توحيد الألوهية
تمهيد
التوحيد في التشريع والحاكمية هو أحد أقسام التوحيد الفعلي، كما يُمكن عدّ هذا القسم من التوحيد فرع من فروع التوحيد الربوبي[١]. نعلم أن الإنسان يحتاج إلى قوانين وقواعد خاصة لتنظيم علاقته بالآخرين، وأن وضع القوانين هو من شؤون المُقنّن.
التوحيد في التشريع أو وضع القوانين، يعني الاعتقاد بأن المشرِّع الوحيد المناسب هو الله الواحد، ولا يمكن لغير الله أن يضع قانوناً لتنظيم حياة البشرية بصورة مستقلة وفي عرض التشريع الإلهي. فالتشريع وجعل الأحكام والتكاليف أولاً وبالذات هو من شؤون الله المُتعال، أما واضعوا القانون فلا اعتبار لهم إذا كانت قوانينهم في عرض قوانين وتشريعات الله أو تخالفها، كما أن الحاكمية كذلك من شؤون الله ويراد بها التسلط على أرواح وأموال الناس وإدارة أمور المجتمع، والحاكم المستقل والحقيقي هو الله فقط وأما حاكمية الآخرين لا اعتبار لها، إلا إذا كانت بإذن الله تعالى. يُستفاد من الرؤية التوحيدية الإسلامية أن حق التقنين والتشريع وحق إجراء القوانين لله فقط، ولا يوجد مرجع آخر في عرض الله. التوحيد التشريعي لا يعني عدم وجود حق لأناس بوضع القانون الذي يحتاجونه في الدائرة المتصلة بالجوانب المتغيرة في المجتمع البشري، بل إن المقنن البشري في هذه الدائرة مشروط بأن تتناسب قوانينه مع القوانين الثابتة الكلية التي جاءت بها الشريعة، ولا إشكال في ذلك[٢].
إن تحقق الحاكمية في الجوامع البشرية يحتاج إلى تعامل واتصال ملموس مع آحاد المجتمع، من هنا جرت السنة الإلهية على أن يتولى إجراء القوانين الإلهية الأفراد الممتازين بخصوصيات معينة، بحيث يُمكنهم بإذن الله أن يتسلموا مسند الحكومة ويدبروا أمور الناس والمجتمع[٣]
المباني العقلية للتوحيد في التشريع والحاكمية
يمكن التمسك بالأدلة التالية لإثبات هذا الفرع من التوحيد: لاشك أن التشريع والتقنين وكذلك الحاكمية وإدارة المجتمع هو نوع من التدبير وتنظيم أمور الناس، وعلى أساس التوحيد الربوبي فإن المدبر الحقيقي للعالم هو الله، فتدبير أمور الناس من حقوقه سواء في بُعد التقنين أو في بعد الحكومة، والآخرون بدليل فقدانهم للربوبية والتدبير التكوينيين لا يمكنهم أن يتسلموا بالاستقلال مسند التقنين والحكومة. يلازم التقنين نوع من الإلزام وتحديد دائرة اختيار الأفراد الذين يوضع القانون لأجلهم، كما لا يمكن إقامة الحكومة بدون التدخل العملي في شؤون الناس والتسلط على أنفسهم وأموالهم، لذلك فالتقنين يتطلب شخصاً له نوع من الولاية والإدارة الحقيقية على الآخرين، ولا تتحقق هذه الولاية بصورة حقيقية إلا إذا كان الوالي مالكاً حقيقياً (مولى عليه) من جهة أخرى، من الواضح أن المالك الحقيقي للعالم (الذي من جملته الإنسان) هو الله، ولا يوجد إنسان أولاً وبالذات مالكاً للآخرين، فلله حق التشريع والحاكمية دون سواه إلا بإذنه.
لا شك أن المقنن يُراعي مصالح الناس بأحسن صورة ممكنة أثناء وضع القانون ومن هنا ينبغي أن يمتلك المعرفة الأكمل بحقيقة الإنسان وطرق وصوله إلى السعادة والكمال، ومن البديهي أن هكذا معرفة لا تتصور إلا لله تعالى، العالم المطلق ولا يعرف الإنسان إلا خالقه، فالموجود الوحيد المناسب للتقنين ومن له حق وضع القوانين بعنوان دستورات لا بد أن تُجرى هو الله. وهذا الأمر لا يتنافى مع إعطاء الله حق جعل بعض القوانين التي هي مورد حاجة في دائرة الأمور العرفية والعقلائية إلى مجموعة من الناس حتى ينظمون علاقاتهم الاجتماعية المتعلقة بحياتهم الدنيوية، ولكن لا بد أن تتناسب هذه القوانين الموضوعة هنا مع القوانين الدينية[٤]
التوحيد في التشريع والحاكمية في القرآن
و هو من فروع التوحيد الفعلي، يعني الله هو الوحيد الذي يُمكنه تنظيم حياة الفرد والمجتمع البشري وأن يضع القوانين ويُعيِّن الحقوق وتكاليف الناس ويتعهد إدارة أمور المجتمع وهو المسلط على نفوسهم وأموالهم. وقد يُعبِّر عن هذا المعنى بـ(الربوبية التشريعية). من المناسب أن نتعرف على موقف القرآن من هذا القسم من التوحيد النظري، لكن قبل ذلك علينا الانتباه إلى أن كلمة (التشريع) مصدر باب تفعيل وتستعمل بمعنى التقنين، لم تستعمل في القرآن في حق الله سبحانه إلا في آية واحدة جاء فيها المصدر الثلاثي المجرد[٥]، وسنذكر الآيات التي تشير إلى مفهوم الحكم والولاية.
كلمة الحكم في أصلها اللغوي بمعنى المنع، وقد تستعمل مشتقاتها في معاني التقنين والحكم والقضاء وإدارة أمور المجتمع، يظهر أن دليل هذه التوسعة في الاستعمال هو أن معنى المنع يوجد بنحو من الأنحاء في هذه المعاني الثلاثة المذكورة، مثلاً: القاضي بحكمه القطعي يمنع الأفراد من مخالفة الحكم المذكور أو فعل خلافه. فللحكم معني عام وبالتوجه إلى القرائن الموجودة في الكلام يُمكن فهم المعنى المذكور. كما أن الولي: مشتق من مصدر الولاية بمعني المربي والصديق.
يتضح من آيات القرآن الكريم أن مقام الحكم لله فقط: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾[٦]، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾[٧]، كل آية من هاتين الآيتين تؤكد بنحو ما على انحصار الحكم في الله، يتضح هذا المعنى في الآية الأولى عن طريق الاستثناء بعد النفي وفي الآية الثانية بتقديم ﴿لَهُ﴾ على ﴿الْحُكْمُ﴾ في العبارة ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ وأيضا كلمة ﴿الْحُكْمُ﴾ عامة ومطلقة. بالتأمل في المعنى العام للحكم، نفهم من الآيات أن الله هو الموجود الوحيد المستقل بالأصالة الذي يُمكنه جعل القوانين، ويُمكنه والحكم بين عباده وإدراة أمورهم. هذا المعنى لا ينافي وجود أفراد يديرون زمام الحكومة وتربية الناس بالنيابة عن الله وبإذنه. من الموارد الأخرى التي يتحدث فيها القرآن في هذا الموضوع، الآيات [ ۴۴، ۴۵، ۴۷]. من سورة المائدة: فبعد أن يؤكد القرآن على لزوم اتباع أهل البيت(ع) للأحكام الإلهية الموجودة في التوراة والإنجيل، يذكر أن البعض قد حكم بخلاف ما أنزل الله فأسماهم بـ﴿الْكَافِرِينَ﴾ و﴿الظَّالِمِينَ﴾ و﴿الْفَاسِقِينَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾[٨]. وإن كان التعبير الأول ورد في حق اليهود والتعبير الثالث في حق المسيح، لكن الآية مطلقة ولا تختص بقوم بعينهم، فهذه الآيات تصف كل من يحكم بغير حكم الله - أي: بموازين غير إلهية - بثلاث أوصاف الكفر والظلم والفسق. فيتضح من هنا أن الحكم بمعناه العام أولاً وبالذات من شؤون الله ولا يجوز أن يصدر أحداً مستقلاً عن الله حكماً مغايراً لأحكام الله.
ذكر في آيات أخرى أن حق الولاية والرعاية من حقوق الله خاصة مثلاً نقرأ في سورة الشوري: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾[٩]، العبارة ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ تدل بوضوح على انحصار الولاية الحقيقية في الله. التوحيد في الحاكمية - كغيره من أقسام التوحيد الفعلي - لا ينافي أن يُنصّب الله عباده المصطفون، كحكام وأولياء على الناس ويهبهم منصب الحكومة، مثلاً: يخبرنا القرآن عن تفويض هذا المقام إلى داوود(ع): ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾[١٠]، الحاصل: صحيح أن الحاكمية والولاية من شؤون الله، لكن لأن تدبير أمور المجتمع وإجراء القوانين بحاجة إلى تكوين علاقة مادية وطبيعية مع الناس وإيجاد هكذا علاقة من قِبل الله أمر غير مُمكن، فيجب دائماً أن يقوم جماعة من الناس بتأسيس الحكومة. لكن مشروعية حكومتهم تنبع من عين الولاية الإلهية ومشروطة بأن لا تخرج عن طريق الحق، كما أن داوود مأمور بأن يحكم بين الناس بالحق[١١]
التوحيد في الألوهية
أشرنا في بحث التوحيد الصفاتي أن أحد معاني هذا الأصل هو أن الله واحد لا مثيل له في كل صفة من صفاته وذكرنا أنه يمكن تصور هذه الوحدة بصورتين:
إما أن الله متفرد في صفاته، يعني: أن تلك الصفات لا تصدق على غيره مطلقاً، أو أنها تصدق على غير الله لكن الصفة المذكورة هي مطلقة بالنسبة لله وغير محدودة وفي غيره توجد بنحو مقيد ومحدود بقيود وحدود مكانية.
صفة الألوهية تُعد من الصفات التي تفرد بها الله عن مخلوقاته، والإله باللحاظ الصَّرفي على وزن فِعال والذي يستعمل في بعض المواضع بمعني المفعول، كالكتاب بمعنى المكتوب. وقد اختلفوا في أصل الإله صرفيّاً[١٢]. الرأي الشائع أن الإله بمعنى المعبود ويطلق على الشيء الذي يُتَّخذ للعبادة أو المناسب للعبادة. بهذا المعنى يصبح التوحيد في الألوهية عبارة عن الاعتقاد بأن الله هو الموجود الوحيد المستحق للعبادة، وسيأتي ما للتوحيد في العبودية من أهمية كبيرة، حيث اختلف مشركي الجزيرة فيه، يشهد القرآن الكريم أن مشركي العرب كانوا يعتقدون بالتوحيد في الخالقية ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾[١٣] ولكن كانت مشكلتهم في أقسام التوحيد الأخرى خاصة التوحيد في الألوهية، ومن هنا يؤكد القرآن على هذا القسم حتى يمنع انتشار الانحراف الخطير! ليس فقط بين مشركي العرب، بل بين أغلب مشركي التاريخ.
من هنا نجد شعار الإسلام يدور حول هذا القسم من التوحيد في الألوهية هذا التعابير ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ قائمة على إنكار كل معبود غير الله[١٤]
لماذا إله واحد؟
بعدما اتضح لنا معنى التوحيد في الألوهية يُطرح هذا السؤال وهو: لماذا مقام الألوهية مختص بالذات الإلهية المقدسة؟
للاجابة عن هذا السؤال، ينبغي أن نبدأ من سؤال آخر: أي الموجودات له خصوصية الإله والمعبود؟
بالتأمل في معنى الألوهية يُعلم أن الموجود الملائم لهذا المقام هو الكامل من كل جهة، الفاقد لكل نقص ومحدودية، الموجود الذي يهب الوجود للعالم ويهيء أسباب كمال الإنسان ويهديه للوصول إلى سعادته الحقيقية، الموجود الذي هو مالك اختيار البشر وكل أمور العالم وآدم بيده... .
لا شك أن كل هذه الصفات منحصرة بالله، الله الذي له ذات أحدية لا مثيل لها، بل الذي يمتنع أن يكون له نظير ومثيل.
إن الله هو أهل للألوهية بدليل صفاته الكمالية اللامتناهية ولأن هكذا إله لا يمكن أن يكون إلا واحداً، فالإله والمعبود الحقيقي للعالم هو واحد أيضاً[١٥]
تلازم الأقسام المختلفة للتوحيد النظري
بحثنا هذه الأقسام باختصار وبينا مبانيها العقلية إلى حد ما، وبالتأمل في هذه المباني نرى أن هناك نوع تلازم بينها عند الاعتقاد بوحدانية ذات واجب الوجود وتنزيهها عن كل تركيب (التوحيد الذاتي) والاعتقاد بأنه من غير الممكن أن تكون صفاته الكمالية خارج ذاته، بل هي عين الذات (التوحيد الصفاتي)، نستنتج عدم إمكانية احتياج الذات الإلهية في أفعالها إلى الغير، بل الجميع يحتاجها في الفعل والتأثير (التوحيد الفعلي).
و كذلك التلازم بين فروع التوحيد الفعلي، حيث إنه بالتأمل في معاني الأوصاف مثل الخالقية، المالكية والتدبير (الربوبية) الملائمة للعبادة (الألوهية) يتضح أن حقيقة هذه الصفات لا يمكن أن تنفك عن بعضها البعض، بل هي متلازمة.
نتيجة هذا البحث أن نظام التوحيد في الإسلام نظام كامل منسجم ومتناغم بحيث نجد هناك حالة من الاتحاد والانسجام بين كل أجزائه، لذلك فإن عدم قبول أي جزء من هذه المجموعة سوف ينجر إلى نوع من التناقض وعدم الانسجام[١٦]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ قد تقسم الربوبية إلى قسمين، ربوبية تكوينية وربوبية تشريعية. ومن البديهي أنه على أساس هذا التقسيم، يطبق التوحيد التشريعي على التوحيد الربوبي التشريعي، ويُمكن ذكره كفرع من فروع التوحيد الربوبي.
- ↑ سوف يأتي توضيحه بشكل مفصل في بحث (خاتيمية الإسلام)، الجزء الثاني من هذا الكتاب.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ١٢٥-١٢٦.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ١٢٦-١٢٧.
- ↑ ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ...﴾ سورة الشورى: ۱۳.
- ↑ سورة الأنعام: ۵۷.
- ↑ سورة قصص: ۸۸.
- ↑ سورة المائدة: ۴۴؛ وأيضاً في الآيات: ۴۵-۴۷، عبّر بـ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ على الترتيب، وذكر المفسرون آراء مختلفة لبيان سبب وصف هذه الجماعة بالكفر والظلم والفسق. ويُمكن القول أن هؤلاء ترددوا في ملائمة أحكام الله بشكل عملي، وأخفوا حقيقة الأحكام الإلهية وكفروا بالآيات الإلهيه، فهم كافرون ولأنهم ظلموا أنفسهم والآخرين عن علم، فهم ظالمون ولأنهم خرجوا عن مسير دين الله وطريق العبودية فهم فاسقون.
- ↑ سورة الشورى: ۹.
- ↑ سورة ص: ۲۶.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ١٢٧-١٣٠.
- ↑ يرى جماعة أنها مأخوذة من (اَلَه) يعني عبادة ويرى آخرون أنها مأخوذة من (وَلَه) بمعنى المتحير.
- ↑ سورة لقمان: ۲۵؛ ويمكن الرجوع إلى: سورة الزخرف: ۸۷.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ١٣٠-١٣١.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ١٣١-١٣٢.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ١٣٢.