نقاش:حديث المنزلة

تمّ تبسيطه

تمهيد

قال رسول الله(ص): «يَا عَلِيُّ أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى » أو «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي».

المنزلة المذكورة في كلا الحديثين واضحة وتتعلق بمواطن عديدة منها غزوة تبوك حيث خرج رسول الله(ص) من المدينة لقتال المشركين وترك علياً(ع) مع النساء والصبيان، فالمنافقون لما اطَّلعوا على خروج الرسول(ص) وتخلف علي(ع) في المدينة المنورة، بدؤوا يشيعون كلاماً وأحاديث وإنَّ رسول الله(ص) لم يسمح لعلي(ع) بالاشتراك في هذه الغزوة أو في هذه الحرب المقدسة، وانتشر الخبر في كل المدينة المنورة إلى درجة أنْ صار كل شخصين يتقابلان يتحدثان، يسأل أحدهما الآخر عن هذا الخبر وأن رسول الله(ص) غادر المدينة وترك الإمام علي(ع) مع النساء والصبيان في المدينة المنورة ... فهذا الجو أحدث شيئاً من الحرج لعواطف علي(ع) ولذلك دمعت عيناه وقابل رسول الله(ص) بهذه العبارة قال: أَتخَلِّفني مع النساء والصبيان؟

فجاء جواب الرسول(ص) :«يَا عَلِيُّ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي ... إِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي أَنْ أَذْهَبَ إِلاَّ وَ أَنْتَ خَلِيفَتِي».

بهذا المضمون روي عن الرسول(ص) بشكل متواتر ذكره المحدث السيد هاشم البحراني في كتابه "غاية المرام وحجة الخصام" ص١٢۶-١٠٩. ذكره بمائة سند من المصادر المختلفة.

من خلال ما تقدم نركز على:

  1. قوله «إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي» لماذا ذكر الرسول(ص) هذه الجملة؟ إذن فكل المناصب والمزايا التي كانت لهارون(ع) موجودة لعلي(ع) إلا مسألة النبوة. فالمناصب التي كانت لهارون(ع) واضحة من خلال قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي [١]
  2. مشاركته في الرسالة، ويدل عليه قوله تعالى على لسان موسى(ع): ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [٢]، فالأمر هو أمر الرسالة والتبليغ.
  3. الدعم والتأييد، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي [٣] وقد جاء الجواب من الله تبارك وتعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى [٤]
  4. الخلافة، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [٥]، فهذه المناصب كلها باستثناء النبوة موجودة لعلي(ع) فيكون وزيراً ويكون خليفة ويكون أخاً ودعماً وتأييداً لرسول الله(ص) وبالفعل فقد قام الإسلام على أموال خديجة وسيف علي(ع).

فحديث المنزلة من ناحية السند متواتر قطعي الصدور. ومن ناحية الدلالة فيه من التأكيد الواضح على خلافة الإمام علي(ع).

وعلينا أنْ نشير إلى أنَّ هناك مقامات ثلاثة كانت لعلي(ع) كان يتمنى كل مسلم وكل صحابي أنْ تكون له شرف واحدة منها.

وتلك المقامات العظيمة هي:

  1. قول رسول الله(ص) العلي(ع): «يَا عَلِيُّ أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى».
  2. قول رسول الله(ص): «لأَعْطِيَنَّ الرايَةَ غَداً رَجُلاً يُحِبُّهُ اللَّهُ ورَسولُهُ ويُحِبُّ اللَّهَ ورَسولَهُ، كَرارٌ غيرُ فرارٍ، لا يَرْجِعُ حَتى يَفْتَح اللَّهُ على يَدَيْهِ». وفي تلك الليلة صار الجميع يتوقعون هذا الفخر العظيم، ولم يحتمل أحد منهم أَنَّ علياً(ع) سيفوز بهذا الوسام لأنه كان مريضاً أرمد العين وعندما أصبح الصباح قال رسول الله(ص) عَلَيَّ بعليٍّ. قالوا إنه يشتكي عينيه، قال رسول الله: علَيَّ بهِ. فأخذ شيئاً من ماء فمه الطاهر ووضعه على عيني عليٍّ فبرئتا، ثم سلم الراية بيده وقال: اذهب يفتح الله على يديك!
  3. إنَّ عليا(ع) كان بمنزلة نفس النبي لقوله تعالى في آية المباهلة: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ.

ومن الروايات الأخرى التي وردت بحق علي(ع):

  1. قول رسول الله(ص) مخاطباً علياً(ع) : «يَا عَلِيُّ اَلنَّاسُ مِنْ شَجَرٍ شَتَّى وَ أَنَا وَ أَنْتَ مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ». ثم قرأ رسول الله(ص) ﴿وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعْ مُتَجَوِرَتٌ وجَنَّتُ مِنْ أَعْنَبٍ وزَرْعُ ونخيلٌ صِنْوَانُ وغَيْرُ صِنْوَانِ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ ونُفَضِلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [٦]، يذكر الحديث الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ويعلق على هذا الحديث بأنه حديث صحيح الإسناد.
  2. قول رسول الله(ص) مخاطباً علياً(ع): «خُلِقْتُ أَنَا وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنَ نُورِ اللَّهِ عَلَى يَمِينِ الْعَرْشِ، نُسَبِّحُ اللَّهِ ونقدسُهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ عزوجل آدَمَ بِأَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ سَنَةٍ». يذكر الجويني هذا الحديث في فرائد السمطين. والكنجي الشافعي في كفاية الطالب والخوارزمي في المناقب و....
  3. قول رسول الله(ص) مخاطباً علياً(ع): «يَا عَلِيُّ إِنَّكَ قَسِيمُ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ وَ أَنَّكَ تَنْفِرَ بَابِ الْجَنَّةِ فتدخلها بِغَيْرِ حِسابٍ، أَوْ بِلَا حِسَابٍ». يذكر هذا الحديث الخوارزمي في المناقب وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق والقندوزي في ينابيع المودة.
  4. قول رسول الله(ص) مخاطباً علياً(ع) كما في حديث أم سلمة: «عَلَيَّ مَعَ الْقُرْآنِ‏، وَ الْقُرْآنِ مَعَ عَلَيَّ، لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ». نلاحظ إنَّ القرآن الصامت يضم إليه القرآن الناطق وهو علي(ع) الذي كان خبيراً بكل آية نزلت من القرآن، وهذه الفضيلة تؤكد عصمة علي(ع) كما أنَّ القرآن معصوم من الخطأ والزلل. ذكر هذا الحديث الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين وذكره الشبلنجي في نور الأبصار والمتقي الهندي في كنز العمال وصاحب ينابيع المودة وصاحب الصواعق المحرقة ومجمع الزوائد.
  5. قول رسول الله(ص) مخاطباً علياً(ع) كما في حديث أبي ذر الغفاري: «تَرِدُ عَلَيَّ اَلْحَوْضَ رَايَةُ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ إِمَامِ اَلْغُرِّ اَلْمُحَجَّلِينَ فَأَقُومُ فَآخُذُ بِيَدِهِ فَيَبْيَضُّ وَجْهُهُ وَ وُجُوهُ أَصْحَابِهِ فَأَقُولُ مَا خَلَفْتُمُونِي فِي اَلثَّقَلَيْنِ بَعْدِي فَيَقُولُونَ تَبِعْنَا اَلْأَكْبَرَ وَ صَدَّقْنَاهُ وَ وَازَرْنَا اَلْأَصْغَرَ وَ نَصَرْنَاهُ وَ قَاتَلْنَا مَعَهُ فَأَقُولُ رِدُوا رِوَاءً مَرْوِيِّينَ فَيَشْرَبُونَ شَرْبَةً لاَ يَظْمَئُونَ بَعْدَهَا أَبَداً». والحوض كناية عن رضا الله تعالى وكناية عن الفوز بالجنة. ويعلق الكنجي الشافعي على هذا الحديث في كفاية الطالب ويقول: في هذا الخبر بشارة وإنذار من النبي(ص). أما البشارة وإنذار فلمن كفر بالله ورسوله وأبغض أهل بيته وقال ما لا يليق بهم.
  6. قول رسول الله(ص) مخاطباً علياً(ع) كما عن أنس: «إِنَّ اللَّهَ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْداً فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لِي : إِنَّهُ رَايَةِ الْهُدَى وَ مَنَارُ الْإِيمَانِ وَ إِمَامُ أَوْلِيَائِي وَ نُورُ جَمِيعِ مَنْ أَطَاعَنِي وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِينِي غَداً فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ صَاحِبُ رايتي غَداً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ الْأَمِينُ عَلى مَفَاتِيحُ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي».
  7. قول رسول الله(ص) مخاطباً علياً(ع) كما يرويه الخوارزمي في المناقب عن النبي(ص): «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَشُقُّ عَنْهُ الْأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ أَنْتَ يَا عَلِيُّ مَعِي ، وَ مَعَنَا لِوَاءُ الْحَمْدُ وَ هُوَ بِيَدِكَ تُسَيَّرُ بِهِ أَمَامِي تَسْبِقُ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ!»

ومن المزايا التي انفرد بها الإمام علي(ع) من دون سائر الخلق ولم يشركه أحد في هذه الميزة التي انفرد بها هي: أنَّ علياً كان وليد الكعبة! يقول الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين في الجزء الثالث: تواترت الأخبار أنَّ فاطمة بن أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) في جوف الكعبة الشريفة! فيقول محمد الآلوسي: وأحرى بإمام الأمة وأحرى بإمام الأئمة أنْ يكون وضعه (ولادته) في ما هو قبلة المؤمنين.

ومن مزاياه الأخرى أنه(ع) صعد على منكب رسول الله(ص) لتحطيم الأصنام وتطهير الكعبة المشرفة. وهذا مشهور عند علماء الفريقين، ذكره أحمد بن حنبل في المسند والنسائي في الخصائص ومحب الدين الطبري في ذخائر العقبى والرياض النضرة و..

ومن مناقبه الأخرى قول الرسول(ص) لعلي(ع): «أَنَا مَدِينَةُ اَلْعِلْمِ وَ عَلِيٌّ بَابُهَا فَمَنْ أَرَادَ اَلْعِلْمَ فَلْيَأْتِ اَلْبَابَ». وهذا حديث آخر متواتر صحيح رواه عدد من الصحابة وذكر في المستدرك على الصحيحين وفي المناقب لابن المغازي وفي أسنى المطالب للجزري والصواعق المحرقة وفرائد السمطين.

وحديث آخر يرويه أحمد بن حنبل بإسناد عن أبي سعيد الخدري، قال رسول الله(ص): «إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يُقَاتِلُ عَلَى تَأْوِيلِهِ كَمَا قَاتَلْتُ عَلَى تَنْزِيلِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا يَا رَسُولَ اَللَّهِ ؟ قَالَ: لاَ وَ لَكِنْ هُوَ ذَلِكُمْ خَاصِفُ اَلنَّعْلِ»

إضافة إلى كون علي(ع) الصديق الأكبر والفاروق الأكبر ونظائر ذلك أيضاً فقد ورد في أحاديث صحيحة ومتواترة.

وغير ذلك من الروايات التي وردت في حقه(ع).

ذكر النبي(ص) هذا الحديث في مواضع مختلفة من تاريخه مع علي(ع)، و نُقل لنا بطرق متعدّدة بحيث لا شكّ في إسناده للنبي(ص). المضمون المشترك للنقل المتعدد هو أنّ النبي(ص) قال لعلي(ع): «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي»[٧]؛ فقد أثبت النبي(ص) كل شؤون هارون لعلي(ع) إلا النبوة، فالنبي(ص) هو خاتم الأنبياء. يُمكن توضيح دلالة الحديث على إمامة علي من خلال التالي:

كلمة (منزلة) في الحديث اسم جنس، أي: أنها تتضمن كل مقامات هارون و شؤونه، إنّ الاستثناء يؤيّد هذا المعنى فلو لم يكن النبي(ص) يقصد كل مقامات هارون لما كان هناك وجه للاستثناء «إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي». لا شك أن خلافة هارون بعد موسى من مقاماته لأنه شريك موسى في أمر الرسالة ووزيره في حياته، فإطاعته واجبة بعد النبي موسى(ع)، و ينقل القرآن طلب موسى(ع) الخلافة لهارون(ع) ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي[٨] و قد استجاب له الله. وعبارة «إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» شاهد آخر على أنّ النبي(ص) كان يقصد بيان منزلة علي(ع) بعد رحلته(ص) عن هذه الدنيا.[٩]

المراجع والمصادر

  1.   السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية

الهوامش

  1. طه: ۲۹.
  2. طه: ۳۲
  3. طه: ۳۱.
  4. طه: ٣٦.
  5. الأعراف: ١٤٢.
  6. الرعد: ٤.
  7. بالإضافة إلى المنابع الشيعة، ذُكر في عدد كبير من منابع أهل السنة منها: علاء الدين الهندي، كنزل العمال، ح۳۲۸۸۱، ۳۶۴۷۰، ۳۲۸۸۶، ۳۶۵۷۲، ۴۴۲۱۶، و ابن هشام، السيرة النبوية، ج۲، ص۵۱۹ و ۵۲۰، كما ذكره كلاً من البخاري و مسلم في صحيحهما و أحمد بن حنبل في مسنده.
  8. سورة طه: ۲۹-۳٢.
  9. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ٢٦٣-٢٦٨.
عُد إلى صفحة "حديث المنزلة".