انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الأمّة عند أهل السنة»

سطر ٣٢٣: سطر ٣٢٣:


===ثالثًا: خيرية الأمة===
===ثالثًا: خيرية الأمة===
وصف الله سبحانه وتعالى هذه الأمة بأنها خير الأمم، حيث قال جل شأنه: (ٺ ٺ ٺ ٺ ٿ ٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦڄ ڄ ڄ ڄ ڃ) [آل عمران: ١١٠].
وصف الله سبحانه وتعالى هذه الأمة بأنها خير الأمم، حيث قال جل شأنه: {{ نص قرآني |كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}}<ref>  سورة آل عمران، الآية  110.</ref>.


قال الماتريدي: «وقوله: (ٺ ٺ ٺ ٺ ٿ) ، يحتمل معناها وجوهًا:
قال [[الماتريدي]]: «وقوله: {{ نص قرآني |كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}}، يحتمل معناها وجوهًا:


يحتمل: (ٺ): أي: صرتم خير أمة أظهرت للناس؛ بما تدعون الخلق إلى النجاة والخير.
يحتمل: {{ نص قرآني |كُنْتُمْ }}: أي: صرتم خير أمة أظهرت للناس؛ بما تدعون الخلق إلى النجاة والخير.


ويحتمل: (ٺ ٺ ٺ) في الكتب السالفة؛ بأنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.
ويحتمل: {{ نص قرآني |كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ}} في الكتب السالفة؛ بأنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.


ويحتمل: تكونون خير أمة إن أمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر.
ويحتمل: تكونون خير أمة إن أمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر.


(ٺ): صرتم خير أمة، وكانوا كذلك هم خير ممن تقدمهم من الأمم؛ بما بذلوا مهجهم لله في نصر دينه، وإظهار كلمته، والإشفاق على رسوله، حتى كان أحب إليهم من أنفسهم؛ ويرونه أولى بهم»93.
{{ نص قرآني |كُنْتُمْ }}: صرتم خير أمة، وكانوا كذلك هم خير ممن تقدمهم من الأمم؛ بما بذلوا مهجهم لله في نصر دينه، وإظهار كلمته، والإشفاق على رسوله، حتى كان أحب إليهم من أنفسهم؛ ويرونه أولى بهم»<ref>تأويلات أهل السنة، ٢/٤٥٠ - ٤٥١ بتصرف يسير.</ref>.


وأصل الخطاب في قوله تعالى: (ٺ ٺ ٺ) لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يعم سائر أمته94، وإنما صارت أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير أمة؛ لأن المسلمين منهم أكثر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أفشى95.
وأصل الخطاب في قوله تعالى: {{ نص قرآني |كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ}} لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يعم سائر أمته<ref>انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١/٤٥٦.</ref>، وإنما صارت أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير أمة؛ لأن المسلمين منهم أكثر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أفشى<ref>الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤/١٧١.</ref>.


وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم -ثم ذكر كلام السلف في تأويل هذه الآية- بأن المعنى: أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس؛ ولهذا قال: (ٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ)... ثم قال: والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة، كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم... وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبيًا قبله ولا رسولًا من الرسل، فالعمل على منهاجه وسبيله، يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه96.
وقال [[ابن كثير]] في تفسير هذه الآية: يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم -ثم ذكر كلام السلف في تأويل هذه الآية- بأن المعنى: أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس؛ ولهذا قال: {{نص قرآني|تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ }}. ثم قال: والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة، كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم... وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبيًا قبله ولا رسولًا من الرسل، فالعمل على منهاجه وسبيله، يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه<ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ٢/٩٣-٩٤.</ref>.


ولكن هذه الخيرية التي فرضها الله لهذه الأمة إنما يأخذ بحظه منها من عمل هذه الشروط من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله97.
ولكن هذه الخيرية التي فرضها الله لهذه الأمة إنما يأخذ بحظه منها من عمل هذه الشروط من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله<ref>انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١/٤٨٩.</ref>.


فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح لهم، كما قال قتادة: «بلغنا أن عمر بن الخطاب في حجة حجها رأى من الناس سرعة، فقرأ هذه الآية: (ٺ ٺ ٺ ٺ ٿ) ثم قال: من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها»98.
فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح لهم، كما قال قتادة: «بلغنا أن عمر بن الخطاب في حجة حجها رأى من الناس سرعة، فقرأ هذه الآية: {{نص قرآني|كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}} ثم قال: من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها»<ref>أخرجه الطبري في تفسيره ٧/١٠٢.</ref>.


وقد ذكر أن سبب نزول هذه الآية: «أن مالك بن الصيف ووهب بن يهودا اليهوديين قالا لعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى حذيفة: نحن أفضل منكم وديننا خير من دينكم الذي تدعوننا إليه فأنزل الله هذه الآية»99، والخلاصة: إن هذه الخيرية لا تثبت لهذه الأمة إلا إذا حافظت على هذه الأصول الثلاثة، فإذا تركتها لم تكن لها هذه المزية.
وقد ذكر أن سبب نزول هذه الآية: «أن مالك بن الصيف ووهب بن يهودا اليهوديين قالا لـ [[عبد الله بن مسعود]] و [[أبي بن كعب]] و [[معاذ بن جبل]] وسالم مولى حذيفة: نحن أفضل منكم وديننا خير من دينكم الذي تدعوننا إليه فأنزل الله هذه الآية»<ref>لباب التأويل، الخازن ١/٢٨٤.</ref>، والخلاصة: إن هذه الخيرية لا تثبت لهذه الأمة إلا إذا حافظت على هذه الأصول الثلاثة، فإذا تركتها لم تكن لها هذه المزية.


والآية تدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوام الأمم، ولا صلاح لهم إلا إذا قاموا بحقه، فالأمم تصلح بالأمر بالمعروف، وتفسد بتركه، ولهذا قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله في الذكر، مع أن الإيمان مقدم على كل الطاعات، ولأنهما كذلك سياج الإيمان وحفاظه، فكان تقديمهما في الذكر موافقًا للمعهود عند الناس في جعل سياج كل شيء مقدمًا عليه100. وقد استدل بهذه الآية على أن إجماع هذه الأمة حجة؛ لأنها لو لم تحكم بالحق، لم تكن خيرًا من المبطل؛ ولأن اللام في (ٿ) وفي (ٹ)؛ للاستغراق فيقتضي كونهم آمرين بكل معروف وناهين عن كل منكر، فيكون إجماعهم حقًا101.
والآية تدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوام الأمم، ولا صلاح لهم إلا إذا قاموا بحقه، فالأمم تصلح بالأمر بالمعروف، وتفسد بتركه، ولهذا قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله في الذكر، مع أن الإيمان مقدم على كل الطاعات، ولأنهما كذلك سياج الإيمان وحفاظه، فكان تقديمهما في الذكر موافقًا للمعهود عند الناس في جعل سياج كل شيء مقدمًا عليه<ref>انظر: تفسير المراغي ٤/٣٠، زهرة التفاسير، أبو زهرة ٥/٢٣٢٠.</ref>. وقد استدل بهذه الآية على أن إجماع هذه الأمة حجة؛ لأنها لو لم تحكم بالحق، لم تكن خيرًا من المبطل؛ ولأن اللام في {{نص قرآني|بِالْمَعْرُوفِ}} وفي {{نص قرآني|الْمُنكَرِ}}؛ للاستغراق فيقتضي كونهم آمرين بكل معروف وناهين عن كل منكر، فيكون إجماعهم حقًا<ref>انظر: غرائب القرآن، النيسابوري ٢/٢٣٤.</ref>.
 
آجال الأمم


==آجال الأمم==
قال تعالى: (ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژڑ ڑ ک ک ک) [البقرة: ٢١٣]، هذه هي سنة الله تعالى في إرسال رسله للبشرية؛ ليهدوهم إلى صراط مستقيم الذي يجمع كلمتهم ويوحد صفهم، وقد وعد الله تعالى بالنعيم المقيم لكل أمة استجابت لرسولها وآمنت به، وتوعد كل أمة كذبت رسولها بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، فكانت هذه هي آجال الأمم المرسومة في كتاب الله تعالى، وهذا ما سنوضحه بشيء من التفصيل فيما يأتي:
قال تعالى: (ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژڑ ڑ ک ک ک) [البقرة: ٢١٣]، هذه هي سنة الله تعالى في إرسال رسله للبشرية؛ ليهدوهم إلى صراط مستقيم الذي يجمع كلمتهم ويوحد صفهم، وقد وعد الله تعالى بالنعيم المقيم لكل أمة استجابت لرسولها وآمنت به، وتوعد كل أمة كذبت رسولها بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، فكانت هذه هي آجال الأمم المرسومة في كتاب الله تعالى، وهذا ما سنوضحه بشيء من التفصيل فيما يأتي:


٢٦٬٨٢١

تعديل