الفرق بين المراجعتين لصفحة: «عدل الله»
ط
استبدال النص - 'نفس' ب'نفس'
لا ملخص تعديل |
ط (استبدال النص - 'نفس' ب'نفس') |
||
| سطر ٤٥: | سطر ٤٥: | ||
الأنظمة والقوانين الحاكمة على [[العالم]] (ذاتية) للعالم، أي: أنه لا يُمكن فرض وجود العالم مع [[تغيير]] قوانينه وأنظمته، كما أنه لا يُمكن فرض وجود سكر أو ماء فاقدين للحلاوة أو الرطوبة. لازم القوانين الثابتة وعدم قابلية انفكاك العالم أنه بين موجودات العالم اختلافات، مثلاً: المقتضي في [[قانون]] العلية أن للمعلول كمالات وجودية أقل من علته، كذلك المسانخة وانسجام العلة والمعلول يوجب أنه إذا تحققت علة ولادة طفل أعمى أو قليل [[الفهم]] يوجد المعلول الذي هو تولد هكذا طفل، والحاصل أن وجود الاختلاف التكويني بين مخلوقات [[الله]] من القوانين التي لا تنفك، وأن تغييرها وانفكاكها عن العالم غير ممكن. | الأنظمة والقوانين الحاكمة على [[العالم]] (ذاتية) للعالم، أي: أنه لا يُمكن فرض وجود العالم مع [[تغيير]] قوانينه وأنظمته، كما أنه لا يُمكن فرض وجود سكر أو ماء فاقدين للحلاوة أو الرطوبة. لازم القوانين الثابتة وعدم قابلية انفكاك العالم أنه بين موجودات العالم اختلافات، مثلاً: المقتضي في [[قانون]] العلية أن للمعلول كمالات وجودية أقل من علته، كذلك المسانخة وانسجام العلة والمعلول يوجب أنه إذا تحققت علة ولادة طفل أعمى أو قليل [[الفهم]] يوجد المعلول الذي هو تولد هكذا طفل، والحاصل أن وجود الاختلاف التكويني بين مخلوقات [[الله]] من القوانين التي لا تنفك، وأن تغييرها وانفكاكها عن العالم غير ممكن. | ||
يتضح مما سبق أن استعمال لفظ [[التمييز]] للتعبير عن هذه الاختلافات غير صحيح. لأن التمييز يكون فيما إذا كان كلا الشيئين لهما | يتضح مما سبق أن استعمال لفظ [[التمييز]] للتعبير عن هذه الاختلافات غير صحيح. لأن التمييز يكون فيما إذا كان كلا الشيئين لهما نفس القابلية، ثم لا يُعطى إلا لأحدهما، لكن في بحثنا فإن عدم وصول الموجودات إلى بعض الكمالات بسبب القوانين الحاكمة على [[الطبيعة]]، فهم لا يملكون قابلية الحصول على الكمالات؛ بعبارة أخرى: فيض الله غير محدود ولكن قابلية مخلوقاته محدودة، وهذه المحدودية هي من خصوصيات العالم التي لا تنفك. فلا منافاة بين اختلاف الموجودات والعدل الإلهي؛ لأنها لا تنشأ من [[ظلم]] أو تبعيض من الله سبحانه، فلا يُمكن حسابها دليلاً على أن الله يفعل [[القبيح]].<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٣٢٧-٣٢٨.</ref> | ||
==[[الموت]] والعدم== | ==[[الموت]] والعدم== | ||
| سطر ٦١: | سطر ٦١: | ||
المقدار والكيفية في العقوبات الوضعية تابعة للوضع والاعتبار، ومن هنا نجد في [[النظام]] الحقوقي عقوبات مختلفة لجرم واحد، كذلك هذه العقوبات الاعتبارية بالإضافة إلى مواساتها للمجني عليه أو عائلته؛ فإنها تحقق النظام [[الاجتماعي]] والحد من تكرار الجريمة؛ لكن الجزاء الأخروي ليس أمراً وضعياً، بل هو نتيجة [[تكوينية]] وقهرية لأعمال المجرمين في الدنيا؛ كما أن شرب السم - مثلاً - في الدنيا له آثار تكوينية لا يُمكن اجتنابها ولا يُمكن إحضار من شرب السم والحكم عليه بالموت أو المرض جزاءً له. | المقدار والكيفية في العقوبات الوضعية تابعة للوضع والاعتبار، ومن هنا نجد في [[النظام]] الحقوقي عقوبات مختلفة لجرم واحد، كذلك هذه العقوبات الاعتبارية بالإضافة إلى مواساتها للمجني عليه أو عائلته؛ فإنها تحقق النظام [[الاجتماعي]] والحد من تكرار الجريمة؛ لكن الجزاء الأخروي ليس أمراً وضعياً، بل هو نتيجة [[تكوينية]] وقهرية لأعمال المجرمين في الدنيا؛ كما أن شرب السم - مثلاً - في الدنيا له آثار تكوينية لا يُمكن اجتنابها ولا يُمكن إحضار من شرب السم والحكم عليه بالموت أو المرض جزاءً له. | ||
تدل بعض [[الآيات القرآنية]] على أن للجزاء الأخروي علاقة تكوينية مُحكمة بالذنوب؛ بل أساساً العقوبات ليست هي إلا تجسّم الذنوب والأعمال القبيحة التي صدرت من الإنسان، جاء في سورة الكهف: {{نص قرآني|وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}}<ref>سورة الكهف: ۴۹.</ref> فهذه الآية تُبين أن [[أعمال]] الإنسان سوف تظهر بوجهها الحقيقي في [[الآخرة]] والإنسان سيرى ذلك، وفي الآية: {{نص قرآني|يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}}<ref>سورة آل عمران: ۳۰.</ref>، فالعلاقة بين الجزاء الأخروي وأعمال الإنسان ليست كالعلاقة بين العقوبات الوضعية وجرائم المجرمين الاجتماعية حتى نتحدث عن عدم التناسب وتقبلها غير العادل؛ بل الصورة الحقيقية للذنوب التي سوف تظهر في [[العالم]] الآخر، كما أن [[العمل]] ظاهراً بسيط ومدته قصيرة كشرب السم، ولكن له عواقب ثقيلة جداً وطويلة الأمد (كالمرض الطويل أو الحرمان [[الأبدي]] من [[الحياة]]) فذنوب [[الإنسان]] لها أيضاً آثار لا يُمكن اجتنابها تظهر في [[الآخرة]]، بل بتعبير أدق، | تدل بعض [[الآيات القرآنية]] على أن للجزاء الأخروي علاقة تكوينية مُحكمة بالذنوب؛ بل أساساً العقوبات ليست هي إلا تجسّم الذنوب والأعمال القبيحة التي صدرت من الإنسان، جاء في سورة الكهف: {{نص قرآني|وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}}<ref>سورة الكهف: ۴۹.</ref> فهذه الآية تُبين أن [[أعمال]] الإنسان سوف تظهر بوجهها الحقيقي في [[الآخرة]] والإنسان سيرى ذلك، وفي الآية: {{نص قرآني|يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}}<ref>سورة آل عمران: ۳۰.</ref>، فالعلاقة بين الجزاء الأخروي وأعمال الإنسان ليست كالعلاقة بين العقوبات الوضعية وجرائم المجرمين الاجتماعية حتى نتحدث عن عدم التناسب وتقبلها غير العادل؛ بل الصورة الحقيقية للذنوب التي سوف تظهر في [[العالم]] الآخر، كما أن [[العمل]] ظاهراً بسيط ومدته قصيرة كشرب السم، ولكن له عواقب ثقيلة جداً وطويلة الأمد (كالمرض الطويل أو الحرمان [[الأبدي]] من [[الحياة]]) فذنوب [[الإنسان]] لها أيضاً آثار لا يُمكن اجتنابها تظهر في [[الآخرة]]، بل بتعبير أدق، نفس [[الأعمال السيئة]] والذنوب تكشف حقيقتها في الآخرة حيث محل كشف الحقائق ورفع الحجب، فخلود قاتل [[النفس]] المؤمنة في النار ليست عقوبة وضعية، بل نتيجة [[تكوينية]] لارتكاب [[القتل]] (أو [[ظهور]] [[حقيقة]] هذا العمل) ولأنه بسوء اختياره بادر إلى القيام بهذا العمل تنتفي مسألة عدم [[العدالة]] وعدم تناسب [[العقاب]] للأعمال بالكامل.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٣٢٩-٣٣١.</ref> | ||
==[[العدل]] الإلهي وآلام الإنسان== | ==[[العدل]] الإلهي وآلام الإنسان== | ||
[[ألم]] الإنسان الناتج من المصائب والابتلاءات والأمراض لا يتلاءم مع [[عدل الله]]. في الجواب عن [[الاعتراض]]، بالإضافة إلى ما ذُكر في الإجابة عن الاشكالات السابقة يُمكن أن يقال: إن [[الألم]] والعذاب في [[الحياة الدنيوية]] لا يخرج عن حالتين: بعض هذه الآلام والمصائب ناشئة من [[أعمال]] الإنسان السيئة ونتيجة ذنوبه وخطاياه، وبالالتفات إلى الغاية الحكيمة من خلقه، خلق مختاراً وبعض [[الناس]] يرتكب [[الخطأ]] بسوء [[الاختيار]]، فيبتلي بعواقب مريرة، ومن [[البديهي]] أن هذا الألم محصول أعمال [[نفس الإنسان]] لا ينافي العدل الإلهي، وأشار [[القرآن]] إلى ذلك في العديد من [[الآيات]]. | [[ألم]] الإنسان الناتج من المصائب والابتلاءات والأمراض لا يتلاءم مع [[عدل الله]]. في الجواب عن [[الاعتراض]]، بالإضافة إلى ما ذُكر في الإجابة عن الاشكالات السابقة يُمكن أن يقال: إن [[الألم]] والعذاب في [[الحياة الدنيوية]] لا يخرج عن حالتين: بعض هذه الآلام والمصائب ناشئة من [[أعمال]] الإنسان السيئة ونتيجة ذنوبه وخطاياه، وبالالتفات إلى الغاية الحكيمة من خلقه، خلق مختاراً وبعض [[الناس]] يرتكب [[الخطأ]] بسوء [[الاختيار]]، فيبتلي بعواقب مريرة، ومن [[البديهي]] أن هذا الألم محصول أعمال [[نفس الإنسان]] لا ينافي العدل الإلهي، وأشار [[القرآن]] إلى ذلك في العديد من [[الآيات]]. | ||