انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الأمن عند أهل السنة»

سطر ٤٦٤: سطر ٤٦٤:


وهو مشهد شاخص كامل، الثمر كله مدمر، كأنما أخذ من كل جانب فلم يسلم منه شيء، والجنة خاوية على عروشها مهشمة محطمة، وصاحبها يقلب كفيه أسفًا وحزنًا على ماله الضائع وجهده الذاهب، وهو نادم على إشراكه بالله، يعترف الآن بربوبيته ووحدانيته، ومع أنه لم يصرح بكلمة الشرك، إلا أن اعتزازه بقيمة أخرى أرضية غير قيمة الإيمان كان شركًا ينكره الآن، ويندم عليه ويستعيذ منه بعد فوات الأوان <ref>في ظلال القرآن، سيد قطب٤/ ٢٢٧٠.</ref>.
وهو مشهد شاخص كامل، الثمر كله مدمر، كأنما أخذ من كل جانب فلم يسلم منه شيء، والجنة خاوية على عروشها مهشمة محطمة، وصاحبها يقلب كفيه أسفًا وحزنًا على ماله الضائع وجهده الذاهب، وهو نادم على إشراكه بالله، يعترف الآن بربوبيته ووحدانيته، ومع أنه لم يصرح بكلمة الشرك، إلا أن اعتزازه بقيمة أخرى أرضية غير قيمة الإيمان كان شركًا ينكره الآن، ويندم عليه ويستعيذ منه بعد فوات الأوان <ref>في ظلال القرآن، سيد قطب٤/ ٢٢٧٠.</ref>.
==آثار الأمن على الفرد والمجتمع==
لاستقرار الأمن آثار على الفرد وعلى المجتمع منها: الهداية، وسعة الرزق ورغد العيش، ومنها: النجاة من العذاب الأليم في الآخرة، وسوف نتناول ذلك بالبيان فيما يأتي:
=== الهداية إلى أقوم السبل، وتوفر السكينة والاطمئنان===
إن تتبعنا لمفهوم الأمن يوصلنا إلى حقيقة مفادها أنه مستقر في القلب، ومدار مادة (أمن) في اللسان العربي على سكينة يطمئن إليها القلب بعد اضطراب، وقول الراغب الأصفهاني يكاد يكون جامعًا لما في غيره مع تدقيق، يقول: «أصل الأمن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، وآمن: إنما يقال على وجهين:
أحدهما: متعديًا بنفسه، يقال: آمنته، أي: جعلت له الأمن، ومنه قيل لله: مؤمن.
والثاني: غير متعد، ومعناه: صار ذا أمن، والإيمان هو التصديق الذي معه أمن»91.
كأن الإمام الراغب لا يتصور أن يكون هناك مؤمن وليس عنده أمن، أي سكينة واطمئنان، أي استقرار لا اهتزاز ولا اضطراب ولا قلق ولا حيرة؛ لأنه مطمئن إلى ربه (تى تي ثج ثم ثى) [الرعد: ٢٨].
(ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ) [الفتح: ٤].
فالمدار إذن على وجود سكينة في القلب في جميع ما دارت فيه المادة سواء في صورة (أمن) أو (آمن) المتعدي واللازم، المدار على هذه السكينة وعلى هذه الطمأنينة التي تأتي في حقيقتها بعد نوع من القلق والاضطراب، وتأتي بعد قدر من الخوف، وهذا الخوف عبر عنه بالخوف نفسه، وعبر عنه بالبأس، وعبر عنه بالفزع (پ پ پ ڀ ڀ) [النمل: ٨٩].
وعبر عنه بألفاظ أخرى غير هذه الألفاظ، ولكن مؤداها جميعًا هي أنها تحدث لدى الإنسان ضربًا من الخوف، فإذا جاء الأمن أزال ذلك الخوف، هذا الأصل وهذا المدار الذي تدور عليه المادة يجعلنا نتجه إلى أن المعنى الذي للأمن هو أنه حال قلبية تجعل المتصف بها في الدنيا يرتاح ويطمئن، والموصوف بها في الآخرة يسعد وتحصل له السعادة الأبدية.
إن أثر الإيمان حسب النصوص الشرعية يطمئن النفوس، ويهدئ المجتمعات من القلاقل، والفتن والأزمات، في أمور كثيرة، اضطربت فيها أنظمة الأمم، وتباينت فيها الآراء رغبة في وجود حل، والقضاء على مشكلة، أجد أن هذا الحيز لا يفيها كلها، ولكن حسبنا الإشارة إلى نماذج منها مثل:
الأمن الزراعي وتوفير الغذاء.
ونجد هذا في آيات كثيرة في كتاب الله الكريم، مثل سورة يوسف والنحل وغيرهما.
الأمن الأسري ورباط الزوجية.
كما في قول الله تعالى: (ڻ ۀ ۀ ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے) [الفرقان: ٧٤].
وقوله تعالى: (ڈ ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ڳڳ ڳ ڳ ڱ ڱ ڱ ڱ) [الروم: ٢١].
الأمن العائلي والاهتمام بالأولاد.
كما جاء في سورة النساء في تقسيم التركات.
الأمن في الأوطان وحمايتها، والأمن الأخلاقي وتهذيب النفوس.
كما جاء في آيات سورة في تحريم الزنا، ومنع الخوض في أعراض الناس، وفي آداب الاستئذان، وفي فرضية الحجاب وآياته في سورة الأحزاب.
أمن العقيدة وسلامة القلوب لارتباطها بالله وحده، ونبذ كل ما سواه.
يقول تعالى في هذا: (بم بى بي تج تح تختم تى تي ثج ثم ثى) [الرعد: ٢٨].
وآيات سورة الروم وسورة الواقعة التي تربط الإنسان بخالقه المتصرف سبحانه في جميع الأمور.
أمن المسكن وتوفير المعيشة.
وتوضح ذلك آيات متعددة من كتاب الله الكريم كما في سورة النحل.
الأمن الاقتصادي وحرية الحركة في الأموال بيعًا وشراء، بعد أداء حق الله فيها بالزكاة والصدقة.
وقد حظيت الزكاة والصدقة بتوجيهات كبيرة من القرآن الكريم والسنة المطهرة؛ لتهذيب النفوس وتعويدها على البذل والعطاء براحة نفس واطمئنان خاطر، وفي السر آكد؛ لأنها أبعد عن المراءاة.
الأمن بالهجرة لمكان آخر إذا كان المرء لا يستطيع أداء شعائر دينه، أو يجد مضايقات من أعداء دينه، وهذا هو الأمن على العبادة.
وقد حكى الله عمن لم ينج بدينه وهو قادر: (ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎ ڎ ڈڈ ژ ژ ڑ ڑ کک ک ک گ گ گ گ ڳ ڳڳ ڳ ڱ ڱڱ ڱ ں ں ڻ ڻ ڻ ڻ ۀ ۀ ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ۓ ۓ ڭڭ ڭ ڭ ۇ ۇ ۆ ۈ ۈ ٷ ۋ ۋ ۅ ۅ ۉ ۉ ې ېې ې ى ى ئا ئا ئە ئە ئو ئو ئۇ ئۇ ئۆ ئۆ ئۈ ئۈ ئېئې ئې ئى ئى ئى) [النساء: ٩٧ - ١٠٠].
ولكي يجعل الله مأمنًا ومخرجًا لهؤلاء المستضعفين غير القادرين على الهجرة والنجاة بأنفسهم فإن مما يطمئنهم أن الفئة المؤمنة مأمورة بالجهاد لتخليصهم ونصرتهم.
قال تعالى: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ ڀ ڀ ٺ ٺ ٺ ٺ ٿ ٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ) [النساء: ٧٥].
الأمن بالتوبة.
وهذا هو أمن المصير، وراحة النفس في الدنيا بالابتعاد عن أمر يؤرق النفس، ويخيفها التلبس به، وآيات التوبة في كتاب الله الكريم كثيرة ومتعددة.
أمن النفوس بمجاهدة الكفار؛ لإظهار دين الله، ولإسعاد البشرية بتبليغه.
كما توضح ذلك سورة الأنفال وسورة التوبة وسورة البقرة، وغيرها في مواطن كثيرة من كتاب الله؛ لأن قمع أعداء الله وأعداء رسالاته لا يكون إلا بقوة السلاح، ودفاع المجاهدين المتحمسين لإظهار دينه.
وتأمين النفوس من التأثيرات الخفية، وحفظها من أثر ذلك كالسحر ونفثات الشيطان، كما جاء في المعوذتين، وقل هو الله أحد، وآية الكرسي، ففي هذا حرز للنفس وأمان لها من المؤثرات النفسية، ووساوس الشيطان وأتباعه.
الأمن بالمشورة في كل أمر حتى يخف ما على كاهل الإنسان بإعطائه للآخرين، فيشاركون في الرأي.
كما في قوله تعالى: (ڤ ڦ ڦڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄڃ ڃ ڃ ڃ چ) [آل عمران: ١٥٩].
وغير هذا من الأمور التي جعلت الشريعة الإسلامية فيها حلولًا لكل ما يعترض الإنسان في هذه الحياة، حيث يجد المرء في المخارج ما يريح نفسه، ويعينه على التغلب على المشكلة التي اعترضته؛ لأن في كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام ما ينير الطريق، ويوضح المعالم، ويهدئ النفوس.
وقد وصف الله الفئة المؤمنة بآيات كريمات في مطلع سورة سميت باسمهم، أعطتهم صفات مطمئنة ومريحة؛ لأنهم في يقين ورضًا.
قال تعالى: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ ڀ ڀ ٺ ٺ ٺ ٺ ٿ ٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چ چ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ) [المؤمنون: ١- ١١]92.
وقال تعالى: (بم بى بي تج تح تختم تى تي ثج ثم ثى) [الرعد: ٢٨].
فلا سعادة لإنسان بلا سكينة نفس، ولا سكينة نفس بلا اطمئنان القلب، ومما لا شك فيه أن كلًا منا يبحث عن السعادة ويسعى إليها، فهي أمل كل إنسان، ومنشود كل بشر، والتي بها يتحقق له الأمن النفسي.
وليس الأمن النفسي بالمطلب الهين، فبواعث القلق والخوف والضيق ودواعي التردد والارتياب والشك تصاحب الإنسان منذ أن يولد وحتى يواريه التراب.
وإن الإسلام ليقيم صرحه الشامخ على عقيدة أن الإيمان مصدر الأمان، فالإقبال على طريق الله هو الموصل إلى السكينة والطمأنينة والأمن؛ ولذلك فإن الإيمان الحق هو السير في طريق الله للوصول إلى حب الله، والفوز بالقرب منه تعالى .
قال ابن القيم: «إن ذكر الله عز وجل يذهب عن القلب مخاوفه كلها، وله تأثير عجيب في حصول الأمن، فليس للخائف الذي قد اشتد خوفه أنفع من ذكر الله عز وجل ؛ إذ بحسب ذكره يجد الأمن ويزول خوفه، حتى كأن المخاوف التي يجدها أمان له، والغافل خائف مع أمنه حتى كأن ما هو فيه من الأمن كله مخاوف، ومن له أدنى حس قد جرب هذا وهذا، والله المستعان»93.
وكذلك شرع الإسلام ما يحمي الإنسان، ويجعله آمنًا على نفسه، فحرم الله تعالى قتل النفس بغير الحق، كما قال سبحانه: (ئۈ ئې ئې ئې ئى ئى ئى یی ی ی ئج ئح ئم) [الأنعام: ١٥١].
وقال: (گ گ ڳ ڳ ڳ ڳ ڱ ڱڱ ڱ ں ں ڻ ڻ ڻ ڻ ۀ ۀ ہ ہہ ہ ھ ھ) [الإسراء: ٣٣].
وفي حماية الأموال قال سبحانه: (ٹ ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃڃ ڃ چ چچ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژژ ڑ ڑ ک ک ک) [النساء: ٢٩ - ٣٠].
ومن الحدود التي تحافظ على أمن المجتمع كله حد الحرابة، قال تعالى: (چ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گگ گ گ ڳ ڳ ڳڳ ڱ ڱ ڱ ڱ ں ں ڻ ڻ ڻ ڻ ۀ ۀ ہ ہہ ہ ھ ھ ھ ھ) [المائدة: ٣٣ - ٣٤].
وهكذا كل الشريعة تحفظ على الناس أمنهم بطرق كثيرة، فيترتب عليه شيوع الأمن في المجتمع المسلم، ومن ثم يتوفر الناس لأمور دينهم ودنياهم.
=== سعة الرزق والرغد===
باستقراء جزئي لبعض نصوص القرآن الكريم نجد اقترانًا وجيهًا بين الأمن والرزق، ومن ذلك:
قال تعالى: (ٿ ٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ) [النحل: ١١٢].
وهنا عقوبة بعد امتنان، وهدم بعد تشييد، فيظهر الله منته على عبادة بقوله: (ٹ ٹ ٹ ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ) فقرن بين الأمن والكفاية في الرزق؛ بل من كمال فضله على أهل هذه القرية زيادة على الأمن تفضل عليهم بالطمأنينة، وهي الاستقرار النفسي من الداخل، فكانوا في آمن من عدو خارجي، واستقرار نفسي داخلي، ثم بين أن رزقها يأتيها ليس كفافًا أو كفاية؛ بل يأتيها رغدًا كثيرًا هنيئًا متنوعًا من كل مكان، فقد بلغ أهل القرية غاية الأرب، ومنتهى الطلب في مقصدي الأمن والكفاية، فلما كفرت بتلك النعم حرمت من الكأس الذي به كان الامتنان، فتبدل الأمن خوفًا والرزق جوعًا.
وفي هذه الآية دلالة صريحة على أن أعظم المنة على النفس توفير الآمن وكفاية العيش.
وقال تعالى: (ٺ ٺ ٺ ٺ ٿ ٿ ٿ) [قريش: ٤].
ووردت هذه الآية في معرض المنة على كفار قريش في جاهليتهم، فكانوا أعز العرب منعة وأكثر هم مهابة، وتجلب لها الأرزاق والأنعام من حيث شاءوا.
وقال تعالى: (ٺ ٺ ٿ ٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹڤ ڤ ڤ) [البقرة: ١٥٥].
فقرن في عقوبة الابتلاء بين الخوف والجوع، فبفقدهما تكون أعظم المصائب وأجل الخطوب.
وقال تعالى: (ں ں ڻ ڻ ڻ ڻ ۀ ۀہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ۓ ۓ ڭ ڭ ڭ ڭ ۇ ۇ) [القصص: ٥٧].
فقرن في الامتنان على كفار قريش بين الأمن والرزق، وهذا التلازم بين هذين المقصدين يقتضى الوقوف عنده كثيرًا.
وقال تعالى عن دعاء إبراهيم عليه السلام: (ئې ئى ئى ئى ی ی ی ی ئج) [البقرة: ١٢٦].
وهنا عندما طلب إبراهيم عليه السلام من ربه الحياة الكريمة لمن سيؤول إليه سكن مكة، طلب أعز موجود، وأعظم مفقود، وهما الأمن والرزق، وهذا دلالة على أنهما ركيزتان للحياة الإنسانية الكريمة.
وقدم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده؛ لأنه إذا انتفى الأمن لم يفرغ الإنسان لشيءٍ آخر من أمور الدين والدنيا94، وهكذا في آيات كثيرة.
وقال تعالى: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ ڀ ڀ ٺ ٺ ٺ ٺ ٿ ٿ) [الأنفال: ٢٦].
وفي هذه الآية الكريمة يذكر الله أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم بأعظم منتين امتن الله بهما عليهم، وهما الأمن بعد الخوف، والرزق بعد شظف العيش.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا)95.
وهذا الحديث أصل في هذا الباب، فقد ذكر فيه الدعائم الأساسية في حياة الفرد، وهي تنطبق تباعًا على المجتمعات والتكتلات بكل مفرداتها، وهذه الأسس هي: الأمن والعافية والقوت (الرزق) فمن جوامع الخير وحقوق الآدمية للفرد والجماعة أن يوفر لهم الأمن بكل أنواعه، والرزق بصنوف حاجاته وعلائقه.
وإذا كنا قد اتفقنا على أن أعظم طرق الأمن هو الإيمان، فإن الإيمان بالله هو الذي يجعل المجتمع في رغد وسعة من الرزق.
ولذلك قال سبحانه: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ ڀ ڀ ٺ ٺ ٺ ٺ ٿ ٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چچ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ) [الأعراف: ٩٦ - ٩٩].
فذكر الله تعالى أن هذه القرى لما كانت آمنة كانت البركات تنزل عليهم، فلما كفروا أبدلهم الله بالأمن خوفًا، وزالت النعمة عنهم.
وقال سبحانه: (ٿ ٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ) [النحل: ١١٢].
فجعل من مستلزمات الأمن أن رزقها رغدًا.
قال الماوردي: «اعلم أن ما به تصلح الدنيا حتى تصير أحوالها منتظمةً، وأمورها ملتئمةً، ستة أشياء هي قواعدها، وإن تفرعت، وهي: دينٌ متبعٌ، وسلطانٌ قاهرٌ، وعدلٌ شاملٌ، وأمنٌ عامٌ، وخصبٌ دائمٌ، وأملٌ فسيحٌ.
وقال في شرح ذلك: وأما القاعدة الرابعة: فهي أمنٌ عامٌ تطمئن إليه النفوس، وتنتشر فيه الهمم، ويسكن إليه البريء، ويأنس به الضعيف، فليس لخائفٍ راحةٌ، ولا لحاذرٍ طمأنينةٌ.
وقد قال بعض الحكماء: الأمن أهنأ عيشٍ، والعدل أقوى جيشٍ؛ لأن الخوف يقبض الناس عن مصالحهم، ويحجزهم عن تصرفهم، ويكفهم عن أسباب المواد التي بها قوام أودهم، وانتظام جملتهم؛ لأن الأمن من نتائج العدل، والجور من نتائج ما ليس بعدلٍ.
ثم قال في الخصب: والخصب يكون من وجهين: خصبٌ في المكاسب، وخصبٌ في المواد، فأما خصب المكاسب فقد يتفرع من خصب المواد، وهو من نتائج الأمن المقترن بها، وأما خصب المواد فقد يتفرع عن أسبابٍ إلهيةٍ، وهو من نتائج العدل المقترن بها»96.
وتأمل التلازم الوثيق بين الأمن والرزق، وبين الخوف والجوع، تجده مطردًا في القرآن كله، مما يؤكد أهمية ووجوب المحافظة على الأمن؛ لما يترتب على ذلك من آثار كبرى في حياة الناس وعباداتهم، واستقرارهم البدني والنفسي، وأي طعم للحياة والعبادة إذا حل الخوف؟ بل تتعثر مشاريع الدين والدنيا.
وقال الجويني: «ولا تصفو نعمةٌ عن الأقذاء ما لم يأمن أهل الإقامة والأسفار من الأخطار والأغرار، فإذا اضطربت الطرق، وانقطعت الرفاق، وانحصر الناس في البلاد، وظهرت دواعي الفساد، ترتب عليه غلاء الأسعار، وخراب الديار، وهواجس الخطوب الكبار، فالأمن والعافية قاعدتا النعم كلها، ولا يهنأ بشيءٍ منها دونها؛ فلينتهض الإمام لهذا المهم، وليوكل بذلك الذين يخفون، وإذا حزب خطبٌ لا يتواكلون، ولا يتجادلون، ولا يركنون إلى الدعة والسكون، ويتسارعون إلى لقاء الأشرار بدار الفراش إلى النار، فليس للناجمين من المتلصصين مثل أن يبادروا قبل أن يتجمعوا أو يتألبوا، وتتحد كلمتهم، ويستقر قدمهم، ثم يندب لكل صقعٍ من ذوي البأس من يستقل بكفاية هذا المهم.
وإذا تمهدت الممالك، وتوطدت المسالك، انتشر الناس في حوائجهم، ودرجوا في مدارجهم، وتقاذفت أخبار الديار مع تقاصي المزار إلى الإمام، وصارت خطة الإسلام كأنها بمرأى منه ومسمعٍ، واتسق أمر الدين والدنيا، واطمأن إلى الأمنة الورى، والإمام في حكم البذرقة97 في البلاد للسفرة والحاضرة، فليكلأهم بعينٍ ساهرةٍ، وبطشةٍ قاهرةٍ»98.
=== النجاة من عذاب الله في الآخرة===
من المفهوم القاصر للأمن الذي يحاول الملبسون ترسيخه في أذهان الناس اليوم توجيه الأنظار إلى توفير الأمن على النفس والرزق في هذه الحياة الدنيا فحسب، ونسيان الأمن الحقيقي والسعادة الكبرى في الآخرة، وعدم أو ضعف الحرص على ذلك، وإغفال الأسباب التي توصل إلى الأمن يوم الفزع الأكبر، والفوز بدار الأمن والسلام والتي أعدها الله عز وجل لعباده المتقين، قال تعالى: (ڭ ڭ ۇ ۇ ۆ ۆ ۈ ۈ ٷ) [الحجر: ٤٥ - ٤٦].
وقال سبحانه: (ئح ئم ئى ئي بج بح بخ بم بى بي تج) [يونس: ٢٥].
إن الأمن يوجب على الإنسان أن يعبد الله، كما قال سبحانه: (ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چ چ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک گ گ) [: ٥٥].
وهذه العبادة هي المؤدية للأمن التام في الآخرة، كما قال تعالى: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ) [الأنعام: ٨٢].
فهؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له، ولم يشركوا به شيئًا هم الآمنون يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة99.
ومن خاف هنا أمن هناك، فإن الله لا يجمع بين خوفين على عبد، فمن خاف في الدنيا أمن في الآخرة، ولست أعني بالخوف رقة كرقة النساء، تدمع العين، ويرق القلب، ثم ينسى على القرب، يعود المرء إلى اللهو واللعب، فهذا ليس من الخوف في شيء، بل من خاف شيئًا هرب منه، ومن رجا شيئًا طلبه، فلا ينجي إلا خوف يمنع عن معاصي الله تعالى ويحث على طاعته.
ولذلك وعد الله أهل الإيمان بالأمن التام، فقال سبحانه: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ) [النمل: ٨٩].
ففي يوم القيامة في هذا اليوم المفزع الرهيب يكون الأمن والطمأنينة من الفزع جزاء الذين أحسنوا في الحياة الدنيا، فوق ما ينالهم من ثواب هو أجزل من حسناتهم وأوفر (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ) [النمل: ٨٩].
والأمن من هذا الفزع هو وحده جزاء، وما بعده فضل من الله ومنة، ولقد خافوا الله في الدنيا فلم يجمع عليهم خوف الدنيا وفزع الآخرة، بل أمنهم يوم يفزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله.
وقال تعالى: (ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چ چ چ چڇ ڇ ڇ ڇڍ ڍ ڌ ڌ ڎ) [فصلت: ٤٠].
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: لهؤلاء الذين يلحدون في آياتنا اليوم في الدنيا يوم القيامة عذابُ النار، ثم قال الله: أفهذا الذي يلقى في النار خيرٌ أم الذي يأتي يوم القيامة آمنًا من عذاب الله لإيمانه بالله جل جلاله ؟ هذا الكافر، إنه إن آمن بآيات الله، واتبع أمر الله ونهيه، أمنه يوم القيامة مما حذره منه من عقابه إن ورد عليه يومئذٍ به كافرًا»100.
وقال تعالى ذاكرًا أمنهم وهم في الجنة: (ۅ ۉ ۉ ې) [سبأ: ٣٧].
إشارةً إلى دوام النعيم وتأبيده، فإن من تنقطع عنه النعمة لا يكون آمنًا101.
فهم في منازل الجنة العالية آمنون من كل بأسٍ وخوفٍ وأذًى، ومن كل شرٍ يحذر منه، فنسأل الله أن يجعلنا من أهل الأمن في الدنيا والآخرة.


==المراجع والمصادر==
==المراجع والمصادر==
٢٦٬٨٢١

تعديل