على أنّ هذا لا يعني أن بإمكان العقل أن يحيط بكلّ الحقائق الدينية؛ كأن يدرك كنه اللّه، أو يكتشف حقيقة الروح والملائكة، وهذه الاُمور تفوق العقل، وليست ضدّه.</ref>.<ref>محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٨، ص ١٧٢.</ref> | ||
==أوصاف البراهين الإلهيّة وأنواعها== | ==أوصاف البراهين الإلهيّة وأنواعها== | ||
| سطر ٥٤: | سطر ٥٤: | ||
والملاحظة الملفتة للنظر هي أنّ البرهان الباطني أي البرهان الفطري والعقلي لا يمكن أن يكون مبنى ومعيار [[التكليف]] الإلهي، حيث يصرّح [[القرآن]]: {{نص قرآني|وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}}<ref> سورة الإسراء، الآية ١٥.</ref> | والملاحظة الملفتة للنظر هي أنّ البرهان الباطني أي البرهان الفطري والعقلي لا يمكن أن يكون مبنى ومعيار [[التكليف]] الإلهي، حيث يصرّح [[القرآن]]: {{نص قرآني|وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}}<ref> سورة الإسراء، الآية ١٥.</ref> | ||
وهذا [[الكلام]] يعني أنّ [[الإنسان]] رغم أنّه يستطيع بنفسه [[التمييز]] بشكل إجمالي بين [[الخير]] والشرّ، إلّا أنّ اللّه سوف لا يؤاخذه ما لم تصله التكاليف الإلهية عن طريق [[الأنبياء]] أو أوصيائهم.<ref>[[محمد | وهذا [[الكلام]] يعني أنّ [[الإنسان]] رغم أنّه يستطيع بنفسه [[التمييز]] بشكل إجمالي بين [[الخير]] والشرّ، إلّا أنّ اللّه سوف لا يؤاخذه ما لم تصله التكاليف الإلهية عن طريق [[الأنبياء]] أو أوصيائهم.<ref>[[محمد الريشهري]]، [[موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة]]، ج٨، ص ١٧٣.</ref> | ||
==آثار اتّباع [[البرهان]]== | ==آثار اتّباع [[البرهان]]== | ||
| سطر ٦٢: | سطر ٦٢: | ||
#'''الحصول على [[اليقين]]:''' من شأن اتّباع البرهان أن ينقذ الإنسان من الشكّ الذي هو آفة [[الحياة]] المعنوية <ref>راجع: هود: ١٧.</ref>، ويرشده إلى مرتبة اليقين بحقائق الوجود<ref>راجع: الأنعام: ٧٥ ـ ٧٩ و ٨٣.</ref>. | #'''الحصول على [[اليقين]]:''' من شأن اتّباع البرهان أن ينقذ الإنسان من الشكّ الذي هو آفة [[الحياة]] المعنوية <ref>راجع: هود: ١٧.</ref>، ويرشده إلى مرتبة اليقين بحقائق الوجود<ref>راجع: الأنعام: ٧٥ ـ ٧٩ و ٨٣.</ref>. | ||
#'''التمتع بالأمن:''' يُعدّ [[الشعور]] بالأمن والاطمئنان النفسيين من أهمّ آثار اتّباع البرهان، حيث يحصل للإنسان نتيجة بلوغ اليقين؛ وبذلك فإنّ أولياء اللّه لا تنتابهم بأيّ حال من الأحوال حالة الشعور بانعدام [[الأمن]] والخوف والرعب. <ref>راجع: الأنعام: ٨١، الأنبياء: ١٠٣، يونس: ٦٢ و ٦٤.</ref> | #'''التمتع بالأمن:''' يُعدّ [[الشعور]] بالأمن والاطمئنان النفسيين من أهمّ آثار اتّباع البرهان، حيث يحصل للإنسان نتيجة بلوغ اليقين؛ وبذلك فإنّ أولياء اللّه لا تنتابهم بأيّ حال من الأحوال حالة الشعور بانعدام [[الأمن]] والخوف والرعب. <ref>راجع: الأنعام: ٨١، الأنبياء: ١٠٣، يونس: ٦٢ و ٦٤.</ref> | ||
#'''[[الانتصار]] على المعارضين:''' إنّ متّبعي البرهان لا يهزمون أبداً في ساحة [[الجهاد]] [[العقائدي]]، ذلك لأنّ البرهان يجعل الحقّ ملازماً لهم، والحقّ ينتصر دوماً على [[الباطل]] وفق [[السنّة]] الإلهية الثابتة، والنصر الإلهي هو حليف اتّباع البرهان في ساحة الكفاح [[السياسي]] أيضاً. <ref>راجع: الأنبياء: ١٨، الإسراء: ٨١، المجادلة: ٢١، المائدة: ٥٦ و....</ref>.<ref>محمد | #'''[[الانتصار]] على المعارضين:''' إنّ متّبعي البرهان لا يهزمون أبداً في ساحة [[الجهاد]] [[العقائدي]]، ذلك لأنّ البرهان يجعل الحقّ ملازماً لهم، والحقّ ينتصر دوماً على [[الباطل]] وفق [[السنّة]] الإلهية الثابتة، والنصر الإلهي هو حليف اتّباع البرهان في ساحة الكفاح [[السياسي]] أيضاً. <ref>راجع: الأنبياء: ١٨، الإسراء: ٨١، المجادلة: ٢١، المائدة: ٥٦ و....</ref>.<ref>محمد الريشهري، [[موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة]]، ج٨، ص ١٧٥.</ref> | ||
== آثار [[معارضة]] [[البرهان]]== | == آثار [[معارضة]] [[البرهان]]== | ||
| سطر ٧٠: | سطر ٧٠: | ||
#'''المصير المشؤوم:''' يحفل القرآن الكريم بالتذكير بالمصير المؤلم الباعث للاعتبار للاُمم التي عارضت البراهين الإلهية الواضحة وعرّضت نفسها لِأَسوأِ العواقب. <ref>راجع: دائرة المعارف قرآن كريم «بالفارسية»: ج ٥ ص ٥١٦.</ref> | #'''المصير المشؤوم:''' يحفل القرآن الكريم بالتذكير بالمصير المؤلم الباعث للاعتبار للاُمم التي عارضت البراهين الإلهية الواضحة وعرّضت نفسها لِأَسوأِ العواقب. <ref>راجع: دائرة المعارف قرآن كريم «بالفارسية»: ج ٥ ص ٥١٦.</ref> | ||
ومن النماذج البارزة لهذه التذكيرات، [[إعراض]] أهل [[مدين]] عن الحجج الواضحة لشعيب {{ع}} وهلاك هؤلاء القوم. <ref>راجع: هود: ٩١ و ٩٤.</ref>.<ref>[[محمد | ومن النماذج البارزة لهذه التذكيرات، [[إعراض]] أهل [[مدين]] عن الحجج الواضحة لشعيب {{ع}} وهلاك هؤلاء القوم. <ref>راجع: هود: ٩١ و ٩٤.</ref>.<ref>[[محمد الريشهري]]، [[موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة]]، ج٨، ص ١٧٦.</ref> | ||
==المراجع والمصادر== | ==المراجع والمصادر== | ||
# [[صورة: IM010524.jpg|22px]] [[محمد | # [[صورة: IM010524.jpg|22px]] [[محمد الريشهري]]، [[موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|'''موسوعة معارف الكتاب والسنة]]''' | ||
== الهوامش == | == الهوامش == | ||
{{مراجع}} | {{مراجع}} | ||