←المراجع والمصادر
| سطر ٣٩٨: | سطر ٣٩٨: | ||
وتنفجر الأرض وتطرح ما فيها من أثقال وتتخلى عن كل ما عليها؛ وتمحى كل مظاهر الحياة، ولا وجود حينئذ لبشر يشاهد فخلى الوصف من المشاهد؛ وفي الختام تنكمش الشمس وتطوى كلفافة وتكور لتصبح قزمًا أبيض White Dwarf ثم تموت، ويمنح السياق فسحة كبيرة لتتصور المخيلة ما لم تصرح به الكلمات من مشاهد القدرة المفزعة؛ التي أحالت كل العالم خراب <ref>القرآن وعلوم الأرض، محمد سميح عافية، ص٢٧.</ref>. | وتنفجر الأرض وتطرح ما فيها من أثقال وتتخلى عن كل ما عليها؛ وتمحى كل مظاهر الحياة، ولا وجود حينئذ لبشر يشاهد فخلى الوصف من المشاهد؛ وفي الختام تنكمش الشمس وتطوى كلفافة وتكور لتصبح قزمًا أبيض White Dwarf ثم تموت، ويمنح السياق فسحة كبيرة لتتصور المخيلة ما لم تصرح به الكلمات من مشاهد القدرة المفزعة؛ التي أحالت كل العالم خراب <ref>القرآن وعلوم الأرض، محمد سميح عافية، ص٢٧.</ref>. | ||
==الأجل في العبادات والمعاملات== | |||
وكما جعل خالق هذا الكون لمخلوقاته أجلًا ينتهون إليه وقدرًا معلومًا يصيرون إليه، فقد جرت سنته هذه أيضًا في ما شرع وقدر لعباده فجعل شرائعه قائمة على آجال تنضبط بها أحوال الناس من عبادات ومعاملات بينهم، ولذا فإننا نجد هذه الآجال في الكتاب العزيز على نوعين: آجال في العبادات، وآجال في المعاملات. | |||
ويعرف الفقهاء الأجل بأنه: المدة المستقبلة التي يضاف إليها أمرٌ من الأمور، سواءٌ كانت هذه الإضافة أجلًا للوفاء بالتزامٍ، أو أجلًا لإنهاء التزامٍ، وسواءٌ كانت هذه المدة مقررةً بالشرع، أو بالقضاء، أو بإرادة الملتزم فردًا أو أكثر. | |||
وهذا التعريف يشمل: | |||
#الأجل الشرعي، وهو المدة المستقبلة التي حددها المشرع الحكيم سببًا لحكمٍ شرعيٍ، كالعدة. | |||
#الأجل القضائي: وهو المدة المستقبلة التي يحددها القضاء أجلًا لأمرٍ من الأمور كإحضار الخصم، أو البينة. | |||
# الأجل الاتفاقي، وهو المدة المستقبلة التي يحددها الملتزم موعدًا للوفاء بالتزامه (أجل الإضافة)، أو لإنهاء تنفيذ هذا الالتزام (أجل التوقيت) سواءٌ كان ذلك فيما يتم من التصرفات بإرادةٍ منفردةٍ أو بإرادتين<ref>الإرادتان هما الإيجاب والقبول، وهذا من شأنه أن يرتب التزامًا في جانب كلٍ من الطرفين كالبيع والإجارة والمزارعة، أما الإرادة الواحدة فهو إيجاب الطرف الملتزم وحده كالوقف والوصية لغير معينٍ والضمان والهبة. الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية الكويت، ٦/١٤٦.</ref>.<ref>الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، ٢/٥.</ref> | |||
والذي ورد في كتاب الله تعالى من هذه الآجال هو الأجل الشرعي ويكون في العبادات، والأجل الاتفاقي وهو في المعاملات. | |||
=== الأجل في العبادات=== | |||
تميزت العبادات في شريعة الإسلام بانضباطها بأوقات وأماكن وأحوال مخصوصة فالصلاة والزكاة والصوم والحج، أمهات العبادات هذه كلها ذوات أوقات بدء وانتهاء متناهية في الدقة والانضباط، وهذه العبادات وغيرها مما هو بين العبد وربه، ولكن هناك عبادات تكون في المعاملات بين الناس كالزواج والطلاق والوصية والميراث، وهذه معاملات شرع الله تعالى فيها أحكامًا تعبدية وضبطها بآجال معلومة كي لا يقع فيها الخطأ أو تعمد الضرر؛ إذ إن هذه الأمور مما يكون للنفس فيها حظ الأثرة وحب جلب المنفعة ولو على حساب الآخرين، وهي مما يقع فيه الخلاف كثيرًا بين الناس، ولذا فإنك ترى أن القرآن الكريم اعتنى بشكل بين بضبط آجال أحوال انقضاء الحياة الزوجية سواء بالطلاق أو الوفاة، وكذلك ذكر أجل انقضاء المنفعة بالأنعام التي تهدى إلى الحرم حتى لا يتجاوز فيها الأنسان فيظلم الفقير. | |||
====أجل المرأة المتوفى عنها زوجها==== | |||
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}}<ref> سورة البقرة، الآية 234.</ref>. | |||
يعني: شرعًا؛ فما وجد من متوفى عنها زوجها لم تتربص فليس ذلك من الشرع، فجرى الخبر على لفظه... والتربص: هو الانتظار، ومتعلقه ثلاثة أشياء: النكاح، والطيب والتنظف، والتصرف والخروج... والمقصود بهذه العدة براءة الرحم من ماء الزوج؛ فامتناع النكاح إنما هو لأجل الماء الواجب صيانته أولًا. وامتناع عقد النكاح إنما هو لاستحالة وجوده شرعًا على محل لا يفيد مقصوده فيه وهو الحل... وقوله تعالى: {{نص قرآني|فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ }} يعني: انقضت العدة. | |||
{{نص قرآني|فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ}} هذا خطابٌ للأولياء، وبيان أن الحق في التزويج لهن. | |||
{{نص قرآني|فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}} أي: من جائزٍ شرعًا، يريد من اختيار أعيان الأزواج، وتقدير الصداق دون مباشرة العقد؛ لأنه حقٌ للأولياء <ref>أحكام القرآن، ابن العربي، ١/٢٧٩ -٢٨٤.</ref>. | |||
====أجل المطلقة==== | |||
يقول تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية 231-232.</ref>. | |||
وهاتان آيتان تجيئان في سياق الحديث عن الطلاق وأحكامه في سورة البقرة. | |||
يقول الصابوني متحدثًا عن أجل المطلقة: يقول الله تعالى ما معناه: الأزواج المطلقات اللواتي طلقهن أزواجهن لسبب من الأسباب على هؤلاء انتظار مدة من الزمن هي مدة (ثلاثة أطهار)، أو (ثلاث حيض)؛ لمعرفة براءة الرحم حتى لا تختلط الأنساب، وأزواجهن أحق بهن في الرجعة من الأجانب، إذا لم تنقض عدتهن، وكان الغرض من هذه الرجعة (الإصلاح) لا (الإضرار) ولهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن، مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أمر الله عز وجل <ref>تفسير آيات الأحكام، محمد علي الصابوني، ١/٣٢١.</ref>. | |||
ويأتي الأجل في الآية الأولى احترازًا عن فعل كان يفعله العرب في الجاهلية ويفعله كثير من الناس عمومًا وهو مضارة المرأة بجعلها معلقة لا زوجة ولا مطلقة فقد. | |||
أخرج الطبري بسنده عن الحسن أنه سئل عن قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا}} قال: «كان الرجل يطلق المرأة ثم يراجعها ثم يطلقها ثم يراجعها، يضارها، فنهاهم الله عن ذلك» <ref>أخرجه الطبري في تفسيره ٥/٨.</ref>. | |||
ولذا فقد أمر تعالى في الآية بأحد فعلين: إما الإمساك بإحسان، أو التسريح بإحسان. | |||
أما الأجل في الآية الثانية فيأتي احترازًا عن فعل يكون من جهة أهل المطلقة عضلًا ومنعًا لها أن تعود إلى زوجها نكاية فيه لما حصل بينهم من سوء وطلاق آنفًا، وقد نزلت هذه الآية في معقل بن يسار وأخته رضي الله عنهما، فعن الحسن أن أخت معقل بن يسارٍ طلقها زوجها فتركها حتى انقضت عدتها، فخطبها، فأبى معقلٌ»، فنزلت: {{ نص قرآني |فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ}}<ref> سورة البقرة، الآية 232.</ref>. <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن)، رقم ٤٥٢٩، ٦/١٦.</ref> | |||
'''إشكال:''' | |||
قال الشيخ [[الشنقيطي]]: ظاهر قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {{نص قرآني|فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ}} انقضاء عدتهن بالفعل، ولكنه بين في موضعٍ آخر أنه لا رجعة إلا في زمن العدة خاصةً، وذلك في قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ}}<ref> سورة البقرة، الآية 228.</ref>؛ لأن الإشارة في قوله: {{نص قرآني| ذَلِكَ}} راجعةٌ إلى زمن العدة المعبر عنه بثلاثة قروءٍ <ref>قروء: جمع قرء بالفتح والضم، ويطلق في كلام العرب على الحيض وعلى الطهر فهو من الأضداد. انظر: تفسير آيات الأحكام، الصابوني، ١/٣١٨. في قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ}}<ref> سورة البقرة، الآية 228.</ref>.</ref> فاتضح من تلك الآية أن معنى {{نص قرآني|فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ}} أي: قاربن انقضاء العدة، وأشرفن على بلوغ أجلها <ref>أضواء البيان، الشنقيطي، ١/١٤٩.</ref>. | |||
==== أجل المطلقة الحامل==== | |||
يقول تعالى في عدة المطلقة ذات الحمل: {{ نص قرآني |وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}}<ref> سورة الطلاق، الآية 4.</ref>. | |||
{{ نص قرآني |وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}}<ref> سورة الطلاق، الآية 4.</ref> أجل الشيء الانتفاع بها على هذا القول، وأجله أيضًا آخر مدته، والمراد بالأجل هنا: آخر المدة التي تتربصها المرأة، أي: آخر عدتهن أن يضعن حملهن، وظاهر هذا أن المعتدة الحامل تنتهي عدتها بوضع الحمل، سواء أكانت معتدة عن طلاق أم عن وفاة <ref>تفسير آيات الأحكام، السايس، ٧٨٤.</ref>. | |||
وقد دل على أن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها هي وضع حملها: حديث سبيعة بنت الحارث الأسلمية، فعن عبد الله بن عتبة قال: أن سبيعة بنت الحارث أخبرته: (أنها كانت تحت سعد ابن خولة، وهو من بني عامر بن لؤيٍ، وكان ممن شهد بدرًا، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حاملٌ، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها <ref>تعلت من نفاسها: أي ارتفعت وطهرت. ويجوز أن يكون من قولهم: تعلى الرجل من علته إذا برأ: أي خرجت من نفاسها وسلمت. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، ٣/٢٩٣.</ref>، تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعككٍ، رجلٌ من بني عبد الدار، فقال لها: ما لي أراك تجملت للخطاب، ترجين النكاح؟ فإنك والله ما أنت بناكحٍ حتى تمر عليك أربعة أشهرٍ وعشرٌ، قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت، وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوج إن بدا لي) <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، رقم ٣٩٩١، ٥/٨٠.</ref>. | |||
وفي ختام ذكر هذه الآجال يؤكد القرآن الكريم على الالتزام بها والوقوف عندها حتى تستقيم أحوال العباد، ولا يتجرأ من يتجرأ على حدود الله وحرمات الناس وأعراضهم. | |||
يقول تعالى: {{ نص قرآني |وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}}<ref> سورة البقرة، الآية 235.</ref>. | |||
إن المرأة في عدتها ما تزال معلقة بذكرى لم تمت، وبمشاعر أسرة الميت، ومرتبطة كذلك بما قد يكون في رحمها من حمل لم يتبين، أو حمل تبين والعدة معلقة بوضعه.. وكل هذه الاعتبارات تمنع الحديث عن حياة زوجية جديدة. لأن هذا الحديث لم يحن موعده، ولأنه يجرح مشاعر، ويخدش ذكريات. | |||
ومع رعاية هذه الاعتبارات فقد أبيح التعريض -لا التصريح- بخطبة النساء، أبيحت الإشارة البعيدة التي تلمح منها المرأة أن هذا الرجل يريدها زوجة بعد انقضاء عدتها... كذلك أبيحت الرغبة المكنونة التي لا يصرح بها لا تصريحًا ولا تلميحًا؛ لأن الله يعلم أن هذه الرغبة لا سلطان لإرادة البشر عليها، وقد أباحها الله لأنها تتعلق بميل فطري، حلال في أصله، مباح في ذاته، والملابسات وحدها هي التي تدعو إلى تأجيل اتخاذ الخطوة العملية فيه. والإسلام يلحظ ألا يحطم الميول الفطرية إنما يهذبها، ولا يكبت النوازع البشرية إنما يضبطها، ومن ثم ينهى فقط عما يخالف نظافة الشعور، وطهارة الضمير... ولم يقل: ولا تعقدوا النكاح، إنما قال: {{ نص قرآني |وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ}}<ref> سورة البقرة، الآية 235.</ref>، زيادة في التحرج، فالعزيمة التي تنشئ العقدة هي المنهي عنها، وذلك من نحو قوله تعالى: {{ نص قرآني | تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا}}<ref> سورة البقرة، الآية 187.</ref>، توحي بمعنى في غاية اللطف والدقة، وهنا يربط بين التشريع وخشية الله المطلع على السرائر. فللهواجس المستكنة وللمشاعر المكنونة هنا قيمتها في العلاقات بين رجل وامرأة، تلك العلاقات الشديدة الحساسية، العالقة بالقلوب، الغائرة في الضمائر. | |||
وخشية الله، والحذر مما يحيك في الصدور أن يطلع عليه الله هي الضمانة الأخيرة، مع التشريع، لتنفيذ التشريع <ref>في ظلال القرآن، سيد قطب، ١/٢٥٥ - ٢٥٦.</ref>. | |||
====أجل الشعائر==== | |||
يقول تعالى: {{ نص قرآني | ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ }}<ref> سورة الحج، الآية 32-33.</ref>. | |||
فضمير الغائب (ها) هنا في قوله تعالى: {{نص قرآني| لَكُمْ فِيهَا }} عائد على الشعائر وبحسب اختلاف أهل التفسير في معنى الشعائر اختلفوا في معنى الأجل المرتبط بها، وقد سرد الطبري أقوالهم وجمع بينها كما يلي: | |||
القول الأول: عنى بالشعائر: البدن، واختلفوا في منافعها؛ فقال قومٌ: منافعها قبل تسميتها بدنة وقبل تقليدها أو إيجابها فتكون منافعها بشرب ألبانها وركوب ظهورها وأخذ نتاجها وأولادها، وعليه يكون الأجل المسمى هو وقت إيجابها بتسميتها بدنة أو هديًا فينقطع بذلك الانتفاع بها. | |||
وقال آخرون: إن المنافع هنا بعد اتخاذ البدن هدايا وإيجابها، ويكون الانتفاع بها على هذا القول بركوب ظهورها عند الحاجة، وشرب ألبانها عند الاضطرار؛ وعليه يكون الأجل المسمى في الآية هو نحرها. | |||
القول الثاني: عنى بالشعائر: شعائر الحج، وهي الأماكن التي ينسك عندها لله، وهؤلاء أيضًا اختلفوا في المنافع؛ فقال قومٌ: التجارة عند هذه الشعائر والبيع والشراء والتسبب، وعليه يكون الأجل المسمى الخروج من هذه الأماكن إلى غيرها. | |||
وقال آخرون: المنافع هنا: هي العمل لله بما أمر من مناسك الحج، وعليه يكون الأجل المسمى انقضاء أيام الحج التي ينسك لله فيها <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ١٨/٦٢٣ ٦٢٥.</ref>. | |||
ثم قال الطبري بعد سرد هذه الأقوال: وقد دللنا قبل على أن قول الله تعالى ذكره: {{نص قرآني|وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ }} معني به: كل ما كان من عمل أو مكان جعله الله عَلَمًا لمناسك حج خلقه، إذ لم يخصص من ذلك جل ثناؤه شيئًا في خبر ولا عقل، وإذ كان ذلك كذلك فمعلوم أن معنى قوله: {{نص قرآني| لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى }} في هذه الشعائر منافع إلى أجل مسمى، فما كان من هذه الشعائر بُدنًا وهَدْيًا، فمنافعها لكم من حين تملكون إلى أن أوجبتموها هدايا وبدنًا، وما كان منها أماكن ينسك لله عندها، فمنافعها التجارة لله عندها، والعمل بما أمر به إلى الشخوص عنها، وما كان منها أوقاتًا بأن يطاع الله فيها بعمل أعمال الحج وبطلب المعاش فيها بالتجارة، إلى أن يطاف بالبيت في بعض، أو يوافي الحرم في بعض ويخرج عن الحرم في بعض <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ١٨/٦٢٦.</ref>. | |||
===الأجل في المعاملات=== | |||
لا تستقيم معاملات الناس فيما بينهم إلا بوضوح أركانها وأطرافها وكمها وكيفها، فالنفس مفطورة على حب التملك، وإذا أطلق لها العنان في هذا التملك ظلمت غيرها وتعدت، ولذا فقد قضت حكمة الله تعالى أن يجعل بين الناس في معاملاتهم حدودًا وآجالًا تنضبط بها هذه المعاملات، وقد جاءت هذه الآجال في باب المعاملات عامة غير مقيدة بأوقات ومدد كتلك التي رأينا في باب العبادات؛ لأن المعاملات ترجع إلى ما يتعارفه الناس بينهم إلا ما حرمه الشارع الحكيم، فالأصل كما يقول الأصوليون في باب المعاملات الحل، إلا ما حرمه الشارع الحكيم، وقد ورد الحديث عن الأجل في باب المعاملات في موضعين، أحدهما يرتبط ببيع السلم أو الأجل، والآخر في المعاملات المتعلقة بالشركات والإجارة والمضاربة ونحوها. | |||
====الأجل في البيوع الآجلة==== | |||
قال تعالى: {{ نص قرآني |يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا}}<ref> سورة البقرة، الآية 282.</ref>. | |||
وحقيقة الدين: عبارةٌ عن كل معاملةٍ كان أحد العوضين فيها نقدًا والآخر في الذمة نسيئةً، فإن العين عند العرب ما كان حاضرًا، والدين ما كان غائبًا. | |||
وعلى هذا المعنى يدخل في هذه الآية كل بيع نسيئة مما يصح فيه الأجل؛ كبيع سلعة حاضرة بنقود مؤجلة، أو بسلعة أخرى مؤجلة، وكبيع سلعة مؤجلة، أي: إلى أجلٍ مسمًى مع معرفة الجنس والنوع والقدر بثمن حال، وهو السلم <ref>انظر: تفسير آيات الأحكام، السايس، ١٨٣.</ref>. | |||
والأجل المسمى هو المضبوط المبين بالأيام أو الشهور أو بأي طريقة ترفع الجهالة عن وقت انقضاء هذا الأجل، فقد كان أهل المدينة إبان قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبايعون بأجل مجهول وبكيل مجهول أيضًا فعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون بالتمر السنتين والثلاث، فقال: (من أسلف في شيءٍ، ففي كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ) <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب السلم، باب السلم في وزن معلوم، رقم ٢٢٤٠، ٣/٨٥.</ref>. | |||
وقال ابن عمر: كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة. وحبل الحبلة: أن تنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت. فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب السلم، باب السلم إلى أن تنتج الناقة، رقم ٢٢٥٦، ٣/٨٧.</ref>. | |||
وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم الجائز أن يسلم الرجل إلى صاحبه في طعامٍ معلومٍ موصوفٍ، من طعام أرضٍ عامةٍ لا يخطئ مثلها، بكيلٍ معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ، بدنانير أو دراهم معلومةٍ، يدفع ممن ما أسلم فيه قبل أن يفترقا من مقامهما الذي تبايعا فيه <ref>انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٣/٣٨٧.</ref>. | |||
====الأجل في الشركات==== | |||
قال تعالى في قصة نبي الله موسى عليه السلام مع شعيب: {{ نص قرآني | قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}}<ref> سورة القصص، الآية 26-28.</ref>. | |||
هذه الآيات تتحدث عن جمع عقد النكاح مع عقد الإجارة، وما يعنينا في بحثنا هذا عقد الإجارة وتحديدًا ضرب الأجل فيه، وقد عرف الفقهاء الإجارة بأنها عقد معاوضةٍ على تمليك منفعةٍ بعوضٍ <ref>الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، ١/٢٥٢.</ref>، وبما أن الإجارة عقد معاوضة فإننا يمكن أن ندخل كل عقود المعاوضة في حكم الآية من حيث ثبوت الأجل فيها، وعقود المعاوضة هي: عقد البيع بأنواعه من المقايضة والسلم والصرف، وعقد الإجارة والاستصناع، والصلح والنكاح والخلع، والمضاربة والمزارعة والمساقاة والشركة ونحوها<ref>الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، ٣٠/٢٣٤.</ref>. | |||
وقد اتفق الفقهاء على صحة الأجل (فيما يقبل التأجيل) إذا كان الأجل معلومًا، فأما كيفية العلم به فإنه يحتاج فيها إلى أن يعلم بزمانٍ بعينه لا يختلف من شخصٍ إلى شخصٍ ومن جماعةٍ إلى جماعةٍ، وذلك إنما يكون إذا كان محددًا باليوم والشهر والسنة... وإنما اتفقوا؛ لأن جهالة الأجل تفضي إلى المنازعة في التسلم والتسليم، فهذا يطالبه في قريب المدة، وذاك في بعيدها، وكل ما يفضي إلى المنازعة يجب إغلاق بابه، ولأنه. سيؤدي إلى عدم الوفاء بالعقود، وقد أمرنا بالوفاء بها <ref>الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، ٢/٣٣.</ref>. | |||
==المراجع والمصادر== | ==المراجع والمصادر== | ||
# | # | ||