فلسفة البعثة في القرآن
المقدمة
أشارت عدة آيات قرآنية إلى فلسفة النبوة وأهداف بعثة الأنبياء وفوائدها، سنذكر بعض الآيات ونبيّنها باختصار:
١. التعليم والتربية: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾[١]؛ جاء الأنبياء لإستثارة استعدادات الناس وتعليمهم مما يؤدي إلى تكاملهم على المستوى العلمي من جهة، ولتزكيتهم وتربيتهم مما يؤدي إلى تكاملهم على المستوى العملي والسلوكي من جهة أخرى[٢].
تُشير بعض الآيات إلى سعة التعاليم الدينية وتؤكد على عدم إمكان معرفة الإنسان لبعض تلك التعاليم لولا الوحي: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾[٣]؛ عبارة ﴿لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ لا تعني (لا تعلمون)، بل تعني أنكم ليس لديكم القدرة وليس من شأنكم معرفة تلك التعاليم، فالآية تُبين أن بعض تعاليم الأنبياء لا يُمكن الحصول عليها بالاعتماد على الحسّ والتجربة والعقل، ولذلك يرى كثير من المفسرين أن الآية تُشير إلى المعارف المتعلقة بالعالم الأخروى وتلك الوقائع التاريخية التي لم يبقَ لها أثراً في حافظة التاريخ.
٢. التذكر: لدى الإنسان مجموعة من المعارف الفطرية والعقلية التي من شأنها أن تَهديه إلى الحقيقة، فيعرف من خلالها الله ويدرك أنه سبحانه من يستحق العبادة دون سواه كما تحثّه تلك المعارف على عمل الخير واجتناب القبائح، إلا أن الإنسان كثيراً ما يغفل عن تلك المعارف، فيحتاج إلى من يرشده إليها ويُذكره بها: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾[٤]، ولهذا أطلق الله على القرآن عنوان (ذكر) و(تذكرة) وعلى النبي(ص) عنوان (مُذكّر): ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[٥]، ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾[٦]، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾[٧].
٣. تحرير الإنسان: إن روح الإنسان مُقيَّدة بالجهل والخرافات والعادات الخاطئة وهوى النفس وسلطة الظالمين والمستكبرين وأثقال كثيرة مؤلمة، فجاءت الأنبياء لتحرير الإنسان من أسر الطاغوت الباطني والخارجي: ﴿يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾[٨]؛ إن تعبير الآية له معانٍ كثيرة جداً وشاملة، كلها تشترك في بيان أن الحرية الحقيقية لمختلف أبعاد الحياة الإنسانية تكمن في بعثة الأنبياء، وقد بيّنت الآية التالية هذه الحقيقة بتعابير أخرى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾[٩]. إتمام الحجة: فلو لم يرسل الله سبحانه وتعالى الأنبياء(ع) لهداية الناس لادّعى الضالون أنه لو أرسل الله أنبياء لما ضلوا: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾[١٠].
۴. إقامة العدل: من الأهداف المهمة لبعثة الأنبياء هو تهيئة المجتمع الإنساني لإقامة العدل والقسط: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾[١١].[١٢]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة الجمعة: ۲.
- ↑ ذكر المفسرون توضيحات في وجه تقديم (التزكية) على (التعليم) في هذه الآية والفرق بين (الكتاب) و(الحكمة)، راجع مثلاً: العلامة الطباطبائي، الميزان، ج۱۹، ص٢۶۵، وإن كانت هذه الآية ذُكرت مع آيات أخرى في مورد النبي الأكرم(ص) إلا أن الظاهر منها عدم اختصاصها به(ص).
- ↑ سورة البقرة: ۱۵۱.
- ↑ سورة ابراهيم: ۵۲.
- ↑ سورة الحجر: ۹.
- ↑ سورة الحاقة: ۴۸.
- ↑ سورة الغاشية: ۲۱.
- ↑ سورة الأعراف: ۱۵۷.
- ↑ سورة ابراهيم: ۱.
- ↑ سورة النساء: ۱۶۵.
- ↑ سورة الحديد: ۲۵.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣٦٧-٣٦٩.