انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «عدل الله»

أُضيف ٦٩٧ بايت ،  ٢٢ مايو ٢٠٢٤
لا يوجد ملخص تحرير
ط (استبدال النص - 'مهر]]، دروس في علم الكلام الاسلامي' ب'مهر، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي'''')
لا ملخص تعديل
سطر ١: سطر ١:
{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = الصفات الثبوتية| عنوان المدخل  = [[عدل الله]] | المداخل ذات الصلة = [[عدل الله في علم الكلام]]| سؤال ذو صلة  = }}
{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = الصفات الثبوتية| عنوان المدخل  = [[عدل الله]] | المداخل ذات الصلة = [[عدل الله في علم الكلام]]| سؤال ذو صلة  = }}
==تمهيد==
==تمهيد==
مسألة العدل الإلهي من الأصول الاعتقادية والكلامية المهمة جداً. العدل كالتوحيد يبين إحدى الصفات الإلهية ولكن لأهميتها كان لها مقام خاص في المباحث الاعتقادية والكلامية حتى أنه أحياناً يذكر العدل كأصل من أصول الدين أو المذهب مضافاً إلى الأصول الأخرى مثل النبوة والمعاد.
مسألة [[العدل]] الإلهي من [[الأصول]] [[الاعتقادية]] والكلامية المهمة جداً. العدل كالتوحيد يبين إحدى [[الصفات الإلهية]] ولكن لأهميتها كان لها مقام خاص في [[المباحث الاعتقادية]] والكلامية حتى أنه أحياناً يذكر العدل كأصل من [[أصول الدين]] أو [[المذهب]] مضافاً إلى الأصول الأخرى مثل [[النبوة]] والمعاد.


لا شك أن هذا المقام الرفيع معلول عدة عوامل نذكر عاملين لهما الدور الأساسي في ذلك:
لا [[شك]] أن هذا المقام الرفيع معلول عدة عوامل نذكر عاملين لهما [[الدور]] الأساسي في ذلك:
#أصل العدل الإلهي واسع وقبول أو رد هذا الأصل له دور مهم في تصورنا عن الله سبحانه.
#أصل العدل الإلهي واسع وقبول أو رد هذا الأصل له دور مهم في تصورنا عن [[الله]] سبحانه.
#يرتبط هذا الأصل بكل النظام التكويني والتشريعي للعالم، وقبوله أو رده يُمكن أن يُغير رؤيتنا للكون بالكامل، بالإضافة إلى ذلك فإن العدل الإلهي هو أحد الأصول المهمة لإثبات المعاد والثواب والعقاب الأخروي، وفي الختام ليس هذا الأصل بُعد عقائدي ونظري وحسب، بل إن للإيمان بعدالة الله آثاراً تربوية خاصة في سلوكيات الإنسان وميله إلى تحقق العدل وقلع الظلم في العلاقات الإجتماعية والإنسانية.
#يرتبط هذا الأصل بكل [[النظام]] التكويني والتشريعي للعالم، وقبوله أو رده يُمكن أن يُغير رؤيتنا للكون بالكامل، بالإضافة إلى ذلك فإن العدل الإلهي هو أحد الأصول المهمة لإثبات [[المعاد]] والثواب والعقاب الأخروي، وفي الختام ليس هذا الأصل بُعد عقائدي ونظري وحسب، بل إن للإيمان بعدالة الله آثاراً تربوية خاصة في سلوكيات [[الإنسان]] وميله إلى تحقق العدل وقلع [[الظلم]] في العلاقات الإجتماعية والإنسانية.


كان بحث العدل الإلهي محل نزاع في تاريخ التفكر الكلامي خاصة في القرون الأولى لتاريخ الإسلام. أكد الأئمة المعصومون سلام الله عليهم من البدء على عدالة الله حتى أنه عُرف في الألسن أن (التوحيد والعدل علويان والتشبيه والجبر أمويان)
كان بحث العدل الإلهي محل نزاع في تاريخ [[التفكر]] الكلامي خاصة في القرون الأولى لتاريخ [[الإسلام]]. أكد [[الأئمة]] المعصومون سلام الله عليهم من البدء على [[عدالة]] الله حتى أنه عُرف في الألسن أن ([[التوحيد]] والعدل علويان والتشبيه والجبر أمويان)


لقد دافع متكلموا الإمامية والمعتزلة - اقتداءً بالائمة الأطهار{{ع}} - عن أصل العدل وعرفوا بالعدلية في قبال الأشاعرة الذين أشاروا إلى تفسير خاص في العدل الإلهي، وأنكروا العدل بمعناه المتعارف والمعقول، فهم يرون أنه من الممكن أن يُدخل الله المؤمنين النار ويدخل جميع الكفار والمشركين الجنة!، وإذا فعل ذلك فإن عمله عين العدالة!. فكما كان في بحث القضاء والقدر والجبر والاختيار، نجد أنه عندما غصبت الحكومات الظالمة مقام خلافة الرسول{{صل}} اعتمدوا لحفظ منافعهم غير المشروعة وتوجيه ظلمهم على مخالفة العدل الإلهي، فامتازت هذه الصفة عن بقية الصفات الإلهية بسبب الموقع التاريخي لبحث العدل (كأحد العوامل).<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٣٢١-٣٢٢.</ref>
لقد دافع متكلموا [[الإمامية]] والمعتزلة - اقتداءً بالائمة الأطهار{{ع}} - عن أصل العدل وعرفوا بالعدلية في قبال الأشاعرة الذين أشاروا إلى تفسير خاص في العدل الإلهي، وأنكروا العدل بمعناه المتعارف والمعقول، فهم يرون أنه من الممكن أن يُدخل الله المؤمنين النار ويدخل جميع الكفار والمشركين [[الجنة]]!، وإذا [[فعل]] ذلك فإن عمله عين [[العدالة]]!. فكما كان في بحث [[القضاء والقدر]] والجبر والاختيار، نجد أنه عندما غصبت الحكومات الظالمة مقام [[خلافة]] [[الرسول]]{{صل}} اعتمدوا لحفظ منافعهم غير المشروعة وتوجيه ظلمهم على مخالفة العدل الإلهي، فامتازت هذه الصفة عن بقية الصفات الإلهية بسبب الموقع التاريخي لبحث العدل (كأحد العوامل).<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٣٢١-٣٢٢.</ref>


==العلاقة بين الحكمة والعدل==
==العلاقة بين [[الحكمة]] والعدل==
ذكرنا في بحث الحكمة الإلهية أن أحد معاني الحكمة هو اجتناب الفاعل الأعمال القبيحة وهذا المعنى للحكمة يشمل العدل كذلك، لأن العدل عمل مطلوب والظلم عمل قبيح وغير مناسب، فيُمكن عد صفة العدل من فروع صفة الحكمة.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٣٢٢.</ref>
ذكرنا في بحث الحكمة الإلهية أن أحد معاني الحكمة هو اجتناب الفاعل [[الأعمال]] القبيحة وهذا المعنى للحكمة يشمل [[العدل]] كذلك، لأن العدل [[عمل]] مطلوب والظلم عمل [[قبيح]] وغير مناسب، فيُمكن عد صفة العدل من فروع صفة [[الحكمة]].<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٣٢٢.</ref>
==اعتماد أصل العدل على الحسن والقبح العقليين==
==[[اعتماد]] أصل العدل على [[الحسن والقبح]] العقليين==
نرى أن أهم قواعد الاعتقاد بأصل العدل (أي: أن كل أفعال الله عدل) هي مسألة الحسن والقبح العقليين. والذي على أساسه يُمكن لعقل الإنسان أن يُدرك بالاستقلال وبالنظر إلى ذات بعض الأفعال (أي: الأفعال التي حسنها وقبحها ذاتي) أن يحكم على حسنها أو قبحها، ولأن موضوع هذا الحكم هو ذات الفعل مع قطع النظر عن شروطه وظروفه المختلفة وبدون لحاظ فاعل خاص. فإنه يشمل الأفعال الإلهية كذلك.
نرى أن أهم قواعد [[الاعتقاد]] بأصل العدل (أي: أن كل أفعال [[الله]] [[عدل]]) هي مسألة الحسن والقبح العقليين. والذي على أساسه يُمكن لعقل [[الإنسان]] أن يُدرك بالاستقلال وبالنظر إلى ذات بعض الأفعال (أي: الأفعال التي حسنها وقبحها ذاتي) أن يحكم على حسنها أو قبحها، ولأن موضوع هذا [[الحكم]] هو ذات [[الفعل]] مع قطع النظر عن شروطه وظروفه المختلفة وبدون لحاظ فاعل خاص. فإنه يشمل الأفعال الإلهية كذلك.


فَيُعد أصل العدل والظلم من الحسن والقبح الذاتيين على الترتيب والعقل الإنساني يدرك هذا الحسن والقبح؛ يعني أن عقل الناس عموماً يجد أن العدل في أيّ ظروف كانت ومن أيّ فاعل كان هو أمرٌ مطلوب والظلم قبيح مطلقاً ولأن الله حكيم ومنزه عن فعل القبيح، العقل يجد أن الله يجتنب الظلم ويقوم بكل أفعاله على أساس العدل. وبدليل هذه العلاقة فإن مخالفي الحسن والقبح العقليين قاصرون عن إيجاد مبنى عقلي مُحكم لأصل العدل، ويعتقدون بإمكان صدور الأعمال (التي يراها عقلنا أنها غير عادلة) من الله.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٣٢٢-٣٢٣.</ref>
فَيُعد أصل العدل والظلم من الحسن والقبح الذاتيين على الترتيب والعقل الإنساني يدرك هذا الحسن والقبح؛ يعني أن [[عقل]] [[الناس]] عموماً يجد أن العدل في أيّ ظروف كانت ومن أيّ فاعل كان هو أمرٌ مطلوب والظلم قبيح مطلقاً ولأن الله [[حكيم]] ومنزه عن [[فعل]] [[القبيح]]، [[العقل]] يجد أن الله يجتنب [[الظلم]] ويقوم بكل أفعاله على أساس العدل. وبدليل هذه العلاقة فإن مخالفي الحسن والقبح العقليين قاصرون عن [[إيجاد]] مبنى عقلي مُحكم لأصل العدل، ويعتقدون بإمكان صدور [[الأعمال]] (التي يراها عقلنا أنها غير عادلة) من الله.<ref>محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي'''، ص ٣٢٢-٣٢٣.</ref>


==معنى العدل==
==معنى العدل==
نذكر هنا توضيح أدق من المعاني المرادة في هذا البحث من العدل، حيث إن كلمة العدل استعملت في معاني مختلفة. بعض المعاني المهمة للعدل عبارة عن:
نذكر هنا توضيح أدق من المعاني المرادة في هذا البحث من العدل، حيث إن كلمة العدل استعملت في معاني مختلفة. بعض المعاني المهمة للعدل عبارة عن:


رعاية المساواة واجتناب التبعيض: أحياناً يُقصد من العدل والعدالة أن الشخص لا يري أيّ تفاوت بين الآخرين، وفي علاقاته يرى الجميع سواسية ويبتعد عن التبعيض، ولا يُمكن الغفلة عن أن رعاية المساواة مُستحسنة ومطلوبة في صورة واحدة هي عندما لا يوجد هناك أيّ تفاوت في الاستحقاق، وإن وُجد فإن رعاية المساواة بينهم ليس عدلاً، بل تضييعاً لحقوق بقية الأعضاء الأكثر استحقاقاً، مثلاً: إذا راعى معلم العدل والمساواة فأعطى كل الطلاب درجة متساوية فإنه لم يعدل، فالعدل لا يلازم المساواة دائماً.
رعاية [[المساواة]] واجتناب التبعيض: أحياناً يُقصد من العدل والعدالة أن الشخص لا يري أيّ تفاوت بين الآخرين، وفي علاقاته يرى الجميع سواسية ويبتعد عن التبعيض، ولا يُمكن الغفلة عن أن رعاية المساواة مُستحسنة ومطلوبة في صورة واحدة هي عندما لا يوجد هناك أيّ تفاوت في الاستحقاق، وإن وُجد فإن رعاية المساواة بينهم ليس عدلاً، بل تضييعاً لحقوق بقية الأعضاء الأكثر استحقاقاً، مثلاً: إذا راعى معلم العدل والمساواة فأعطى كل الطلاب درجة متساوية فإنه لم يعدل، فالعدل لا يلازم [[المساواة]] دائماً.


رعاية حقوق الآخرين: أي: رعاية حقوق كل الأفراد وإعطاء كل ذي حق حقه والظلم تضييع حقوق الآخرين.
رعاية حقوق الآخرين: أي: رعاية حقوق كل الأفراد وإعطاء كل ذي [[حق]] حقه والظلم تضييع حقوق الآخرين.


وضع الأفراد والأشياء في موضعها المناسب: أحياناً يستعمل العدل في معنى أكثر جامعية وهو وضع كل شيء في مكانه المناسب ويُمكن الحصول على هذا التعريف في كلام الأمير{{ع}}: «العدل يضع الأمور مواضعها»، معنى هذا الكلام الرفيع أنه في عالم التكوين والتشريع، لكل شيء موقع ومقام يتناسب معه والعدل هو رعاية هذا التناسب ووضع كل شيء في موضعه المناسب. هذا المعنى هو المعنى الأكثر جامعية للعدل ويشمل المعاني السابقة كذلك، فينتج ما سبق أن المعنى الإجمالي للعدل الإلهي هو أن الله يتعامل مع كل موجود بما يتناسب معه ويجعله في الموضع المناسب له ويعطيه ما يستحقه<ref>يُمكن أن يقال: إنه لا يوجد حق على الله لأي من مخلوقاته حتى يؤديه وتظهر عدالته من أدائه، يُمكن القول في إجابة إجمالية على هذا القول أنه لا يوجد حق ابتداء لأي مخلوق على الله سواء في الساحة التكونية أو التشريعية ولكن الله المنّان من باب كرمه وفضله جعل للمخلوقات حقوقاً عليه.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٣٢٣-٣٢٤.</ref>
وضع الأفراد والأشياء في موضعها المناسب: أحياناً يستعمل [[العدل]] في معنى أكثر جامعية وهو وضع كل شيء في مكانه المناسب ويُمكن الحصول على هذا التعريف في [[كلام]] الأمير{{ع}}: «العدل يضع الأمور مواضعها»، معنى هذا [[الكلام]] الرفيع أنه في [[عالم]] [[التكوين]] والتشريع، لكل شيء موقع ومقام يتناسب معه والعدل هو رعاية هذا التناسب ووضع كل شيء في موضعه المناسب. هذا المعنى هو المعنى الأكثر جامعية للعدل ويشمل المعاني السابقة كذلك، فينتج ما سبق أن المعنى الإجمالي للعدل الإلهي هو أن [[الله]] يتعامل مع كل موجود بما يتناسب معه ويجعله في الموضع المناسب له ويعطيه ما يستحقه<ref>يُمكن أن يقال: إنه لا يوجد حق على الله لأي من مخلوقاته حتى يؤديه وتظهر عدالته من أدائه، يُمكن القول في إجابة إجمالية على هذا القول أنه لا يوجد حق ابتداء لأي مخلوق على الله سواء في الساحة التكونية أو التشريعية ولكن الله المنّان من باب كرمه وفضله جعل للمخلوقات حقوقاً عليه.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٣٢٣-٣٢٤.</ref>


==الأقسام الكلية للعدل الإلهي==
==الأقسام الكلية للعدل الإلهي==
بالتأمل في الدائرة الأساسية للعدل الإلهي، يُمكن تقسيم العدل إلى الأقسام الكلية التالية:
بالتأمل في الدائرة الأساسية للعدل الإلهي، يُمكن تقسيم العدل إلى الأقسام الكلية التالية:
#العدل التكويني: الله يعطي كل موجود حسب استحقاقه من المواهب والنعم ولا يترك أي استعداد وقابلية مهملة بلا جواب؛ بعبارة أخرى: الله المُتعال يفيض على كل مخلوق من مخلوقاته بمقدار ظرفيته الوجودية ويعطيه من الكمالات بقدر قابليته واستعداده.
#العدل التكويني: الله يعطي كل موجود حسب استحقاقه من المواهب والنعم ولا يترك أي [[استعداد]] وقابلية مهملة بلا جواب؛ بعبارة أخرى: الله المُتعال يفيض على كل [[مخلوق]] من مخلوقاته بمقدار ظرفيته الوجودية ويعطيه من الكمالات بقدر قابليته واستعداده.
#العدل التشريعي: الله الكريم يضع التكاليف ويجعل القوانين التي تضمن سعادة الإنسان وكماله من جهة، ولا يكلف الإنسان بعمل خارج عن استطاعته وقدرته من جهة أخرى، فالشريعة الإلهية عادلة بكلا المعنيين المذكورين للعدل.
#العدل التشريعي: الله الكريم يضع التكاليف ويجعل القوانين التي تضمن [[سعادة]] [[الإنسان]] وكماله من جهة، ولا يكلف الإنسان بعمل خارج عن استطاعته وقدرته من جهة أخرى، فالشريعة الإلهية عادلة بكلا المعنيين المذكورين للعدل.
#العدل الجزائي: الله في مقام الثواب والعقاب للعباد، يُقرر جزاء كل إنسان حسب أعماله، فعلى هذا، الله يُثيب المُحسن لإحسانه ويعاقب المسيء لإساءته. كما أن العدل الجزائي يقتضي أن لا يجازى أيّ إنسان بسبب التكليف، وبالتوجه إلى حقيقة المُجازاة الأخروية وعلاقتها التكوينية بالأعمال (سوف نُشير إليها) يعود العدل الجزائي في النهاية إلى العدل التكويني.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٣٢٤-٣٢٥.</ref>
#العدل الجزائي: الله في مقام [[الثواب]] والعقاب للعباد، يُقرر جزاء كل [[إنسان]] حسب أعماله، فعلى هذا، الله يُثيب [[المُحسن]] لإحسانه ويعاقب المسيء لإساءته. كما أن العدل الجزائي يقتضي أن لا يجازى أيّ إنسان بسبب [[التكليف]]، وبالتوجه إلى [[حقيقة]] المُجازاة الأخروية وعلاقتها التكوينية بالأعمال (سوف نُشير إليها) يعود [[العدل]] الجزائي في النهاية إلى العدل التكويني.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٣٢٤-٣٢٥.</ref>
==الاستدلال العقلي على العدل الإلهي==
==[[الاستدلال العقلي]] على العدل الإلهي==
أهم مباني العدل الإلهي هو أصل الحسن والقبح العقليين وقد وضحنا كيفية هذه العلاقة، فخلاصة الاستدلال العقلي على أصل العدل أنه في نظر العقل، العدل حسن والظلم قبيح والله الحكيم منزه عن عمل ما يعده العقل قبيح من الأعمال، إذن: الله لا يرتكب الظلم أبداً وكل أفعاله عدل.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٣٢٥.</ref>
أهم مباني العدل الإلهي هو أصل [[الحسن والقبح]] العقليين وقد وضحنا كيفية هذه العلاقة، فخلاصة الاستدلال العقلي على أصل العدل أنه في [[نظر]] [[العقل]]، العدل [[حسن]] والظلم [[قبيح]] والله [[الحكيم]] منزه عن [[عمل]] ما يعده العقل قبيح من [[الأعمال]]، إذن: [[الله]] لا يرتكب [[الظلم]] أبداً وكل أفعاله [[عدل]].<ref>محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي'''، ص ٣٢٥.</ref>
==العدل الإلهي في القرآن==
==العدل الإلهي في [[القرآن]]==
من المناسب ذكره، أن في القرآن الكريم لم تُستعمل كلمة العدل ومشتقاتها ولم تطلق على الله سبحانه ولكن العدل الإلهي عمدةً يُبيّن في قالب نفي الظلم مثلاً: جاء في بعض الآيات أن الله لا يظلم أي إنسان: {{نص قرآني|إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}}<ref>سورة يونس: ۴۴.</ref>، وفي آيات أخرى ذُكر سعة العدل الإلهي: {{نص قرآني|وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}}<ref>سورة الكهف: ۴۹.</ref> و{{نص قرآني|وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ}}<ref>سورة آل عمران: ۱۰۸.</ref> وقد يكون المقصود من العالمين هو الموجودات العاقلة، كالإنسان والجن والملائكة، وقد يكون المقصود كل موجودات عالم الوجود وفي كلا الصورتين، الآيتان تثبتان عدالة الله في مُحيط أوسع من الجماعات البشرية، كما تحكي آيات أخرى العدالة التكوينية له: {{نص قرآني|شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ}}<ref>سورة آل عمران: ۱۸.</ref>، وآيات أخرى تشهد على العدل الجزائي لله: {{نص قرآني|وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا}}<ref>سورة الانبياء: ۴۷.</ref>، {{نص قرآني|يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ}}<ref>سورة يونس: ۴.</ref>، {{نص قرآني|وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}}<ref>سورة الاسراء: ۱۵.</ref>، {{نص قرآني|وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}}<ref>سورة العنكبوت: ۴۰.</ref> الآية الأخيرة تتحدث عن العذاب الذي حل ببعض الطغاة ويؤكد القرآن على عاقبتهم وأن العذاب الإلهي الذي نزل عليهم ليس ظلم، بل هو النتيجة القهرية لأعمالهم، ومن هنا إذا كان هناك رائحة للظلم أو ظواهر للظلم ففي الواقع هم قد ظلموا أنفسهم. إلى جانب آيات القرآن الكريم، وصلتنا أحاديث كثيرة في بيان العدالة الإلهية يروى عن الرسول{{صل}}: {{نص حديث|بِالْعَدْلِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ والْأَرْضُ}}<ref>ابن أبي جمهور الإحسائي، عوالي اللآلي، ج۴، ص۳۷.</ref>، يقول الأمير{{ع}} مجيباً شخص سأله عن معنى التوحيد والعدل: {{نص حديث|إِنَّ التَّوْحِيدَ أَنْ لَا تَتَوَهَّمَهُ والْعَدْلَ أَنْ لَا تَتَّهِمَهُ}} وقال في وصف الله سبحانه وتعالى: {{نص حديث|ارْتَفَعَ عَنْ ظُلْمِ عِبَادِهِ وقَامَ بِالْقِسْطِ فِي خَلْقِهِ وعَدَلَ عَلَيْهِمْ فِي حُكْمِهِ}}<ref>ميزان الحكمة، ج۳، ص۱۵۶.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٣٢٥-٣٢٧.</ref>
من المناسب ذكره، أن في [[القرآن الكريم]] لم تُستعمل كلمة العدل ومشتقاتها ولم تطلق على الله سبحانه ولكن العدل الإلهي عمدةً يُبيّن في قالب نفي الظلم مثلاً: جاء في بعض [[الآيات]] أن الله لا يظلم أي [[إنسان]]: {{نص قرآني|إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}}<ref>سورة يونس: ۴۴.</ref>، وفي آيات أخرى ذُكر سعة العدل الإلهي: {{نص قرآني|وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}}<ref>سورة الكهف: ۴۹.</ref> و{{نص قرآني|وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ}}<ref>سورة آل عمران: ۱۰۸.</ref> وقد يكون المقصود من العالمين هو الموجودات العاقلة، كالإنسان والجن والملائكة، وقد يكون المقصود كل موجودات [[عالم]] الوجود وفي كلا الصورتين، الآيتان تثبتان [[عدالة]] الله في مُحيط أوسع من الجماعات البشرية، كما تحكي آيات أخرى [[العدالة]] التكوينية له: {{نص قرآني|شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ}}<ref>سورة آل عمران: ۱۸.</ref>، وآيات أخرى تشهد على العدل الجزائي لله: {{نص قرآني|وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا}}<ref>سورة الانبياء: ۴۷.</ref>، {{نص قرآني|يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ}}<ref>سورة يونس: ۴.</ref>، {{نص قرآني|وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}}<ref>سورة الاسراء: ۱۵.</ref>، {{نص قرآني|وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}}<ref>سورة العنكبوت: ۴۰.</ref> الآية الأخيرة تتحدث عن [[العذاب]] الذي حل ببعض الطغاة ويؤكد القرآن على عاقبتهم وأن العذاب الإلهي الذي نزل عليهم ليس [[ظلم]]، بل هو النتيجة القهرية لأعمالهم، ومن هنا إذا كان هناك رائحة للظلم أو ظواهر للظلم ففي الواقع [[هم]] قد ظلموا أنفسهم. إلى جانب آيات [[القرآن الكريم]]، وصلتنا أحاديث كثيرة في بيان [[العدالة]] الإلهية يروى عن [[الرسول]]{{صل}}: {{نص حديث|بِالْعَدْلِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ والْأَرْضُ}}<ref>ابن أبي جمهور الإحسائي، عوالي اللآلي، ج۴، ص۳۷.</ref>، يقول الأمير{{ع}} مجيباً شخص سأله عن معنى [[التوحيد]] والعدل: {{نص حديث|إِنَّ التَّوْحِيدَ أَنْ لَا تَتَوَهَّمَهُ والْعَدْلَ أَنْ لَا تَتَّهِمَهُ}} وقال في وصف [[الله]] سبحانه وتعالى: {{نص حديث|ارْتَفَعَ عَنْ ظُلْمِ عِبَادِهِ وقَامَ بِالْقِسْطِ فِي خَلْقِهِ وعَدَلَ عَلَيْهِمْ فِي حُكْمِهِ}}<ref>ميزان الحكمة، ج۳، ص۱۵۶.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٣٢٥-٣٢٧.</ref>
==شبهات في العدل الإلهي==
==شبهات في [[العدل]] الإلهي==
ذكرنا في بحث الحكمة الإلهية أن البعض يرى أن وجود المصائب والبلايا وكل ما يحسبه الإنسان شراً لا يتناسب مع الحكمة الإلهية وبالإشارة إلى بعض الحِكم والمصالح الموجودة في الشرور يثبت بطلان هذا التصور. لكن قبل ذلك نُشير إلى أن بعض هذه الشبهات في الحكمة الإلهية (بمعنى غائية أفعال الله) هي قابلة للطرح؛ ولكن لأن الإجابات في كِلا الموردين مشتركة إلى حد ما فسوف نبحث في العدل الإلهي فقط.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٣٢٧.</ref>
ذكرنا في بحث [[الحكمة]] الإلهية أن البعض يرى أن وجود المصائب والبلايا وكل ما يحسبه [[الإنسان]] شراً لا يتناسب مع الحكمة الإلهية وبالإشارة إلى بعض الحِكم والمصالح الموجودة في الشرور يثبت بطلان هذا [[التصور]]. لكن قبل ذلك نُشير إلى أن بعض هذه [[الشبهات]] في الحكمة الإلهية (بمعنى غائية أفعال الله) هي قابلة للطرح؛ ولكن لأن الإجابات في كِلا الموردين مشتركة إلى حد ما فسوف نبحث في العدل الإلهي فقط.<ref>محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي'''، ص ٣٢٧.</ref>
==العدل الإلهي والإختلافات==
==العدل الإلهي والإختلافات==
قد يُعتقد أن وجود الاختلافات بين الموجودات هو تفريق وعدم عدالة ومن هنا فلا ينسجم مع الاعتقاد بعدل الله. هذه الاختلافات أحياناً تقع بين الأشياء المتعلقة بأنواع الموجودات المختلفة، مثلاً: يقال لماذا الله خلق موجوداً بصورة الإنسان وآخر بصورة حيوان أو نبات ولماذا حَرَم الحيوانات والنباتات والجمادات من موهبة الإنسانية؟ وأحياناً يعترض على الاختلاف بين أفراد النوع الواحد: لماذا بعض الناس يبصرون وبعضهم لا يبصر؟ لماذا البعض بشع والبعض الآخر جميل؟ على أيّ أساس بعضهم أذكياء والبعض الآخر أقل ذكاء؟
قد يُعتقد أن وجود الاختلافات بين الموجودات هو تفريق وعدم [[عدالة]] ومن هنا فلا ينسجم مع [[الاعتقاد]] بعدل الله. هذه الاختلافات أحياناً تقع بين الأشياء المتعلقة بأنواع الموجودات المختلفة، مثلاً: يقال لماذا الله خلق موجوداً بصورة الإنسان وآخر بصورة حيوان أو نبات ولماذا حَرَم الحيوانات والنباتات والجمادات من موهبة الإنسانية؟ وأحياناً يعترض على الاختلاف بين أفراد النوع [[الواحد]]: لماذا بعض [[الناس]] يبصرون وبعضهم لا يبصر؟ لماذا البعض بشع والبعض الآخر جميل؟ على أيّ أساس بعضهم أذكياء والبعض الآخر أقل [[ذكاء]]؟


الجواب عن هذه الشبهة يتضح بالتوجه إلى الأصول التالية: عالم الطبيعة، بل كل عالم المخلوقات يحكمه نظام خاص وسنن ثابتة لا تتغير، من تلك القوانين الأساسية (أصل العلية) الذي يعني أنَّ لكل موجود ممكن علة، وتوجد بين العلة والمعلول نوع مسانخة بحيث إنه لا يوجد كل معلول من أيّ علة ...
الجواب عن هذه [[الشبهة]] يتضح بالتوجه إلى [[الأصول]] التالية: [[عالم الطبيعة]]، بل كل [[عالم]] المخلوقات يحكمه [[نظام]] خاص وسنن ثابتة لا تتغير، من تلك القوانين الأساسية (أصل العلية) الذي يعني أنَّ لكل موجود ممكن علة، وتوجد بين العلة والمعلول نوع مسانخة بحيث إنه لا يوجد كل معلول من أيّ علة ...


الأنظمة والقوانين الحاكمة على العالم (ذاتية) للعالم، أي: أنه لا يُمكن فرض وجود العالم مع تغيير قوانينه وأنظمته، كما أنه لا يُمكن فرض وجود سكر أو ماء فاقدين للحلاوة أو الرطوبة. لازم القوانين الثابتة وعدم قابلية انفكاك العالم أنه بين موجودات العالم اختلافات، مثلاً: المقتضي في قانون العلية أن للمعلول كمالات وجودية أقل من علته، كذلك المسانخة وانسجام العلة والمعلول يوجب أنه إذا تحققت علة ولادة طفل أعمى أو قليل الفهم يوجد المعلول الذي هو تولد هكذا طفل، والحاصل أن وجود الاختلاف التكويني بين مخلوقات الله من القوانين التي لا تنفك، وأن تغييرها وانفكاكها عن العالم غير ممكن.
الأنظمة والقوانين الحاكمة على [[العالم]] (ذاتية) للعالم، أي: أنه لا يُمكن فرض وجود العالم مع [[تغيير]] قوانينه وأنظمته، كما أنه لا يُمكن فرض وجود سكر أو ماء فاقدين للحلاوة أو الرطوبة. لازم القوانين الثابتة وعدم قابلية انفكاك العالم أنه بين موجودات العالم اختلافات، مثلاً: المقتضي في [[قانون]] العلية أن للمعلول كمالات وجودية أقل من علته، كذلك المسانخة وانسجام العلة والمعلول يوجب أنه إذا تحققت علة ولادة طفل أعمى أو قليل [[الفهم]] يوجد المعلول الذي هو تولد هكذا طفل، والحاصل أن وجود الاختلاف التكويني بين مخلوقات [[الله]] من القوانين التي لا تنفك، وأن تغييرها وانفكاكها عن العالم غير ممكن.


يتضح مما سبق أن استعمال لفظ التمييز للتعبير عن هذه الاختلافات غير صحيح. لأن التمييز يكون فيما إذا كان كلا الشيئين لهما نفس القابلية، ثم لا يُعطى إلا لأحدهما، لكن في بحثنا فإن عدم وصول الموجودات إلى بعض الكمالات بسبب القوانين الحاكمة على الطبيعة، فهم لا يملكون قابلية الحصول على الكمالات؛ بعبارة أخرى: فيض الله غير محدود ولكن قابلية مخلوقاته محدودة، وهذه المحدودية هي من خصوصيات العالم التي لا تنفك. فلا منافاة بين اختلاف الموجودات والعدل الإلهي؛ لأنها لا تنشأ من ظلم أو تبعيض من الله سبحانه، فلا يُمكن حسابها دليلاً على أن الله يفعل القبيح.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٣٢٧-٣٢٨.</ref>
يتضح مما سبق أن استعمال لفظ [[التمييز]] للتعبير عن هذه الاختلافات غير صحيح. لأن التمييز يكون فيما إذا كان كلا الشيئين لهما [[نفس]] القابلية، ثم لا يُعطى إلا لأحدهما، لكن في بحثنا فإن عدم وصول الموجودات إلى بعض الكمالات بسبب القوانين الحاكمة على [[الطبيعة]]، فهم لا يملكون قابلية الحصول على الكمالات؛ بعبارة أخرى: فيض الله غير محدود ولكن قابلية مخلوقاته محدودة، وهذه المحدودية هي من خصوصيات العالم التي لا تنفك. فلا منافاة بين اختلاف الموجودات والعدل الإلهي؛ لأنها لا تنشأ من [[ظلم]] أو تبعيض من الله سبحانه، فلا يُمكن حسابها دليلاً على أن الله يفعل [[القبيح]].<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٣٢٧-٣٢٨.</ref>


==الموت والعدم==
==[[الموت]] والعدم==
من الشبهات المطروحة في بحث العدل الإلهي ما يتعلق بمسألة الموت. يُمكن أن يُقال: إن الإنسان يُعدم بعد مدة من الزمان!، وهذا لا يتناسب مع العدل الإلهي.
من [[الشبهات]] المطروحة في بحث [[العدل]] الإلهي ما يتعلق بمسألة الموت. يُمكن أن يُقال: إن [[الإنسان]] يُعدم بعد مدة من الزمان!، وهذا لا يتناسب مع العدل الإلهي.


'''والجواب:'''
'''والجواب:'''
#الموت من اللوازم التي لا تنفك عن الحياة في عالم الطبيعة. والموجود الطبيعي لا يملك قابيلة البقاء الدائم في هذا العالم.
#الموت من اللوازم التي لا تنفك عن [[الحياة]] في [[عالم الطبيعة]]. والموجود الطبيعي لا يملك قابيلة [[البقاء]] [[الدائم]] في هذا العالم.
#أساس هذه الشبهه هو أن الموت عدم مطلق، في حين أنه انتقال من عالم إلى عالم آخر. إذا نظرنا إلى الموت بهذا المعنى فلا وجه للاعتقاد بعدم عدالة الله.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٣٢٩.</ref>
#أساس هذه الشبهه هو أن الموت عدم [[مطلق]]، في حين أنه [[انتقال]] من [[عالم]] إلى عالم آخر. إذا نظرنا إلى الموت بهذا المعنى فلا وجه للاعتقاد بعدم [[عدالة]] [[الله]].<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٣٢٩.</ref>


==الجزاء الأخروي وعلاقته بذنوب الإنسان==
==الجزاء الأخروي وعلاقته بذنوب [[الإنسان]]==
يتعلق الإشكالان السابقان بالعدل التكويني لكن شبهة الجزاء الأخروي تتعلق بالعدل الجزائي. ومبنى الإشكال أنه بحكم العقل يجب مُراعاة التناسب بين الجرم وجزاؤه، مثلاً: من يتخلف عن قوانين السياقة لا ينبغي مجازاته كالقاتل، من جهة أخرى عينت الشريعة عقوبات أخروية ثقيلة جداً للإنسان المذنب، جاء في القرآن أن القاتل عمداً مُخلَّد في النار، فالعقوبات الأخروية لا من جهة الكيفية ولا بلحاظ مدتها تتناسب مع ذنوب العباد في الدنيا، وعدم التناسب هذا ينافي العدل الإلهي.
يتعلق الإشكالان السابقان بالعدل التكويني لكن [[شبهة]] الجزاء الأخروي تتعلق بالعدل الجزائي. ومبنى الإشكال أنه بحكم [[العقل]] يجب مُراعاة التناسب بين الجرم وجزاؤه، مثلاً: من يتخلف عن قوانين السياقة لا ينبغي مجازاته كالقاتل، من جهة أخرى عينت [[الشريعة]] عقوبات أخروية ثقيلة جداً للإنسان المذنب، جاء في [[القرآن]] أن القاتل عمداً مُخلَّد في النار، فالعقوبات الأخروية لا من جهة الكيفية ولا بلحاظ مدتها تتناسب مع ذنوب العباد في [[الدنيا]]، وعدم التناسب هذا ينافي [[العدل]] الإلهي.


الجواب عن هذا الاعتراض بالتأمل في ماهية العقوبات الأخروية، والحقيقة أن هناك اختلافاً بين الجزاء الأخروي والجزاء الاعتباري من عدة جهات.
الجواب عن هذا [[الاعتراض]] بالتأمل في ماهية العقوبات الأخروية، والحقيقة أن هناك اختلافاً بين الجزاء الأخروي والجزاء الاعتباري من عدة جهات.


المقدار والكيفية في العقوبات الوضعية تابعة للوضع والاعتبار، ومن هنا نجد في النظام الحقوقي عقوبات مختلفة لجرم واحد، كذلك هذه العقوبات الاعتبارية بالإضافة إلى مواساتها للمجني عليه أو عائلته؛ فإنها تحقق النظام الاجتماعي والحد من تكرار الجريمة؛ لكن الجزاء الأخروي ليس أمراً وضعياً، بل هو نتيجة تكوينية وقهرية لأعمال المجرمين في الدنيا؛ كما أن شرب السم - مثلاً - في الدنيا له آثار تكوينية لا يُمكن اجتنابها ولا يُمكن إحضار من شرب السم والحكم عليه بالموت أو المرض جزاءً له.
المقدار والكيفية في العقوبات الوضعية تابعة للوضع والاعتبار، ومن هنا نجد في [[النظام]] الحقوقي عقوبات مختلفة لجرم واحد، كذلك هذه العقوبات الاعتبارية بالإضافة إلى مواساتها للمجني عليه أو عائلته؛ فإنها تحقق النظام [[الاجتماعي]] والحد من تكرار الجريمة؛ لكن الجزاء الأخروي ليس أمراً وضعياً، بل هو نتيجة [[تكوينية]] وقهرية لأعمال المجرمين في الدنيا؛ كما أن شرب السم - مثلاً - في الدنيا له آثار تكوينية لا يُمكن اجتنابها ولا يُمكن إحضار من شرب السم والحكم عليه بالموت أو المرض جزاءً له.


تدل بعض الآيات القرآنية على أن للجزاء الأخروي علاقة تكوينية مُحكمة بالذنوب؛ بل أساساً العقوبات ليست هي إلا تجسّم الذنوب والأعمال القبيحة التي صدرت من الإنسان، جاء في سورة الكهف: {{نص قرآني|وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}}<ref>سورة الكهف: ۴۹.</ref> فهذه الآية تُبين أن أعمال الإنسان سوف تظهر بوجهها الحقيقي في الآخرة والإنسان سيرى ذلك، وفي الآية: {{نص قرآني|يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}}<ref>سورة آل عمران: ۳۰.</ref>، فالعلاقة بين الجزاء الأخروي وأعمال الإنسان ليست كالعلاقة بين العقوبات الوضعية وجرائم المجرمين الاجتماعية حتى نتحدث عن عدم التناسب وتقبلها غير العادل؛ بل الصورة الحقيقية للذنوب التي سوف تظهر في العالم الآخر، كما أن العمل ظاهراً بسيط ومدته قصيرة كشرب السم، ولكن له عواقب ثقيلة جداً وطويلة الأمد (كالمرض الطويل أو الحرمان الأبدي من الحياة) فذنوب الإنسان لها أيضاً آثار لا يُمكن اجتنابها تظهر في الآخرة، بل بتعبير أدق، نفس الأعمال السيئة والذنوب تكشف حقيقتها في الآخرة حيث محل كشف الحقائق ورفع الحجب، فخلود قاتل النفس المؤمنة في النار ليست عقوبة وضعية، بل نتيجة تكوينية لارتكاب القتل (أو ظهور حقيقة هذا العمل) ولأنه بسوء اختياره بادر إلى القيام بهذا العمل تنتفي مسألة عدم العدالة وعدم تناسب العقاب للأعمال بالكامل.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٣٢٩-٣٣١.</ref>
تدل بعض [[الآيات القرآنية]] على أن للجزاء الأخروي علاقة تكوينية مُحكمة بالذنوب؛ بل أساساً العقوبات ليست هي إلا تجسّم الذنوب والأعمال القبيحة التي صدرت من الإنسان، جاء في سورة الكهف: {{نص قرآني|وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}}<ref>سورة الكهف: ۴۹.</ref> فهذه الآية تُبين أن [[أعمال]] الإنسان سوف تظهر بوجهها الحقيقي في [[الآخرة]] والإنسان سيرى ذلك، وفي الآية: {{نص قرآني|يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}}<ref>سورة آل عمران: ۳۰.</ref>، فالعلاقة بين الجزاء الأخروي وأعمال الإنسان ليست كالعلاقة بين العقوبات الوضعية وجرائم المجرمين الاجتماعية حتى نتحدث عن عدم التناسب وتقبلها غير العادل؛ بل الصورة الحقيقية للذنوب التي سوف تظهر في [[العالم]] الآخر، كما أن [[العمل]] ظاهراً بسيط ومدته قصيرة كشرب السم، ولكن له عواقب ثقيلة جداً وطويلة الأمد (كالمرض الطويل أو الحرمان [[الأبدي]] من [[الحياة]]) فذنوب [[الإنسان]] لها أيضاً آثار لا يُمكن اجتنابها تظهر في [[الآخرة]]، بل بتعبير أدق، [[نفس]] [[الأعمال السيئة]] والذنوب تكشف حقيقتها في الآخرة حيث محل كشف الحقائق ورفع الحجب، فخلود قاتل [[النفس]] المؤمنة في النار ليست عقوبة وضعية، بل نتيجة [[تكوينية]] لارتكاب [[القتل]] (أو [[ظهور]] [[حقيقة]] هذا العمل) ولأنه بسوء اختياره بادر إلى القيام بهذا العمل تنتفي مسألة عدم [[العدالة]] وعدم تناسب [[العقاب]] للأعمال بالكامل.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٣٢٩-٣٣١.</ref>
==العدل الإلهي وآلام الإنسان==
==[[العدل]] الإلهي وآلام الإنسان==
ألم الإنسان الناتج من المصائب والابتلاءات والأمراض لا يتلاءم مع عدل الله. في الجواب عن الاعتراض، بالإضافة إلى ما ذُكر في الإجابة عن الاشكالات السابقة يُمكن أن يقال: إن الألم والعذاب في الحياة الدنيوية لا يخرج عن حالتين: بعض هذه الآلام والمصائب ناشئة من أعمال الإنسان السيئة ونتيجة ذنوبه وخطاياه، وبالالتفات إلى الغاية الحكيمة من خلقه، خلق مختاراً وبعض الناس يرتكب الخطأ بسوء الاختيار، فيبتلي بعواقب مريرة، ومن البديهي أن هذا الألم محصول أعمال نفس الإنسان لا ينافي العدل الإلهي، وأشار القرآن إلى ذلك في العديد من الآيات.
[[ألم]] الإنسان الناتج من المصائب والابتلاءات والأمراض لا يتلاءم مع [[عدل الله]]. في الجواب عن [[الاعتراض]]، بالإضافة إلى ما ذُكر في الإجابة عن الاشكالات السابقة يُمكن أن يقال: إن [[الألم]] والعذاب في [[الحياة الدنيوية]] لا يخرج عن حالتين: بعض هذه الآلام والمصائب ناشئة من [[أعمال]] الإنسان السيئة ونتيجة ذنوبه وخطاياه، وبالالتفات إلى الغاية الحكيمة من خلقه، خلق مختاراً وبعض [[الناس]] يرتكب [[الخطأ]] بسوء [[الاختيار]]، فيبتلي بعواقب مريرة، ومن [[البديهي]] أن هذا الألم محصول أعمال [[نفس الإنسان]] لا ينافي العدل الإلهي، وأشار [[القرآن]] إلى ذلك في العديد من [[الآيات]].
 
بعض آلام الإنسان لا تتعلق بأعماله كآلام الطفل ومن لم يرتكب [[الذنب]] مطلقاً، هنا يعتقد متكلموا [[الإمامية]] أن العدل الإلهي يقتضي جبران هذه الآلام، يعني أن [[الله]] المُتعال ينعم عليهم في [[الدنيا]] أو في الآخرة [[نعمة]] هي أكبر من آلامه، فيجبر ما تحمله من ألم وعذاب، فيتضح أن تألم الناس في الدنيا لا يستلزم نفي العدل الإلهي أبداً.<ref>محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي'''، ص ٣٣١-٣٣٢.</ref>


بعض آلام الإنسان لا تتعلق بأعماله كآلام الطفل ومن لم يرتكب الذنب مطلقاً، هنا يعتقد متكلموا الإمامية أن العدل الإلهي يقتضي جبران هذه الآلام، يعني أن الله المُتعال ينعم عليهم في الدنيا أو في الآخرة نعمة هي أكبر من آلامه، فيجبر ما تحمله من ألم وعذاب، فيتضح أن تألم الناس في الدنيا لا يستلزم نفي العدل الإلهي أبداً.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٣٣١-٣٣٢.</ref>
== المراجع ==
== المراجع ==
# [[صورة:IM010535.jpg|22px]] [[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]
# [[صورة:IM010535.jpg|22px]] [[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]
٢٦٬٨٢١

تعديل