الفرق بين المراجعتين لصفحة: «تنصيب الإمام»
لا يوجد ملخص تحرير
لا ملخص تعديل |
لا ملخص تعديل |
||
| سطر ١٠٧: | سطر ١٠٧: | ||
١. [[آية التطهير]]: إن من بين الآيات المعروفة النازلة بشأن [[أهل البيت]]{{عم}} هي آية التطهير التي طهر الله فيها [[أهل بيت النبي]] من جميع أنواع [[الرجس]]، إذ يقول: {{نص قرآني|إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}}<ref> سورة الأحزاب، الآية ٣٣.</ref>. | ١. [[آية التطهير]]: إن من بين الآيات المعروفة النازلة بشأن [[أهل البيت]]{{عم}} هي آية التطهير التي طهر الله فيها [[أهل بيت النبي]] من جميع أنواع [[الرجس]]، إذ يقول: {{نص قرآني|إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}}<ref> سورة الأحزاب، الآية ٣٣.</ref>. | ||
إن هذه [[الآية]] تثبت [[عصمة أهل بيت النبي]]{{عم}} - علي و[[فاطمة]] و[[الحسن]] و[[الحسين]] - وقد ذكر نزول هذه الآية في هؤلاء عدد من [[الصحابة]] يبلغ حد [[التواتر]] وقد تم التأكيد على هذا المعنى في المصادر السنية والشيعية. فها هو [[الترمذي]] مثلاً يقرّ بأن آية التطهير نزلت في [[بيت]] [[أم سلمة]]، وقال بأن [[النبي الأكرم]]{{صل}} دعا علياً | إن هذه [[الآية]] تثبت [[عصمة أهل بيت النبي]]{{عم}} - [[علي]] و [[فاطمة]] و [[الحسن]] و [[الحسين]] - وقد ذكر نزول هذه الآية في هؤلاء عدد من [[الصحابة]] يبلغ حد [[التواتر]] وقد تم التأكيد على هذا المعنى في المصادر السنية والشيعية. فها هو [[الترمذي]] مثلاً يقرّ بأن آية التطهير نزلت في [[بيت]] [[أم سلمة]]، وقال بأن [[النبي الأكرم]]{{صل}} دعا علياً و [[فاطمة]] و [[الحسن]] و [[الحسين]] ثم ألقى عليهم عباءة وقال: {{نص حديث|اَللهُمَّ هَؤُلاَءِ أَهْلُ بَيْتِي}}<ref>انظر: الترمذي، صحيح الترمذي، ج ٥، ص ٣٢٧؛ تفسير الدر المنثور، تفسير الآية؛ العلامة الحسيني الطهراني امام شناسی، ج ٣، ص ١٦٢ - ١٧٢.</ref>. | ||
وكان [[الإمام علي]]{{ع}} يستند إلى هذه [[الآية الكريمة]] في كثير من المواطن في مقام [[إثبات]] مقامه الشامخ والاحتجاج بها على المخالفين كما صدر ذلك عنه مع أهل [[السقيفة]]<ref>انظر: الخوارزمي، المناقب، ص ١٢٩.</ref>. | وكان [[الإمام علي]]{{ع}} يستند إلى هذه [[الآية الكريمة]] في كثير من المواطن في مقام [[إثبات]] مقامه الشامخ والاحتجاج بها على المخالفين كما صدر ذلك عنه مع أهل [[السقيفة]]<ref>انظر: الخوارزمي، المناقب، ص ١٢٩.</ref>. | ||
| سطر ١١٩: | سطر ١١٩: | ||
روي في كثير من [[الروايات]] المأثورة في كتب [[الفريقين]] أن [[النبي]]{{صل}} كان يصف نفسه بـ «المنذر» ويصف الإمام علي{{ع}} بـ «[[الهادي]]» لأمته من بعده، ومن ذلك قوله: {{نص حديث|أَنْتَ اَلْهَادِي يَا عَلِيُّ بِكَ يَهْتَدِي اَلْمُهْتَدُونَ مِنْ بَعْدِي}}<ref>انظر: تفسير ابن كثير، ج ٢، ص ٥٠٣؛ تفسير الطبري، ج ١٣، ص ١٠٨؛ تفسير روح المعاني، ج١٣،ص١٠٨؛ تفسير الثعلبي، ج ٥، ص ٢٧٢؛ تاريخ مدينة دمشق، ج ٤٢، ص ٣٥٩.</ref>. | روي في كثير من [[الروايات]] المأثورة في كتب [[الفريقين]] أن [[النبي]]{{صل}} كان يصف نفسه بـ «المنذر» ويصف الإمام علي{{ع}} بـ «[[الهادي]]» لأمته من بعده، ومن ذلك قوله: {{نص حديث|أَنْتَ اَلْهَادِي يَا عَلِيُّ بِكَ يَهْتَدِي اَلْمُهْتَدُونَ مِنْ بَعْدِي}}<ref>انظر: تفسير ابن كثير، ج ٢، ص ٥٠٣؛ تفسير الطبري، ج ١٣، ص ١٠٨؛ تفسير روح المعاني، ج١٣،ص١٠٨؛ تفسير الثعلبي، ج ٥، ص ٢٧٢؛ تاريخ مدينة دمشق، ج ٤٢، ص ٣٥٩.</ref>. | ||
لقد استُعمل وصف «الهادي» في [[آيات القرآن]] - ومن بينها هذه الآية الشريفة - في المقامات السامية من قبيل [[مقامات]] [[الأنبياء]]. ولكن لمّا كان [[الإسلام]] هو خاتم [[الأديان]]، فإن [[الإمام]] | لقد استُعمل وصف «الهادي» في [[آيات القرآن]] - ومن بينها هذه الآية الشريفة - في المقامات السامية من قبيل [[مقامات]] [[الأنبياء]]. ولكن لمّا كان [[الإسلام]] هو خاتم [[الأديان]]، فإن [[الإمام علي]]{{ع}} وإن لم يكن نبياً ينزل عليه [[الوحي]]، ولكنه طبقاً لصريح هذه [[الآية]] وتفسير [[النبي الأكرم]]{{صل}} لها وتطبيقها على الإمام علي{{ع}}، يثبت أن الإمام علي كان متصفاً بصفة «الهادي» بعد النبي أيضاً. | ||
٣. [[آية الولاية]]: وهي قوله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٥٥.</ref>. | ٣. [[آية الولاية]]: وهي قوله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٥٥.</ref>. | ||
| سطر ١٢٦: | سطر ١٢٦: | ||
#إن معنى «الولى» وإن كان مختلفاً من قبيل: [[الناصر]] والقريب، بيد أنه بالالتفات إلى استعمال أداة [[الحصر]] {{نص قرآني|إِنَّمَا}} في هذه [[الآية الشريفة]]، دلّ ذلك على أن [[الآية]] بصدد [[حصر]] أولياء المؤمنين بعدد محدد من المصاديق، وإن هذه المصاديق عبارة عن: ([[الله]] والنبي والذي يعطي [[الزكاة]] راكعاً)، ولازم ذلك [[إرادة]] معنى [[الحاكم]] من لفظ «[[الولي]]»؛ إذ إن حصر معنى «الولي» بما ذكر آنفاً لا يكون له من معنى، إذ لا معنى لحصر الحب بالله والنبي والذي يتزكى أثناء [[الركوع]]، أو [[الدعوة]] إلى إقامة التواصل معهم أو نصرتهم. من هنا يكون معنى الحاكم والقيم منسجماً مع الحصر بشكل كامل؛ لأن الآية الشريفة بصدد بيان من هو [[حاكم]] [[المسلمين]]، وتقول إنه هو الله بالدرجة الأولى، ثم رسوله [[الكريم]]{{صل}}، ثم الذي يتصدق أثناء الركوع، وسوف نرى أن هذا [[الوصف]] لا ينطبق إلا على [[الإمام علي]]{{ع}}. | #إن معنى «الولى» وإن كان مختلفاً من قبيل: [[الناصر]] والقريب، بيد أنه بالالتفات إلى استعمال أداة [[الحصر]] {{نص قرآني|إِنَّمَا}} في هذه [[الآية الشريفة]]، دلّ ذلك على أن [[الآية]] بصدد [[حصر]] أولياء المؤمنين بعدد محدد من المصاديق، وإن هذه المصاديق عبارة عن: ([[الله]] والنبي والذي يعطي [[الزكاة]] راكعاً)، ولازم ذلك [[إرادة]] معنى [[الحاكم]] من لفظ «[[الولي]]»؛ إذ إن حصر معنى «الولي» بما ذكر آنفاً لا يكون له من معنى، إذ لا معنى لحصر الحب بالله والنبي والذي يتزكى أثناء [[الركوع]]، أو [[الدعوة]] إلى إقامة التواصل معهم أو نصرتهم. من هنا يكون معنى الحاكم والقيم منسجماً مع الحصر بشكل كامل؛ لأن الآية الشريفة بصدد بيان من هو [[حاكم]] [[المسلمين]]، وتقول إنه هو الله بالدرجة الأولى، ثم رسوله [[الكريم]]{{صل}}، ثم الذي يتصدق أثناء الركوع، وسوف نرى أن هذا [[الوصف]] لا ينطبق إلا على [[الإمام علي]]{{ع}}. | ||
#النقطة الثانية حيث أن [[ولاية الله]] ورسوله تعني [[الزعامة]] وامتلاك زمام الأمور والاختيار، يكون معنى [[ولاية الإمام علي]]{{ع}} كذلك أيضاً لورودها في الآية الشريفة معطوفة على ولاية الله ورسوله، وسياق الآية يقتضى أن تكون [[ولاية]] المصاديق الثلاثة في هذه الآية الشريفة بمعنى واحد. | #النقطة الثانية حيث أن [[ولاية الله]] ورسوله تعني [[الزعامة]] وامتلاك زمام الأمور والاختيار، يكون معنى [[ولاية الإمام علي]]{{ع}} كذلك أيضاً لورودها في الآية الشريفة معطوفة على ولاية الله ورسوله، وسياق الآية يقتضى أن تكون [[ولاية]] المصاديق الثلاثة في هذه الآية الشريفة بمعنى واحد. | ||
# لو اعتبرنا لكلمة «الولي» الواردة في هذه الآية معنى غير معنى [[الإمامة]] والحكومة، فإننا سنواجه مشكلة في تفسير هذه الآية فيما يتعلق بعبارة {{نص حديث|وَهُمْ رَاكِعُونَ}}، كأن يقال: إن الذي يحبكم أو ناصركم هو الله ورسوله وذلك الصنف من المؤمنين الذي يتصدق أثناء الركوع. وعندها يرد [[السؤال]] القائل: ما الذي يمنع [[المؤمن]] من [[نصرة]][[ المسلمين]] في غير حالة التصدق أثناء الركوع، وأساساً ما هو [[السر]] في تقييد الآية | # لو اعتبرنا لكلمة «الولي» الواردة في هذه الآية معنى غير معنى [[الإمامة]] والحكومة، فإننا سنواجه مشكلة في تفسير هذه الآية فيما يتعلق بعبارة {{نص حديث|وَهُمْ رَاكِعُونَ}}، كأن يقال: إن الذي يحبكم أو ناصركم هو الله ورسوله وذلك الصنف من المؤمنين الذي يتصدق أثناء الركوع. وعندها يرد [[السؤال]] القائل: ما الذي يمنع [[المؤمن]] من [[نصرة]][[ المسلمين]] في غير حالة التصدق أثناء الركوع، وأساساً ما هو [[السر]] في تقييد الآية لـ «الولي» بحالة خاصة من حالات الركوع؟<ref>انظر: الفيروز آبادي، فضائل الخمسة، ج ٢، ص ١٨.</ref>. جاء في كثير من [[الروايات]] المأثورة في كتب [[الفريقين]] أن هذه الآية قد نزلت في الإمام علي{{ع}}، وذلك عندما دخل مسكين إلى المسجد وسأل المسلمين أن يتصدقوا عليه فلم يعطه أحد منهم شيئاً؛وكان الإمام علي قائماً يصلي فأومأ إلى [[الفقير]] بأن يأخذ خاتمه، وهكذا تصدق به على ذلك المسكين؛ فنزلت هذه الآية<ref>انظر: تاريخ مدينة دمشق، ج ٤٢، ص ٨٩٥٠، وج ٤٥، ص ٩٨٨٥؛ البداية والنهاية، ج ٧، ص ٣٥٨؛الدر المنثور، ج ٣، ص ١٠٥؛ شواهد التنزيل، ج ١، ص ٢٢٦؛ تفسير ابن كثير، ج ٣، ص ١٢٩. ومن العجيب أنه على الرغم من وجود هذه المصادر الكثيرة لأهل السنة، هناك من يدعي أن شأن النزول المذكور لم يرد في أي من مصادر أهل السنة! (انظر: تئوری امامت در ترازوی نقد، ص ٥٣).</ref>. | ||
#ربما كان هناك من يشكك في المسائل المتقدمة، ولذلك فإننا لتكميل استدلالنا نشير إلى [[الرواية]] [[النبوية]] الناظرة إلى مورد البحث كي تزول جميع أنواع [[الشك]] والترديد في استفادة [[الإمامة]] والحكومة من [[الآية الشريفة]]، وذلك من خلال سرد الرواية الآتية: ذكر [[الثعلبي]] [[القصة]] مسندة إلى [[أبي ذر الغفاري]]، فقال: صليت يوماً صلاة الظهر في المسجد | #ربما كان هناك من يشكك في المسائل المتقدمة، ولذلك فإننا لتكميل استدلالنا نشير إلى [[الرواية]] [[النبوية]] الناظرة إلى مورد البحث كي تزول جميع أنواع [[الشك]] والترديد في استفادة [[الإمامة]] والحكومة من [[الآية الشريفة]]، وذلك من خلال سرد الرواية الآتية: ذكر [[الثعلبي]] [[القصة]] مسندة إلى [[أبي ذر الغفاري]]، فقال: صليت يوماً صلاة الظهر في المسجد و [[رسول الله]]{{صل}} حاضر فقام سائل فسأل فلم يعطه أحد شيئاً، قال: وكان علي{{ع}} قد ركع فأومى إلى السائل بخنصره؛ فأخذ الخاتم من خنصره، والنبي{{صل}} يعاين ذلك؛ فرفع رأسه إلى [[السماء]] وقال: {{نص حديث|اَللهُمَّ إِنَّ أَخِي مُوسَى سَأَلَكَ فَقَالَ: {{نص قرآني|رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي}}<ref> سورة طه، الآية ٢٥-٣٢.</ref>؛فَأَنْزَلْتَ {{نص قرآني|سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا}}<ref> سورة القصص، الآية ٣٥.</ref> اَللهُمَّ وَ أَنَا مُحَمَّدٌ نَبِيُّكَ وَ صَفِيُّكَ اَللهُمَّ فَ {{نص قرآني|اشْرَحْ لِي صَدْرِي}}<ref> سورة طه، الآية ٢٥.</ref> {{نص قرآني|وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي}}<ref> سورة طه، الآية ٢٦.</ref> ... {{نص قرآني|وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي}}<ref> سورة طه، الآية ٢٩.</ref> عَلِيّاً {{نص قرآني|اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي}}<ref> سورة طه، الآية ٣١.</ref> قَالَ أَبُو ذَرٍّ فَمَا اِسْتَتَمَّ رَسُولُ اَللهِ كَلاَمَهُ حَتَّى نَزَلَ جَبْرَئِيلُ يَقُولُ لَهُ اِقْرَأْ {{نص قرآني|إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٥٥.</ref>}}.<ref>تذكرة الخواص، ص ١٥؛ شواهد التنزيل، ج ١، ص ٢٣٠؛ فرائد السمطين، ج ١، ١٥؛ ص ١٩٢.</ref>. كما وردت رواية مشابهة لهذه الرواية في المصادر [[الشيعية]]، ولكن لا يسع المجال إلى ذكرها هنا<ref>انظر: موسوعة الإمام علي{{ع}}، ج ٢، ص ٢٠٢، وانظر أيضاً: تفسير الآية الخامسة من سورة المائدة في مختلف التفاسير.</ref>. | ||
٤. [[آية التبليغ]]: وهي قوله تعالى: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٦٧، للمزيد من التوضيح بشأن هذه الآية والآية التالية، انظر: مطهري، الأعمال الكاملة، ج ٤، ص ٨٨ - ٩٠٧.</ref>. | ٤. [[آية التبليغ]]: وهي قوله تعالى: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٦٧، للمزيد من التوضيح بشأن هذه الآية والآية التالية، انظر: مطهري، الأعمال الكاملة، ج ٤، ص ٨٨ - ٩٠٧.</ref>. | ||
| سطر ١٣٤: | سطر ١٣٤: | ||
#ليس هناك فيما رصده [[التاريخ]] من [[التعاليم الدينية]] للنبي الأكرم{{صل}} في أواخر أيام حياته الشريفة ما هو أهم من حادثة الغدير. وعليه فإن النبي الأكرم{{صل}} إما أن لا يكون قد قام بواجبه تجاه [[الأمة]] في حادثة الغدير - والعياذ بالله - أو أن نقول بأن حادثة الغدير قد انطوت على أمر في غاية الأهية للإسلام والمسلمين. ولمّا كانت الفرضية الأولى لا تتناسب مع شأن النبي الأكرم{{صل}} وعصمته، تتعين الفرضية الثانية، فضلاً عن أن هذه [[الآية]] تخبر عن [[إكمال الدين]] الذي هو من أهم الأمور المتعلقة بالرسالة السماوية على ما سيأتي بيانه. إذن تكون الفرضية الثانية القائلة بأمر [[الله]] لنبيه بتنصيب علي{{ع}} [[خليفة]] من بعده على [[المسلمين]] في [[يوم غدير خم]] هي المتعينة. | #ليس هناك فيما رصده [[التاريخ]] من [[التعاليم الدينية]] للنبي الأكرم{{صل}} في أواخر أيام حياته الشريفة ما هو أهم من حادثة الغدير. وعليه فإن النبي الأكرم{{صل}} إما أن لا يكون قد قام بواجبه تجاه [[الأمة]] في حادثة الغدير - والعياذ بالله - أو أن نقول بأن حادثة الغدير قد انطوت على أمر في غاية الأهية للإسلام والمسلمين. ولمّا كانت الفرضية الأولى لا تتناسب مع شأن النبي الأكرم{{صل}} وعصمته، تتعين الفرضية الثانية، فضلاً عن أن هذه [[الآية]] تخبر عن [[إكمال الدين]] الذي هو من أهم الأمور المتعلقة بالرسالة السماوية على ما سيأتي بيانه. إذن تكون الفرضية الثانية القائلة بأمر [[الله]] لنبيه بتنصيب علي{{ع}} [[خليفة]] من بعده على [[المسلمين]] في [[يوم غدير خم]] هي المتعينة. | ||
#إن هذا الأمر المهم والأساسي لا يمكن أن يكون مجرد الأمر بمحبة علي أو تعريف [[الإمام علي]]{{ع}} بوصفه ناصراً ومعيناً للنبي الأكرم{{صل}} ؛لعدم وجود سنخية ومناسبة بين هذا المفهوم ومحتوى الآية بحيث يعد عدم إبلاغه تركاً للرسالة [[الإلهية]] وعدم إبلاغها من رأس. | #إن هذا الأمر المهم والأساسي لا يمكن أن يكون مجرد الأمر بمحبة علي أو تعريف [[الإمام علي]]{{ع}} بوصفه ناصراً ومعيناً للنبي الأكرم{{صل}} ؛لعدم وجود سنخية ومناسبة بين هذا المفهوم ومحتوى الآية بحيث يعد عدم إبلاغه تركاً للرسالة [[الإلهية]] وعدم إبلاغها من رأس. | ||
#يثبت صريح الآية أن النبي الأكرم{{صل}} كان يعيش صراعاً وخوفاً من إبلاغ محتوى [[رسالة]] الآية، وكأنه حدث نوع من [[الإبطاء]] في إبلاغ ذلك المضمون. وقد كان محتوى [[الآية]] من الأهمية والخطورة بالنسبة إلى البعض بحيث كان [[النبي]] يستشعر صدور نوع من [[الخطر]] عنهم يمس جوهر الدین والمجتمع [[الإسلامي]]. ومن الواضح أن هذا النوع من [[الخطاب]] لا يتناسب مع مجرد تعريف [[الإمام علي]]{{ع}} بوصفه ناصراً للرسول أو [[دعوة]] المؤمنين إلى مجرد محبّته، ومعه لا يبقى هناك معنى لافتراض مخاوف [[الرسول]]{{صل}}. وأما إذا فسرنا محتوى الآية ومضمونها بإمامة علي{{ع}} تكون الفرضية منسجمة مع الواقع تمام الانسجام. كما لا يبدو معقولاً أن يجمع النبي الأكرم | #يثبت صريح الآية أن النبي الأكرم{{صل}} كان يعيش صراعاً وخوفاً من إبلاغ محتوى [[رسالة]] الآية، وكأنه حدث نوع من [[الإبطاء]] في إبلاغ ذلك المضمون. وقد كان محتوى [[الآية]] من الأهمية والخطورة بالنسبة إلى البعض بحيث كان [[النبي]] يستشعر صدور نوع من [[الخطر]] عنهم يمس جوهر الدین والمجتمع [[الإسلامي]]. ومن الواضح أن هذا النوع من [[الخطاب]] لا يتناسب مع مجرد تعريف [[الإمام علي]]{{ع}} بوصفه ناصراً للرسول أو [[دعوة]] المؤمنين إلى مجرد محبّته، ومعه لا يبقى هناك معنى لافتراض مخاوف [[الرسول]]{{صل}}. وأما إذا فسرنا محتوى الآية ومضمونها بإمامة علي{{ع}} تكون الفرضية منسجمة مع الواقع تمام الانسجام. كما لا يبدو معقولاً أن يجمع النبي الأكرم{{صل}} ما يقرب من مئة ألف حاج في يوم شديد الحرارة في [[صحراء]] مقفرة لا لشيء إلا لمطالبتهم بأن يحبّوا علياً، أو إخبارهم بأنه كان ناصراً الرسول [[الله]]{{صل}} طوال ما يربو على العقدين من الزمن، كما عليه [[قراءة]] [[أهل السنة]] لواقعة [[غدير خم]]. | ||
#يمكن [[الاستدلال]] بالنص الذي تلاه [[النبي الأكرم]]{{صل}} يوم الغدير على [[إمامة الإمام علي]]{{ع}}، بوصفه ناظراً إلى هذا الأمر، وذلك حيث يمهد له بحقيقة أولويته وولايته على [[الناس]] وتقدم نفسه على أنفسهم، إذ يقول: «ألست أولى...»، على ما سيأتي توضيحه في الصفحات القادمة عند وقوفنا على [[حديث الغدير]]. | #يمكن [[الاستدلال]] بالنص الذي تلاه [[النبي الأكرم]]{{صل}} يوم الغدير على [[إمامة الإمام علي]]{{ع}}، بوصفه ناظراً إلى هذا الأمر، وذلك حيث يمهد له بحقيقة أولويته وولايته على [[الناس]] وتقدم نفسه على أنفسهم، إذ يقول: «ألست أولى...»، على ما سيأتي توضيحه في الصفحات القادمة عند وقوفنا على [[حديث الغدير]]. | ||
#التزم أكثر علماء أهل السنة بنزول هذه الآية في غدير خم. | #التزم أكثر علماء أهل السنة بنزول هذه الآية في غدير خم. | ||
| سطر ١٦١: | سطر ١٦١: | ||
وقد روي ما يشبه هذه [[الرواية]] عن [[الإمام الصادق]]{{ع}} أيضاً<ref>انظر: ينابيع المودة، ج ١، ص ٣٤١.</ref>.<ref>[[محمد حسن قدردان قراملكي]]، [[الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية (كتاب)|الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية]]، ص ٢٤٥-٢٥٦.</ref> | وقد روي ما يشبه هذه [[الرواية]] عن [[الإمام الصادق]]{{ع}} أيضاً<ref>انظر: ينابيع المودة، ج ١، ص ٣٤١.</ref>.<ref>[[محمد حسن قدردان قراملكي]]، [[الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية (كتاب)|الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية]]، ص ٢٤٥-٢٥٦.</ref> | ||
==[[شبهة]] عدم ذكر [[ | ==[[شبهة]] عدم ذكر اسم [[الإمام علي]]{{ع}} في [[القرآن الكريم]] == | ||
اتضح أن اسم الإمام علي{{ع}} وإن لم يذكر صراحة في [[آيات القرآن الكريم]]، ولكن نزلت في شأنه كثير من [[الآيات]]، وكان [[المسلمون]] في صدر [[الإسلام]] يعلمون جيداً أن المعنى بها هو [[الإمام علي]]{{ع}}، وقد تقدم أن ذكرنا بعض الآيات التي تدل على [[إمامة الإمام علي]] بشكل صريح، وتقدم أن قلنا إنها موضع تسليم واعتراف من قبل [[الفريقين]]. إلا أن اختلافهم يكمن في تفسير الآيات، وفي مفهوم الآيات. | اتضح أن اسم الإمام علي{{ع}} وإن لم يذكر صراحة في [[آيات القرآن الكريم]]، ولكن نزلت في شأنه كثير من [[الآيات]]، وكان [[المسلمون]] في صدر [[الإسلام]] يعلمون جيداً أن المعنى بها هو [[الإمام علي]]{{ع}}، وقد تقدم أن ذكرنا بعض الآيات التي تدل على [[إمامة الإمام علي]] بشكل صريح، وتقدم أن قلنا إنها موضع تسليم واعتراف من قبل [[الفريقين]]. إلا أن اختلافهم يكمن في تفسير الآيات، وفي مفهوم الآيات. | ||
| سطر ١٦٨: | سطر ١٦٨: | ||
===نقد ورأي=== | ===نقد ورأي=== | ||
في معرض الإجابة عن هذه الشبهة يجدر [[التدبر]] في الأمور الآتية: | في معرض الإجابة عن هذه الشبهة يجدر [[التدبر]] في الأمور الآتية: | ||
====ذكر [[الصفات]] الخاصة يغني عن التصريح بالاسم==== | |||
اتضح من الآيات السابقة أن [[الله سبحانه وتعالى]] أراد من خلال إنزالها التعريف بالإمام علي{{ع}} بوصفه إماماً وخليفة بعد [[النبي الأكرم]]{{صل}}. ومع ذكر هذا [[العدد]] من الآيات لا تعود هناك من حاجة إلى التصريح بالاسم الخاص؛ إذ إن بعض الآيات تشتمل على خصائص حصرية ومتعينة في شخص الإمام علي{{ع}} لا يشاركه فيها غيره، من قبيل: [[آية الولاية]]، وإيتاء [[الزكاة]] أثناء [[الركوع]]، وهناك من الآيات ما يعرف الإمام علي{{ع}} بوصفه إماماً وولياً ومولى وهادياً في [[دلالة]] واضحة وصريحة يتفق في فهمها جميع [[الصحابة]] أو أغلبهم في الحد الأدنى. | |||
إذن ليس هناك أي مشكلة أو سوء فهم فيما يتعلق بأصل تطبيق [[آيات الولاية]] وأهل [[البيت]] وأولى الأمر والهادي والمولى على الإمام علي{{ع}} حتى تكون هناك حاجة إلى التصريح باسم علي في [[القرآن]] بشكل خاص. فمثلاً لو كان لدى والد كثير من [[الأولاد]] وكان هناك واحد من أولاده حافظاً للقرآن فقط، وقال [[الأب]] عند احتضاره إن وصيي من بين جميع أولادي هو الحافظ للقرآن منهم، وحيث أن الجميع يعرفون من هو الحافظ للقرآن من بينهم؛ لأنه واحد لا غير، لا يشعرون بوجود حاجة أو [[ضرورة]] لتسميته، ولا يرد إشكال حقوقي على الأب من هذه الناحية. وخاصة إذا كان الأب قد اهتم شخصياً بمسألة حفظ هذا [[الابن]] للقرآن أو كونه وصياً. وعليه الشيء نفسه ينطبق على ما نحن فيه من [[خلافة الإمام علي]]{{ع}} وإمامته وزيادة. | إذن ليس هناك أي مشكلة أو سوء فهم فيما يتعلق بأصل تطبيق [[آيات الولاية]] وأهل [[البيت]] وأولى الأمر والهادي والمولى على الإمام علي{{ع}} حتى تكون هناك حاجة إلى التصريح باسم علي في [[القرآن]] بشكل خاص. فمثلاً لو كان لدى والد كثير من [[الأولاد]] وكان هناك واحد من أولاده حافظاً للقرآن فقط، وقال [[الأب]] عند احتضاره إن وصيي من بين جميع أولادي هو الحافظ للقرآن منهم، وحيث أن الجميع يعرفون من هو الحافظ للقرآن من بينهم؛ لأنه واحد لا غير، لا يشعرون بوجود حاجة أو [[ضرورة]] لتسميته، ولا يرد إشكال حقوقي على الأب من هذه الناحية. وخاصة إذا كان الأب قد اهتم شخصياً بمسألة حفظ هذا [[الابن]] للقرآن أو كونه وصياً. وعليه الشيء نفسه ينطبق على ما نحن فيه من [[خلافة الإمام علي]]{{ع}} وإمامته وزيادة. | ||
====تحويل [[الشبهة]] إلى [[شبهة]] أخرى==== | |||
قد يشكك شخص أو يشتبه لا في تطبيق هذه [[الآيات]] والصفات على [[الإمام علي]]{{ع}}، وإنما في تفسير هذه المفاهيم والمعاني. كأن يقول: صحيح أن القرآن قد وصف [[الإمام علي]]{{ع}} بأنه «[[ولي]] المؤمنين» وأنه «من [[أهل البيت]]» أو «[[الهادي]]» إلا أن [[الكلام]] في معنى «[[الولي]]»، فهل هو الإمام والحاكم والخليفة أو مجرد المحب والناصر؟ وفي هذه [[الصورة]] يجب القول: إذن لا يعود أصل الشبهة إلى عدم ذكر [[اسم]] علي{{ع}} في القرآن؛ إذ حتى لو فرضنا أن القرآن ذكر [[اسم الإمام علي]] صراحة بأن قال: «إنما وليكم [[علي ابن أبي طالب]]» سيرد [[السؤال]] أيضاً عن معنى الولي في هذه العبارة. وعليه فإن الشبهة تعود إلى تفسير معنى [[صفات الإمام علي]]{{ع}} الواردة في القرآن، وليس في انطباقها عليه. وبعبارة أخرى: إن الشبهة تتحول من موضوعها (عدم ذكر اسم الإمام علي في القرآن) إلى شبهة أخرى مفادها: (إجمال صفات الإمام علي{{ع}} وإبهامها)، وهذه شبهة أخرى. | |||
وفي حل هذه الشبهة سوف نثبت من خلال القرائن والشواهد المختلفة في الآيات وكذلك التمسك بالروايات [[النبوية]] أن أصل [[دلالة]] صفات الإمام علي{{ع}} على مسألة [[الحكم]] والإمامة واضحة وصريحة. | وفي حل هذه الشبهة سوف نثبت من خلال القرائن والشواهد المختلفة في الآيات وكذلك التمسك بالروايات [[النبوية]] أن أصل [[دلالة]] صفات الإمام علي{{ع}} على مسألة [[الحكم]] والإمامة واضحة وصريحة. | ||
====ذكر اسم الإمام علي{{ع}} في [[الروايات النبوية]]==== | |||
إذا كان المراد من ذكر [[الاسم]] الخاص للإمام علي{{ع}} هو التعرف على إمامته في [[الإسلام]] ومن قبل [[الله سبحانه وتعالى]]، وجب القول: إن هذه [[الغاية]] غاية [[عقلانية]] ودينية، إلا أن تحصيلها لا ينحصر بذكر [[الاسم]] الخاص للإمام علي{{ع}} في [[القرآن الكريم]] فقط، بل هناك قنوات أخرى يمكن لها أن تفي بالغرض، ومن بينها [[الروايات]] المأثورة عن [[النبي الأكرم]]{{صل}} بوصفه حامل [[الوحي]] ومفسر [[القرآن]]. وفي الصفحات القادمة سوف نشير إلى مجموعة من [[الروايات النبوية]] المتعددة والمتواترة التي يسعى [[النبي]] من خلالها - وبمختلف الأساليب والطرق - إلى التعريف بالإمام علي{{ع}} بوصفه [[خليفة]] له من بعده وعليه فإن الغاية المتمثلة بمعرفة [[خليفة النبي]]{{صل}} متحققة بالرجوع إلى الروايات النبوية، ومعها لا حاجة إلى ذكر [[اسم الإمام علي]]{{ع}} في القرآن الكريم. | |||
وإذا قال شخص إنه لا يؤمن بالنبي الأكرم{{صل}} - والعياذ بالله - وأصر على [[ضرورة]] أن يذكر اسم الإمام علي في القرآن حصرياً، وجب القول | وإذا قال شخص إنه لا يؤمن بالنبي الأكرم{{صل}} - والعياذ بالله - وأصر على [[ضرورة]] أن يذكر اسم الإمام علي في القرآن حصرياً، وجب القول: | ||
مسلماً، ولحسن الحظ فإننا لم نعثر على مثل هذا القائل. | #إن الذي لا يؤمن بمن أنزل عليه القرآن، كيف يمكنه تحصيل [[العلم]] بأن ما جاء به إنما نزل عليه من [[السماء]]. | ||
#وثانياً: إن مثل هذا الشخص لا يمكن أن يكون مسلماً، ولحسن الحظ فإننا لم نعثر على مثل هذا القائل. | |||
====[[تفويض]] الأمور [[الدينية]] إلى النبي الأكرم{{صل}}==== | |||
إن القرآن الكريم هو الذي فوض إلى النبي الأكرم{{صل}} مهمة تفسير الأمور والتعاليم الدينية الضرورية وبيانها، إذ يقول تعالى: {{نص قرآني|وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}}<ref> سورة النحل، الآية ٤٤.</ref>.{{نص قرآني|يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٦٤.</ref>. | |||
لقد ترك [[الله سبحانه وتعالى]] في هذه [[الآيات]] أمر بيان [[الذكر]] - أي القرآن الكريم - وتعليمه إلى النبي الأكرم{{صل}}. من هنا فإن [[الأحكام]] [[التشريعية]] للنبي التي لم يرد ذكرها في القرآن الكريم. من قبيل: عدد ركعات [[الصلاة]] اليومية، والطواف حول [[البيت]] في [[الحج]] سبعا عند [[الفريقين]]، تعد [[حجة]] إلهية. وعلى هذا الأساس حيث أن النبي الأكرم{{صل}} طبقاً للآيات المتقدمة والروايات [[النبوية]] قد نسب أمر تعيين [[إمامة الإمام علي]]{{ع}} إلى الله سبحانه وتعالى، تعدّ إمامته مسألة سماوية وإلهية، وتكون حجة شرعية على جميع [[المسلمين]]. | لقد ترك [[الله سبحانه وتعالى]] في هذه [[الآيات]] أمر بيان [[الذكر]] - أي القرآن الكريم - وتعليمه إلى النبي الأكرم{{صل}}. من هنا فإن [[الأحكام]] [[التشريعية]] للنبي التي لم يرد ذكرها في القرآن الكريم. من قبيل: عدد ركعات [[الصلاة]] اليومية، والطواف حول [[البيت]] في [[الحج]] سبعا عند [[الفريقين]]، تعد [[حجة]] إلهية. وعلى هذا الأساس حيث أن النبي الأكرم{{صل}} طبقاً للآيات المتقدمة والروايات [[النبوية]] قد نسب أمر تعيين [[إمامة الإمام علي]]{{ع}} إلى الله سبحانه وتعالى، تعدّ إمامته مسألة سماوية وإلهية، وتكون حجة شرعية على جميع [[المسلمين]]. | ||
في رواية مأثورة عن [[الإمام الباقر]]{{ع}} يقول فيها: {{نص حديث| قُولُوا لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يُسَمِّ ثَلَاثاً أَوْ أَرْبَعاً، حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ هُوَ الَّذِي يُفَسِّرَ ذَلِكَ، وَأَنْزَلَ الْحَجِّ فَلَمْ يُنْزِلْ طُوفُوا سَبْعاً حتی فَسَّرَ ذَلِكَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ...}}<ref>شواهد التنزيل، ج ١، ص ١٩١.</ref>. | |||
بعبارة أخرى لمّا كان [[القرآن الكريم]] كتاب محدود، والأمور الجزئية والتفصيلية غير متناهية، واضح أن الكتاب المحدود يجب أن يقتصر على بيان الأمور الكلية والعامة، فإن [[القرآن]] قد ترك بيان الأمور الجزئية ومن بينها تسمية من يتولى [[الإمامة]] بعد [[النبي]] إلى رسوله [[الكريم]]<ref>انظر: مرتضى مطهري، الأعمال الكاملة، ج ٤، ص ٩٠٤، كتاب الإمامة والقيادة؛ الإمام الخميني، كشف الأسرار، ص ١٣٠ - ١٣١.</ref>. | بعبارة أخرى لمّا كان [[القرآن الكريم]] كتاب محدود، والأمور الجزئية والتفصيلية غير متناهية، واضح أن الكتاب المحدود يجب أن يقتصر على بيان الأمور الكلية والعامة، فإن [[القرآن]] قد ترك بيان الأمور الجزئية ومن بينها تسمية من يتولى [[الإمامة]] بعد [[النبي]] إلى رسوله [[الكريم]]<ref>انظر: مرتضى مطهري، الأعمال الكاملة، ج ٤، ص ٩٠٤، كتاب الإمامة والقيادة؛ الإمام الخميني، كشف الأسرار، ص ١٣٠ - ١٣١.</ref>. | ||
| سطر ١٩٢: | سطر ١٩٦: | ||
بعبارى أخرى: إن الأمور الجزئية غير محدودة وتشمل أهم المسائل [[الدينية]] من قبيل: البحث عن [[وجود الله]]، وما إذا كان جسماً أم لا؟ وصفات [[الله]] وما إذا كانت متحدة مع الذات أم لا؟ ففي هذه المسائل التي تعد من الأركان الأساسية في [[العقيدة]] لم يدخل القرآن في بيان الأمور الجزئية، فكانت مورد اختلاف بين المتكلمين والمفسّرين، ولو كان لابد من خوض القرآن في الجزئيات لكان عليه بيان هذه الأمور الخلافية أيضاً، وفي هذه [[الصورة]] كنا سنواجه عشرات بل مئات المجلدات من [[المصاحف]] السماوية والقرآنية. | بعبارى أخرى: إن الأمور الجزئية غير محدودة وتشمل أهم المسائل [[الدينية]] من قبيل: البحث عن [[وجود الله]]، وما إذا كان جسماً أم لا؟ وصفات [[الله]] وما إذا كانت متحدة مع الذات أم لا؟ ففي هذه المسائل التي تعد من الأركان الأساسية في [[العقيدة]] لم يدخل القرآن في بيان الأمور الجزئية، فكانت مورد اختلاف بين المتكلمين والمفسّرين، ولو كان لابد من خوض القرآن في الجزئيات لكان عليه بيان هذه الأمور الخلافية أيضاً، وفي هذه [[الصورة]] كنا سنواجه عشرات بل مئات المجلدات من [[المصاحف]] السماوية والقرآنية. | ||
====المنع من [[تحريف]] القرآن==== | |||
إن من بين التبريرات المطروحة لتفسير عدم ذكر [[اسم الإمام علي]]{{ع}} في القرآن الكريم<ref>انظر: الإمام الخميني، كشف الأسرار، ص ١١٢ - ١١٤؛ نسب العلامة الحسيني الطهراني في كتابه (امام شناسي) هذا الرأي إلى العلامة الطباطبائي، حيث قال إنه سمع هذا الجواب من العلامة الطباطبائي عن سؤال بهذا الشان. (انظر: امام شناسي، ج١٣، ص ١٥٩). ومما جاء في ذلك عن الأستاذ الشهيد مرتضى مطهري أنه قال: (إن النبي الأكرم أو الله تبارك وتعالى لم يشأ طرح هذا المفهوم الذي تدخلت فيه الأهواء والرغبات النفسية بهذا الشكل) انظر: مرتضى مطهري، الأعمال الكاملة، ج ٤، ص ٩٠٥.</ref>، هي أن [[الإمام علي]]{{ع}} كان له كثير من المخالفين والأعداء الألداء والحاسدين الذين لا يتورعون عن ارتكاب أي موبقة من أجل طمس حقه واغتصاب [[الخلافة]] منه، وقد سبق أن أشرنا إلى أن [[الخليفة الثاني]] لم يتورع حتى عن نسبة الجنون والهجر إلى [[رسول الله]]{{صل}} - والعياذ بالله - عندما طلب منهم قرطاساً وقلماً ليكتب لهم كتاباً يضمن لهم [[الأمان]] من [[الضلال]] والانحراف؛ لمجرد أنه أحس أن [[النبي]] يريد أن يسمي علياً في وصيته. | |||
ومع هذا الاحتمال وسيادة المناخ المتشنج في صدر [[الإسلام]] لو ذكر [[اسم]] صلى [[الإمام علي]]{{ع}} في [[القرآن]]، لتعرض [[النبي الأكرم]]{{صل}} [[المثل]] الاتهام والإساءة التي تعرض لها في آخر لحظات حياته الشريفة، أو لتم السعي من قبل بعضهم إلى حذف [[الآية]] المتضمنة لذكر [[الاسم]]، وهذا سيؤدي بدوره إلى [[تحريف]] [[القرآن الكريم]]. وعليه لأجل الحفاظ على القرآن الكريم من [[التحريف]] لم يذكر [[الله]] [[اسم الإمام علي]]{{ع}} واكتفى بذكر [[الصفات]] التي لا تنطبق على غيره، كما اكتفى بالروايات [[النبوية]] ليجمع بذلك بين أصل [[الغاية]] والغرض من تعريف وتنصيب الإمام علي{{ع}} [[خليفة]] وإماماً على [[المسلمين]]، والمحافظة على القرآن الكريم من التحريف. | ومع هذا الاحتمال وسيادة المناخ المتشنج في صدر [[الإسلام]] لو ذكر [[اسم]] صلى [[الإمام علي]]{{ع}} في [[القرآن]]، لتعرض [[النبي الأكرم]]{{صل}} [[المثل]] الاتهام والإساءة التي تعرض لها في آخر لحظات حياته الشريفة، أو لتم السعي من قبل بعضهم إلى حذف [[الآية]] المتضمنة لذكر [[الاسم]]، وهذا سيؤدي بدوره إلى [[تحريف]] [[القرآن الكريم]]. وعليه لأجل الحفاظ على القرآن الكريم من [[التحريف]] لم يذكر [[الله]] [[اسم الإمام علي]]{{ع}} واكتفى بذكر [[الصفات]] التي لا تنطبق على غيره، كما اكتفى بالروايات [[النبوية]] ليجمع بذلك بين أصل [[الغاية]] والغرض من تعريف وتنصيب الإمام علي{{ع}} [[خليفة]] وإماماً على [[المسلمين]]، والمحافظة على القرآن الكريم من التحريف. | ||
====[[الوقاية]] من الآفات [[السياسية]] والأمنية==== | |||
المسألة الأخرى التی خطرت في ذهني هي أن [[الله سبحانه وتعالى]] قد تعمد عدم ذكر اسم [[الإمام]]{{ع}} بوصفه خليفة وإماماً وحاكماً بعد [[رحيل النبي الأكرم]]{{صل}}، وذلك لا على لكي يقوم الله من هذا الطريق بتمييز [[المؤمن]] الحقيقى من غيره وفصل الغث عن السمين، وإنما لأن الله يعلم بعلمه [[الأزلي]] أن بحث [[الحكومة]] والسياسة ساحة للنقاش والمنافسات، بل حتى [[الحروب]] السياسية الدامية. وعليه لو ذكر اسم الإمام علي{{ع}} بوصفه خليفة وإماماً بعد رسول الله{{صل}} في القرآن والوحي بشكل خاص وبوصفه أصلاً وركناً من أركان الإسلام، سوف يكون هناك اصطفاف بين جماعة تتذرّع بالدفاع عن [[الأصل]] [[القرآني]] وجماعة بمختلف الذرائع الأخرى من قبيل تفسير منزلة [[الإمامة]]، والخلافة، أو [[الاستيلاء]] على هرم [[الحكم]] والسلطة، ويحتدم [[النزاع]] بين الطرفين، ولا يخفى على أحد ما في ذلك من [[الخطر]] على [[شجرة]] الإسلام الفتية، بل قد يشكل ذلك تهديداً لأصل [[بقاء]] الإسلام. وقد تقدم أن ذكرنا في بداية الفصل السابق في بحث [[شبهة]] [[التكفير]] بعض مشاهد اتهام المتعصبين من [[أهل السنة]] للشيعة والعكس أيضاً بالكفر والخروج عن [[الإسلام]] والعمل على [[اغتيال]] وقتل بعضهم بعضاً، وقد رصد [[التاريخ]] المئات بل الآلاف من هذه المشاهد. في حين أن الإسلام والقرآن لا يتضمن أي بيان واختلاف لمن يخالف [[الإمام علي]]{{ع}} صراحة. فلو افترضنا وجود مثل هذا [[النص]] في [[القرآن]] فإن نسبة [[الصراع]] ستكون أكبر، ولأخذت وتيرة [[القتل]] والتكفير منحى تصاعدياً، وسوف يشكل هذا الأمر أكبر [[تهديد]] للإسلام والمسلمين ولمّا كان [[الهدف]] من [[الإمامة]] هو تعزيز الإسلام والقيادة، فإن ذكر [[اسم]] [[الإمام]] في القرآن سيكون نقضاً لهذا [[الغرض]]<ref>بعد تدوين هذا الجواب وجدته ضمن إجابة لسماحة الإمام الخميني(رحمه الله علیه). (انظر: كشف الأسرار، ص ١١٢ - ١١٤).</ref>. | |||
====أخذ [[مصلحة]] [[المسلمين]] بنظر [[الاعتبار]]==== | |||
المسألة الأخرى التي تبدو لنا هي أنه لو ذكر اسم الإمام علي{{ع}} في [[القرآن الكريم]] بوصفه أصلاً أو مفردة [[دينية]] على غرار المفردات والتعاليم [[الدينية]] الأخرى، من قبيل: [[النبوة]] والمعاد، أو [[الأحكام الفقهية]]، مثل: [[الصلاة]] والصوم، لكان إنكاره أو [[الشك]] فيه بمنزلة [[إنكار الله]] والنبي الأكرم{{صل}}، ولكان ذلك مساوقاً للكفر والإلحاد والارتداد، ولازم ذلك هو الخروج عن ربقة الإسلام والانحراف عن [[الصراط المستقيم]]. وعليه لو ذكر [[اسم الإمام علي]]{{ع}} في القرآن الكريم لتوسل المخالفون للإمام علي بمختلف أنواع السبل والحيل لإنكار وتكذيب هذا [[الأصل]]، ولعملوا على استقطاب كثير من [[الناس]] نحو أهدافهم، وهو أمر يؤدي إلى خروج الكثير من الناس عن الإسلام، ولا يخفى ما في ذلك من مخالفة للغاية والحكمة والرحمة [[الإلهية]]. | |||
من هنا يذهب علماء [[الشيعة]] إلى اعتبار الإمامة أصلاً من [[أصول]] [[المذهب]]، ولا يرونها أصلاً من [[أصول الدين]]، ولذلك لا يرون إخوتهم [[السنة]] بإنكارهم لأصل [[إمامة الإمام علي]]{{ع}} خارجين من [[الدين]]، وإنما خارجين من [[مذهب]] [[التشيع]] فقط<ref>لمزيد من التوضيح، انظر: محمد حسن قدردان قراملکي، کلام فلسفي، فصل الإمامة من أصول المذهب.</ref>. | من هنا يذهب علماء [[الشيعة]] إلى اعتبار الإمامة أصلاً من [[أصول]] [[المذهب]]، ولا يرونها أصلاً من [[أصول الدين]]، ولذلك لا يرون إخوتهم [[السنة]] بإنكارهم لأصل [[إمامة الإمام علي]]{{ع}} خارجين من [[الدين]]، وإنما خارجين من [[مذهب]] [[التشيع]] فقط<ref>لمزيد من التوضيح، انظر: محمد حسن قدردان قراملکي، کلام فلسفي، فصل الإمامة من أصول المذهب.</ref>. | ||
| سطر ٢١٠: | سطر ٢١٧: | ||
===نقد ورأي=== | ===نقد ورأي=== | ||
لقد سبق لعلماء [[الشيعة]] منذ مرحلة الإمامة أن ألفوا كتباً تفصيلية في [[إثبات]] [[تنصيب الإمام]] علي{{ع}} وإثبات إمامته وإمامة سائر [[الأئمة الأطهار]]{{عم}}، وقد سجل ذلك في المصادر المعتبرة. وفيما يأتي نشير - على سبيل المثال - إلى المؤلفات المفردة لأصحاب من أمثال: [[عيسى بن روضة]]، و[[ابن رئاب]]، و[[الخليل بن أحمد الفراهيدى]]، و[[مؤمن الطاق]]، و[[هشام بن الحكم]]<ref>انظر: ابن النديم، الفهرست، ص ١٧ و٣٦ و٥٧ و١٢٣ و٣٠٦ و٣٠٧؛ عبد الجبار الرفاعي، معجم ما كتب عن الرسول وأهل البيت، ج ٥، ص ١٣٤، ش ١١٩٧٤، وج ٩، ش ٢٣٣٦٢.</ref>. | لقد سبق لعلماء [[الشيعة]] منذ مرحلة الإمامة أن ألفوا كتباً تفصيلية في [[إثبات]] [[تنصيب الإمام]] علي{{ع}} وإثبات إمامته وإمامة سائر [[الأئمة الأطهار]]{{عم}}، وقد سجل ذلك في المصادر المعتبرة. وفيما يأتي نشير - على سبيل المثال - إلى المؤلفات المفردة لأصحاب من أمثال: [[عيسى بن روضة]]، و [[ابن رئاب]]، و [[الخليل بن أحمد الفراهيدى]]، و [[مؤمن الطاق]]، و [[هشام بن الحكم]]<ref>انظر: ابن النديم، الفهرست، ص ١٧ و٣٦ و٥٧ و١٢٣ و٣٠٦ و٣٠٧؛ عبد الجبار الرفاعي، معجم ما كتب عن الرسول وأهل البيت، ج ٥، ص ١٣٤، ش ١١٩٧٤، وج ٩، ش ٢٣٣٦٢.</ref>. | ||
وحيث يوجد كثير من المصادر في هذا الشأن فإننا سنكتفي بنقل [[الأدلة النقلية]] المثبتة لنظرية أصل التنصيب لدى الشيعة باختصار: | وحيث يوجد كثير من المصادر في هذا الشأن فإننا سنكتفي بنقل [[الأدلة النقلية]] المثبتة لنظرية أصل التنصيب لدى الشيعة باختصار: | ||
====[[أحاديث]] [[الخلافة]]==== | ====[[أحاديث]] [[الخلافة]]==== | ||
لقد كان النبي الأكرم{{صل}} في بداية رسالته يمارس [[الدعوة]] السرية إلى [[الإيمان بالله]] الواحد [[القهار]]، واستمر الأمر على سريته مدة ثلاث سنوات مكتفياً بدعوة أهله والأقربين من أفراد عشيرته. وفي [[الرواية]] الواردة في كتب [[الفريقين]] من الشيعة والسنة عن [[الإمام علي]]{{ع}}: {{نص حديث|لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ {{نص قرآني|وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}}<ref> سورة الشعراء، الآية ٢١٤.</ref> دَعَانِي رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ يَا عَلِيُّ إِنَّ اَللهَ أَمَرَنِي أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرَتِيَ اَلْأَقْرَبِينَ فَضِقْتُ بِذَلِكَ ذَرْعاً وَ عَرَفْتُ أَنِّي مَتَى أُبَادِئُهُمْ بِهَذَا اَلْأَمْرِ أَرَى مِنْهُمْ مَا أَكْرَهُ فَصَمَتُّ حَتَّى جَاءَنِي جَبْرَئِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ إِنْ لاَ تَفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ بِهِ يُعَذِّبْكَ رَبُّكَ فَاصْنَعْ لَنَا صَاعاً مِنْ طَعَامٍ وَ اِجْعَلْ عَلَيْهِ رِجْلَ شَاةٍ وَ اِمْلَأْ لَنَا عُسّاً مِنْ لَبَنٍ وَ اِجْمَعْ لِي بَنِي عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ حَتَّى أُعْلِمَهُمْ وَ أُبَلِّغَهُمْ مَا أُمِرْتُ بِهِ فَفَعَلْتُ مَا أَمَرَنِي بِهِ ثُمَّ دَعَوْتُهُمْ لَهُ وَ هُمْ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ رَجُلاً يَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ فِيهِمْ أَعْمَامُهُ أَبُو طَالِبٍ وَ حَمْزَةُ وَ اَلْعَبَّاسُ وَ أَبُو لَهَبٍ فَلَمَّا اِجْتَمَعُوا إِلَيْهِ دَعَا بِالطَّعَامِ اَلَّذِي صَنَعْتُ لَهُمْ فَجِئْنَا بِهِ فَلَمَّا وَضَعْتُهُ تَنَاوَلَ رَسُولُ اَللهِ جَذْرَةَ لَحْمٍ فَشَقَّهَا بِأَسْنَانِهِ ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي نَوَاحِي اَلصَّحْفَةِ ثُمَّ قَالَ خُذُوا بِسْمِ اَللهِ فَأَكَلَ اَلْقَوْمُ حَتَّى مَا لَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ حَاجَةٍ وَ لاَ أَرَى إِلاَّ مَوَاضِعَ أَيْدِيهِمْ وَ اَيْمُ اَلَّذِي نَفْسُ عَلِيٍّ بِيَدِهِ إِنْ كَانَ اَلرَّجُلُ اَلْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَيَأْكُلُ مِثْلَ مَا قَدَّمْتُ لِجَمِيعِهِمْ ثُمَّ قَالَ اِسْقِ اَلْقَوْمَ فَجِئْتُهُمْ بِذَلِكَ اَلْعُسِّ فَشَرِبُوا مِنْهُ حَتَّى رَوُوا جَمِيعاً وَ اَيْمُ اَللهِ إِنْ كَانَ اَلرَّجُلُ اَلْوَاحِدُ مِنْهُمْ يَشْرَبُ مِثْلَهُ فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ بَدَرَهُمْ أَبُو لَهَبٍ إِلَى اَلْكَلاَمِ فَقَالَ لَهَدَّ مَا سَحَرَكُمْ صَاحِبُكُمْ فَتَفَرَّقَ اَلْقَوْمُ وَ لَمْ يُكَلِّمْهُمُ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ اَلْغَدَ يَا عَلِيُّ إِنَّ هَذَا اَلرَّجُلَ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى مَا سَمِعْتَ فَتَفَرَّقَ اَلْقَوْمُ قَبْلَ أَنْ أُكَلِّمَهُمْ فَأَعِدَّ لَنَا مِنَ اَلطَّعَامِ مِثْلَ مَا صَنَعْتَ ثُمَّ اِجْمَعْهُمْ لِي فَفَعَلْتُ ثُمَّ جَمَعْتُهُمْ لَهُ ثُمَّ دَعَا بِالطَّعَامِ فَقَرَّبْتُهُ لَهُمْ فَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ بِالْأَمْسِ وَ أَكَلُوا حَتَّى مَا لَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ حَاجَةٍ ثُمَّ قَالَ اِسْقِهِمْ فَأَتَيْتُهُمْ بِذَلِكَ اَلْعُسِّ فَشَرِبُوا حَتَّى رَوُوا مِنْهُ جَمِيعاً ثُمَّ تَكَلَّمَ رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ يَا بَنِي عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ إِنِّي وَ اَللهِ مَا أَعْلَمُ شَابّاً فِي اَلْعَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بِأَفْضَلَ مِمَّا جِئْتُكُمْ بِهِ إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةِ وَ قَدْ أَمَرَنِيَ اَللهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَنْ أَدْعُوَكُمْ فَأَيُّكُمْ يُؤَازِرُنِي عَلَى أَمْرِي عَلَى أَنْ يَكُونَ أَخِي وَ وَصِيِّي وَ خَلِيفَتِي فِيكُمْ فَأَحْجَمَ اَلْقَوْمُ عَنْهَا جَمِيعاً قَالَ قُلْتُ وَ إِنِّي لَأَحْدَثُهُمْ سِنّاً وَ أَرْمَضُهُمْ عَيْناً وَ أَعْظَمُهُمْ بَطْناً وَ أَحْمَشُهُمْ سَاقاً قُلْتُ أَنَا يَا نَبِيَّ اَللهِ أَكُونُ وَزِيرَكَ عَلَيْهِ فَأَخَذَ بِرَقَبَتِي ثُمَّ قَالَ هَذَا أَخِي وَ وَصِيِّي وَ خَلِيفَتِي فِيكُمْ فَاسْمَعُوا لَهُ وَ أَطِيعُوا فَقَامَ اَلْقَوْمُ يَضْحَكُونَ وَ يَقُولُونَ لِأَبِي طَالِبٍ قَدْ أَمَرَكَ أَنْ تَسْمَعَ لِعَلِيٍّ وَ تُطِيعَ}}ref>الكامل في [[التاريخ]]، ج ٢، | لقد كان النبي الأكرم{{صل}} في بداية رسالته يمارس [[الدعوة]] السرية إلى [[الإيمان بالله]] الواحد [[القهار]]، واستمر الأمر على سريته مدة ثلاث سنوات مكتفياً بدعوة أهله والأقربين من أفراد عشيرته. وفي [[الرواية]] الواردة في كتب [[الفريقين]] من الشيعة والسنة عن [[الإمام علي]]{{ع}}: {{نص حديث|لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ {{نص قرآني|وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}}<ref> سورة الشعراء، الآية ٢١٤.</ref> دَعَانِي رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ يَا عَلِيُّ إِنَّ اَللهَ أَمَرَنِي أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرَتِيَ اَلْأَقْرَبِينَ فَضِقْتُ بِذَلِكَ ذَرْعاً وَ عَرَفْتُ أَنِّي مَتَى أُبَادِئُهُمْ بِهَذَا اَلْأَمْرِ أَرَى مِنْهُمْ مَا أَكْرَهُ فَصَمَتُّ حَتَّى جَاءَنِي جَبْرَئِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ إِنْ لاَ تَفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ بِهِ يُعَذِّبْكَ رَبُّكَ فَاصْنَعْ لَنَا صَاعاً مِنْ طَعَامٍ وَ اِجْعَلْ عَلَيْهِ رِجْلَ شَاةٍ وَ اِمْلَأْ لَنَا عُسّاً مِنْ لَبَنٍ وَ اِجْمَعْ لِي بَنِي عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ حَتَّى أُعْلِمَهُمْ وَ أُبَلِّغَهُمْ مَا أُمِرْتُ بِهِ فَفَعَلْتُ مَا أَمَرَنِي بِهِ ثُمَّ دَعَوْتُهُمْ لَهُ وَ هُمْ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ رَجُلاً يَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ فِيهِمْ أَعْمَامُهُ أَبُو طَالِبٍ وَ حَمْزَةُ وَ اَلْعَبَّاسُ وَ أَبُو لَهَبٍ فَلَمَّا اِجْتَمَعُوا إِلَيْهِ دَعَا بِالطَّعَامِ اَلَّذِي صَنَعْتُ لَهُمْ فَجِئْنَا بِهِ فَلَمَّا وَضَعْتُهُ تَنَاوَلَ رَسُولُ اَللهِ جَذْرَةَ لَحْمٍ فَشَقَّهَا بِأَسْنَانِهِ ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي نَوَاحِي اَلصَّحْفَةِ ثُمَّ قَالَ خُذُوا بِسْمِ اَللهِ فَأَكَلَ اَلْقَوْمُ حَتَّى مَا لَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ حَاجَةٍ وَ لاَ أَرَى إِلاَّ مَوَاضِعَ أَيْدِيهِمْ وَ اَيْمُ اَلَّذِي نَفْسُ عَلِيٍّ بِيَدِهِ إِنْ كَانَ اَلرَّجُلُ اَلْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَيَأْكُلُ مِثْلَ مَا قَدَّمْتُ لِجَمِيعِهِمْ ثُمَّ قَالَ اِسْقِ اَلْقَوْمَ فَجِئْتُهُمْ بِذَلِكَ اَلْعُسِّ فَشَرِبُوا مِنْهُ حَتَّى رَوُوا جَمِيعاً وَ اَيْمُ اَللهِ إِنْ كَانَ اَلرَّجُلُ اَلْوَاحِدُ مِنْهُمْ يَشْرَبُ مِثْلَهُ فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ بَدَرَهُمْ أَبُو لَهَبٍ إِلَى اَلْكَلاَمِ فَقَالَ لَهَدَّ مَا سَحَرَكُمْ صَاحِبُكُمْ فَتَفَرَّقَ اَلْقَوْمُ وَ لَمْ يُكَلِّمْهُمُ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ اَلْغَدَ يَا عَلِيُّ إِنَّ هَذَا اَلرَّجُلَ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى مَا سَمِعْتَ فَتَفَرَّقَ اَلْقَوْمُ قَبْلَ أَنْ أُكَلِّمَهُمْ فَأَعِدَّ لَنَا مِنَ اَلطَّعَامِ مِثْلَ مَا صَنَعْتَ ثُمَّ اِجْمَعْهُمْ لِي فَفَعَلْتُ ثُمَّ جَمَعْتُهُمْ لَهُ ثُمَّ دَعَا بِالطَّعَامِ فَقَرَّبْتُهُ لَهُمْ فَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ بِالْأَمْسِ وَ أَكَلُوا حَتَّى مَا لَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ حَاجَةٍ ثُمَّ قَالَ اِسْقِهِمْ فَأَتَيْتُهُمْ بِذَلِكَ اَلْعُسِّ فَشَرِبُوا حَتَّى رَوُوا مِنْهُ جَمِيعاً ثُمَّ تَكَلَّمَ رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ يَا بَنِي عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ إِنِّي وَ اَللهِ مَا أَعْلَمُ شَابّاً فِي اَلْعَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بِأَفْضَلَ مِمَّا جِئْتُكُمْ بِهِ إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةِ وَ قَدْ أَمَرَنِيَ اَللهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَنْ أَدْعُوَكُمْ فَأَيُّكُمْ يُؤَازِرُنِي عَلَى أَمْرِي عَلَى أَنْ يَكُونَ أَخِي وَ وَصِيِّي وَ خَلِيفَتِي فِيكُمْ فَأَحْجَمَ اَلْقَوْمُ عَنْهَا جَمِيعاً قَالَ قُلْتُ وَ إِنِّي لَأَحْدَثُهُمْ سِنّاً وَ أَرْمَضُهُمْ عَيْناً وَ أَعْظَمُهُمْ بَطْناً وَ أَحْمَشُهُمْ سَاقاً قُلْتُ أَنَا يَا نَبِيَّ اَللهِ أَكُونُ وَزِيرَكَ عَلَيْهِ فَأَخَذَ بِرَقَبَتِي ثُمَّ قَالَ هَذَا أَخِي وَ وَصِيِّي وَ خَلِيفَتِي فِيكُمْ فَاسْمَعُوا لَهُ وَ أَطِيعُوا فَقَامَ اَلْقَوْمُ يَضْحَكُونَ وَ يَقُولُونَ لِأَبِي طَالِبٍ قَدْ أَمَرَكَ أَنْ تَسْمَعَ لِعَلِيٍّ وَ تُطِيعَ}}<ref>الكامل في [[التاريخ]]، ج ٢، ص ٦٣؛ موسوعة [[الإمام علي]]، ج ٢، ص ٢٣.</ref> | ||
لا [[كلام]] في سند هذا الحديث، فجميع رواته ثقاة طبقاً لمذهب [[أهل السنة]]، باستثناء [[أبي مريم عبد الغفار]] حيث ضعفه بعض أهل السنة، | لا [[كلام]] في سند هذا الحديث، فجميع رواته ثقاة طبقاً لمذهب [[أهل السنة]]، باستثناء [[أبي مريم عبد الغفار]] حيث ضعفه بعض أهل السنة، أما الآخرون من أهل السنة فقد مدحوه<ref>انظر: لسان الميزان، ج ٤، ص ٤٣.</ref>. | ||
كما أن [[دلالة]] [[نص]] الحديث ومتنه واضحة أيضاً، وفيما يأتي نشير إلى بعض المسائل في هذا الشأن: | كما أن [[دلالة]] [[نص]] الحديث ومتنه واضحة أيضاً، وفيما يأتي نشير إلى بعض المسائل في هذا الشأن: | ||
| سطر ٢٢٥: | سطر ٢٣٢: | ||
=====التصريح بخلافة الإمام علي{{ع}}===== | =====التصريح بخلافة الإمام علي{{ع}}===== | ||
لقد عمد [[النبي الأكرم]]{{صل}} طوال حياته [[المباركة]] إلى التصريح مراراً بخلافة الإمام علي{{ع}}، وفيما يأتي نشير إلى بعض هذه الموارد: عن [[عبد الله بن مسعود]] قال: «استتبعني [[رسول الله]]{{صل}} ليلة [[الجن]] فانطلقت معه حتى بلغنا أعلى [[مكة]] فخط علي خطة وقال: لا تبرح ثم انصاع في أجبال فرأيت الرجال ينحدرون عليه من رؤوس الجبال حتى حالوا بيني وبينه فاخترطت [[السيف]] وقلت لأضر بن حتى استنقذ رسول الله{{صل}} ثم ذكرت قوله: لا تبرح آتيك قال: فلم أزل كذلك حتى أمنا [[الفجر]] فجاء [[النبي]]{{صل}} وأنا قائم فقال كما زلت على حالك؟ قلت: لو لبثت شهراً ما برحت حتى تأتيني ثم أخبرته بما أردت أن أصنع فقال: لو خرجت ما التقيت أنا ولا أنت إلى [[يوم القيامة]] ثم شبك أصابعه في أصابعي فقال: إني وعدت أن يؤمن بي الجن والإنس، فأما [[الإنس]] فقد آمنت بي وأما الجن فقد رأيت قال وما أظن أجلي إلا قد اقترب قلت: يارسول [[الله]] ألا تستخلف أبا بكر؟ فأعرض عني فرأيت أنه لم يوافقه، قلت: يا رسول الله ألا تستخلف [[عمر]]؟ فأعرض عنى فرأيت أنه لم يوافقه، قلت: يا رسول الله ألا تستخلف | لقد عمد [[النبي الأكرم]]{{صل}} طوال حياته [[المباركة]] إلى التصريح مراراً بخلافة الإمام علي{{ع}}، وفيما يأتي نشير إلى بعض هذه الموارد: عن [[عبد الله بن مسعود]] قال: «استتبعني [[رسول الله]]{{صل}} ليلة [[الجن]] فانطلقت معه حتى بلغنا أعلى [[مكة]] فخط علي خطة وقال: لا تبرح ثم انصاع في أجبال فرأيت الرجال ينحدرون عليه من رؤوس الجبال حتى حالوا بيني وبينه فاخترطت [[السيف]] وقلت لأضر بن حتى استنقذ رسول الله{{صل}} ثم ذكرت قوله: لا تبرح آتيك قال: فلم أزل كذلك حتى أمنا [[الفجر]] فجاء [[النبي]]{{صل}} وأنا قائم فقال كما زلت على حالك؟ قلت: لو لبثت شهراً ما برحت حتى تأتيني ثم أخبرته بما أردت أن أصنع فقال: لو خرجت ما التقيت أنا ولا أنت إلى [[يوم القيامة]] ثم شبك أصابعه في أصابعي فقال: إني وعدت أن يؤمن بي الجن والإنس، فأما [[الإنس]] فقد آمنت بي وأما الجن فقد رأيت قال وما أظن أجلي إلا قد اقترب قلت: يارسول [[الله]] ألا تستخلف أبا بكر؟ فأعرض عني فرأيت أنه لم يوافقه، قلت: يا رسول الله ألا تستخلف [[عمر]]؟ فأعرض عنى فرأيت أنه لم يوافقه، قلت: يا رسول الله ألا تستخلف علي؟ قال: ذاك والذي لا [[إله]] غيره لو بايعتموه وأطعتموه أدخلكم [[الجنة]] أكتعين»<ref>المعجم الكبير، ج ١٠، ص ٦٧، ش ٩٩٦٩ و٩٩٧٠؛موسوعة الإمام علي، ج ٢، ص ١٣٨؛ تاريخ مدينة دمشق، ج ٤٢، ص ٤٢١ ؛ فرائد السمطين، ج ١، ص ٢٧٣؛ البداية والنهاية، ج ٧، ص ٣٦١.</ref>. | ||
وقال النبي الأكرم{{صل}}: {{نص حديث|لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى اَلسَّمَاءِ ثُمَّ مِنَ اَلسَّمَاءِ إِلَى سِدْرَةِ اَلْمُنْتَهَى وَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ فَقَالَ لِي يَا مُحَمَّدُ قُلْتُ لَبَّيْكَ وَ سَعْدَيْكَ فَقَالَ قَدْ بَلَوْتُ خَلْقِي فَأَيَّهُمْ وَجَدْتَ أَطْوَعَ لَكَ قَالَ قُلْتُ رَبِّ عَلِيّاً قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَهَلِ اِتَّخَذْتَ لِنَفْسِكَ خَلِيفَةً يُؤَدِّي عَنْكَ وَ يُعَلِّمُ عِبَادِي مِنْ كِتَابِي مَا لاَ يَعْلَمُونَ قَالَ قُلْتُ اِخْتَرْ لِي فَإِنَّ خِيَرَتَكَ خِيَرَتِي قَالَ قَدِ اِخْتَرْتُ لَكَ عَلِيّاً فَاتَّخِذْهُ لِنَفْسِكَ خَلِيفَةً وَ وَصِيّاً}}<ref>مناقب الخوارزمي، ص ٣٠٣، ش ٢٩٩ ؛ فرائد السمطين، ج ١، ص ٢٦٨، ش ٢١٠.</ref>. | وقال النبي الأكرم{{صل}}: {{نص حديث|لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى اَلسَّمَاءِ ثُمَّ مِنَ اَلسَّمَاءِ إِلَى سِدْرَةِ اَلْمُنْتَهَى وَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ فَقَالَ لِي يَا مُحَمَّدُ قُلْتُ لَبَّيْكَ وَ سَعْدَيْكَ فَقَالَ قَدْ بَلَوْتُ خَلْقِي فَأَيَّهُمْ وَجَدْتَ أَطْوَعَ لَكَ قَالَ قُلْتُ رَبِّ عَلِيّاً قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَهَلِ اِتَّخَذْتَ لِنَفْسِكَ خَلِيفَةً يُؤَدِّي عَنْكَ وَ يُعَلِّمُ عِبَادِي مِنْ كِتَابِي مَا لاَ يَعْلَمُونَ قَالَ قُلْتُ اِخْتَرْ لِي فَإِنَّ خِيَرَتَكَ خِيَرَتِي قَالَ قَدِ اِخْتَرْتُ لَكَ عَلِيّاً فَاتَّخِذْهُ لِنَفْسِكَ خَلِيفَةً وَ وَصِيّاً}}<ref>مناقب الخوارزمي، ص ٣٠٣، ش ٢٩٩ ؛ فرائد السمطين، ج ١، ص ٢٦٨، ش ٢١٠.</ref>. | ||
| سطر ٢٤٨: | سطر ٢٥٥: | ||
كما ورد هذا النوع من [[الأحاديث]] في المصادر [[الشيعية]] بكثرة<ref>انظر: فضائل ابن شاذان، ص ١١٣.</ref>. | كما ورد هذا النوع من [[الأحاديث]] في المصادر [[الشيعية]] بكثرة<ref>انظر: فضائل ابن شاذان، ص ١١٣.</ref>. | ||
وفي بعض المواطن يذكر النبي الأكرم [[الإمام]] | وفي بعض المواطن يذكر النبي الأكرم [[الإمام علي]]{{ع}} بوصفه وزيراً له وإماماً للمسلمين من بعده، وينسب ذلك إلى [[الله سبحانه وتعالى]]، ومن ذلك قوله: {{نص حديث|يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّ اَللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَنْصِبَ لَكُمْ إِمَاماً وَ وَصِيّاً يَكُونُ وَصِيَّ نَبِيِّكُمْ فِيكُمْ وَ خَلِيفَتِي فِي أُمَّتِي وَ فِي أَهْلِ بَيْتِي مِنْ بَعْدِي... يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنِّي قَدْ أَعْلَمْتُكُمْ مَفْزَعَكُمْ وَ إِمَامَكُمْ بَعْدِي وَ دَلِيلَكُمْ وَ هَادِيَكُمْ وَ هُوَ أَخِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ}}<ref>النعماني، غيبة النعماني، ص ٧١؛ كمال الدين وإتمام النعمة، ص ٢٧٧.</ref>. | ||
لقد استعمل [[رسول الله]]{{صل}} في هذه [[الرواية]] عنوان «[[الخليفة]]» و«[[الإمام]]» و«[[الولي]]» و«[[الهادي]]» في وصف خليفته، وهي تدل بأجمعها على [[المرجعية العلمية]] والسياسية والمعنوية للإمام{{ع}}. | لقد استعمل [[رسول الله]]{{صل}} في هذه [[الرواية]] عنوان «[[الخليفة]]» و«[[الإمام]]» و«[[الولي]]» و«[[الهادي]]» في وصف خليفته، وهي تدل بأجمعها على [[المرجعية العلمية]] والسياسية والمعنوية للإمام{{ع}}. | ||
| سطر ٢٦٦: | سطر ٢٧٣: | ||
فيما يتعلق بتفسير كلمة «المولى» يجب القول: إن هذه [[الكلمة]] وإن كانت ذات معاني كثيرة ومختلفة، إلا أننا إذا أخذنا القرائن الآتية بنظر [[الاعتبار]] فسوف ندرك أنها في هذا الحديث تعنى [[الإمامة]] والحكومة حصراً: | فيما يتعلق بتفسير كلمة «المولى» يجب القول: إن هذه [[الكلمة]] وإن كانت ذات معاني كثيرة ومختلفة، إلا أننا إذا أخذنا القرائن الآتية بنظر [[الاعتبار]] فسوف ندرك أنها في هذا الحديث تعنى [[الإمامة]] والحكومة حصراً: | ||
#مفردة «الأولى»: لقد عمد [[النبي الأكرم]]{{صل}} نفسه قبل وصف [[الإمام]] | #مفردة «الأولى»: لقد عمد [[النبي الأكرم]]{{صل}} نفسه قبل وصف [[الإمام علي]]{{ع}} بالمولى، إلى تفسير المولى بقوله هو: «الأولى بالمؤمنين من أنفسهم»<ref>انظر: الغدير، ج ١، ص ٦٥١ ؛ تاریخ ابن خلدون، ج ٢، ص ٤٨١ ؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج ٧، ص ٤ - ٣٧١.</ref>. وإن هذه الأولية لا تعني [[النصرة]] أو [[المحبة]]، بل تعني تقدّم المولّى وسلطته على المولّى عليه بحيث يكون المولى أحق بالمولى عليه من نفسه؛ وهو أمر يعنى أن مولوية [[الإمام علي]]{{ع}} تعني أنه أولى من المؤمنين في كل شيء، بل هو أولى بهم حتى فيما يتعلق بأنفسهم. | ||
#[[خشية]] [[النبي]] من إبلاغ الأمر: طبقاً لروايات [[الفريقين]] فإن النبي الأكرم{{صل}} كان قد أمره [[الوحي]] [[الإلهي]] بإبلاغ أمر استدعى خوفه وخشيته من إبلاغه، ولما أبطأ في إبلاغه لذلك، أنزل [[الله]] عليه قوله: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٦٧.</ref>. وهكذا أكد له [[الوحي]] أنه سيكون في مأمن من إساءة المخالفين، وأن عدم إبلاغه ذلك الأمر الخاص مهما كانت الأسباب يساوق عدم إبلاغ [[الرسالة]] [[الإلهية]] برمتها، وقد أجمع [[العلماء]] من [[الفريقين]] أن هذه [[الآية]] نزلت في سياق [[غدير خم]]<ref>انظر: تاريخ مدينة دمشق، ج ٤٢، ص ٢١٣ - ٢٣٧ ؛ أسباب نزول القرآن، ص ٢٠٣؛ شواهد التنزيل، ج ١، ص ٢٤٨-٢٥٤؛كنزل العمال، ج ١٣، ص ١٤٠، ش ٣٦٤٤١.</ref>. واضح أنه لو كان مراد الآية من إبلاغ الرسالة الإلهية مجرد إضمار [[المحبة]] للإمام علي{{ع}} أو اعتباره مجرد ناصر، لا يستدعي [[خوف]] [[النبي الأكرم]]{{صل}} ولن يكون عدم إبلاغ مثل هذا الأمر مساوقاً لعدم إبلاغ [[الرسالة الإسلامية]] أصلاً؛ إذن لابد من أن يكون المراد أمراً أكبر من مجرد محبّة [[الإمام علي]]{{ع}}، ويجب أن يكون ذلك الأمر هو إمامته، ومن الطبيعي أن يكون هناك خوف من هذه الناحية؛ إذ كان من الوارد أن يثقل هذا [[البلاغ]] على بعض [[المسلمين]] لمختلف السباب، من قبيل الأسباب القبلية والثأرية، واعتبار الإمام علي صغير السن، وأنه قد [[قتل]] بعض [[المقربين]] من هؤلاء المسلمين في صدر [[الإسلام]]. ومن شأن هذه الأسباب أن تزعزع [[وحدة]] المسلمين وتلاحمهم. | #[[خشية]] [[النبي]] من إبلاغ الأمر: طبقاً لروايات [[الفريقين]] فإن النبي الأكرم{{صل}} كان قد أمره [[الوحي]] [[الإلهي]] بإبلاغ أمر استدعى خوفه وخشيته من إبلاغه، ولما أبطأ في إبلاغه لذلك، أنزل [[الله]] عليه قوله: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٦٧.</ref>. وهكذا أكد له [[الوحي]] أنه سيكون في مأمن من إساءة المخالفين، وأن عدم إبلاغه ذلك الأمر الخاص مهما كانت الأسباب يساوق عدم إبلاغ [[الرسالة]] [[الإلهية]] برمتها، وقد أجمع [[العلماء]] من [[الفريقين]] أن هذه [[الآية]] نزلت في سياق [[غدير خم]]<ref>انظر: تاريخ مدينة دمشق، ج ٤٢، ص ٢١٣ - ٢٣٧ ؛ أسباب نزول القرآن، ص ٢٠٣؛ شواهد التنزيل، ج ١، ص ٢٤٨-٢٥٤؛كنزل العمال، ج ١٣، ص ١٤٠، ش ٣٦٤٤١.</ref>. واضح أنه لو كان مراد الآية من إبلاغ الرسالة الإلهية مجرد إضمار [[المحبة]] للإمام علي{{ع}} أو اعتباره مجرد ناصر، لا يستدعي [[خوف]] [[النبي الأكرم]]{{صل}} ولن يكون عدم إبلاغ مثل هذا الأمر مساوقاً لعدم إبلاغ [[الرسالة الإسلامية]] أصلاً؛ إذن لابد من أن يكون المراد أمراً أكبر من مجرد محبّة [[الإمام علي]]{{ع}}، ويجب أن يكون ذلك الأمر هو إمامته، ومن الطبيعي أن يكون هناك خوف من هذه الناحية؛ إذ كان من الوارد أن يثقل هذا [[البلاغ]] على بعض [[المسلمين]] لمختلف السباب، من قبيل الأسباب القبلية والثأرية، واعتبار الإمام علي صغير السن، وأنه قد [[قتل]] بعض [[المقربين]] من هؤلاء المسلمين في صدر [[الإسلام]]. ومن شأن هذه الأسباب أن تزعزع [[وحدة]] المسلمين وتلاحمهم. | ||
#يأس [[الكفار]] وإكمال [[الدين]]: القرينة الثالثة على تفسير «[[المولى]]» بالإمام، الآية التي نزلت بعد إبلاغ [[الرسول]]{{صل}} ما أنزل عليه من ربه، وهي قوله تعالى: {{نص قرآني|الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً}}<ref> سورة المائدة، الآية ٣.</ref>. طبقاً لرواية [[المفسرين]] من [[أهل السنة]]<ref>انظر: تفسير الدر المنثور، ج ٣،ص ١٩؛تاريخ مدينة دمشق، ج٤٢، ص ٢٣٤ - ٢٣٧؛ تاریخ بغداد، ج ٨، ص ٢٩٠؛ شواهد التنزيل، ج ١، ص ٢٠٠؛ مناقب الخوارزمي، ص ١٥٦.</ref> والشيعة كان نزول هذه [[الآية الشريفة]] بعد حادثة [[غدير خم]]، وتنصيب [[الإمام علي]]{{ع}} في مقام [[الولاية]]، حيث اعتبر [[الله]] هذا اليوم يوم يأس [[الكفار]] من [[القضاء]] على [[الدين الإسلامي]]، كما اعتبر هذا اليوم يوم إكمال [[الإسلام]] وإتمام [[النعمة]] ورضا الله باختيار [[الناس]] للإسلام بوصفه ديناً وشريعة للمسلمين. واضح أن [[الآية]] لم تكن بصدد نصح الناس بمجرد حبّ الإمام علي{{ع}}، إذ أولاً: إن هذا الأمر كان صادراً في مواطن سابقة بما فيه الكفاية. وثانياً: لا ملازمة بين الأمر بمحبة [[الإمام]] وبين [[إكمال الدين وإتمام النعمة]] ويأس الكفار، بل يتضح من نتيجة إبلاغ نداء الغدير (إكمال الدين وإتمام النعمة والرضا بالإسلام) أن وهو أمر تم إبلاغه في غدير خم كان أمراً في غاية الأهمية والخطورة ويلعب دوراً محورياً في مجمل حركة الإسلام، ولا يمكن أن يكون ذلك مجرد الأمر بمحبة الإمام علي، بل هو القول بإمامته ومرجعيته العلمية والدينية وممارسة [[الحكم]] والسلطة على جميع [[المسلمين]]. | #يأس [[الكفار]] وإكمال [[الدين]]: القرينة الثالثة على تفسير «[[المولى]]» بالإمام، الآية التي نزلت بعد إبلاغ [[الرسول]]{{صل}} ما أنزل عليه من ربه، وهي قوله تعالى: {{نص قرآني|الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً}}<ref> سورة المائدة، الآية ٣.</ref>. طبقاً لرواية [[المفسرين]] من [[أهل السنة]]<ref>انظر: تفسير الدر المنثور، ج ٣،ص ١٩؛تاريخ مدينة دمشق، ج٤٢، ص ٢٣٤ - ٢٣٧؛ تاریخ بغداد، ج ٨، ص ٢٩٠؛ شواهد التنزيل، ج ١، ص ٢٠٠؛ مناقب الخوارزمي، ص ١٥٦.</ref> والشيعة كان نزول هذه [[الآية الشريفة]] بعد حادثة [[غدير خم]]، وتنصيب [[الإمام علي]]{{ع}} في مقام [[الولاية]]، حيث اعتبر [[الله]] هذا اليوم يوم يأس [[الكفار]] من [[القضاء]] على [[الدين الإسلامي]]، كما اعتبر هذا اليوم يوم إكمال [[الإسلام]] وإتمام [[النعمة]] ورضا الله باختيار [[الناس]] للإسلام بوصفه ديناً وشريعة للمسلمين. واضح أن [[الآية]] لم تكن بصدد نصح الناس بمجرد حبّ الإمام علي{{ع}}، إذ أولاً: إن هذا الأمر كان صادراً في مواطن سابقة بما فيه الكفاية. وثانياً: لا ملازمة بين الأمر بمحبة [[الإمام]] وبين [[إكمال الدين وإتمام النعمة]] ويأس الكفار، بل يتضح من نتيجة إبلاغ نداء الغدير (إكمال الدين وإتمام النعمة والرضا بالإسلام) أن وهو أمر تم إبلاغه في غدير خم كان أمراً في غاية الأهمية والخطورة ويلعب دوراً محورياً في مجمل حركة الإسلام، ولا يمكن أن يكون ذلك مجرد الأمر بمحبة الإمام علي، بل هو القول بإمامته ومرجعيته العلمية والدينية وممارسة [[الحكم]] والسلطة على جميع [[المسلمين]]. | ||
#مبادرة وجوه [[القوم]] إلى تهنئة الإمام علي{{ع}}: القرينة الأخرى على ذلك ما قام به كبار [[الصحابة]] والشخصيات [[السياسية]] والاجتماعية بعد إبلاغ [[النبي الأكرم]] لذلك [[الأمر الإلهي]] الخاص بالتهنئة والتبريك للإمام علي{{ع}}. فهاهو [[عمر بن الخطاب]] بعد فراغ [[النبي]] من خطبته يتقدم للإمام علي قائلاً: «هنيئاً يا ابن [[أبي طالب]].. أصبحت وأمسيت [[مولى]] كل [[مؤمن]] ومؤمنة»<ref>مسند أحمد بن حنبل، ج ٦، ص ٤٠١؛ ابن حنبل، فضائل الصحابة، ج ٢، ص ٥٩٦؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج ٧، ص ٤-٣٧١؛تاريخ مدينة دمشق، ج٤٢،ص ٢٢٠؛ الغدير، ج ١، ص ٥٠٨.</ref>. وفي بعض [[الروايات]] أضيفت عبارة «بخ بخ لمستهل عبارة عمر بن الخطاب، وهي تدل على [[المبالغة]] في [[الفخر]] والاعتزاز<ref>انظر: النهاية، ج ١، ص ١٠١.</ref>. فهل كان هناك من داع لكل هذه المبالغة من وجوه القوم في تهنئة الإمام علي{{ع}} إذا كان الأمر مجرد الأمر بالمحبة والنصرة؟! وهل كان مراد [[عمر]] من [[المولى]] في قوله: «هنيئاً يا ابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة» مجرد [[المحبّة]]، أم أنها إشارة إلى [[مقام الإمامة]] والخلافة التى تم الإعلان عنها والمصادقة عليها من قبل [[النبي الأكرم]]{{صل}} في [[غدير خم]]؟ | #مبادرة وجوه [[القوم]] إلى تهنئة الإمام علي{{ع}}: القرينة الأخرى على ذلك ما قام به كبار [[الصحابة]] والشخصيات [[السياسية]] والاجتماعية بعد إبلاغ [[النبي الأكرم]] لذلك [[الأمر الإلهي]] الخاص بالتهنئة والتبريك للإمام علي{{ع}}. فهاهو [[عمر بن الخطاب]] بعد فراغ [[النبي]] من خطبته يتقدم للإمام علي قائلاً: «هنيئاً يا ابن [[أبي طالب]].. أصبحت وأمسيت [[مولى]] كل [[مؤمن]] ومؤمنة»<ref>مسند أحمد بن حنبل، ج ٦، ص ٤٠١؛ ابن حنبل، فضائل الصحابة، ج ٢، ص ٥٩٦؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج ٧، ص ٤-٣٧١؛تاريخ مدينة دمشق، ج٤٢،ص ٢٢٠؛ الغدير، ج ١، ص ٥٠٨.</ref>. وفي بعض [[الروايات]] أضيفت عبارة «بخ بخ لمستهل عبارة عمر بن الخطاب، وهي تدل على [[المبالغة]] في [[الفخر]] والاعتزاز<ref>انظر: النهاية، ج ١، ص ١٠١.</ref>. فهل كان هناك من داع لكل هذه المبالغة من وجوه القوم في تهنئة الإمام علي{{ع}} إذا كان الأمر مجرد الأمر بالمحبة والنصرة؟! وهل كان مراد [[عمر]] من [[المولى]] في قوله: «هنيئاً يا ابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة» مجرد [[المحبّة]]، أم أنها إشارة إلى [[مقام الإمامة]] والخلافة التى تم الإعلان عنها والمصادقة عليها من قبل [[النبي الأكرم]]{{صل}} في [[غدير خم]]؟ | ||
#ذهب بعض علماء [[أهل السنة]]، من أمثال: [[ابن الجوزى]] و[[الحافظ أبو الفرج يحيى الثقفي]]، إلى الاعتراف بأن «[[المولى]]» يعني الأولى بالتصرف<ref>انظر: ابن الجوزي، تذكرة الخواص، ص ٣٧، تقديم: السيد محمد صادق بحر العلوم.</ref>. | #ذهب بعض علماء [[أهل السنة]]، من أمثال: [[ابن الجوزى]] و [[الحافظ أبو الفرج يحيى الثقفي]]، إلى الاعتراف بأن «[[المولى]]» يعني الأولى بالتصرف<ref>انظر: ابن الجوزي، تذكرة الخواص، ص ٣٧، تقديم: السيد محمد صادق بحر العلوم.</ref>. | ||
#عبارة «بعدي»: تشتمل بعض نصوص [[حديث الغدير]] في روايات أهل السنة على كلمة (بعدي»: «من كنت مولاه فإن | #عبارة «بعدي»: تشتمل بعض نصوص [[حديث الغدير]] في روايات أهل السنة على كلمة (بعدي»: «من كنت مولاه فإن علي بعدي مولاه مولاه»<ref>ابن كثير، البداية والنهاية، ج ٧، ص ٣٤٩؛ خلاصة عبقات الأنوار، ج ٩، ص ٩٣.</ref>. | ||
#فهم [[الحضور]] والشعراء: القرينة الأخرى قرينة أدبية؛ حيث كان بإمكان الحاضرين في يوم الغدير أن يدركوا المعنى الحقيقي من [[كلام النبي الأكرم]]، وكان من بين الحاضرين [[الشاعر]] المعروف [[حسان بن ثابت]]، وقد طلب من | #فهم [[الحضور]] والشعراء: القرينة الأخرى قرينة أدبية؛ حيث كان بإمكان الحاضرين في يوم الغدير أن يدركوا المعنى الحقيقي من [[كلام النبي الأكرم]]، وكان من بين الحاضرين [[الشاعر]] المعروف [[حسان بن ثابت]]، وقد طلب من النبي الأكرم{{صل}} بعد الفراغ من خطبته أن يقول شعراً في المناسبة؛ فأذن له النبي فقال قصيدة، نذكر منها البيتين الآتيين: | ||
{{بداية قصيدة}} | {{بداية قصيدة}} | ||
{{بيت|إلهك مولانا وأنت نبينا|ولم تلق منا في الولاية عاصيا}} | {{بيت|إلهك مولانا وأنت نبينا|ولم تلق منا في الولاية عاصيا}} | ||
| سطر ٢٨٠: | سطر ٢٨٧: | ||
{{نهاية قصيدة}} | {{نهاية قصيدة}} | ||
إن [[حسّان بن ثابت]] فى شعره هذا لا يعتبر [[الإمام]] | إن [[حسّان بن ثابت]] فى شعره هذا لا يعتبر [[الإمام علي]]{{ع}} بوصفه شخصاً يستحق الحب فقط، بل يصفه بأنه [[إمام]] وهاد، وقد قرأ شعره هذه بحضور النبي الأكرم وجميع [[الصحابة]]، من دون أن يصدر عنهم أي [[اعتراض]] على مضمون شعره<ref>يستعمل المولى في اللغة العربية غالباً بمعنى الأولى بالتصرف، وقد استشهد العلامة الطهراني لذلك بالمصادر الأدبية في عصر الإسلام من قبيل المعلقات السبعة (انظر: امام شناسي، ج ٧، ص ٢٤٢ - ٣٩٣).</ref>. | ||
ومن القرائن الأخرى التي تعدُّ من أقوى القرائن وأكثرها اعتباراً فهم [[الإمام علي]]{{ع}} نفسه وتفسيره، حيث فسر حديث الغدير بأنه ناظر إلى إمامته وحكومته، وكان يتمسك بعد [[رحيل النبي الأكرم]]{{صل}} بهذا الحديث للاستدلال على أحقيته بالخلافة والحكم، ولم ينكر الخصوم عليه [[دلالة]] هذا الحديث على [[الإمامة]] والخلافة. وسيأتي تفصيل [[الأحاديث]] والاحتجاجات التي احتج بها [[الإمام علي]] على أصل تنصيبه في الصفحات القادمة في معرض نقد [[الشبهة]] القائلة بعدم تمسك الإمام علي{{ع}} بأصل [[التنصيب]]. | ومن القرائن الأخرى التي تعدُّ من أقوى القرائن وأكثرها اعتباراً فهم [[الإمام علي]]{{ع}} نفسه وتفسيره، حيث فسر حديث الغدير بأنه ناظر إلى إمامته وحكومته، وكان يتمسك بعد [[رحيل النبي الأكرم]]{{صل}} بهذا الحديث للاستدلال على أحقيته بالخلافة والحكم، ولم ينكر الخصوم عليه [[دلالة]] هذا الحديث على [[الإمامة]] والخلافة. وسيأتي تفصيل [[الأحاديث]] والاحتجاجات التي احتج بها [[الإمام علي]] على أصل تنصيبه في الصفحات القادمة في معرض نقد [[الشبهة]] القائلة بعدم تمسك الإمام علي{{ع}} بأصل [[التنصيب]]. | ||
| سطر ٢٨٧: | سطر ٢٩٤: | ||
وقد ذكر المحققون من أمثال [[العلامة الأميني]] قرائن وشواهد كثيرة على [[دلالة]] [[حديث الغدير]] على خلاف مدعى الشبهة، وعليه فإننا نحيل القارئ [[الكريم]] إلى موسوعة الغدير القيمة<ref>انظر: الغدير، ج ١، ص ٦٥٠، حيث ساق هناك عشرين شاهداً على دلالة الحديث على الإمامة والولاية والخلافة.</ref>. | وقد ذكر المحققون من أمثال [[العلامة الأميني]] قرائن وشواهد كثيرة على [[دلالة]] [[حديث الغدير]] على خلاف مدعى الشبهة، وعليه فإننا نحيل القارئ [[الكريم]] إلى موسوعة الغدير القيمة<ref>انظر: الغدير، ج ١، ص ٦٥٠، حيث ساق هناك عشرين شاهداً على دلالة الحديث على الإمامة والولاية والخلافة.</ref>. | ||
====[[أحاديث]] [[المنزلة]]==== | ====[[أحاديث]] [[المنزلة]]==== | ||
في واقعة [[تبوك]] قام [[النبي الأكرم]]{{صل}} بتعيين الإمام علي{{ع}} [[خليفة]] له على [[المدينة المنورة]]، وتوجّه هو إلى [[القتال]] بسائر [[المسلمين]]؛ فاغتنم [[المنافقون]] هذا الأمر لتشويه [[شخصية الإمام علي]]{{ع}} غامزين من قناة أن النبي لم يُشركه في جيشه. فسارع الإمام علي بعد [[سماع]] هذا الإرجاف إلى إيصال نفسه إلى [[جيش]] النبي وسأله الموافقة على انضمامه إلى [[الجيش]] وعدم إبقائه في [[المدينة]]، إلا أن النبي الأكرم [[كذب]] مقالة [[المنافقين]]، وأضاف قائلاً: | في واقعة [[تبوك]] قام [[النبي الأكرم]]{{صل}} بتعيين الإمام علي{{ع}} [[خليفة]] له على [[المدينة المنورة]]، وتوجّه هو إلى [[القتال]] بسائر [[المسلمين]]؛ فاغتنم [[المنافقون]] هذا الأمر لتشويه [[شخصية الإمام علي]]{{ع}} غامزين من قناة أن النبي لم يُشركه في جيشه. فسارع الإمام علي بعد [[سماع]] هذا الإرجاف إلى إيصال نفسه إلى [[جيش]] النبي وسأله الموافقة على انضمامه إلى [[الجيش]] وعدم إبقائه في [[المدينة]]، إلا أن النبي الأكرم [[كذب]] مقالة [[المنافقين]]، وأضاف قائلاً: {{نص حديث|أَ مَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي}}<ref>صحيح البخاري، ج ٣، ص ١٣٥٩، وج ٤، ص ١٦٠٢؛ صحيح مسلم، ج ٤، ص ١٨٧١؛ مسند أحمد بن حنبل، ج ١، ص ١٧٠ فما بعد. وإذا قام القارئ ببحث عن عبارة (بمنزلة هارون) في برنامج المكتبة الإلكترونية (المكتبة الإسلامية الكبرى الشاملة) انتاج العربية السعودية، فسوف يعثر على ما يزيد على الستمئة مورد بهذا الشأن في مصادر أهل السنة المعتبرة.</ref>. | ||
وبذلك يكون النبي الأكرم{{صل}} قد جعل الإمام علي{{ع}} منه بمنزلة [[هارون]] من [[موسى]] في كل الأمور ولم يستثن من ذلك إلا [[النبوة]]. وأما منزلة هارون من موسى فيبينها قوله تعالى: {{نص قرآني|وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي}}<ref> سورة طه، الآية ٢٩-٣٢.</ref>. | وبذلك يكون النبي الأكرم{{صل}} قد جعل الإمام علي{{ع}} منه بمنزلة [[هارون]] من [[موسى]] في كل الأمور ولم يستثن من ذلك إلا [[النبوة]]. وأما منزلة هارون من موسى فيبينها قوله تعالى: {{نص قرآني|وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي}}<ref> سورة طه، الآية ٢٩-٣٢.</ref>. | ||
| سطر ٢٩٥: | سطر ٣٠٢: | ||
وعليه فإنّ هذا الحديث من الناحية المفهومية يدلّ على [[إمامة]] [[الإمام علي بن أبي طالب]]{{ع}} وخلافته. كما أنه من الناحية السندية حظي بتأييد أكثر [[العلماء]] من [[أهل السنة]]، ولم يشكك فيه سوى [[الآمدي]]<ref>انظر: الإلهيات، ج ٤، ص ٧٩ (الهامش).</ref>، وشكه بالمقارنة إلى الأغلبية الغالبة من أهل السنة لا يؤثر شيئاً. | وعليه فإنّ هذا الحديث من الناحية المفهومية يدلّ على [[إمامة]] [[الإمام علي بن أبي طالب]]{{ع}} وخلافته. كما أنه من الناحية السندية حظي بتأييد أكثر [[العلماء]] من [[أهل السنة]]، ولم يشكك فيه سوى [[الآمدي]]<ref>انظر: الإلهيات، ج ٤، ص ٧٩ (الهامش).</ref>، وشكه بالمقارنة إلى الأغلبية الغالبة من أهل السنة لا يؤثر شيئاً. | ||
وروي عن النبي الأكرم{{صل}} أنه قال للإمام علي{{ع}} في حديث آخر: {{نص حديث| | وروي عن النبي الأكرم{{صل}} أنه قال للإمام علي{{ع}} في حديث آخر: {{نص حديث|يَا عَلِيُّ أَنْتَ وَصِيِّي أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ بِأَمْرِ رَبِّي، وَ أَنْتَ خَلِيفَتِي، اِسْتَخْلَفْتُكَ بِأَمْرِ رَبِّي، يَا عَلِيُّ أَنْتَ اَلَّذِي تُبَيِّنُ لِأُمَّتِي مَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ بَعْدِي، وَ تَقُومُ فِيهِمْ مَقَامِي، قَوْلُكَ قَوْلِي، وَ أَمْرُكَ أَمْرِي، وَ طَاعَتُكَ طَاعَتِي وَ طَاعَتِي طَاعَةُ اَللَّهِ، وَ مَعْصِيَتُكَ مَعْصِيَتِي، وَ مَعْصِيَتِي مَعْصِيَةُ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ}}<ref>من لا يحضره الفقيه، ج ٤، ص ١٧٩.</ref>. | ||
ففي هذا الحديث يبين النبي الأكرم{{صل}} أن لا فرق بينه وبين [[الإمام علي]]{{ع}} في حل المسائل الخلافية، ولزوم إطاعة [[الناس]] له وللإمام علي، ويصرح بأن [[شخصية الإمام علي]]{{ع}} [[القانونية]] مثل الشخصية القانونية والحقوقية لرسول [[الله]]{{صل}} في هذه الأمور، وبذلك تكون هذه [[الرواية]] [[خير]] جواب لأولئك الذين يرون [[خاتمية النبي]] خاتمية لجميع مسؤولياته ومهامه. | ففي هذا الحديث يبين النبي الأكرم{{صل}} أن لا فرق بينه وبين [[الإمام علي]]{{ع}} في حل المسائل الخلافية، ولزوم إطاعة [[الناس]] له وللإمام علي، ويصرح بأن [[شخصية الإمام علي]]{{ع}} [[القانونية]] مثل الشخصية القانونية والحقوقية لرسول [[الله]]{{صل}} في هذه الأمور، وبذلك تكون هذه [[الرواية]] [[خير]] جواب لأولئك الذين يرون [[خاتمية النبي]] خاتمية لجميع مسؤولياته ومهامه. | ||
| سطر ٣٠٢: | سطر ٣٠٩: | ||
====حديث الدواة والقلم ([[الوصية]] غير المكتوبة)==== | ====حديث الدواة والقلم ([[الوصية]] غير المكتوبة)==== | ||
إن من بين [[الأدلة]] التى يمكن التمسك بها بوصفها دليلاً على [[تنصيب الإمام]] | إن من بين [[الأدلة]] التى يمكن التمسك بها بوصفها دليلاً على [[تنصيب الإمام علي]]{{ع}} إماماً على [[المسلمين]]، [[الحديث ]]المعروف بحديث الدواة والقلم. وذلك ببيان أن النبي الأكرم{{صل}} أراد في الأيام الأخيرة من حياته الشريفة أن ينصب الإمام علي [[خليفة]] له على المسلمين وأن يوثق ذلك في سند مكتوب، فطالب بإحضار دواة وقلم وقرطاس؛ حيث قال: {{نص حديث|اِئْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَداً}}<ref>الكامل في التاريخ، ج ٢، ص ٣٢٠؛ تاريخ الطبري، ج ٣، ص ٥٠٥؛ الطبقات الكبرى، ج ٢، ص ١٨٨؛ امتاع الأسماع، ج ١٤، ص ٤٤٩؛ البدأ والتاريخ، ج ٥، ص ٥٩.</ref>. | ||
ولكن حيث أدرك بعضهم ما أراد [[النبي الأكرم]]{{صل}} كتابته، فقد أثار اللغط واتهم [[النبي]] باشتداد [[المرض]] عليه وأنه - والعياذ بالله - يهجر ولا يعي ما يقول، واختلف الحاضرون بين من قال بمقالة الرجل وبين من أصر على الاستجابة لطلب [[الرسول]]؛ فخاف النبي أن تتفرّق [[وحدة]] [[المسلمين]]، وبان على وجهه [[الغضب]] وأمرهم بالخروج من عنده وعدم [[التنازع]] في حضرته. | ولكن حيث أدرك بعضهم ما أراد [[النبي الأكرم]]{{صل}} كتابته، فقد أثار اللغط واتهم [[النبي]] باشتداد [[المرض]] عليه وأنه - والعياذ بالله - يهجر ولا يعي ما يقول، واختلف الحاضرون بين من قال بمقالة الرجل وبين من أصر على الاستجابة لطلب [[الرسول]]؛ فخاف النبي أن تتفرّق [[وحدة]] [[المسلمين]]، وبان على وجهه [[الغضب]] وأمرهم بالخروج من عنده وعدم [[التنازع]] في حضرته. | ||
| سطر ٣٠٩: | سطر ٣١٦: | ||
إن القرائن والشواهد الآتية تثبت أن النبي الأكرم{{صل}} كان يروم أن يثبت [[إمامة الإمام علي]]{{ع}} في [[وصية]] مكتوبة له: | إن القرائن والشواهد الآتية تثبت أن النبي الأكرم{{صل}} كان يروم أن يثبت [[إمامة الإمام علي]]{{ع}} في [[وصية]] مكتوبة له: | ||
١. يفهم من التعبير بـ | ١. يفهم من التعبير بـ {{نص حديث|لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي}} أن مراد النبي تعيين [[خليفة]] وإمام يقوم مقامه بعد رحيله. كما أن النبي الأكرم{{صل}} حيث صدرت منه عبارات مشابهة لهذه العبارة مراراً فيما يتعلق بالوصية لأهل بيته وعترته، من قبیل: [[حديث الثقلين]]، فقد أدرك المخاطبون - وخاصة أولئك الذين يمتلكون [[حاسة]] شم [[سياسية]] قوية - ما كان يرمي إليه الرسول؛ ولذلك سارع من فوره إلى الحيلولة دون [[كتابة]] الرسول لذلك الكتاب، فأثار تلك الضجة المفتعلة في حضرة النبي رغم ما به من [[العلة]] والمرض، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما اتهم النبي - والعياذ بالله - بأنه يهذي ويهجر، وقد صرحت المصادر السنية والشيعية بأن من تجرأ على [[رسول الله]] بهذه الكلمات هو [[عمر بن الخطاب]]، حيث قيل: «فقال [[عمر]]: إن النبي قد غلب عليه الوجع، وعندكم [[القرآن]]، [[حسبنا كتاب الله]]»<ref>صحيح البخاري، ج ٥، ص ٢١٤٦؛ وأيضاً: صحيح مسلم، ج ٣، ص ١٢٥٩؛ مسند أحمد بن حنبل، ج ١، ص ٣٣٦؛ الطبقات الكبرى، ج ٢، ص ٢٤٣؛ تاريخ الطبري، ج ٢، ص ٥٠٥؛ الكامل في التاريخ، ج ٢، ص ٣٢٠. ومن الجدير ذكره أن بعض هذه المصادر قد عمدت إلى حذف اسم عمر - ربما رعاية لحرمته - وهو من مصاديق تحريف التاريخ.</ref>. | ||
إن هذه المقالة لا تنطوي على جرأة من قبل عمر بن الخطاب في نسبة الهجر إلى النبي - والعياذ بالله - فحسب، وهو الذي يقول عنه تعالى: {{نص قرآني|وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}}<ref> سورة النجم، الآية ٣-٤.</ref>. بل ذهب إلى حد اعتبار نفسه فوق [[النبي الأكرم]]؛ إذ يقول: لا حاجة إلى [[وصية]] [[النبي]]، وإن [[القرآن]] يكفينا. وهنا نتساءل: ما هو [[تكليف]] [[المسلمين]]؟ هل عليهم [[اتباع]] أمثال [[عمر]] أم عليهم اتباع تعاليم [[رسول الله]]؟ نترك الإجابة عن هذا [[السؤال]] لأصحاب الضمائر الحية من بني [[البشر]]! | إن هذه المقالة لا تنطوي على جرأة من قبل عمر بن الخطاب في نسبة الهجر إلى النبي - والعياذ بالله - فحسب، وهو الذي يقول عنه تعالى: {{نص قرآني|وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}}<ref> سورة النجم، الآية ٣-٤.</ref>. بل ذهب إلى حد اعتبار نفسه فوق [[النبي الأكرم]]؛ إذ يقول: لا حاجة إلى [[وصية]] [[النبي]]، وإن [[القرآن]] يكفينا. وهنا نتساءل: ما هو [[تكليف]] [[المسلمين]]؟ هل عليهم [[اتباع]] أمثال [[عمر]] أم عليهم اتباع تعاليم [[رسول الله]]؟ نترك الإجابة عن هذا [[السؤال]] لأصحاب الضمائر الحية من بني [[البشر]]! | ||
| سطر ٣١٩: | سطر ٣٢٦: | ||
وبطبيعة [[الحال]] فإن عمر بن الخطاب عمد إلى تبرير موقفه في منع [[رسول الله]] من [[كتابة]] وصيته بالقول: «فصددته... خوفا منالفتنة». وفي هذاالتبرير يرى [[عمر بن الخطاب]] نفسه فوق [[النبي الأكرم]]{{صل}} - والعياذ بالله - إذ يتهمه بعدم لحاظ [[مصلحة الإسلام]] والأمة [[الإسلامية]]، أو أنه [[عاجز]] عن إدراكها، وأنه بحاجة إلى توجيه وهداية من عمر بن الخطاب! هل [[النبي]] الذي هو أشرف الكائنات وأعظم [[الأنبياء]] والمسدد بالوحي يعجز عن تشخيص [[مصلحة]] [[الدين]] والمجتمع، ولم يكن يمتلك من [[الإدراك]] والوعي ما يملكه عمر بن الخطاب؟! نترك الإجابة مرة أخرى عن هذا [[السؤال]] إلى أصحاب الضمائر الحية والحرة المنزهة عن [[العصبية]]. | وبطبيعة [[الحال]] فإن عمر بن الخطاب عمد إلى تبرير موقفه في منع [[رسول الله]] من [[كتابة]] وصيته بالقول: «فصددته... خوفا منالفتنة». وفي هذاالتبرير يرى [[عمر بن الخطاب]] نفسه فوق [[النبي الأكرم]]{{صل}} - والعياذ بالله - إذ يتهمه بعدم لحاظ [[مصلحة الإسلام]] والأمة [[الإسلامية]]، أو أنه [[عاجز]] عن إدراكها، وأنه بحاجة إلى توجيه وهداية من عمر بن الخطاب! هل [[النبي]] الذي هو أشرف الكائنات وأعظم [[الأنبياء]] والمسدد بالوحي يعجز عن تشخيص [[مصلحة]] [[الدين]] والمجتمع، ولم يكن يمتلك من [[الإدراك]] والوعي ما يملكه عمر بن الخطاب؟! نترك الإجابة مرة أخرى عن هذا [[السؤال]] إلى أصحاب الضمائر الحية والحرة المنزهة عن [[العصبية]]. | ||
٣. أضف إلى ذلك أن أبا بكر عندما كان على فراش [[الموت]] تنتابه الإغماءات بين الحين والآخر أوصى لعمر بن [[الخطاب]] فكان هو الذي يملي وعثمان يكتب، بل إن عثمان هو الذي أدرج [[اسم]] عمر بن الخطاب في لحظة إغماءة أبي بكر اعتماداً منه على حدسه في ذلك، تقول الوثيقة [[التاريخية]]: «أحضر [[أبو بكر]] عثمان وهو يجود بنفسه فأمره أن يكتب عهداً وقال: أكتب | ٣. أضف إلى ذلك أن أبا بكر عندما كان على فراش [[الموت]] تنتابه الإغماءات بين الحين والآخر أوصى لعمر بن [[الخطاب]] فكان هو الذي يملي وعثمان يكتب، بل إن عثمان هو الذي أدرج [[اسم]] عمر بن الخطاب في لحظة إغماءة أبي بكر اعتماداً منه على حدسه في ذلك، تقول الوثيقة [[التاريخية]]: «أحضر [[أبو بكر]] عثمان وهو يجود بنفسه فأمره أن يكتب عهداً وقال: أكتب {{ نص قرآني |بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}}<ref> سورة الفاتحة، الآية ١.</ref> هذا ما عهد [[عبد الله بن عثمان]] إلى [[المسلمين]] أما بعد - ثم أغمي عليه - وكتب عثمان قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، وأفاق أبو بكر...»<ref>ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١، ص ١٦٥؛ نهاية الأرب، ج ٣، ص ١٢٩.</ref>! ومع ذلك لم يصدر من [[عمر]] ولا غيره [[معارضة]]، ولم يتهمه عمر بغلبة الوجع أو أثقل عليه [[المرض]] أو أنه يهجر! | ||
فالحقيقة إذن هي أن أمثال عمر بن الخطاب كانوا يرون في تطبيق [[وصية]] النبي الأكرم{{صل}} ضرباً لمصالحهم، والدليل على ذلك منع النبي من كتابة وصيته مهما كلف الأمر، بل حتى إذا بلغ الأمر حدّ اتهام النبي في عقله واتزانه الذهنى والعياذ بالله. وهكذا كان مصير هذه [[الوصية]] التي تصب في مصلحة غريم عمر بن الخطاب وهو [[الإمام علي بن أبي طالب]]{{ع}} أن تخنق في مهدها، بل وحتى قبل أن تولد! | فالحقيقة إذن هي أن أمثال عمر بن الخطاب كانوا يرون في تطبيق [[وصية]] النبي الأكرم{{صل}} ضرباً لمصالحهم، والدليل على ذلك منع النبي من كتابة وصيته مهما كلف الأمر، بل حتى إذا بلغ الأمر حدّ اتهام النبي في عقله واتزانه الذهنى والعياذ بالله. وهكذا كان مصير هذه [[الوصية]] التي تصب في مصلحة غريم عمر بن الخطاب وهو [[الإمام علي بن أبي طالب]]{{ع}} أن تخنق في مهدها، بل وحتى قبل أن تولد! | ||
٤. القرينة الأخرى أن النبي الأكرم{{صل}} كان يعلم مسبقاً أن بعض [[الصحابة]] لا يطيق أن يتولى [[الإمام علي]]{{ع}} أعباء [[السلطة]] والإمامة، ولذلك أمر وهو على [[فراش المرض]] أن يُسيّر [[جيش]] بقيادة أسامة بن زيد وهو شاب لم يتجاوز الثمان عشرة سنة، رغم أنه لم تكن هناك حاجة ملحة إلى إنفاذ ذلك [[الجيش]]. وإنما أراد [[النبي]] من وراء ذلك إبعاد العناصر المؤثرة في المشهد [[السياسي]] والاجتماعي من أمثال أبي بكر | ٤. القرينة الأخرى أن النبي الأكرم{{صل}} كان يعلم مسبقاً أن بعض [[الصحابة]] لا يطيق أن يتولى [[الإمام علي]]{{ع}} أعباء [[السلطة]] والإمامة، ولذلك أمر وهو على [[فراش المرض]] أن يُسيّر [[جيش]] بقيادة [[أسامة بن زيد]] وهو شاب لم يتجاوز الثمان عشرة سنة، رغم أنه لم تكن هناك حاجة ملحة إلى إنفاذ ذلك [[الجيش]]. وإنما أراد [[النبي]] من وراء ذلك إبعاد العناصر المؤثرة في المشهد [[السياسي]] والاجتماعي من أمثال [[أبي بكر]] و [[عمر بن الخطاب]] و [[أبو عبيدة بن الجراح]] و [[سعد بن أبي وقاص]] (وغيرهم من العناصر المؤثرة في حادثة [[السقيفة]]). إلا أن هذه الشخصيات امتنعت عن [[امتثال]] أمر [[النبي الأكرم]]{{صل}} بشتى الذرائع والحجج، رغم أن النبي لعن من يتخلف عن [[جيش أسامة]]<ref>انظر: عبد الحسين شرف الدين، المراجعات، المراجعة رقم: ٩٢.</ref>. واضح لو أن [[الصحابة]] قد امتثلوا لأمر النبي في الالتحاق بجيش أسامة، لتمت عملية [[انتقال]] السلطة إلى الإمام علي{{ع}} بعد [[رحيل النبي الأكرم]]{{صل}} بانسيابية. ولكن يبدو أن هؤلاء الأشخاص أدركوا بحاسة شمهم [[السياسية]]، المغزى الذي كان يرمي إليه النبي من وراء [[عقد]] [[اللواء]] لهذا الجيش وإلزامهم بالالتحاق به، وإبعادهم عن المشهد السياسي المقبل، وعندها لن يحصلوا على شيء من السلطة التي كانوا يمنون أنفسهم بها. | ||
والمغزى الآخر الذي أراد النبي التلويح به للصحابة من خلال تأمير [[أسامة بن زيد]] - رغم صغر سنه - على كبار [[القوم]] بمن فيهم المخضرمين من [[قادة]] الجيوش، قطع الطريق عليهم إذا أرادوا [[الاعتراض]] على [[إمامة الإمام علي]]{{ع}} لجميع [[الأمة]] وهو في شرخ الشباب حيث كان في الرابعة والثلاثين من عمره [[الشريف]]. وبذلك يثبت لهم عملياً أن ملاك [[القيادة]] والإمامة هو [[الكفاءة]] الذاتية التي لا صلة لها بالأعمار وصغر السن أو كبره<ref>انظر: تاريخ مدينة دمشق، ج ٨، ص ٥١ - ٦٣ كنز العمال، ج ١٠، ص ٥٧١؛ الطبقات الكبرى، ج ٤، ص ٦٦.</ref>. | والمغزى الآخر الذي أراد النبي التلويح به للصحابة من خلال تأمير [[أسامة بن زيد]] - رغم صغر سنه - على كبار [[القوم]] بمن فيهم المخضرمين من [[قادة]] الجيوش، قطع الطريق عليهم إذا أرادوا [[الاعتراض]] على [[إمامة الإمام علي]]{{ع}} لجميع [[الأمة]] وهو في شرخ الشباب حيث كان في الرابعة والثلاثين من عمره [[الشريف]]. وبذلك يثبت لهم عملياً أن ملاك [[القيادة]] والإمامة هو [[الكفاءة]] الذاتية التي لا صلة لها بالأعمار وصغر السن أو كبره<ref>انظر: تاريخ مدينة دمشق، ج ٨، ص ٥١ - ٦٣ كنز العمال، ج ١٠، ص ٥٧١؛ الطبقات الكبرى، ج ٤، ص ٦٦.</ref>. | ||
==== [[أحاديث]] [[الحجة]]==== | ==== [[أحاديث]] [[الحجة]]==== | ||
ورد التعريف بالإمام علي{{ع}} في بعض [[الروايات النبوية]] بوصفه [[حجة الله]]، فقد روي أن النبي الأكرم{{صل}} أنه قال: | ورد التعريف بالإمام علي{{ع}} في بعض [[الروايات النبوية]] بوصفه [[حجة الله]]، فقد روي أن النبي الأكرم{{صل}} أنه قال: {{نص حديث|نَزَلَ عَلَيَّ جَبْرَئِيلُ صَبِيحَةَ يَوْمٍ فَرِحاً مُسْتَبْشِراً فَقُلْتُ حَبِيبِي مَا لَكَ فَرِحاً مُسْتَبْشِراً فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ وَ كَيْفَ لاَ أَكُونُ كَذَلِكَ وَ قَدْ قَرَّتْ عَيْنِي بِمَا أَكْرَمَ اَللَّهُ بِهِ أَخَاكَ وَ وَصِيَّكَ وَ إِمَامَ أُمَّتِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ . فَقُلْتُ وَ لِمَ أَكْرَمَ اَللَّهُ أَخِي وَ إِمَامَ أُمَّتِي قَالَ بَاهَى بِعِبَادَتِهِ اَلْبَارِحَةَ مَلاَئِكَتَهُ وَ حَمَلَةَ عَرْشِهِ وَ قَالَ مَلاَئِكَتِي اُنْظُرُوا إِلَى حُجَّتِي فِي أَرْضِي بَعْدَ نَبِيِّي مُحَمَّدٍ وَ قَدْ عَفَّرَ خَدَّهُ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعاً لِعَظَمَتِي أُشْهِدُكُمْ أَنَّهُ إِمَامُ خَلْقِي وَ مَوْلَى بَرِيَّتِي }}<ref>مناقب الخوارزمي، ص ٣١٩، ش ٣٢٢.</ref>. | ||
وروي عن [[النبي الأكرم]]{{صل}} في رواية أخرى أنه قال: | وروي عن [[النبي الأكرم]]{{صل}} في رواية أخرى أنه قال: {{نص حديث|يَا عَلِيُّ أَنْتَ إِمَامُ اَلْمُسْلِمِينَ وَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ قَائِدُ اَلْغُرِّ اَلْمُحَجَّلِينَ وَ حُجَّةُ اَللَّهِ بَعْدِي عَلَى اَلْخَلْقِ أَجْمَعِينَ }}<ref>أمالي الصدوق، ص ٣٧٥؛ بشارة المصطفى ص ٣٥؛ بحار الأنوار، ج ٣٨، ص ١٠٠.</ref>. | ||
وقال في موضع آخر: | وقال في موضع آخر: {{نص حديث|إِنَّكَ لَحُجَّةُ اللَّهُ عَلَى خَلْقِي، وَأَمِينُهُ عَلَى سِرِّهِ، وَخَلِيفَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ }}<ref>عيون أخبار الرضا، ج ١، ص ٢٩٧؛ أمالي الصدوق، ص ١٥٥، ش ١٤٩.</ref>. | ||
إن هذه [[الأحاديث]] تمثل الجواب الواضح والشافي لأولئك الذين يتذرعون بمفهوم [[الخاتمية]] لحصر [[الحجة]] [[الإلهية]] بالنبي الأكرم{{صل}}، وأنكروا لذلك [[إمكان]] أن يكون [[الأئمة]]{{عم}} أيضاً. | إن هذه [[الأحاديث]] تمثل الجواب الواضح والشافي لأولئك الذين يتذرعون بمفهوم [[الخاتمية]] لحصر [[الحجة]] [[الإلهية]] بالنبي الأكرم{{صل}}، وأنكروا لذلك [[إمكان]] أن يكون [[الأئمة]]{{عم}} أيضاً. | ||
==== روايات [[المرجعية العلمية]] والدينية==== | ==== روايات [[المرجعية العلمية]] والدينية==== | ||
وصف النبي الأكرم{{صل}} في كثير من رواياته [[الإمام]] | وصف النبي الأكرم{{صل}} في كثير من رواياته [[الإمام علي]]{{ع}} بوصفه مرجعاً علمياً ودينياً، وأنه نصب في هذا [[المنصب]] من قبل الله ورسوله. | ||
روی [[أنس مالك]] عن النبي الأكرم{{صل}} أنه قال لـ [[أبي ذر الأسلمي]]: {{نص حديث| | روی [[أنس مالك]] عن النبي الأكرم{{صل}} أنه قال لـ [[أبي ذر الأسلمي]]: {{نص حديث| إِنَّ رَبَّ اَلْعَالَمِينَ عَهِدَ إِلَيَّ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَهْداً فَقَالَ عَلِيٌّ رَايَةُ اَلْهُدَى وَ مَنَارُ اَلْإِيمَانِ وَ إِمَامُ أَوْلِيَائِي وَ نُورُ جَمِيعِ مَنْ أَطَاعَنِي ...}}<ref>حلية الأولياء، ج ١، ص ٦٦؛ تاريخ مدينة دمشق، ج،٤٢، ص ٢٧٠ و٢٩١ و٣٣٠؛ تاریخ بغداد، ج ١٤، ص ٩٩، ش ٧٤٤١؛ مناقب الخوارزمي، ص ٣١١.</ref>. | ||
وروي عن النبي الأكرم{{صل}} في رواية أخرى أنه قال: {{نص حديث| | وروي عن النبي الأكرم{{صل}} في رواية أخرى أنه قال: {{نص حديث| يَا عَلِيُّ... إِنَّكَ السَّبِيلِ الْجَنَّةِ، وَرَايَةِ الْهُدَى، وَعَلَّمَ الْحَقِّ، وَإِمَامٍ مَنْ آمَنَ بِي، وَوَلِيُّ مِنَ تولاني}}<ref>شرح الأخبار، ج ٢، ص ٢٦٤.</ref>. | ||
وقد صرّح النبي الأكرم{{صل}} في رواية أن [[الإمام علي]] يمثل الفيصل والمرجع الأخير عند [[الاختلاف]]، كما قال لـ [[عبد الرحمن بن سمرة]]: {{نص حديث| | وقد صرّح النبي الأكرم{{صل}} في رواية أن [[الإمام علي]] يمثل الفيصل والمرجع الأخير عند [[الاختلاف]]، كما قال لـ [[عبد الرحمن بن سمرة]]: {{نص حديث| يَا اِبْنَ سَمُرَةَ إِذَا اِخْتَلَفَتِ اَلْأَهْوَاءُ وَ تَفَرَّقَتِ اَلْآرَاءُ فَعَلَيْكَ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، فَإِنَّهُ إِمَامُ أُمَّتِي وَ خَلِيفَتِي عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدِي}}<ref>كمال الدين، ص ٢٥٧؛ أمالي الصدوق، ص ٧٨؛ بحار الأنوار، ج ٣٦، ص ٢٦٦.</ref>. | ||
وفي رواية أخرى، أنه قال: {{نص حديث| | وفي رواية أخرى، أنه قال: {{نص حديث| أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا إِنْ تساءلتم عَلَيْهِ لَمْ تهلكوا؟ إِنَّ وَلِيُّكُمُ اللَّهُ، وَإِنْ إِمَامَكُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؛ فناصحوه وَصَدَّقُوهُ، فَإِنْ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ }}<ref>ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٣، ص ٩٨؛ أمالي الصدوق، ص ٥٦٤؛ بحار الأنوار، ج ٣٨، ص ١٠٤.</ref>. | ||
وفي رواية أخرى عن [[النبي الأكرم]]{{صل}} أنه قال: {{نص حديث| | وفي رواية أخرى عن [[النبي الأكرم]]{{صل}} أنه قال: {{نص حديث|أَيُّهَا اَلنَّاسُ قَدْ بَيَّنْتُ لَكُمْ مَفْزَعَكُمْ بَعْدِي وَ إِمَامَكُمْ بَعْدِي وَ وَلِيَّكُمْ وَ هَادِيَكُمْ وَ هُوَ أَخِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ هُوَ فِيكُمْ بِمَنْزِلَتِي فِيكُمْ فَقَلِّدُوهُ دِينَكُمْ وَ أَطِيعُوهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِكُمْ فَإِنَّ عِنْدَهُ جَمِيعَ مَا عَلَّمَنِيَ اَللَّهُ مِنْ عِلْمِهِ وَ حِكْمَتِهِ فَسَلُوهُ وَ تَعَلَّمُوا مِنْهُ وَ مِنْ أَوْصِيَائِهِ بَعْدَهُ }}<ref>كتاب سليم بن قيس، ص ٢٠٠.</ref>. | ||
وبعد نزول قوله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}}<ref> سورة الرعد، الآية ٧.</ref>، عرف | وبعد نزول قوله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}}<ref> سورة الرعد، الآية ٧.</ref>، عرف النبي الأكرم{{صل}} نفسه بأنه هو المنذر، ثم أشار إلى [[الإمام علي]]{{ع}} وقال: {{نص حديث|أَنْتَ اَلْهَادِي يَا عَلِيُّ بِكَ يَهْتَدِي اَلْمُهْتَدُونَ بَعْدِي}}<ref>تفسير الطبري، ج ٨، ص ١٠٨؛ التفسير الكبير، ج ١٩، ص ١٥؛ الدر المنثور، ج ٤، ص ٦٠٨.</ref>. | ||
وفي قضية [[المعراج]] قال النبي الأكرم{{صل}}: | وفي قضية [[المعراج]] قال النبي الأكرم{{صل}}: {{نص حديث| طَرْقَةً هَذِهِ الْآيَةَ سَمْعِي؛ فَسَأَلْتُ اللَّهِ عَنِ الْهَادِي؟ فَقَالَ: ذَلِكَ عَلِي بْنِ أَبِي طَالِبٍ غَايَةِ الْمُهْتَدِينَ وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ وَقَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ}}<ref>تفسير فرات الكوفي، وشواهد التنزيل، تفسير الآية السابعة من سورة الرعد.</ref>. | ||
كما عرف النبي الأكرم{{صل}} | كما عرف النبي الأكرم{{صل}} علي{{ع}} بوصفه مبيناً للدين ومرجعاً لحلّ اختلاف [[الأمة الإسلامية]]، ومن ذلك قوله: {{نص حديث| يَا عَلِيُّ أَنْتَ تُبَيِّنُ لِأُمَّتِي مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ بَعْدِي }}<ref>من لا يحضره الفقيه، ج ٤، ص ١٧٩.</ref>. {{نص حديث| يَا عَلِيُّ أَنْتَ اَلَّذِي تُبَيِّنُ لِأُمَّتِي مَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ بَعْدِي، وَ تَقُومُ فِيهِمْ مَقَامِي، قَوْلُكَ قَوْلِي، وَ أَمْرُكَ أَمْرِي، وَ طَاعَتُكَ طَاعَتِي وَ طَاعَتِي طَاعَةُ اَللَّهِ، وَ مَعْصِيَتُكَ مَعْصِيَتِي، وَ مَعْصِيَتِي مَعْصِيَةُ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ }}<ref>كنز العمال، ج ١١، ص ٦١٥؛ تاريخ مدينة دمشق، ج ٤٢، ص ٣٨٧.</ref>. | ||
وفيما يتعلق بعلم الإمام علي{{ع}}، وردت كثير من [[الروايات]] في مصادر [[الفريقين]]، حيث يقول [[رسول الله]] | وفيما يتعلق بعلم الإمام علي{{ع}}، وردت كثير من [[الروايات]] في مصادر [[الفريقين]]، حيث يقول [[رسول الله]]: {{نص حديث| أَنَا مَدِينَةُ اَلْعِلْمِ وَ عَلِيٌّ بَابُهَا }}<ref>صحيح الترمذي، ج ٥، ص ٦٣٧ ؛ مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٢٧ و١٣٦؛ إحياء علوم الدين، ج ٢، ص ١٩٠؛ أبو سعيد السمعاني الأنساب، ج ١٣، ص ٤٠٤؛ ابن الجوزي، المنتظم، ج ١١، ص ٢٤٣؛ الزركلي، الأعلام، ج ٥، ص ١٧.</ref>. | ||
وفيما يتعلق بعلم [[الإمام علي]]{{ع}} نكتفى بذكر هذه النقطة وهي أن [[علم الإمام]] لم يكن علماً اعتيادياً، بل هو مؤيد من قبل [[الله]] ومن جنس [[الإلهام]]. | وفيما يتعلق بعلم [[الإمام علي]]{{ع}} نكتفى بذكر هذه النقطة وهي أن [[علم الإمام]] لم يكن علماً اعتيادياً، بل هو مؤيد من قبل [[الله]] ومن جنس [[الإلهام]]. | ||
ومثل هذا [[العلم]] لا يتطرق إليه [[الخطأ]]، ولا يكون هناك شك في الإجابة عن المسائل | ومثل هذا [[العلم]] لا يتطرق إليه [[الخطأ]]، ولا يكون هناك شك في الإجابة عن المسائل. وأما هنا فنشير إلى أن [[المرجعية العلمية]] والدينية للإمام على{{ع}} وتفوقه في هذا المجال على [[الخلفاء الثلاثة]] كان من الوضوح والبداهة بحيث نقل عن [[الخليفة الثاني]] مراراً أنه قال معترفاً: «لولا [[علي]] هلك [[عمر]]»<ref>سنن أبي داوود، ج ٤، ص ١١٤؛ كنز العمال، ج ٣، ص ٩٥. ولمزيد من التوضيح انظر: العلامة الطهراني امام شناسي، ج ١١.</ref>. | ||
وفي موضع آخر عرّف عمر [[الإمام]] | وفي موضع آخر عرّف عمر [[الإمام علي]]{{ع}} بوصفه مرجعاً لحل [[الخلافات]]، إذ يقول: «أمرنا إذا اختلفنا في شيء أن نحكم علي»<ref>مناقب الخوارزمي، ج ١، ص ٢٥٨.</ref>. | ||
وروي في مصادر [[أهل السنة]] المعتبرة عن [[النبي الأكرم]]{{صل}} انه قال: | وروي في مصادر [[أهل السنة]] المعتبرة عن [[النبي الأكرم]]{{صل}} انه قال: {{نص حديث|عَلِيُّ أَقْضَاكُمْ، عَلِيُّ أَفْقَهُكُمْ، وَأَعْلَمُ أُمَّتِي بِكِتَابِ اللَّهُ، وَعَلِيُّ مَعَ الْحَقَّ وَالْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ حَيْثُمَا دَارٍ، وَأَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَعَلِيُّ بَابُهَا»<ref>فرائد السمطين، ج ١، ص ٩٧، ب،١٨؛ مناقب الخوارزمي، ص ٤٠.</ref>. | ||
سجل [[التاريخ]] ورصد كثيراً من الأمثلة على [[خطأ]] الخلفاء الثلاثة في المسائل القضائية، ومبادرة الإمام علي{{ع}} إلى [[إصلاح]] هذه [[الأخطاء]]، وإن [[استقراء]] تلك الأمثلة يحتاج إلى تأليف كتاب مستق<ref>انظر: العلامة الحسيني الطهراني، امام شناسي، ج ١١، ص ١٧٠ و١٧٨ و٢٢٩ وغيرها من الصفحات.</ref>. | سجل [[التاريخ]] ورصد كثيراً من الأمثلة على [[خطأ]] الخلفاء الثلاثة في المسائل القضائية، ومبادرة الإمام علي{{ع}} إلى [[إصلاح]] هذه [[الأخطاء]]، وإن [[استقراء]] تلك الأمثلة يحتاج إلى تأليف كتاب مستق<ref>انظر: العلامة الحسيني الطهراني، امام شناسي، ج ١١، ص ١٧٠ و١٧٨ و٢٢٩ وغيرها من الصفحات.</ref>. | ||
وقد وصف النبي الأكرم{{صل}} الإمام | وقد وصف النبي الأكرم{{صل}} الإمام علي{{ع}} في روايتين مختلفتين قائلاً: {{نص حديث| أَنْتَ يَعْسُوبُ اَلدِّينِ ... أَنْتَ يَعْسُوبُ اَلْمُؤْمِنِينَ}}<ref>ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١٩، ص ٢٢٥؛ تاريخ الإسلام، ج ٤٦،ص٣٩١.</ref>. | ||
واليعسوب لغة يعني: رئيس أو [[ملكة]] [[النحل]]. وقال [[ابن أبي الحديد]] [[المعتزلي]] في شرح هذه [[الرواية]]: «كأنه جعله رئيس المؤمنين وسيدهم أو جعل [[الدين]] يتبعه ويقفو أثره حيث سلك كما يتبع النحل [[اليعسوب]]»<ref>ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١٩، ص ٢٢٥؛ تاريخ الإسلام، ج ٤٦،ص٣٩١.</ref>. | واليعسوب لغة يعني: رئيس أو [[ملكة]] [[النحل]]. وقال [[ابن أبي الحديد]] [[المعتزلي]] في شرح هذه [[الرواية]]: «كأنه جعله رئيس المؤمنين وسيدهم أو جعل [[الدين]] يتبعه ويقفو أثره حيث سلك كما يتبع النحل [[اليعسوب]]»<ref>ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١٩، ص ٢٢٥؛ تاريخ الإسلام، ج ٤٦،ص٣٩١.</ref>. | ||
| سطر ٣٧٣: | سطر ٣٨٠: | ||
روايات [[الإمام علي]]{{ع}}: يُعدُّ الإمام علي{{ع}} بالنسبة إلى [[الشيعة]] [[حجة]] وإماماً إلهياً، وقوله وفعله وتقرير معتبر عندهم ودليل يُستدل به. كما أنه مقبول من قبل [[أهل السنة]] بوصفه - في الحد الأدنى - أحد كبار [[الصحابة]] الذين يستدلون بأقوالهم وأحاديثهم. | روايات [[الإمام علي]]{{ع}}: يُعدُّ الإمام علي{{ع}} بالنسبة إلى [[الشيعة]] [[حجة]] وإماماً إلهياً، وقوله وفعله وتقرير معتبر عندهم ودليل يُستدل به. كما أنه مقبول من قبل [[أهل السنة]] بوصفه - في الحد الأدنى - أحد كبار [[الصحابة]] الذين يستدلون بأقوالهم وأحاديثهم. | ||
وعليه لو رويت عن الإمام علي{{ع}} رواية أو روايات تدل على أصل تنصيبه، كانت هذه [[الروية]] المأثورة عنه [[حجّة]] ومعتبرة ويجب الأخذ بها. ولحسن الحظ هناك روايات صريحة وواضحة مروية عن الإمام علي{{ع}} بهذا | وعليه لو رويت عن الإمام علي{{ع}} رواية أو روايات تدل على أصل تنصيبه، كانت هذه [[الروية]] المأثورة عنه [[حجّة]] ومعتبرة ويجب الأخذ بها. ولحسن الحظ هناك روايات صريحة وواضحة مروية عن الإمام علي{{ع}} بهذا الشأن. وسنكتفى هنا بذكر روايتين يشكو فيهما الإمام علي من [[المسلمين]] في صدر [[الإسلام]] بسبب عدم معرفتهم بمكانته قائلاً: {{نص حديث|قَلِيلٌ مِنْ شِيعَتِيَ الَّذِينَ عَرَفُوا فَضْلِي وَفَرْضَ إِمَامَتِي مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةِ رَسُولِ الله}}<ref>الشيخ الكليني، أصول الكافي، ج ٨، ص ٥٩.</ref> | ||
كما صرح{{ع}} في موضع آخر - في إطار [[اختيار]] [[عثمان بن عفان]] بوصفه [[خليفة]] ثالثاً، وإبعاد [[الإمام]] عن حقه - بأن [[حق]] [[الحاكمية]] على المسلمين من حقوقه الحصرية، إذ يقول: «فنحن [[بيت النبوة]] ومعدن [[الحكمة]]، وأمان أهل [[الأرض]]، ونجاة لمن طلب، لنا حق إن نُعطه نأخذه، وإن نُمنعه نركب أعجاز الإبل ولو طال السرى»<ref>الكامل في التاريخ، ج ٣، ص ٧٤.</ref>. | كما صرح{{ع}} في موضع آخر - في إطار [[اختيار]] [[عثمان بن عفان]] بوصفه [[خليفة]] ثالثاً، وإبعاد [[الإمام]] عن حقه - بأن [[حق]] [[الحاكمية]] على المسلمين من حقوقه الحصرية، إذ يقول: «فنحن [[بيت النبوة]] ومعدن [[الحكمة]]، وأمان أهل [[الأرض]]، ونجاة لمن طلب، لنا حق إن نُعطه نأخذه، وإن نُمنعه نركب أعجاز الإبل ولو طال السرى»<ref>الكامل في التاريخ، ج ٣، ص ٧٤.</ref>. | ||
روايات سيدي شباب [[أهل الجنة]] ينظر أهل السنة إلى [[الإمام الحسن]]{{ع}} | روايات سيدي شباب [[أهل الجنة]] ينظر أهل السنة إلى [[الإمام الحسن]]{{ع}} و [[الإمام الحسين]]{{ع}} نظرة احترام وتبجيل لما صح عندهم من [[الروايات]] الكثيرة التى يروونها عن [[رسول الله]] في فضلهما، بل ربما فضلوهما على الإمام علي{{ع}}، ذلك أنهم إذا أرادوا وصف على{{ع}} قالوا: والد سيدي شباب أهل الجنة. | ||
وعلى هذا الأساس يجب على أهل السنة أن يأخذوا بجميع الروايات المروية عن الإمام الحسن{{ع}} والإمام الحسين{{ع}} بوصفهما راويين تقتين وبوصفهما سبطي [[رسول الله]]{{صل}}. وإلا فإن أخذهم ببعض رواياتهما ونبذ رواياتها الأخرى سيكون من قبيل [[الإيمان]] ببعض الكتاب والكفر ببعضه الآخر. | وعلى هذا الأساس يجب على أهل السنة أن يأخذوا بجميع الروايات المروية عن الإمام الحسن{{ع}} والإمام الحسين{{ع}} بوصفهما راويين تقتين وبوصفهما سبطي [[رسول الله]]{{صل}}. وإلا فإن أخذهم ببعض رواياتهما ونبذ رواياتها الأخرى سيكون من قبيل [[الإيمان]] ببعض الكتاب والكفر ببعضه الآخر. | ||
بعد هذه المقدمة نقول: إننا عندما نطالع [[سيرة]] هذين الإمامين الهمامين ندرك بوضوح أنهما يذهبان إلى القول بأن [[الإمامة]] تكون بالتنصيب [[الإلهي]]، ومن ذلك [[تنصيب الإمام]] علی{{ع}}. وفيما يأتي نشير إلى بعض ما روي عنهما في هذا الشأن: أشار [[الإمام الحسن]]{{ع}} في [[خطبة]] له إلى [[السنة الإلهية]] القائمة على [[تعيين الخليفة]] والإمام بعد [[النبي]]، وعرف مصداق ذلك في [[النبي الأكرم]]{{صل}} وأهل بيته{{عم}} قائلاً: «إن [[الله]] لم يبعث نبياً إلا اختار له نقيباً ورَهْطاً وبيتاً، فو الذي بعث محمداً بالحق نبياً لا ينتقص من حقنا [[أهل البيت]] أحد إلا نقصه الله من عَمَله مثله، ولا تكون علينا [[دولة]] إلا وتكون لنا [[العاقبة]]»<ref>المسعودي، مروج الذهب، ج ٣، ص ١١.</ref>. | بعد هذه المقدمة نقول: إننا عندما نطالع [[سيرة]] هذين الإمامين الهمامين ندرك بوضوح أنهما يذهبان إلى القول بأن [[الإمامة]] تكون بالتنصيب [[الإلهي]]، ومن ذلك [[تنصيب الإمام]] علی{{ع}}. وفيما يأتي نشير إلى بعض ما روي عنهما في هذا الشأن: أشار [[الإمام الحسن]]{{ع}} في [[خطبة]] له إلى [[السنة الإلهية]] القائمة على [[تعيين الخليفة]] والإمام بعد [[النبي]]، وعرف مصداق ذلك في [[النبي الأكرم]]{{صل}} وأهل بيته{{عم}} قائلاً: «إن [[الله]] لم يبعث نبياً إلا اختار له نقيباً ورَهْطاً وبيتاً، فو الذي بعث محمداً بالحق نبياً لا ينتقص من حقنا [[أهل البيت]] أحد إلا نقصه الله من عَمَله مثله، ولا تكون علينا [[دولة]] إلا وتكون لنا [[العاقبة]]» <ref>المسعودي، مروج الذهب، ج ٣، ص ١١.</ref>. | ||
ويروى أيضاً أن الإمام الحسن | ويروى أيضاً أن الإمام الحسن قد اعتلى [[المنبر]] بعد [[شهادة]] [[الإمام علي]]{{ع}} وصرّح بأن إمامته كانت بتنصيب من [[رسول الله]]{{صل}}، حيث قال: {{نص حديث|... قَدْ نَصَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ }}<ref>نقلاً عن: رونالد سن، عقيدة الشيعة، ص ٨٤.</ref>. | ||
وقد أشار الإمام الحسن{{ع}} إلى الأمانتين ([[الثقلين]]) اللتين استودعهما الله عند [[المسلمين]] وقال إنهما تعنيان [[القرآن]] وأهل [[البيت]]، وأكد أن طاعتهم قد فرضت على المسلمين في [[القرآن الكريم]] وسنة النبي الأكرم{{صل}}، إذ يقول: | وقد أشار الإمام الحسن{{ع}} إلى الأمانتين ([[الثقلين]]) اللتين استودعهما الله عند [[المسلمين]] وقال إنهما تعنيان [[القرآن]] وأهل [[البيت]]، وأكد أن طاعتهم قد فرضت على المسلمين في [[القرآن الكريم]] وسنة النبي الأكرم{{صل}}، إذ يقول: {{نص حديث| نَحْنُ حِزْبُ اَللَّهِ اَلْغَالِبُونَ، وَ عِتْرَةُ رَسُولِهِ اَلْأَقْرَبُونَ، وَ أَهْلُ بَيْتِهِ اَلطَّيِّبُونَ اَلطَّاهِرُونَ، وَ أَحَدُ اَلثَّقَلَيْنِ اَللَّذَيْنِ خَلَّفَهُمَا رَسُولُ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فِي أُمَّتِهِ، وَ اَلثَّانِي كِتَابُ اَللَّهِ ، فِيهِ تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ، {{ نص قرآني |لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ}}<ref> سورة فصلت، الآية ٤٢.</ref> ، فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْنَا فِي تَفْسِيرِهِ، لاَ نَتَظَنَّى تَأْوِيلَهُ، بَلْ نَتَيَقَّنُ حَقَائِقَهُ، فَأَطِيعُونَا فَإِنَّ طَاعَتَنَا مَفْرُوضَةٌ، إِذْ كَانَتْ بِطَاعَةِ اَللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ) وَ رَسُولِهِ مَقْرُونَةً}}<ref>المسعودي، مروج الذهب، ج ٣، ص ١١.</ref>. | ||
وقال{{ع}} في خطبة له فى [[مسجد الكوفة]] | وقال{{ع}} في خطبة له فى [[مسجد الكوفة]]: {{نص حديث|يَا أَهْلَ اَلْكُوفَةِ اِتَّقُوا اَللَّهَ فِينَا - فَإِنَّا أُمَرَاؤُكُمْ وَ إِنَّا ضِيفَانُكُمْ وَ نَحْنُ أَهْلُ اَلْبَيْتِ اَلَّذِينَ قَالَ اَللَّهُ {{نص قرآني|إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}}<ref> سورة الأحزاب، الآية ٣٣.</ref>.}}<ref>سير أعلام النبلاء، ج ٤، ص ٣٩٤؛ شواهد التنزيل، ج ٢، ص ٣١.</ref> | ||
وحيث كان يعلم أسباب وجود [[النفاق]] في معسكره فقد اضطر إلى [[الصلح]] مع [[معاوية بن أبي سفيان]] ثم قال: «أيها [[الناس]]، إن [[معاوية]] زعم أني رأيته للخلافة أهلاً ولم أرَ نفسي لها أهلاً، وكذب معاوية. أنا أولى الناس بالناس في [[كتاب الله]] وعلى [[لسان]] [[نبي الله]]»<ref>كتاب سليم بن قيس الهلالي، ص ٤٥٩.</ref>. | وحيث كان يعلم أسباب وجود [[النفاق]] في معسكره فقد اضطر إلى [[الصلح]] مع [[معاوية بن أبي سفيان]] ثم قال: «أيها [[الناس]]، إن [[معاوية]] زعم أني رأيته للخلافة أهلاً ولم أرَ نفسي لها أهلاً، وكذب معاوية. أنا أولى الناس بالناس في [[كتاب الله]] وعلى [[لسان]] [[نبي الله]]»<ref>كتاب سليم بن قيس الهلالي، ص ٤٥٩.</ref>. | ||
وقد دعا [[الإمام الحسين]]{{ع}} كبار قومه في منى وطلب منهم [[الشهادة]] بأن [[النبي الأكرم]]{{صل}} قد [[نصب الإمام]] | وقد دعا [[الإمام الحسين]]{{ع}} كبار قومه في منى وطلب منهم [[الشهادة]] بأن [[النبي الأكرم]]{{صل}} قد [[نصب الإمام علي]]{{ع}} في مقام [[الولاية]] بغدير خم، قائلاً: «أنشدكم [[الله]]، أتعلمون أن [[رسول الله]]{{صل}} نصبه يوم غدیر خم فنادی له بالولاية»<ref>كتاب سليم بن قيس الهلالي، ص ٤٥٩.</ref>. | ||
وروي عنه عنه أنه وقف خطيباً في [[كربلاء]]، فقال: | وروي عنه عنه أنه وقف خطيباً في [[كربلاء]]، فقال: | ||
| سطر ٤٠٨: | سطر ٤١٤: | ||
===مناقشة وتحليل=== | ===مناقشة وتحليل=== | ||
نشير إلى ردّ هذه الشبهة: | |||
==== لزوم التبعية للحكم [[الشرعي]]==== | ==== لزوم التبعية للحكم [[الشرعي]]==== | ||
قبل الدخول في تفاصيل تحليل هذا المدعى ونقده لابد من التذكير بأن [[المسلم]] الحقيقى يجب أن يكون ملتزماً ومنقاداً وممتثلاً لتكاليفه [[الدينية]] والشرعية، وأن لا يكون بصدد الموازنة بين أداء تكاليفه وترجيح مصالحه. | قبل الدخول في تفاصيل تحليل هذا المدعى ونقده لابد من التذكير بأن [[المسلم]] الحقيقى يجب أن يكون ملتزماً ومنقاداً وممتثلاً لتكاليفه [[الدينية]] والشرعية، وأن لا يكون بصدد الموازنة بين أداء تكاليفه وترجيح مصالحه. | ||
وعلى هذا الأساس إذا ثبت لنا بالأدلة الشرعية والدينية أن [[النبي الأكرم]]{{صل}} قد نصب للخلافة والإمامة شخصاً مثل | وعلى هذا الأساس إذا ثبت لنا بالأدلة الشرعية والدينية أن [[النبي الأكرم]]{{صل}} قد نصب للخلافة والإمامة شخصاً مثل [[علي بن أبي طالب]]{{ع}}، وجب علينا [[الالتزام]] بذلك. وعليه فإن ادعاء أهل السنة بأن التنصيب يؤدى إلى الضرر والإضرار بالآخرين، مضافاً إلى عدم واقعيته، خارج في حد ذاته عن دائرة أهل السنة، بمعنى أن السني الحقيقي هو الذي يلتزم بكل ما يقوله [[رسول الله]]{{صل}}. | ||
====التنصيب الخاص أفضل خيار==== | ====التنصيب الخاص أفضل خيار==== | ||
| سطر ٤٢٩: | سطر ٤٣٥: | ||
وعليه هل سيؤدي اختيار هذا الشخص الذي هو وحده [[الصالح]] لإدارة وقيادة المجتمع إلى الإضرار بالمجتمع، أم أن المجتمع سيرى فيه الخيار الأفضل، لعلمه بحرص [[النبي]] وحكمته في هذا الخيار، ويتصدى للدفاع عنه بكل ما أوتي من [[قوة]]. | وعليه هل سيؤدي اختيار هذا الشخص الذي هو وحده [[الصالح]] لإدارة وقيادة المجتمع إلى الإضرار بالمجتمع، أم أن المجتمع سيرى فيه الخيار الأفضل، لعلمه بحرص [[النبي]] وحكمته في هذا الخيار، ويتصدى للدفاع عنه بكل ما أوتي من [[قوة]]. | ||
نعم قد يخرج علينا بعض الأشخاص الذين يخالفون شخص المنصوب، ويسعون إلى تشويه سمعته واغتيال شخصيته من خلال التذرّع بمختلف [[الأدلة]] الواهية، كما حصل ذلك مع [[الإمام علي]]{{ع}}، حيث قيل: إنه حديث السن ا، ولا خبرة له بالقيادة ولا يصلح لها، أو أنه شخص به [[دعابة]]، أو أن قريشاً لن ترضى به | نعم قد يخرج علينا بعض الأشخاص الذين يخالفون شخص المنصوب، ويسعون إلى تشويه سمعته واغتيال شخصيته من خلال التذرّع بمختلف [[الأدلة]] الواهية، كما حصل ذلك مع [[الإمام علي]]{{ع}}، حيث قيل: إنه حديث السن ا، ولا خبرة له بالقيادة ولا يصلح لها، أو أنه شخص به [[دعابة]]، أو أن قريشاً لن ترضى به. في مثل هذه الحالة قد يؤدي عزل الشخص المنصوب إلى تسنم غير الصالحين سدة [[حكم]] [[المجتمع]]، أو يؤدي ذلك إلى [[ظهور]] [[النزاع]] والاختلاف في المجتمع. إلا أن هذه [[الآفة]] لا تنشأ بسبب أصل [[التنصيب]]، وإنما تنشأ من جهة التآمر والتخطيط من قبل أصحاب المصالح الشخصية الضيقة. | ||
وقد صرّح بهذه الإجابة - تنصيب الشخص الأفضل، واقتران عدم من أمثال [[الشيخ]] تنصيبه بلوازم سلبية من قبيل التشتت والاختلاف - فلاسفة الرئيس [[ابن سينا]]، حيث قال بعد الإشارة إلى خيار التنصيب والانتخاب: «[[الاستخلاف]] بالنص أصوب، فإن ذلك لا يؤدي إلى التشعب والتشاغب والاختلاف»<ref>ابن سينا، الإلهيات من الشفاء، ص ٤٥١.</ref>. | وقد صرّح بهذه الإجابة - تنصيب الشخص الأفضل، واقتران عدم من أمثال [[الشيخ]] تنصيبه بلوازم سلبية من قبيل التشتت والاختلاف - فلاسفة الرئيس [[ابن سينا]]، حيث قال بعد الإشارة إلى خيار التنصيب والانتخاب: «[[الاستخلاف]] بالنص أصوب، فإن ذلك لا يؤدي إلى التشعب والتشاغب والاختلاف»<ref>ابن سينا، الإلهيات من الشفاء، ص ٤٥١.</ref>. | ||
| سطر ٤٤١: | سطر ٤٤٧: | ||
إن [[الاختلاف]] في أصل التنصيب أقل منها في الانتخاب الديمقراطي، وربما خطر على [[الذهن]] تساؤلاً مفاده: أن اختيار [[الخليفة الأول]] بعد رحيل [[النبي الأعظم]]{{صل}} لم يكن بتنصيب منه، وإنما تم ذلك عبر [[شورى]] [[السقيفة]]، ومع ذلك لم يحدث أي خلاف أو نزاع يهدّد [[المجتمع الإسلامي]] وبيضة [[الإسلام]]. | إن [[الاختلاف]] في أصل التنصيب أقل منها في الانتخاب الديمقراطي، وربما خطر على [[الذهن]] تساؤلاً مفاده: أن اختيار [[الخليفة الأول]] بعد رحيل [[النبي الأعظم]]{{صل}} لم يكن بتنصيب منه، وإنما تم ذلك عبر [[شورى]] [[السقيفة]]، ومع ذلك لم يحدث أي خلاف أو نزاع يهدّد [[المجتمع الإسلامي]] وبيضة [[الإسلام]]. | ||
في الجواب عن هذه [[الشبهة]] يجب القول: إن الخلاف قد احتدم منذ اللحظة الأولى من تشكيل [[شورى]] [[السقيفة]]، حيث كان [[الأنصار]] يريدون [[الخليفة]] منهم، وفي المقابل أصر المهاجرون ([[أبو بكر]] وعمر) على أن يكون الخليفة منهم، ثم صار بعضهم إلى القول أن يكون لكل فصيل أميره وخليفته، وبعد [[الأدلة]] التي ساقها أبو بكر بادر بعض الأنصار إلى مبايعته، في حين ذهب آخرون منهم إلى الالتحاق بشيعة [[الإمام علي]]{{ع}}، وطالبوا بخلافته. وعلاوة على الأنصار ذهب جماعة من [[الصحابة]] إلى [[البقاء]] في صفّ على{{ع}} من أمثال: [[ابن عباس]] | في الجواب عن هذه [[الشبهة]] يجب القول: إن الخلاف قد احتدم منذ اللحظة الأولى من تشكيل [[شورى]] [[السقيفة]]، حيث كان [[الأنصار]] يريدون [[الخليفة]] منهم، وفي المقابل أصر المهاجرون ([[أبو بكر]] وعمر) على أن يكون الخليفة منهم، ثم صار بعضهم إلى القول أن يكون لكل فصيل أميره وخليفته، وبعد [[الأدلة]] التي ساقها أبو بكر بادر بعض الأنصار إلى مبايعته، في حين ذهب آخرون منهم إلى الالتحاق بشيعة [[الإمام علي]]{{ع}}، وطالبوا بخلافته. وعلاوة على الأنصار ذهب جماعة من [[الصحابة]] إلى [[البقاء]] في صفّ على{{ع}} من أمثال: [[ابن عباس]] و [[المقداد]] و [[سلمان]]. | ||
وفي هذا الخضم كان هناك احتمال أن يؤدي هذا [[الاختلاف]] إلى [[حرب]] طاحنة داخل المجتمع الإسلامي بين أبي بكر وأنصاره من جهة، وبين الإمام علي{{ع}} بوصفه منصباً للإمامة من قبل [[النبي الأكرم]]{{صل}} وشيعته من جهة أخرى. ولكن الإمام علي{{ع}} سحب البساط من تحت اقدام [[المنافقين]] والأعداء الخارجيين، حفاظاً على [[الوحدة]] [[الإسلامية]]، فغض الطرف عن هضم حقه، وقدم [[مصلحة]] [[المسلمين]] العامة على مصلحته الخاصة. | وفي هذا الخضم كان هناك احتمال أن يؤدي هذا [[الاختلاف]] إلى [[حرب]] طاحنة داخل المجتمع الإسلامي بين أبي بكر وأنصاره من جهة، وبين الإمام علي{{ع}} بوصفه منصباً للإمامة من قبل [[النبي الأكرم]]{{صل}} وشيعته من جهة أخرى. ولكن الإمام علي{{ع}} سحب البساط من تحت اقدام [[المنافقين]] والأعداء الخارجيين، حفاظاً على [[الوحدة]] [[الإسلامية]]، فغض الطرف عن هضم حقه، وقدم [[مصلحة]] [[المسلمين]] العامة على مصلحته الخاصة. | ||
| سطر ٤٥٧: | سطر ٤٦٣: | ||
====جواب [[الآمدي]]==== | ====جواب [[الآمدي]]==== | ||
يتضح مما تقدّم [[ضعف]] وفساد الفرضيات الثلاثة التي ساقها | يتضح مما تقدّم [[ضعف]] وفساد الفرضيات الثلاثة التي ساقها [[سيف الدين الآمدي]]. | ||
أما الفرض الأول [[القائم]] على أن [[كراهة]] البعض للإمام المنصوب سوف تؤدي إلى حدوث [[الفتنة]] في [[المجتمع]]. | أما الفرض الأول [[القائم]] على أن [[كراهة]] البعض للإمام المنصوب سوف تؤدي إلى حدوث [[الفتنة]] في [[المجتمع]]. | ||
| سطر ٤٨٥: | سطر ٤٩١: | ||
كما يدعم رأينا هذا توجه [[الخليفة الأول]] ومن تلاه من [[الخلفاء]] الذين منعوا من تدوين [[الحديث النبوي]]، فقد صار الخليفة الأول إلى منع رواية [[أحاديث]] النبي الأكرم{{صل}} لمختلف الأسباب والحجج، وكان شعارهم الأهم «[[حسبنا كتاب الله]]»، في حين أن هذا الكتاب نفسه قد فوّض للنبي أمر شرح [[الدين]] وبيانه للناس، إذ يقول تعالى: {{نص قرآني|وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}}<ref> سورة النحل، الآية ٤٤.</ref>. | كما يدعم رأينا هذا توجه [[الخليفة الأول]] ومن تلاه من [[الخلفاء]] الذين منعوا من تدوين [[الحديث النبوي]]، فقد صار الخليفة الأول إلى منع رواية [[أحاديث]] النبي الأكرم{{صل}} لمختلف الأسباب والحجج، وكان شعارهم الأهم «[[حسبنا كتاب الله]]»، في حين أن هذا الكتاب نفسه قد فوّض للنبي أمر شرح [[الدين]] وبيانه للناس، إذ يقول تعالى: {{نص قرآني|وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}}<ref> سورة النحل، الآية ٤٤.</ref>. | ||
لقد أمر [[الخليفة الثاني]] بجمع المكتوب من أحاديث النبي الأكرم{{صل}} وحرقه، وقد بلغ تشدّده في هذا الأمر حداً حبس معه بعض [[الرواة]] من أمثال [[عبد الله بن مسعود]] و[[أبي الدرداء]] و[[أبي مسعود الأنصاري]]<ref>انظر: شمس الدين الذهبي، تذكرة الحفاظ، ج ١، ص ٢ - ٧؛ المتقي الهندي، منتخب الكنز (المدرج في حاشية مسند أحمد، ج ٤، ص ٦٤).</ref>. | لقد أمر [[الخليفة الثاني]] بجمع المكتوب من أحاديث النبي الأكرم{{صل}} وحرقه، وقد بلغ تشدّده في هذا الأمر حداً حبس معه بعض [[الرواة]] من أمثال [[عبد الله بن مسعود]] و [[أبي الدرداء]] و [[أبي مسعود الأنصاري]]<ref>انظر: شمس الدين الذهبي، تذكرة الحفاظ، ج ١، ص ٢ - ٧؛ المتقي الهندي، منتخب الكنز (المدرج في حاشية مسند أحمد، ج ٤، ص ٦٤).</ref>. | ||
وقد استمر هذا النهج على وتيرة أشد في المراحل اللاحقة، فها هو [[معاوية بن أبي سفيان]] يكتب إلى عامله بإهدار دم كل من يروي [[فضيلة]] في [[علي بن أبي طالب]] وأهل [[البيت]]<ref>انظر: ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٣، ص ١٥ - ١٦.</ref>. | وقد استمر هذا النهج على وتيرة أشد في المراحل اللاحقة، فها هو [[معاوية بن أبي سفيان]] يكتب إلى عامله بإهدار دم كل من يروي [[فضيلة]] في [[علي بن أبي طالب]] وأهل [[البيت]]<ref>انظر: ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٣، ص ١٥ - ١٦.</ref>. | ||
| سطر ٤٩٦: | سطر ٥٠٢: | ||
==== وجود الدوافع [[السياسية]] في مسألة [[الإمامة]]==== | ==== وجود الدوافع [[السياسية]] في مسألة [[الإمامة]]==== | ||
ذكرنا أن هناك اختلافاً بين [[المسلمين]] حتى في المسائل العبادية | ذكرنا أن هناك اختلافاً بين [[المسلمين]] حتى في المسائل العبادية والتعبدية، من قبيل: كيفية [[وضوء]] [[النبي الأكرم]]{{صل}}، في حين أن وضوء [[النبي]] كان يتم بشكل يومي وعلى مرأى ومسمع من جميع المسلمين. وعليه يجب أن نضيف هنا إلى احتمال [[الخفاء]] أن المسألة المتنازع عليها إذا كانت من المسائل السياسية والدنيوية وكانت تتصل بالمصالح السياسية والاجتماعية الجوهري والحيوية، بل والقبلية أو المناطقية، فإن الدوافع إلى إخفائها والتحفظ عليها ستكون أشدّ وأقوى. | ||
واضح أن مسألة [[الخلافة]] والسلطة وما هي المنطقة أو العشيرة التي ينتمي إليها [[الخليفة]]، ينطوي على ما لا يحصى من المصالح والمنافع لهذا الطيف الخاص من [[الناس]]، ولذلك يكون احتمال إنكار [[النص]] أو تأويله لمصلحة فئة دون فئة أخرى أشد. | واضح أن مسألة [[الخلافة]] والسلطة وما هي المنطقة أو العشيرة التي ينتمي إليها [[الخليفة]]، ينطوي على ما لا يحصى من المصالح والمنافع لهذا الطيف الخاص من [[الناس]]، ولذلك يكون احتمال إنكار [[النص]] أو تأويله لمصلحة فئة دون فئة أخرى أشد. | ||
| سطر ٥٠٢: | سطر ٥٠٨: | ||
====تصريح [[الإمام علي]]{{ع}} وبعض [[الصحابة]] بوجود النص==== | ====تصريح [[الإمام علي]]{{ع}} وبعض [[الصحابة]] بوجود النص==== | ||
الأمر الآخر هو أن [[أهل السنة]] حيث يؤمنون بعدالة جميع الصحابة كيف يتعاملون مع الإمام علي{{ع}} وبعض الصحابة الآخرين، من أمثال: [[أبي ذر الغفاري]] | الأمر الآخر هو أن [[أهل السنة]] حيث يؤمنون بعدالة جميع الصحابة كيف يتعاملون مع الإمام علي{{ع}} وبعض الصحابة الآخرين، من أمثال: [[أبي ذر الغفاري]] و [[سلمان الفارسي]] و [[عبد الله بن عباس]] و [[أبي أيوب الأنصاري]] و [[عمار بن ياسر]] و [[خزيمة بن ثابت]] و [[أبي بن كعب]] و [[عثمان بن حنيف]] وغيرهم، وقد صدر عنهم التأكيد مراراً وتكراراً بوجود النص على [[التنصيب]] والإمامة؟ وقد تقدم ذكر كثير من [[الروايات]] عن النبي الأكرم{{صل}} والإمام علي{{ع}} فى أنه معيار [[الحق]] فيما يتعلق بالنص على إمامته. وسنأتي على ذكر نصوص الصحابة على أصل التنصيب في الصفحات القادمة إن شاء الله وتعالى. | ||
على أهل السنة أن يحسموا أمرهم، فهل ما يدعيه الإمام علي{{ع}} وغيره من الصحابة بشأن وجود النص، أمر واقعي وحقيقي أم لا؟ | على أهل السنة أن يحسموا أمرهم، فهل ما يدعيه الإمام علي{{ع}} وغيره من الصحابة بشأن وجود النص، أمر واقعي وحقيقي أم لا؟ | ||
| سطر ٥١١: | سطر ٥١٧: | ||
====الفصل بين [[الإمامة]] والخلافة==== | ====الفصل بين [[الإمامة]] والخلافة==== | ||
إن النقطة الدقيقة التي تجب علينا ملاحظتها بدقة وعناية خاصة هي البحث في [[أبعاد الإمامة]] وقد تقدم في بحث تعريف الإمامة أن أشرنا إلى مختلف أبعادها، من قبيل: [[المرجعية العلمية]] والدينية والولاية المعنوية والسياسية والاجتماعية. فلو فرضنا - جدلاً - اختفاء النص على [[التنصيب]]، فإن هذا يقتصر على الدائرة [[السياسية]] والاجتماعية من الإمامة، بمعنى أنه سينحصر بمسألة [[الحكم]] والخلافة. وأما فيما يتعلق بالبعد الآخر من الإمامة والذي يتمثل بالمرجعية العلمية والدينية - [[الممكن]] طرحه حالياً، ويمكن الاستناد إليه من قبلعموم [[المسلمين]] - فهناك نصوص متعددة ومتواترة في مصادر [[الفريقين]]، من قبيل [[حديث الثقلين]]، مما لا مجال إلى إنكاره أو تأويله. | إن النقطة الدقيقة التي تجب علينا ملاحظتها بدقة وعناية خاصة هي البحث في [[أبعاد الإمامة]] وقد تقدم في بحث تعريف الإمامة أن أشرنا إلى مختلف أبعادها، من قبيل: [[المرجعية العلمية]] والدينية والولاية المعنوية والسياسية والاجتماعية. فلو فرضنا - جدلاً - اختفاء النص على [[التنصيب]]، فإن هذا يقتصر على الدائرة [[السياسية]] والاجتماعية من الإمامة، بمعنى أنه سينحصر بمسألة [[الحكم]] والخلافة. | ||
وأما فيما يتعلق بالبعد الآخر من الإمامة والذي يتمثل بالمرجعية العلمية والدينية - [[الممكن]] طرحه حالياً، ويمكن الاستناد إليه من قبلعموم [[المسلمين]] - فهناك نصوص متعددة ومتواترة في مصادر [[الفريقين]]، من قبيل [[حديث الثقلين]]، مما لا مجال إلى إنكاره أو تأويله. | |||
وعليه فإن أقصى ما ينكره أهل السنة وغيرهم من الذين ينكرون وجود النص، إنما ينكرونه في دائرة التنصيب بمعنى [[الخلافة]] والحكم. وأما الإمامة بمعنى المرجعية العلمية والدينية والولاية المعنوية فيجب عدم إنكارها، وعليهم اعتبار [[السيرة]] النظرية والعملية للإمام على{{ع}} معياراً للحق والحجة [[الإلهية]]، وأن يلتزموا بها؛ ذلك لأن مصادرهم مفعمة بأمثال هذه النصوص. | وعليه فإن أقصى ما ينكره أهل السنة وغيرهم من الذين ينكرون وجود النص، إنما ينكرونه في دائرة التنصيب بمعنى [[الخلافة]] والحكم. وأما الإمامة بمعنى المرجعية العلمية والدينية والولاية المعنوية فيجب عدم إنكارها، وعليهم اعتبار [[السيرة]] النظرية والعملية للإمام على{{ع}} معياراً للحق والحجة [[الإلهية]]، وأن يلتزموا بها؛ ذلك لأن مصادرهم مفعمة بأمثال هذه النصوص. | ||