الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الإرادة الإلهية»

أُزيل ٦٠٬١٩٠ بايت ،  ٢٩ أبريل ٢٠٢٤
تحويل إلى إرادة الله
(تحويل إلى إرادة الله)
وسم: تحويلة جديدة
 
سطر ١: سطر ١:
==تمهيد==
#تحويل [[إرادة الله]]
إن لصفة الإرادة أهمية خاصة وهي من الصفات الثبوتية، ويعتقد المتكلمون الإسلاميون با تصاف الله بالإرادة ولكنهم اختلفوا اختلافاً شديداً في تبيين هذه الصفة وفي بعض أحكامها. توجد بعض الأسئلة المهمة تستحق البحث، وهي:
 
ما هو التعريف الدقيق للإرادة الإلهية؟
 
هل الإرادة من الصفات الذاتية لله أو من الصفات الفعلية؟
 
هل أن إرادة الله قديمة أم حادثة؟
 
ما هو الاختلاف بين مفهوم الإرادة ومفاهيم أخرى كالاختيار والمشيئة؟
 
كما نجد أبحاث دقيقة وعميقة عند الفلاسفة المسلمين كذلك في باب حقيقة الإرادة الإلهية مما زاد من تعقيد وعمق البحث.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٥٧.</ref>
 
عقد الشيخ الكليني في (أصول الكافي) باباً أسماه (باب الإرادة أنها من صفات الفعل) وذكر بعض الروايات التي تؤيد هذا المعنى، ولما كانت صفات الفعل خارجة عن ذاته تعالى، فإرادته تعالى لا تكون عين ذاته على هذا الأساس.
 
وذكر السيد نعمة الله الجزائري في (شرح التهذيب) في مقام بيان الفروع التي وقع التعارض فيها بين العقل والنقل مسألة الإرادة، وقال: إنَّ المتكلمين من أصحابنا أقاموا البراهين العقلية على كونها عين الذات، في حين ورد في الأخبار المستفيضة أنها زائدة عليها، وإنها من صفات الأفعال<ref>نقلاً عن وسيلة الوسائل في شرح الرسائل للسيد محمدباقر الطباطبائي اليزدي.</ref>.
 
ولكي نسلط الضوء على هذا البحث نذكر بعض الأخبار التي تشير إليها النصوص الدالة على إن الإرادة حادثة:
#{{نص حديث|عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ اَلنَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: قُلْتُ لَمْ يَزَلِ اَللَّهُ مُرِيداً قَالَ إِنَّ اَلْمُرِيدَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ لِمُرَادٍ مَعَهُ لَمْ يَزَلِ اَللَّهُ عَالِماً قَادِراً ثُمَّ أَرَادَ}}<ref>التوحيد للشيخ الصدوق، ص١۴۶.</ref>. هنا نجد الإرادة صفة إضافية، ولا معنى لكون الصفات الإضافية عين الذات الإلهية كما قدمنا ونجد التصريح بأنَّ العلم والقدرة أزليان، لكن الإرادة حادثة.
#{{نص حديث|عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: اَلْمَشِيَّةُ مُحْدَثَةٌ}}<ref>التوحيد للشيخ الصدوق، ص۱۴۷ و۳۳۶.</ref>.
#{{نص حديث|عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ جَعْفَرٍ اَلْجَعْفَرِيِّ، قَالَ: قَالَ اَلرِّضَا عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ : «اَلْمَشِيئَةُ وَ اَلْإِرَادَةُ مِنْ صِفَاتِ اَلْأَفْعَالِ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يَزَلْ مُرِيداً وَ شَائِياً فَلَيْسَ بِمُوَحِّدٍ}}<ref>التوحيد للشيخ الصدوق، ص۳۳۸.</ref>.
 
والتصريح بنفي صفة التوحيد عمن يعتقد أزلية الإرادة والمشيئة يؤكد أهمية الموضوع.<ref>[[سيد فاضل ميلاني]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|العقائد الإسلامية]]، ص ١١٠-١١١.</ref>
 
==حقيقة الإرادة في الإنسان==
الإنسان عندما يكون بصدد القيام بعمل اختياري يجد حالة في باطنه يُعبّر عنها بالإرادة، هذه الحالة هي حالة نفسانية وكما هو حال سائر الأحوال الباطنية، فإنها تدرك بالعلم الحضوري، مع هذا فإن حضور علمنا بهذه الحالة لا يعني أن تبيينها في قالب مفاهيم ذهنية (علم حصولي) أمرٌ سهل، وهذا ما أدى إلى الاختلاف في تعريف إرادة الإنسان. فقال جماعة أن الإرادة هي الاعتقاد بمنفعة الفعل، أما قبل القيام بعمل ما نصدق بنفعه وهذا التصديق هو إرادتنا على القيام بالعمل المذكور.
 
و أحياناً يُعبر عن التصديق ب (الداعي)، فالإرادة هي الداعي على القيام بالعمل، ويرى جماعة أخرى أن الإرادة غير الداعى، بل يعتقدون أن صرف الاعتقاد بمنفعة العمل ليس هو إرادة القيام بذلك العمل، وتوجد هنا أيضاً آراء مختلفة، منها أنه بعد الاعتقاد بمنفعة العمل يحصل في النفس شوق للعمل وهذا الشوق هو الإرادة، وقد يُقال: إن الإرادة هي ميلنا للقيام بفعل ما والكراهة التي تقع مقابل الإرادة هي ميلنا إلى ترك الفعل، وفي رأي آخر يتفاوت الشوق والميل عن القيام بالفعل، فيُقال: إن الإرادة كيفية نفسانية تحصل في النفس بعد العلم بمنفعة الفعل وقبل القيام به وتسبب ترجيح القيام بالفعل على تركه، ولكل رأي من هذه الآراء أدلته وبراهينه، نعرض عن ذكرها لتلافي الإطالة<ref>مثلاً يُقال: إن العطشان عندما يرى كأسين ماء يختار أحدهما لرفع العطش مع أن إرادته للاثنين كانت متساوية فيعلم أن الارادة غير العلم بمنفعة الفعل. للمراجعة ماقيل في هذا الباب يُمكن الرجوع إلى: مناهج اليقين في أصول الدين، ص۱۷۱؛ المطالب العالية، ج۳، ص۱۷۷.</ref>، ما يهم هو أننا لا يُمكننا تسرية معنى الإرادة في الموجودات الممكنة - كالإنسان - إلى الله بدون حذف الجهات الموجبة للنقص والمحدودية. مثلاً: إرادة الإنسان بأيّ معنى كان هي حالة نفسانية وحادثة تعرض على النفس الإنسانية، ومن البديهي أن هكذا معنى لا يتناسب ومقام الإلهية؛ لأن ذات الله منزهه عن أي تغيير وتحول، أو أن تكون معروضه للعوارض.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٥٧-٢٥٨.</ref>
 
==آراء المتكلمين في بيان حقيقة الإرادة الإلهية==
كما ألمعنا أول الكلام أن البحث عن حقيقة الإرادة الإلهية كانت معركة آراء المتكلمين (والفلاسفة)، نذكر باختصار بعض هذه الآراء:
#معنى الإرادة الإلهية أن الله يقوم بالفعل بدون إجبار أو إكراه، فإرادة الله يعني سلب الإجبار والإكراه عن أفعاله، بذلك تصبح صفة الإرادة صفة سلبية<ref>نسب هذا القول إلى النجار. كشف المراد، ص۳۱۴؛ إرشاد الطالبيين، ص٢٠۵.</ref>.
#إرادة الله بمعنى، إعمال قدرة الله وحاكميته<ref>المحاضرات، (تقريرات دروس الأصول إلى آية الله الخوئي)، ج۲، ص۳۶ و۷۲.</ref>.
#إرادة الله في مقام الذات عبارة عن محبة الله لذاته وكمالاته، وفي مقام الفعل عبارة عن رضا الله بوقوع الفعل<ref>دروس في العقيدة، ج۱، ص۱۱۳.</ref>.
#المقصود من إرادة الله هو علمه الذاتي بالنظام الأحسن، بعض الحكماء يرى أن الإرادة الإلهية كصفة ذاتية تساوق علمه الذاتي بالنظام الأصلح للعالم، العلم الذي يقع في السلسلة العلية لوجود العالم ومن مبادئ إيجاده<ref>مثلاً: يُمكن الرجوع: صدر المتألهين، أسفار، ج۶، ص۳۱۶.</ref>.
#إرادة الله عبارة عن اختياره الذاتي، الله ذاتاً فاعل مختار، وإرادته ليست إلا اختياره، وإن كان من الممكن تفسير اختياره بأنه (غير مجبور وغيرمكره) لكن هذا التفسير لا يستلزم أن تكون الإرادة – المساوقة للاختيار الذاتي - صفة سلبية كما أن تفسير العلم ب(عدم الجهل) لا يستلزم أن تكون صفة العلم سلبية<ref>السبحاني، محاضرات في الإلهيات، ص١۴٨.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٥٩.</ref>
 
==الإرادة الذاتية والإرادة الفعلية==
تتضح أهمية هذه المسألة عندما نتأمل في بعض التعريفات المذكورة للإرادة كالتعريف الرابع الذي يرى أن الإرادة ذاتية أما التعريف الثاني يرى أن الإرادة فعلية والتعريف الثالث يجمع كلا القسمين للإرادة، فمن المناسب قبل تقييم التعاريف أن نجيب عن هذا السؤال: هل الإرادة صفة فعلية أم ذاتية؟
 
يُمكننا التمييز بين مرتبتي الإرادة بتعريف كل منهما، كثير من المتكلمين والفلاسفة المسلمين يرون أن الإرادة الذاتية تساوق علم الله الذاتي بالنظام الأحسن، أي: أن الله يعلم بخصوصيات النظام الأحسن؛ يعني يعلم بأحسن وضع ممكن للعالم وهذا العلم هو منشأ ظهور العالم والإرادة الذاتية لله، كذلك ليست إلا هذا العلم المذكور. ولكن قبول هذا الرأي لا يخلو من إشكال، فبالتأمل في معنى الإرادة ومراجعة الإرتكازات اللغوية يتضح أن معنى الإرادة غير معنى العلم<ref>نقد العلامة الطباطبائي نظرية (مساوقة الإرادة الذاتية مع علم الله للنظام الأحسن) في موارد مختلفة، يُمكن الرجوع إلى: التعليقة على الأسفار، ج۶، ص۳۱۵، التعليقة رقم ۳، والعلامة الطباطبائي، نهاية الحكمة، المرحلة ۱۲، الفصل ۱۳.</ref>. وجاء في بعض الروايات - كما سيأتي - التفكيك بين العلم والمشيئة. إذا لم نقبل بمساوقة الإرادة الذاتية وعلم الله بالنظام الأحسن فسوف نواجه مشكلة في تصور إرادة الله كصفة ذاتية، إلا إذا اخترنا التعريف الخامس، وعرفنا الإرادة الذاتية لله بالاختيار الذاتي، أي: أن ذات الله واجدة لنوع من الكمال الوجودي الذي على أساسه لا تكون مقهورة ومغلوبة لأي موجود آخر وتفعل بالاختيار وبعيداً عن إجبار وإكراه الغير.
 
كما يُمكن إرجاع الإرادة الفعلية إلى صفاتٍ، كالحب والرضا، فإرادة الله الوقوع فعل خاص عبارة عن تعلق محبته ورضاه بوقوع ذلك الفعل، وقد يشكل هنا كذلك أننا ندرك بالوجدان أن معنى الإرادة غير معنى المحبة والرضا.
 
و هناك احتمال آخر أيضاً وهو أن نقول بأن صفة الإرادة كصفة فعلية تُنتزع من مرتبة فعل الواجب تعالى، أي: أنها تُنتزع من إيجاد الموجودات (بلحاظ خاص)؛ وتوضيح ذلك: أن عقل الإنسان يرى أن وجود كل مخلوق في مكان وزمان خاصين وبكيفية خاصة، هذا وقع متعلق علم ومحبة الله، والله أوجده بإرادته وبدون أن يجبره أحد من مخلوقاته، فبلحاظ العلاقة الخاصة بين الله ومخلوقاته نتزع صفة الإرادة. كما يوجد رأي آخر في المقام، ينتزع على أساسه الإرادة كصفة فعل وهو: بلحاظ العلاقة بين الله والفعل الذي كل أسبابه تامة، فكلما نظرنا إلى علاقة الفعل – الذي هو علة تامة لذلك الموجود- بالذات الإلهية فإننا ننتزع صفة الإرادة ونقول أن الله أراد تحقق الفعل المذكور.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٦٠-٢٦١.</ref>
 
==حدوث الإرادة الإلهية أو قدمها==
بعد اتضاح معنى إرادة الله، من المناسب أن نبحث في قدمها أو حدوثها، وبالنظر إلى آراء المتكلمين في هذا البحث نجد أن هناك اختلافاً شديداً في هذه المسألة أيضاً. فيرى الأشاعرة أن الإرادة صفة ثبوتية وزائدة على الذات وهي قديمة كالذات. في المقابل يعتقد البعض بحدوث صفة الإرادة ويختلفون في ماهية ومحل حدوثها<ref>يرى الكرامية أن صفة الإرادة في الذات الإلهيه حادثة، لكن يرى الجبائي وجماعة من المعتزلة أن الإرادة حادثة بدون محل.</ref>. بلحاظ ما ذُكر في بحث الإرادة الذاتية والفعلية، يُمكن أن يقال: إن الإرادة الذاتية عين ذات الله ولذلك قدم الذات يشملها، فالإرادة كصفة ذاتية قديمة بقدم الذات، ولذلك كان البحث عن الإرادة الفعلية من جهة أنها تُنتزع من العلاقة بين الذات وأفعال الله، وأحد طرفي هذه العلاقة – يعني الفعل - حادث، فالإرادة حادثة كذلك، وكما مرَّ في بحث اختلاف الصفات الذاتية والفعلية، فإن منشأ انتزاع الصفة الفعلية ليس هو ذات الله حتى يشكل حدوثها، بل إنها تُنتزع من مقام الفعل.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٦١-٢٦٢.</ref>
 
==الفرق بين الإرادة والمشيئة والاختيار==
يتصف الله بصفتي المشيئة والاختيار بالإضافة إلى الإرادة، فهل هذه الصفات مترادفة أو أن لكل منها معنى مستقل؟
 
يُستفاد من بعض العبارات أنه لا يوجد اختلاف بين الإرادة والمشيئة وكلاهما تستعملان بمعنى واحد. ولكن يرى جماعة من المتكلمين وجود اختلاف بينهما، فيقول البعض أن الإرادة هي العلم بمصلحة أو مفسدة الفعل، والمشيئة هي إرادة القيام بالفعل أو تركه، فالإرادة تبتني على العلم بالمصلحة أو المفسدة<ref>عبدالرزاق لاهيجي، سرماية إيمان، ص۴۸.</ref>. كما قيل: إن متعلق المشيئة هو ماهية المعلول أما متعلق الإرادة فهو وجوده<ref>الأسفار، ج۶، ص۳۱۳، تعليق الحكيم السبزواري.</ref>. كما مرَّ أنه في بعض تفاسير الإرادة الذاتية، ذكر البعض أنه لا فرق بين الإرادة والاختيار، بل إن حقيقة الإرادة ترجع إلى اختيار الله، وهناك رأي آخر وهو أن الاختيار عبارة عن القيام بالفعل، هذا الفعل مسبوق بالعلم والمشيئة والإرادة والقدرة، عندها يُنتزع من علاقة الفاعل بهكذا فعل صفة المختار.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٦٢-٢٦٣.</ref>
 
==دليل المتكلمين على الإرادة الإلهية==
من الأدلة المشهورة للمتكلمين هو أن بعض أفعال الله تتحقق في وقت خاص؛ مثلاً: نرى موجوداً يخلق في زمان خاص كان معدوماً قبله، واختصاص هذه الأفعال بزمان خاص يحتاج إلى مخصص، بالتأمل في صفاتٍ، كالقدرة والعلم الإلهي يتضح أنه لا يصح تخصيصها، مثلاً: القدرة متساوية في كل الأزمنة، فلا يُمكن أن يقال: إن الله في زمان ما قادر على فعل معين غير قادر عليه في زمان آخر، وهكذا بالنسبة إلى العلم، فيجب أن يوجد مخصِّص آخر غير العلم والقدرة وهو الإرادة.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٦٣.</ref>
 
==الإرادة التكوينية والتشريعية==
كل ما ذُكر حتى الآن في بحث الإرادة يقع في دائرة الإرادة التكوينية لله، ويرى المتكلمون أن هناك نوعاً آخر للإرادة غير هذا النوع وهو الإرادة التشريعية، والتي متعلقها عبارة عن الأفعال الخاصة للإنسان.
 
تُنتزَع صفة الوجوب أو الاستحباب من متعلق الإرادة التشريعية - التي تقع في قبال الإرادة التكوينية - ببعض الأفعال، وتعلق الكراهة التشريعية في بعض الأفعال الأخرى، فتكون مبدأ انتزاع وصف الحرمة - أو الكراهة - فالإرادة الفعلية والتكوينية لله منبع وجود الكائنات والموجودات؛ بعبارة أخرى: الإرادة التكوينية تُنتزع من العلاقة الخاصة بين ذات الله ومخلوقاته، أما منشأ انتزاع الإرادة التشريعية فهو العلاقة الخاصة بين الله وأفعال الإنسان الاختيارية. من الاختلافات الأخرى بين هاتين الإرادتين هو أن عدم تحقق المراد - ما تعلقت به الإرادة - ممتنع في الإرادة التكوينية ولكنه ممكن في الإرادة التشريعية.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٦٣-٢٦٤.</ref>
 
==الإرادة والمشيئة الإلهية في القرآن والروايات==
كلمة الإرادة مأخوذة من (رَوْد) ومعناها الذهاب والإياب الملازم للملائمة في الطلب والبحث عن شيء ما، والواقع أن معنى هذه الكلمة يتركب من ثلاثة عناصر: إرادة شيء مع التعلق به والأمل بالوصول إليه والحكم بالقيام به بنفسه أو بالواسطة.
 
المشيئة كذلك في نظر الكثير من أرباب اللغة بمعنى الإرادة، لكن يرى البعض منهم أن المشيئة عبارة عن الميل الحاصل بعد التصور والتصديق وبعد ذلك يأتي العزم والتصميم، ثم تتحقق الإرادة. وإن كانت هاتين الصفتين لم تنسبا لله في القرآن الكريم بصيغة اسم الفاعل أو الصفة المشبهة أو أمثال ذلك، لكن صيغة فعل هذين المصدرين أُطلق على الله في عدة آيات، حيثُ أشارت بعض الآيات القرآنية إلى أن الإرادة والمشيئة التكوينية نافذة في كل مكان، والفعل الذي يكون متعلق إرادته يتحقق بدون أي قيد أو شرط {{نص قرآني|إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}}<ref>سورة النحل: ۴۰.</ref> وواضح أن المقصود من قول {{نص قرآني|كُنْ}} ليس هو الكلام، اللفظي، بل هذا التعبير كناية عن عدم إمكانية تخلف المراد عن الإرادة الإلهية ولو للحظة. ذُكر في بعض الآيات عموم مشيئة الله وعدم محدوديتها {{نص قرآني|يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}}<ref>سورة النور: ۴۵.</ref>، كما أن القرآن يؤكد على أنه لا يمكن لأي موجود أن يقف قبال الإرادة التكوينية لله وأن يمنع تحققها وهذا التعبير هو تعبير آخر لعدم مقهورية الله ومحدوديته: {{نص قرآني|قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}}<ref>سورة الفتح: ۱۱.</ref>، وسيأتي في بحث الحكمة الإلهية، فإن عموم الإرادة والمشيئة الإلهية لا يعني أن تتعلق بكل فعل ولو بالأفعال القبيحة أو العبثية، بل حكمة الله تقتضي أن يريد الأفعال الحكيمة - فقط - المشتملة على مصلحة مخلوقاته. تُشير بعض آيات القرآن الكريم إلى إرادة الله التشريعية، مثلاً: نقرأ في سورة البقرة {{نص قرآني|يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}}<ref>سورة البقرة: ۱۸۵.</ref> بعد أن يُبين الله أول الآية حكم صيام شهر رمضان ويستثنى المرضى والمسافرين، يشير إلى أن الإرادة التشريعية تتعلق بوضع الأحكام التي تتضمن راحة الناس ولا تكون سبباً لخلق المشاكل والصعوبات لهم، كما أن القرآن الكريم - بعد ذكر بعض الأحكام الإلهية - يقول في الآية الأولى من سورة المائدة: {{نص قرآني|إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ}}<ref>سورة المائدة: ۱.</ref>، كما وردت روايات عاليات في بيان إرادة الله والملفت أن عموم هذه الروايات ناظرة للإرادة الفعلية لله وبعضها تنفي الإرادة كصفة قديمة زائدة على الذات، مثلاً: في الحديث الوارد عندما يسأل الراوي الإمام{{ع}}: {{نص حديث|لَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُرِيداً؟ فَأَجَابَهُ الْإِمَامُ{{ع}}: إِنَّ الْمُرِيدَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمُرَادٍ مَعَهُ بَلْ لَمْ يَزَلْ عَالِماً قَادِراً ثُمَّ أَرَادَ}}<ref>توحيد الصدوق، ص۱۴۶.</ref>، فالإمام{{ع}} في هذا الحديث الشريف يُشير إلى الإرادة الفعلية ويبين أن هكذا أوصاف لا يُمكن أن تكون قديمةً وأزليةً. بتعبير آخر ينتزع من مقام فعل الله، ولأن فعل الله حادث فلا يُمكن أن تكون أوصافه الفعلية قديمة. في حديث آخر ينقل عن الإمام الرضا{{ع}} أنه بالإضافة إلى بيان حقيقة الإرادة الفعلية لله نجده يؤكد على اختلاف تلك الإرادة مع إرادة الإنسان وتنزهها عن محدوديات الإرادة البشرية، جاء في الكافي بسند صحيح {{نص حديث|عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ{{ع}}: أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِرَادَةِ مِنَ اللَّهِ وَ مِنَ الْخَلْقِ قَالَ: فَقَالَ الْإِرَادَةُ مِنَ الْخَلْقِ الضَّمِيرُ وَ مَا يَبْدُو لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْفِعْلِ وَ أَمَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِرَادَتُهُ إِحْدَاثُهُ<ref>و المراد بالإرادة المحدثة أن الإرادة مخصص أحد الطرفين، فإن العلم والقدرة على الطرفين سواء، وما به يرجح ويختار أحدهما هو الإرادة والمشية المخصصة لأحد الطرفين، وهي لا يكون مثل العلم والقدرة، بل تتحقق بالعلم والقدرة فقط، ولا يحتاج الغني بذاته فيها إلى أمر خارج زائد على ذاته القدوس السبوح القادر بالقدرة الغير المتناهية.</ref> لَا غَيْرُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُرَوِّي وَ لَا يَهُمُّ وَ لَا يَتَفَكَّرُ وَ هَذِهِ الصِّفَاتُ مَنْفِيَّةٌ عَنْهُ وَ هِيَ صِفَاتُ الْخَلْقِ فَإِرَادَةُ اللَّهِ الْفِعْلُ لَا غَيْرُ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بِلَا لَفْظٍ وَ لَا نُطْقٍ بِلِسَانٍ وَ لَا هِمَّةٍ وَ لَا تَفَكُّرٍ وَ لَا كَيْفَ لِذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ لَا كَيْفَ لَهُ}}<ref>البحار، ج۴، ص۱۳۸.</ref>. في بعض الروايات يُصرّح الإمام بمخلوقية وحدوث المشيئة الإلهية. مثلاً يروي عن الإمام الصادق{{ع}}: {{نص حديث|خَلَقَ اللَّهُ الْمَشِيئَةَ بِنَفْسِهَا ثُمَّ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِالْمَشِيئَةِ}}<ref>البحار، ج۴، ص۱۴۵.</ref> والأمر العجيب والملفت في روايات المعصومين{{ع}} في هذا الباب هو قولهم بتغاير العلم والإرادة، يقول الإمام الصادق{{ع}} في الجواب عن أحد الأصحاب الذي سأله عن وحدة أو تغايُر العلم والإرادة: {{نص حديث|عَنْ بُكَيْرِ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ{{ع}}: عِلْمُ اللَّهِ وَ مَشِيَّتُهُ هُمَا مُخْتَلِفَانِ أَوْ مُتَّفِقَانِ؟ فَقَالَ: الْعِلْمُ لَيْسَ هُوَ الْمَشِيَّةَ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَ لَا تَقُولُ سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ عَلِمَ اللَّهُ، فَقَوْلُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشَأْ فَإِذَا شَاءَ كَانَ الَّذِي شَاءَ كَمَا شَاءَ وَ عِلْمُ اللَّهِ سَابِقُ الْمَشِيَّةِ}}<ref>ميزان الحكمة، ج۳، ص۱۸۲؛ البحار، ج۴، ص۱۴۴ وجاء في بيانه: لعل المراد المشيئة المتأخرة عن العلم الحادثة عند حدوث المعلوم، وقد عرفت أنه في الله تعالى ليس سوى الإيجاد، ومغائرته للعلم ظاهر. ويحتمل أن يكون المقصود بيان عدم اتحاد مفهوميهما؛ إذ ليست الإرادة مطلق العلم؛ إذ العلم يتعلق بكل شيء، بل هي العلم بكونه خيراً وصلاحاً ونافعاً، ولا تتعلق إلا بما هو كذلك، وفرق آخر بينهما وهو أن علمه تعالى بشيء لا يستدعي حصوله بخلاف علمه به على النحو الخاص، فالسبق على هذا يكون محمولاً على السبق الذاتي الذي يكون للعام على الخاص، والأول أظهر.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٦٤-٢٦٧.</ref>
 
==تعلق الخلق بالمشيئة==
۱. {{نص حديث|عَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْقَمَّاطِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ : خَلَقَ اَللَّهُ اَلْمَشِيَّةَ قَبْلَ اَلْأَشْيَاءِ ثُمَّ خَلَقَ اَلْأَشْيَاءَ بِالْمَشِيَّةِ}}<ref>التوحيد للشيخ الصدوق، ص۲۳۹.</ref>.
 
هذا التعبير يعطينا أنَّ المشيئة الإلهية مصدر الخليقة، ومنشأ الإيجاد. فما من شيء في عالم الوجود إلا واكتسب الوجود بعد تعلق المشيئة الإلهية بوجوده.
 
أما المشيئة نفسها فهي ليست من صفات الذات، لأنَّ تعلق الخلق بها يمنع من ذلك.
 
٢. {{نص حديث|عَنِ اِبْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ قَالَ: خَلَقَ اَللَّهُ اَلْمَشِيَّةَ بِنَفْسِهَا ثُمَّ خَلَقَ اَلْأَشْيَاءَ بِالْمَشِيَّةِ}}<ref>التوحيد للشيخ الصدوق، ص۱۴۸.</ref>.
 
ويصرح الشيخ الصدوق (رض) بكون الإرادة من صفات الأفعال في قوله: (وليست الإرادة والمشيئة، والرضا والغضب وما يشبه ذلك من صفات الأفعال، بمثابة صفات الذات، لأنه لا يجوز أن يُقال: لم يزل الله مريداً شائياً كما يجوز أن يقال: لم يزل الله قادراً عالماً)<ref>التوحيد للشيخ الصدوق، ص۱۴۸.</ref>.<ref>[[سيد فاضل ميلاني]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|العقائد الإسلامية]]، ص ١١١.</ref>
 
==اختلاف العلم والمشيئة==
{{نص حديث|عَنْ بُكَيْرِ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ : عِلْمُ اَللَّهِ وَ مَشِيئَتُهُ هُمَا مُخْتَلِفَانِ أَمْ مُتَّفِقَانِ؟ قَالَ: «اَلْعِلْمُ لَيْسَ هُوَ اَلْمَشِيئَةَ، أَ لاَ تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ شَاءَ اَللَّهُ، وَ لاَ تَقُولُ سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ عَلِمَ اَللَّهُ، فَقَوْلُكَ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشَأْ، وَ إِذَا شَاءَ كَانَ اَلَّذِي شَاءَ كَمَا شَاءَ، وَ عِلْمُ اَللَّهِ سَابِقٌ لِلْمَشِيئَةِ}}<ref>التوحيد للشيخ الصدوق، ص١۴٧.</ref>.
 
ولابد من الإشارة هنا إلى أنَّ المشية والإرادة استعملتا كثيراً في الكتاب والسنة على أنهما مترادفتان، لكن يظهر من بعض النصوص أنهما متغايرتان.
 
فعن معلى بن محمد، قال: سُئِل العالم{{ع}}: كيف علم الله؟
 
قال: عَلِمَ، وشَاءَ، وأرادَ، وقدرَ، وقضى، وأمضى ... فالعلمُ متقدم على المشية، والمشية ثانية، والإرادة ثالثة، والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء<ref>التوحيد للشيخ الصدوق، ص٣۴۴.</ref>.
 
والذي يقتضيه التحقيق أنَّ الإرادة تطلق على معنيين:
 
المعنى الأول - ما يقابل الكراهة. وهذا لا يجوز على الله تعالى، لأنَّ الذي يفهم من الروايات أنه صفة إضافية، فعن عاصم بن حميد، عن أبي عبد الله{{ع}} قال: قلت: لم يزل الله مريداً؟
 
قال{{ع}}: إنَّ المريد لا يكون إلا لمراد معه، لم يزل الله عالماً قادراً ثم أراد<ref>شرح أصول الكافي للمولى محمد صالح المازندراني، ج٣، ص٣۴۴.</ref>. وأطلاق صفة الفعل على الإرادة بهذا المعنى، يكون بمعناه المفعولي، أي الوجود الفائض منه.
 
المعنى الثاني- كون ذاته تعالى بحيث تصدر عنه الأشياء لأجل علمه بنظام الخير فيها التابع لعلمه بذاته، وبعبارة أخرى: إرادته تعالى علمه بكون الفعل خيراً. فهي وجه من وجوه علمه تعالى الذي سبق أن عرفنا أنه عين ذاته. ولا يتنافى هذا مع حديث بكير بن أعين عن الإمام الصادق{{ع}}: {{نص حديث|اَلْعِلْمُ لَيْسَ هُوَ اَلْمَشِيَّةُ }} وقوله: {{نص حديث| عِلْمُ اَللَّهِ سَابِقٌ لِلْمَشِيَّةِ}}. فإنَّ العلم بكون الفعل خيراً يكون منشأ للإفاضة منه تعالى.
 
ثم إنَّ الإرادة في الإنسان تتوقف على مقدمات هي: تصور الفعل، ثم التصديق بفائدته، ثم الميل نحوه، ثم الجزم، فالعزم، والرغبة الأكيدة (أو القصد).
 
أما بالنسبة إلى الله تعالى فلا معنى لهذه المقدمات أصلاً، بل إنَّ لكل ذات رضى بذاته، وهذا الرضى في الله تعالى يسميه البعض ب (الابتهاج)<ref>يلاحظ هذا التعبير عند (صدر المتألهين) و(الحكيم السبزواري) و(الشيخ محمدحسين الأصفهاني) في تعليقته على (كفاية الأصول) عند التعرض لمسألة الطلب والإرادة.</ref>.
 
وحيث كان الله تعالى مبدأ المبادئ فإن رضاه (أبو ابتهاجه) بذاته عين إرادته. وقد صرح أمير المؤمنين{{ع}} في حديثه مع ذعلب اليماني بأنه {{نص حديث|مُرِيدٌ لاَ بِهِمَّةٍ}}.
 
وفي حديث عن الإمام الرضا{{ع}} مقارنة دقيقة بين الإرادة من الله، والإرداة من المخلوقين.
 
فعن صفوان بن يحيى قال: قلت لأبي الحسن{{ع}}: أخبرني عن الإرادة من الله ومن المخلوق.
 
قال: فقال: الإرادة من المخلوق الضمير، وما يبدو له بعد ذلك من الفعل. وأما من الله عز وجل فإرادته إحداثه لا غير ذلك، لأنه لا يروي ولا يهم، ولايتفكر، وهذه الصفات منفية عنه، وهي صفات الخلق.
 
فإرادة الله هي الفعل لا غير ذلك. يقول له (كن فيكون)، بلا لفظ ولا نطق لسان ولا همة ولا تفكر، ولا كيف لذلك كما إنه بلا كيف<ref>التوحيد للصدوق، ص١۴٧.</ref>.
 
ولكي نفهم إنَّ إرادة الله نافذة في كل شيء، ولا يمنع منها شيء مهما بلغ من القوة والقدرة نشير إلى الحديث القدسي الذي رواه الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين{{ع}}: {{نص حديث|أوحى الله عز وجل إلى داود: يا داود، تريد وأريد، ولا يكون إلا ما أريد، فإن أسلمت لما أريد أعطيتُكَ ما تريد، وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد}}<ref>التوحيد للصدوق، ص۳۳۷.</ref>.
 
و من الواضح إنَّ هذا هو الإذن التكويني والإرادة التكوينية، أما الإرادة التشريعية فالإنسان مخير في الإطاعة والمعصية، ولا يوجب ذلك نقضاً لإرادة الله تعالى.<ref>[[سيد فاضل ميلاني]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|العقائد الإسلامية]]، ص ١١٢-١١٤.</ref>
 
==أنّه تعالى مريدٌ ومن صفات كماله إرادته==
والإرادة في أصل اللغة بمعنى المشيئة، لكن إرادة الله تفترق عن إرادة المخلوقين، فإرادة الله هوفعله كما قاله أبوالصلاح الحلبي في كتابه تقريب المعارف<ref>تقريب المعارف، ص۸۰.</ref>.
 
واستدلّ لهذا المعنى بقوله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}}<ref>سورة النحل: ۴۰.</ref>.
 
وإلى هذا المعنى ذهب الشيخ الجليل المفيد قدّس سره، استدلالاً له بالأخبار التي يأتي ذكرها، قال قدّس سرّه: « إنّ الإرادة من الله جلّ اسمه نفس الفعل... وبذلك جاء الخبر عن أئمة الهدى» كما حكاه عنه في البحار»<ref>بحار الأنوار، ج۴، ص۱۳۸.</ref>.
 
ونقل في مجمع البحرين الحديث عن الإمام الرضا{{ع}}: {{متن حدیث|أَنَّ الْإِبْدَاعَ والْمَشِيئَةَ والْإِرَادَةَ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ والْأَسْمَاءُ ثَلَاثَةٌ}}<ref>مجمع البحرين، ص۵۲، مادة (شيأ).</ref>.
 
والحجة في هذا المعنى إضافةً إلى ما تقدّم، نصّ حديث صفوان بن يحيى عن الإمام الكاظم{{ع}} جاء فيه ما نصّه: {{متن حدیث|الْإِرَادَةُ مِنَ الْخَلْقِ الضَّمِيرُ ومَا يَبْدُولَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْفِعْلِ وأَمَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِرَادَتُهُ إِحْدَاثُهُ لَا غَيْرُ ذَلِكَ...}}<ref>أصول الكافي، ج۱، ص۱۰۹، ح۳.</ref>.
 
فالمستفاد من هذه الأدلة أنّ إرادة الله معناها: إحداثه للأشياء وإبداعه وفعله لها.
 
لكن فسّرها شيخ المحدثين الصدوق في التوحيد بقوله: «مشيّة الله وإرادته في الطاعات الأمر بها والرضا، وفي المعاصي النهي عنها والمنع منها بالزجر والتحذير»<ref>التوحيد، ص۳۴۶.</ref>.
 
ولعلَّ نظره قدس سرّه إلى إرادة العزم التي جاء ذكرها في حديث الفتح بن يزيد الجرجاني عن الإمام أبي الحسن الكاظم{{ع}}المذكور في أصول الكافي<ref>أصول الكافي، ج۱، ص۱۵۱، ص۴.</ref>.
 
وذكر هذا المعنى أيضاً السيد الشبر في حق اليقين بالتعبير التالي: «ومعنى إرادته لأفعال عبيده أنّه أراد إيقاع الطاعات منهم على وجه الإختيار... ومعنى كراهته تعالى لأفعال غيره نهيه إيّاهم عن إيقاع المعاصي المفسدة لهم على وجه الإختيار...»<ref>حق اليقين، ج۱، ص۳۰.</ref>.
 
لكن أفاد بعد هذا المعنى ما نصه: «وقد ورد في جملة من الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم سلام الملك الغفار، أنّ إرادته عبارة عن إيجاده وإحداثه، وأنها من صفات الفعل الحادثة، كالخالقيّة والرازقيّة ونحوها لا من صفات الذات بمعنى العلم بالأصلح»<ref>حق اليقين، ج۱، ص۳۲.</ref>.
 
وبهذا يظهر عدم تمامية قول المتكلمين في الإرادة وتفسيرهم لها بأنّها هي: «العلم بالخير والنفع وما هوالأصلح».
 
فإنّ هذا المعنى يرجع إلى كون الإرادة هوالعلم الذاتي، وهذا خلاف ما يأتي من الأخبار في كون الإرادة محدَثة مع ما له من تالي فاسد القِدَم وتعدد القدماء الذي ثبت بطلانه، فلا يمكن قبول هذا المعنى في الإرادة، والمُتَّبَع كلام أهل البيت الذين بهم النجاة ومنهم الهدى، وفي طريقهم الصواب، والله العاصم.
 
وعلى الجملة؛ فالمستفاد من الأخبار الشريفة كون إرادة الله تعالى هي نفس فعله وإحداثه وإيجاده، وهي الإرادة الحتميّة.
وتطلق أيضاً على أمره بالطاعات ونهيه عن المعاصي، وهي الإرادة العزميّة.
 
ولذلك أفاد العلامة الكازراني في مرآة الأنوار: «تحقيق المقام أنّ الله تعالى إرادتين، إرادة حتم وإرادة عزم، فالحتمية هي ما لا يقدر العباد على ضدّ مراده، وهي من صفات فعله يتصّف بها الله تعالى عند صدور كل فعل منه، كالإماتة والاحياء والأمراض والشفاء.
 
والعزمية. هي إتيانه تعالى بشيء من جملة مخلوقاته لمصلحة وحكمة، كخلق جوارح الإنسان وسيلة لصالح أعماله مع استعمال العبد هذه الجوارح في الحلال أوالحرام بفعل نفسه وقد أمره الله تعالى بالحلال، ونهاه عن الحرام»<ref>مرآة الأنوار، ص۱۰۷.</ref>.
 
وقد دلّت البراهين الحقّة على إرادة الله تعالى التي هي صفة من صفات كماله ووصفٌ من أوصاف جماله، دلّت عليها أدلة الكتاب والسنة والعقل، بالبيان التالي:
#الكتاب الكريم: في آيات عديدة مثل:
##قوله تعالى: {{نص قرآني|يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ}}<ref>سورة النساء: ۲۶.</ref>.
##قوله تعالى: {{نص قرآني|يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}}<ref>سورة المائدة: ۶.</ref>.
##قوله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ}}<ref>سورة هود: ۱۰۷.</ref>.
##قوله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}}<ref>سورة الحج: ۱۴.</ref>.
##قوله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}}<ref>سورة الأحزاب: ۳۳.</ref>.
#السنة الشريفة: في أحاديث كثيرة منها ما يلي:
##حديث {{متن حدیث|مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ{{ع}} قَالَ: الْمَشِيَّةُ مُحْدَثَةٌ}}<ref>توحيد الصدوق، ص۳۳۶، الباب ۵۵، ح۱.</ref>.
##حديث {{متن حدیث|عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحِ قَالَ: دَخَلَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ{{ع}} أَوأَبِي جَعْفَرٍ{{ع}} رَجُلٌ مِنْ أَتْبَاعِ بَنِي أُمَيَّةَ فَخِفْنَا عَلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ لَوتَوَارَيْتَ وقُلْنَا لَيْسَ هُوهَاهُنَا. قَالَ: بَلِ ائْذَنُوا لَهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ{{صل}} قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَ لِسَانِ كُلِّ قَائِلٍ ويَدِ كُلِّ بَاسِطٍ فَهَذَا الْقَائِلُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وهَذَا الْبَاسِطُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْسُطَ يَدَهُ إِلَّا بِمَا شَاءَ اللَّهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ وآمَنَ بِهَا وذَهَبَ}}<ref>توحيد الصدوق، ص۳۳۷، الباب ۵۵، ح۳.</ref>.
##حديث {{متن حدیث|الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ{{ع}}: أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إِلَى دَاوُدَ{{ع}}: يَا دَاوُدُ تُرِيدُ وأُرِيدُ ولَا يَكُونُ إِلَّا مَا أُرِيدُ فَإِنْ أَسْلَمْتَ لِمَا أُرِيدُ أَعْطَيْتُكَ مَا تُرِيدُ وإِنْ لَمْ تُسْلِمْ لِمَا أُرِيدُ أَتْعَبْتُكَ فِيمَا تُرِيدُ ثُمَّ لَا يَكُونُ إِلَّا مَا أُرِيدُ}}<ref>توحيد الصدوق، ص۳۳۷، الباب ۵۵، ح۴.</ref>.
##حديث {{متن حدیث|سُلَيْمَانَ بْنِ جَعْفَرٍ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ: قَالَ الرِّضَا{{ع}}: الْمَشِيَّةُ والْإِرَادَةُ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ مُرِيداً شَائِياً فَلَيْسَ بِمُوَحِّدٍ}}<ref>توحيد الصدوق، ص۳۳۸، الباب ۵۵، ح۵.</ref>.
##حديث {{متن حدیث|أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ الْبَزَنْطِيِّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا{{ع}}، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنَّ أَصْحَابَنَا بَعْضُهُمْ يَقُولُونَ بِالْجَبْرِ وبَعْضُهُمْ بِالاسْتِطَاعَةِ. فَقَالَ لِي: اكْتُبْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى يَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِيَّتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تَشَاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ وبِقُوَّتِي أَدَّيْتَ إِلَيَّ فَرَائِضِي وبِنِعْمَتِي قَوِيتَ عَلَى مَعْصِيَتِي جَعَلْتُكَ سَمِيعاً بَصِيراً قَوِيّاً {{نص قرآني|مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}}<ref>سورة النساء: ۷۹.</ref> وذَلِكَ أَنَا أَوْلَى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ وأَنْتَ أَوْلَى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي وذَلِكَ أَنِّي لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ وهُمْ يُسْئَلُونَ قَدْ نَظَمْتُ لَكَ كُلَّ شَيْءٍ تُرِيدُ}}<ref>توحيد الصدوق، ص۳۳۸، الباب ۵۵، ح۶.</ref>.
##حديث {{متن حدیث|الْعَرْزَمِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ{{ع}} قَالَ: كَانَ لِعَلِيٍّ{{ع}} غُلَامٌ اسْمُهُ قَنْبَرُ وكَانَ يُحِبُّ عَلِيّاً{{ع}} حُبّاً شَدِيداً فَإِذَا خَرَجَ عَلِيٌّ{{ع}} خَرَجَ عَلَى أَثَرِهِ بِالسَّيْفِ فَرَآهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ يَا قَنْبَرُ مَا لَكَ؟ قَالَ جِئْتُ لِأَمْشِيَ خَلْفَكَ فَإِنَّ النَّاسَ كَمَا تَرَاهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَخِفْتُ عَلَيْكَ. قَالَ: وَيْحَكَ أَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ تَحْرُسُنِي أَمْ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ؟! قَالَ: لَا بَلْ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ. '''نص غليظ'''قَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ لَا يَسْتَطِيعُونَ لِي شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ السَّمَاءِ فَارْجِعْ فَرَجَعَ}}<ref>توحيد الصدوق، ص۳۳۸، الباب ۵۵، ح۷.</ref>.
##حديث {{متن حدیث|فُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ{{ع}} يَقُولُ: شَاءَ وأَرَادَ ولَمْ يُحِبَّ ولَمْ يَرْضَ شَاءَ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ إِلَّا بِعِلْمِهِ وأَرَادَ مِثْلَ ذَلِكَ ولَمْ يُحِبَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ {{نص قرآني|ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ}}<ref>سورة المائدة: ۷۳.</ref> ولَمْ يَرْضَ لِعِبادِهِ الْكُفْرَ}}<ref>توحيد الصدوق، ص۳۳۹، الباب ۵۵، ح۹.</ref>.
##ما روي {{متن حدیث|عَنِ النَّبِيِّ{{صل}} قَالَ: سَبَقَ الْعِلْمُ وجَفَّ الْقَلَمُ وتَمَّ الْقَضَاءُ بِتَحْقِيقِ الْكِتَابِ وتَصْدِيقِ الرِّسَالَةِ والسَّعَادَةِ مِنَ اللَّهِ والشَّقَاوَةِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ{{صل}} كَانَ يَرْوِي حَدِيثَهُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِيَّتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تَشَاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ وبِإِرَادَتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تُرِيدُ لِنَفْسِكَ مَا تُرِيدُ وبِفَضْلِ نِعْمَتِي عَلَيْكَ قَوِيتَ عَلَى مَعْصِيَتِي وبِعِصْمَتِي وعَفْوِي وعَافِيَتِي أَدَّيْتَ إِلَيَّ فَرَائِضِي فَأَنَا أَوْلَى بِإِحْسَانِكَ مِنْكَ وأَنْتَ أَوْلَى بِذَنْبِكَ مِنِّي فَالْخَيْرُ مِنِّي إِلَيْكَ بِمَا أَولَيْتُ بَدَاءً والشَّرُّ مِنِّي إِلَيْكَ بِمَا جَنَيْتَ جَزَاءً وبِسُوءِ ظَنِّكَ بِي قَنَطْتَ مِنْ رَحْمَتِي فَلِيَ الْحَمْدُ والْحُجَّةُ عَلَيْكَ بِالْبَيَانِ ولِيَ السَّبِيلُ عَلَيْكَ بِالْعِصْيَانِ ولَكَ الْجَزَاءُ والْحُسْنَى عِنْدِي بِالْإِحْسَانِ لَمْ أَدَعْ تَحْذِيرَكَ ولَمْ آخُذْكَ عِنْدَ عِزَّتِكَ ولَمْ أُكَلِّفْكَ فَوْقَ طَاقَتِكَ ولَمْ أُحَمِّلْكَ مِنَ الْأَمَانَةِ إِلَّا مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ رَضِيتُ مِنْكَ لِنَفْسِي مَا رَضِيتَ بِهِ لِنَفْسِكَ مِنِّي}}<ref>توحيد الصدوق، ص۳۴۰، الباب ۵۵، ح۱۰.</ref>.
##حديث {{متن حدیث|أَبِي الصَّلْتِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ صَالِحٍ الْهَرَوِيِّ قَالَ: سَأَلَ الْمَأْمُونُ يَوْماً عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا{{ع}} فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: {{نص قرآني|وَلَوشَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}}<ref>سورة يونس: ۹۹.</ref> فَقَالَ الرِّضَا{{ع}}: حَدَّثَنِي أَبِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ{{ع}} أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ{{صل}} لَوأَكْرَهْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنَ النَّاسِ عَلَى الْإِسْلَامِ لَكَثُرَ عَدَدُنَا وقَوِينَا عَلَى عَدُوِّنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ{{صل}} مَا كُنْتُ لِأَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بِبِدْعَةٍ لَمْ يُحْدِثْ إِلَيَّ فِيهَا شَيْئاً {{نص قرآني|وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ}}<ref>سورة ص: ۸۶.</ref> فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى: {{نص قرآني|وَلَوشَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا}}<ref>سورة يونس: ۹۹.</ref> عَلَى سَبِيلِ الْإِلْجَاءِ والِاضْطِرَارِ فِي الدُّنْيَا كَمَا يُؤْمِنُونَ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ ورُؤْيَةِ الْبَأْسِ فِي الْآخِرَةِ ولَوفَعَلْتُ ذَلِكَ بِهِمْ لَمْ يَسْتَحِقُّوا مِنِّي ثَوَاباً ولَا مَدْحاً لَكِنِّي أُرِيدُ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْمِنُوا مُخْتَارِينَ غَيْرَ مُضْطَرِّينَ لِيَسْتَحِقُّوا مِنِّيَ الزُّلْفَى والْكَرَامَةَ ودَوَامَ الْخُلُودِ فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ {{نص قرآني|أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}}<ref>سورة يونس: ۹۹.</ref> وأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: {{نص قرآني|وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}}<ref>سورة يونس: ۱۰۰.</ref> فَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ تَحْرِيمِ الْإِيمَانِ عَلَيْهَا ولَكِنْ عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا مَا كَانَتْ لِتُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وإِذْنُهُ أَمْرُهُ لَهَا بِالْإِيمَانِ مَا كَانَتْ مُكَلَّفَةً مُتَعَبِّدَةً وإِلْجَاؤُهُ إِيَّاهَا إِلَى الْإِيمَانِ عِنْدَ زَوَالِ التَّكْلِيفِ والتَّعَبُّدِ عَنْهَا. فَقَالَ الْمَأْمُونُ: فَرَّجْتَ عَنِّي يَا أَبَا الْحَسَنِ فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ}}<ref>توحيد الصدوق، ص۳۴۱، الباب ۵۵، ح۱۱.</ref>.
#دليل العقل: فالعقل حينما يلاحظ الأفعال الكونية، يراها أفعالاً اختيارية ويجد فيها حسن الآثار، والدقائق الكثار، وقرائن الإختيار.
 
ومن المعلوم أنّ العمل الإختباريّ، والأثر المنظم لا يكون إلا عملاً إرادياً مقصوداً. فوقوع تلك الأفعال المنتظمة مفتقرٌ عقلاً إلى كون فاعلها مريداً لها، قديراً عليها أوجدها بإرادته وصنعها بقدرته، ولم تصدر عفواً أواعتباطاً بغير مشيئة من حضرته. فيحكم العقل بداهةً بكون الخالق تعالى مريداً ذا إرادة قاهرة باهرة. مع أنّها صفة كمال لا يفقدها الكامل، وفقدها نقصٌ يتنزَّه عنه ذوالكمال.<ref>[[سيد علي الحسيني الصدر]]، [[العقائد الحقة (كتاب)|العقائد الحقة]]، ص: 143-151.</ref>
 
== المراجع ==
# [[صورة:IM010535.jpg|22px]] [[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]
# [[صورة:IM010672.jpg|22px]] [[سيد فاضل الميلاني]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|'''العقائد الإسلامية''']]
# [[صورة:IM010410.jpg|22px]] [[سيد علي الحسيني الصدر]]، [[العقائد الحقة (كتاب)|'''العقائد الحقة''']]
 
== الهوامش ==
{{مراجع}}
٢٦٬٨٢١

تعديل