نقاش:قدم القرآن وحدوثه

تمّ تبسيطه

تمهيد

إنَّ مسألة قدم القرآن وحدوثه قد سماها بعض محنة خلق القرآن وبعض آخر فتنة الخلق، وهي في الحقيقة كانت محنة عظيمة جداً.

وأصل هذه الفكرة أنَّ المصحف الذي بين أيدينا هو كلام الله تعالى، وبما أنَّ كلام الله صفة لله تبارك وتعالى فيجب أن تكون هذه الصفة قديمة، وهذا هو التصور الذي حصل لدى كثير من الناس.

لذا نرى بعض علماء المسلمين قد أشبعت أذهانهم بالأبحاث القرآنية حول ذلك، لكنهم في النتيجة قد وصلوا إلى طريق مسدود فراحوا يحللون القضايا بتفكيرهم الخاص، فقالوا إنَّ القرآن كلامُ الله وكلامُ الله صفة الله، وبما أنَّ صفة الله تكون لذاته إذاً فالذات القديمة لا يمكن أن تكون محلاً لصفة حادثة ولهذا قالوا بأنَّ القرآن قديمٌ لأنه كلامُ الله ولا يمكن أن يكون حادثاً.

فهذا الفكر بلغ مراحل كبيرة من الإفراط لدى بعض المسلمين لدرجة أنهم قالوا إنَّ الورق والغلاف قديمان أيضاً. وهذا واضح وبديهي بأنه على غير صواب لأنا نعلم بأنَّ هذا الورق مصنوع في معمل معين.

وهناك مذهب آخر يقر بحدوث القرآن ومعنى كونه حادثاً أنه ليس قديماً لأنَّ القدم والأزلية الأبدية إنما هي لواجب الوجود لذاته، والقرآن ليس كذلك لأنه يعتمد على أصوات وحروف، والأصوات والحروف والمقاطع إنما هي مقترنة بالزمان الذي نزل فيه القرآن على النبي(ص) في مدة ثلاثة وعشرين عاماً ليلاً نهاراً، وأما المكان فهو مكة والمدينة، وهذا كله يجعل الشيء عَرَضاً وليس واجب الوجود لذاته، فإذن هو حادث!

والنزاع حول هذا الأمر بين أتباع المذهبين وصل إلى درجة أنَّ عدداً كبيراً من المسلمين أصبحوا يُكَفِّرون عدداً آخر!

أما رأي الإمامية في المسألة فهو: إنَّ القرآن كلام الله، والكلام صفةُ فعل لا صفة ذات، فصفات الذات تكون عين الذات وليست خارجة عن الذات، وهي العلم والقدرة و...، أما صفات الفعل فهي خارجة عن الذات تتصف بها الذات الإلهية مرة ولا تتصف أخرى مثل الخلق والرزق والإحياء والإماتة فمثلاً نقول إنَّ الله تبارك وتعالى رزق زيداً ولم يرزق عمروا ... الخ.

والكلام صفة فعل، فقد كلم الله تعالى نبيه موسى(ع) ولم يُكلم فرعون. أما الصفة الذاتية لا مجال لهذه التفرقة بشأنها ولا يمكن سلبها، فنقول إنَّ الله تبارك وتعالى عالم بكل شيء وقادر على كل شيء.

ولأجل الخروج من مشكلة هذا الأمر حول خلق القرآن قام أبو الحسن الأشعري بمحاولة ليقدم حلاً آخراً لذلك بقوله بالكلام النفسي، ولعل الأشاعرة استشهدوا بهذا البيت على ذلك: قالب:شعر قالب:ب قالب:پایان شعر وقد سُمِّي علم العقائد ب (علم الكلام) لأنَّ أول بحث عقائدي كبير كان مثار اختلافات بين الفرق الإسلامية هو كلام الله تبارك وتعالى، ولذلك صار كل بحث عقائدي يدخل تحت عنوان علم الكلام.

و أما المعتزلة فإنهم يرون بأنَّ القرآن حادث، ولهم على ذلك أدلة عقلية ونقلية يمكننا أن نستعرضها إجمالاً.[١]

الأدلة العقلية

أولاً: يقول المعتزلة إنَّ الكلام يستلزمُ المُكَلَّمَ، والمُكَلِّمُ غير موجود في الأزل. فإذا قال شخص إِنَّ الكلام أزلي فلابد وأن يكون المكلَّم أزلياً، في حين أن هذا المعنى غير متحقق لأنه لم يكن في الأزل مَنْ يكلمه الله تبارك وتعالى. فخطاب ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ[٢]. كلام الله، فإذا كان كلامُ الله أزلياً فلابد أن يكون المخاطب أيضاً أزلياً، فى حين أننا نعلم أنه لم يكن في الأزل أحد حتى يتلقى هذا الخطاب من الله تبارك وتعالى.

ثانياً: يقول المعتزلة إنَّ مناهج الكلام مع كل نبي مختلفة، والخطاب مع كل نبي يختلف عن الخطاب مع النبي الآخر، ويستحيل أن يكون واحداً. فالأمم تختلف حاجاتها وتبعاً لهذا تختلف خطاباتها، وإذا اختلفت هذا الاختلاف الشاسع يستحيل أن يكون الله تبارك وتعالى - وهو الواحد في ذاته وصفاته - تطرأ عليه هذه الاختلافات والتطورات.

ثالثاً: القرآنُ كلهُ مُكَوَّن من أجزاء وسور، وهذه نزلت تدريجية ومرتبطة بزمان ومكان وتختلف فيما بينها، وإذا كان هذا كله كلام الله تبارك وتعالى فلا يوصف تبارك وتعالى بأنه قديم لأنه ليس محلاً للحوادث.

إذاً يستحيل أن يكون كلام الله كلام أزلياً.[٣]

الأدلة النقلية

والأدلة النقلية على ذلك كثيرة من كتاب الله تعالى منها:

  1. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَئَكَةِ إِنِّي جَاعِلُ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ[٤]، (إذ) ظرف زمان، فيكون قوله الواقع في هذا الظرف مختصاً بزمان معين، وما كان مختصاً بزمان معين يكون حادثاً.
  2. قال تعالى: ﴿الر كتَب أَحْكِمَتْ آيَاتُهُ، ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيرٍ خَبِيرٍ[٥]، وهذا يدل على إنَّ القرآن مركب من الآيات التي هي أجزاء متعاقبة، والأجزاء المتعاقبة لا تصدق إلا على الحادث.
  3. قال تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ الله[٦]، والمسموع حادث، لأنه لا يكون إلا حروفاً وأصواتاً.
  4. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْتَهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ[٧]، فالإنزال لا يمكن أن يُحقق في الأزل.
  5. قال تعالى: ﴿مَا نَنسَخ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا[٨]، فلا يتصور النسخ إلا في حادث لأنَّ القديم ليس عرضة لذلك.

إذن فالله تبارك وتعالى يخلق الأصوات ويخلق الحروف ويكون هذا الكلام نازلاً على شكل وحي أو بأي شكل آخر، وبهذه الأوصاف والأشكال يستحيل أن يكون كلام الله أزلياً قديماً.

فهذا هي أدلة المعتزلة في مسألة خلق القرآن، ولكن هذا يخالفه فريقان هما: السلف والحنابلة.

أما السلف فإنهم قالوا: نحن نسكت لأنَّ السؤال بدعة.

فالسلف كانوا يرون أنَّ الله تبارك وتعالى وصف نفسه بصفات معينة من قدرة وإرادة وعلم.. وفي نفس الوقت وصف نفسه على العرش.. فيجب أن نؤمن بها كما جاءت لا نناقش في هذا الموضوع أبداً فلا نتعرض لشرح ولا تأويل.

يقول أبو الحسن الأشعري في مقلات الإسلاميين: أهل السلف ينكرون الجدال والمراء في الدين، والخصومة والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل، ويسلمون للروايات الصحيحة حتى ينتهي ذلك.

وأما الحنابلة فإنهم أيضاً يقولون إن الاجتماع والاتفاق على أن كلام الله غير مخلوق فيجب أن تكون الكلمات أزلية غير مخلوقة.[٩]

المراجع والمصادر

  1.   السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية

الهوامش

  1. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ٢٢٥-٢٢٧.
  2. سورة البقرة، الآية ۴۳.
  3. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ٢٢٧-٢٢٨.
  4. سورة البقرة، الآية ۳۰.
  5. سورة هود، الآية ۱.
  6. سورة التوبة، الآية ٦.
  7. سورة القدر، الآية ۱.
  8. سورة البقرة، الآية ١٠٦.
  9. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ٢٢٨-٢٢٩.
عُد إلى صفحة "قدم القرآن وحدوثه".