الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الضلالة في القرآن»
لا يوجد ملخص تحرير
لا ملخص تعديل |
لا ملخص تعديل |
||
| سطر ٢٥: | سطر ٢٥: | ||
===في العقائد=== | ===في العقائد=== | ||
من أبرز موارد الضلالة في العقائد الكفر والشرك وعبادة الأوثان. لذلك، اعتبر القرآن الكريم الشرك وعبادة الأوثان من المصاديق البارزة للضلالة، ووصفها بـ«الضلال البعيد»، أي الضلال السحيق (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤١٩)، كقوله تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًۢا بَعِيداً﴾ (النساء: ١١٦)، وقوله: ﴿يَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلْبَعِيدُ﴾ (الحج: ١٢). وقد قيل إن تعبير «الضلال البعيد» استُخدم في حق المشرك لأنه قد ابتعد عن الطريق المستقيم لدرجة أنه يرى نفسه تائهاً في صحراء لا معين له فيها ولا سند، ولا يُرجى له اهتداء لأنه أضاع المقصد نفسه (تسنيم، ج ٢٠، ص ٤٦٩). كما عدّ القرآن أي كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر «ضلالاً بعيداً» (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤١٩)، فقال: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًۢا بَعِيداً﴾ (النساء: ١٣٦). | من أبرز موارد الضلالة في العقائد الكفر والشرك وعبادة الأوثان. لذلك، اعتبر القرآن الكريم الشرك وعبادة الأوثان من المصاديق البارزة للضلالة، ووصفها بـ«الضلال البعيد»، أي الضلال السحيق (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤١٩)، كقوله تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًۢا بَعِيداً﴾ (النساء: ١١٦)، وقوله: ﴿يَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلْبَعِيدُ﴾ (الحج: ١٢). وقد قيل إن تعبير «الضلال البعيد» استُخدم في حق المشرك لأنه قد ابتعد عن الطريق المستقيم لدرجة أنه يرى نفسه تائهاً في صحراء لا معين له فيها ولا سند، ولا يُرجى له اهتداء لأنه أضاع المقصد نفسه (تفسير تسنيم، ج ٢٠، ص ٤٦٩). كما عدّ القرآن أي كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر «ضلالاً بعيداً» (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤١٩)، فقال: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًۢا بَعِيداً﴾ (النساء: ١٣٦). | ||
وقد وصف القرآن الشرك أيضاً بـ«الضلال المبين»، أي الضلال الواضح. فقد رأى إبراهيم (ع) أن عمه آزر وقومه في «ضلال مبين» لعبادتهم الأصنام من دون الله (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤١٩)، فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً ءَالِهَةً إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ﴾ (الأنعام: ٧٤). ويُعزى استخدام تعبير «الضلال المبين» إلى أنه لا توجد ضلالة أوضح من أن يتخذ الإنسان حجراً أو خشباً نحته بيده، لا يملك أي قدرة أو شعور، معبوداً له ويعبده (أطيب البيان، ج ١١، ص ٦٣). | وقد وصف القرآن الشرك أيضاً بـ«الضلال المبين»، أي الضلال الواضح. فقد رأى إبراهيم (ع) أن عمه آزر وقومه في «ضلال مبين» لعبادتهم الأصنام من دون الله (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤١٩)، فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً ءَالِهَةً إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ﴾ (الأنعام: ٧٤). ويُعزى استخدام تعبير «الضلال المبين» إلى أنه لا توجد ضلالة أوضح من أن يتخذ الإنسان حجراً أو خشباً نحته بيده، لا يملك أي قدرة أو شعور، معبوداً له ويعبده (أطيب البيان، ج ١١، ص ٦٣). | ||
| سطر ٣٢: | سطر ٣٢: | ||
قسوة القلب هي مصداق للضلالة في الصفات والملكات الباطنية. فالقرآن الكريم لا يساوي بين من شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، وبين من كان قلبه قاسياً لا ينفذ إليه الحق ولا نور له يهتدي به، ويَعُدّ من قست قلوبهم عن ذكر الله في ضلال مبين (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢٠)، فيقول: ﴿أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ فَوَيْلٌۭ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ﴾ (الزمر: ٢٢). وقد استُخدم تعبير ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ﴾ في حق هؤلاء ليكون جواباً عن سؤال مفاده: كيف يكون ذكر الله، الذي هو سبب طمأنينة قلوب المؤمنين، سبباً في كراهية البعض وقسوة قلوبهم؟ والجواب هو أن هؤلاء، بسبب تكبرهم وعنادهم، غارقون في ضلال عميق حتى إن ذكر الله يؤثر فيهم تأثيراً عكسياً؛ وهو ضلال واضح للعيان لا يخفى على أحد (التحرير والتنوير، ج ٢٤، ص ٦٤). | قسوة القلب هي مصداق للضلالة في الصفات والملكات الباطنية. فالقرآن الكريم لا يساوي بين من شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، وبين من كان قلبه قاسياً لا ينفذ إليه الحق ولا نور له يهتدي به، ويَعُدّ من قست قلوبهم عن ذكر الله في ضلال مبين (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢٠)، فيقول: ﴿أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ فَوَيْلٌۭ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ﴾ (الزمر: ٢٢). وقد استُخدم تعبير ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ﴾ في حق هؤلاء ليكون جواباً عن سؤال مفاده: كيف يكون ذكر الله، الذي هو سبب طمأنينة قلوب المؤمنين، سبباً في كراهية البعض وقسوة قلوبهم؟ والجواب هو أن هؤلاء، بسبب تكبرهم وعنادهم، غارقون في ضلال عميق حتى إن ذكر الله يؤثر فيهم تأثيراً عكسياً؛ وهو ضلال واضح للعيان لا يخفى على أحد (التحرير والتنوير، ج ٢٤، ص ٦٤). | ||
كذلك، يُعد النفاق والرياء من الملكات الباطنية التي هي من مصاديق الضلالة. فالقرآن يصف المنافقين بأنهم ضالون استبدلوا الهداية الفطرية بالضلالة الاختيارية، فكانت تجارتهم خاسرة (تسنيم، ج ٢، ص ٣٠٩)، فقال: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾ (البقرة: ١٦). | كذلك، يُعد النفاق والرياء من الملكات الباطنية التي هي من مصاديق الضلالة. فالقرآن يصف المنافقين بأنهم ضالون استبدلوا الهداية الفطرية بالضلالة الاختيارية، فكانت تجارتهم خاسرة (تفسير تسنيم، ج ٢، ص ٣٠٩)، فقال: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾ (البقرة: ١٦). | ||
===في الأعمال=== | ===في الأعمال=== | ||
| سطر ٦٨: | سطر ٦٨: | ||
==الإضلال الإلهي== | ==الإضلال الإلهي== | ||
تدل آيات كثيرة على عدم اهتداء الضالين الذين ألقوا بأنفسهم في الضلال بسوء اختيارهم، وأصروا على ضلالهم عناداً واستكباراً. فالله تعالى يتركهم وشأنهم ويعاقبهم بحرمانهم من لطفه وعونه، وهذا الحرمان من المدد الإلهي هو ما يسبب ضلالهم (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢٦). إذن، الإضلال من الله هو في حقيقته أمر سلبي بمعنى قطع فيض الهداية، لا دفع الإنسان نحو هاوية الضلال (تسنيم، ج ٢٠، ص ٨٨-٨٩). ويذكر القرآن أسباباً متعددة لهذا الحرمان والإضلال، منها الفسق: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ (البقرة: ٢٦)، والكفر بعد الإيمان (آل عمران: ٨٦). ويستمر هذا الإضلال ما داموا مصرين على كفرهم، فإن تابوا توبة نصوحاً قبل الله توبتهم، أما إن أصروا على كفرهم وازدادوا فيه، فلن تُقبل توبتهم، وأولئك هم الضالون حقاً (الميزان، ج ٣، ص ٣٤١)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًۭا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ﴾ (آل عمران: ٩٠). | تدل آيات كثيرة على عدم اهتداء الضالين الذين ألقوا بأنفسهم في الضلال بسوء اختيارهم، وأصروا على ضلالهم عناداً واستكباراً. فالله تعالى يتركهم وشأنهم ويعاقبهم بحرمانهم من لطفه وعونه، وهذا الحرمان من المدد الإلهي هو ما يسبب ضلالهم (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢٦). إذن، الإضلال من الله هو في حقيقته أمر سلبي بمعنى قطع فيض الهداية، لا دفع الإنسان نحو هاوية الضلال (تفسير تسنيم، ج ٢٠، ص ٨٨-٨٩). ويذكر القرآن أسباباً متعددة لهذا الحرمان والإضلال، منها الفسق: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ (البقرة: ٢٦)، والكفر بعد الإيمان (آل عمران: ٨٦). ويستمر هذا الإضلال ما داموا مصرين على كفرهم، فإن تابوا توبة نصوحاً قبل الله توبتهم، أما إن أصروا على كفرهم وازدادوا فيه، فلن تُقبل توبتهم، وأولئك هم الضالون حقاً (الميزان، ج ٣، ص ٣٤١)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًۭا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ﴾ (آل عمران: ٩٠). | ||
==الضلالة في سياق دعوة النبي محمد (ص)== | ==الضلالة في سياق دعوة النبي محمد (ص)== | ||