الفرق بين المراجعتين لصفحة: «عاشوراء»

أُضيف ٢٦٬٥٩٥ بايت ،  ٢٣ نوفمبر ٢٠٢٥
لا يوجد ملخص تحرير
لا ملخص تعديل
لا ملخص تعديل
سطر ٢: سطر ٢:


== التمهيد ==
== التمهيد ==
عاشوراء؛ هو يوم [[العاشر من محرم]] يوم استشهاد [[الحسين]] وابنائه واصحابه في [[كربلاء]]. كان يوم [[العاشر من المحرم]] في [[الجاهلية]] عند [[العرب]] من الاعياد [[الكبيرة]] وكانوا يصومونه. وكان عيد تفاخر وفرح واحتفال، يرتدون فيه افخر ثيابهم ويتخضّبون وينشرون الزينة. ولما [[شرع]] [[الإسلام]] صوم [[شهر رمضان]] نسخ صوم ذلك اليوم. وقيل ان سبب تسميته بعاشوراء يعود إلى ان [[الله]] كرّم في هذا اليوم عشرة [[أنبياء]]<ref>حياة الإمام الحسين ٣: ١٧٩، نقلاً عن «الانوار الحسينية».</ref>.
انقضت ليلة الهدنة ، وطلع ذلك اليوم الرهيب يوم عاشوراء ، يوم الدم والجهاد والشّهادة ، وطلعت معه رؤوس الأسنة والرماح والأحقاد وهي مشرعة لتلتهم جسد الحسين {{ع}} ، وتفتك بدعاة الحق والثوّار من أجل الرسالة والمبدأ.
نظر الحسين {{ع}} إلى الجيش الزاحف ، ولم يزل {{ع}} كالطود الشامخ ، قد اطمأنت نفسه ، وهانت دنيا الباطل في عينه ، وتصاغر جيش الباطل أمامه ، ورفع يديه متضرّعاً إلى الله تعالى قائلاً : «اللّهمّ أنت ثقتي في كلّ كَرْب ، وأنت رَجائي في كلّ شِدّة ، وأنت لي في كلّ أمر نَزَلَ بي ثقةٌ وعدَّةٌ ، كم مِنْ همٍّ يَضْعَفُ فيه الفؤاد ، وتقلّ فيه الحيلة ، ويخذُلُ فيه الصديق ، ويشمت فيه العدو ، أنزلته بك وشكوته إليك ؛ رغبة منّي إليك عمّن سواك ففرّجته عنّي وكشفته ، فأنت وليّ كلّ نعمة ، وصاحب كلّ حسنة ، ومنتهى كلّ رغبة» (1).
خطاب الإمام {{ع}} في جيش الكوفة
أخذ جيش عمر بن سعد يشدِّد الحصار على الإمام {{ع}} ، ولمّا رأى الحسين {{ع}} كثرتهم وتصميمهم على قتاله إذا لم يستسلم ليزيد بن معاوية ، تعمّم بعمامة رسول الله {{صل}} ، وركب ناقته ، وأَخذ سلاحه ، ثمّ دنا من معسكرهم بحيث يسمعون صوته وراح يقول : «يا أهل العراق ـ وجُلُّهُمْ يسمعون ـ فقال : أيّها الناس ، اسمعوا قولي ولا تعجلوا ؛ حتّى أعظَكم بما يحقّ لكم عليَّ ، وحتى أُعْذَرَ إليكم ، فإن أعطيتموني النصف كنتم بذلك أسعد ، وإن لم تعطوني النصف من أنفسكم فاجمعوا رأيكم
__________________
(1) الإرشاد 2 : 96.
ثمّ لا يكن أمركم عليكم غُمَّةً ، ثمّ اْقضوا إليَّ ولا تُنظِرونِ (إِنَّ وَلِيِّيَ الله الذي نَزَّلَ الكتاب وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين) ثمّ حمد الله وأثنى عليه ، وذكر الله تعالى بما هو أهله ، وصلّى على النبي {{صل}} وعلى ملائكته وأنبيائه ، فَلَمْ يُسْمَعْ متكلمٌ قطّ قبلَه ولا بعدَه أبلغُ في منطق منه. ثمّ قال : «أمّا بعد ، فانسبوني فانظروا مَنْ أنا ، ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاكُ حُرمتي؟! ألَسْتُ ابنَ بنتِ نبيّكم وابنَ وصيِّه وابن عمّه ، وأوّل المؤمنين المصدق لرسول الله {{صل}} بما جاء به من عند ربّه؟! أوَ ليس حمزةُ سيدُ الشهداء عمّي؟ أوَ ليس جعفر الطيار في الجنة بجناحين عَمّي؟! أو لم يبلغكم ما قال رسولُ الله {{صل}} لي ولأخي : هذانِ سيّدا شباب أهل الجنة؟ فإنْ صدقتموني بما أقول ـ وهو الحق ـ فوالله ما تعمدتُ كذباً منذ علمت أن الله يَمْقُتُ عليه أهله ، وإنْ كذبتموني فإنَّ فيكم مَنْ إذا سألتموه عن ذلك أخبركم ، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري ، وأبا سعيد الخدري ، وسهل بنَ سعد الساعدي ، وزيد بن أرقم ، وأنسَ بن مالك يخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله {{صل}} لي ولأخي ، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟! ثمّ قال لهم الإمام الحسين {{ع}} : «فإن كنتم في شكّ من هذا فتشكّون أنّي ابن بنت نبيّكم؟! فوالله ليس ما بين المشرق والمغرب ابنُ بنتِ نبيّ غيري فيكم ولا في غيركم. ويحكم! أتطلبونني بقتيل منكم قَتَلْتُه ، أو مال لكم استهلكته ، أو بقصاص جراحة؟! فأخذوا لا يكلمونه ، فنادى : «يا شبث بن ربعي ، ويا حجّار بن أبجر ، ويا قيس بن الأشعث ، ويا يزيد بن الحارث ، ألَمْ تكتبوا إليَّ أنْ قد أينعت الثمار ، واْخضرّ الجناب ، وإنما تقدِم على جند لك مجندة؟!». فقال له قيس بن الأشعث : ما ندري ما تقول ، ولكن اِنزل على حكم بني عمّك. فقال له الحسين {{ع}} : «لا والله ، لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ، ولا أفرُّ فِرار العبيد». ثمّ نادى : «يا عبادَ الله ، إنّي عذْتُ بربّي ورَبِّكم أنْ ترجمُونِ. أعوذ بربّي وربّكم من كلّ متكبر
لا يؤمن بيوم الحساب» (1).
لقد أبى القوم إلاّ الإصرار على حربه والتمادي في باطلهم ، وأجابوه بمثل ما أجاب به أهل مدين نبيَّهم كما حكى الله (عزّ وجلّ) عنهم في كتابه الكريم : (مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً) (2).
الحر يُخيّر نفسه بين الجنة والنّار
وتأثر الحر بن يزيد الرياحي بكلمات الإمام الحسين {{ع}} وندم على ما سبق منه معه ، وراح يدنو بفرسه من معسكر الحسين تارة ويعود إلى موقفه أخرى ، وبدا عليه القلق والاضطراب. وعند ما سُئل عن السبب في ذلك قال : والله ، إنّي أُخيِّرُ نفسي بين الجنة والنّار ، وبين الدنيا والآخرة ، ولا ينبغي لعاقل أن يختار على الآخرة والجنّة شيئاً. ثمّ ضرب فرسه والتحق بالحسين {{ع}} ، ووقف على باب فسطاطه ، فخرج إليه الحسين {{ع}} ، فانكبَّ عليه الحر يُقبّل يديه ويسأله العفو والصّفح ، فقال له الحسين {{ع}} : «نعم ، يتوب الله عليك وهو التواب الرحيم». فقال له الحر : والله لا أرى لنفسي توبة إلاّ بالقتال بين يديك حتّى أموتَ دونك. وخطب الحر في أهل الكوفة ، فوعظهم وذكّرهم موقفهم من الإمام {{ع}} ، ودعوتهم له ، وحثّهم على عدم مقاتلة الإمام {{ع}} ، ثمّ مضى إلى الحرب فتحاماه الناس ، ثمّ تكاثروا عليه حتّى استشهد (3).
المعركة الخالدة
حصّن الإمام {{ع}} مخيّمه ، وأحاط ظهره بخندق أوْقَد فيه النار
__________________
(1) الإرشاد 2 : 98 ، إعلام الورى 1 : 459.
(2) سورة هود : 91.
(3) الإرشاد 2 : 99 ، الفتوح 5 : 113 ، بحار الأنوار 5 : 15.
ليمنع المباغتة والالتفاف عليه من الخلف ، وليحميَ النساء والأطفال من العدوان المحقق.
نظر شمر بن ذي الجوشن إلى النار في الخندق فصاح : يا حسينُ ، تعجّلت النار قبل يوم القيامة. فردّ عليه : «أنت أولى بها صِلِيّاً» (1). وحاول صاحب الحسين {{ع}} مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم ، فاعترضه الإمام ومنعه قائلاً : «لا ترمه ؛ فإنّي أكره أن أبدأهم» (2).
ويقول المؤرخون : إنّ بعض أصحاب الإمام خطب بالقوم بعد خطبة الإمام الاولى ، وإنّ الإمام {{ع}} أخذ مصحفاً ونشره على رأسه ووقف بإزاء القوم ، فخاطبهم للمرّة الثانية بقوله : «يا قوم ، إنّ بيني وبينكم كتاب الله ، وسنّة جدّي رسول الله {{صل}}». ثمّ استشهدهم عن نفسه المقدسة وما عليه من سيف النبي {{صل}} ودرعه وعمامته ، فأجابوه بالتصديق ، فسألهم عمّا أقدمهم على قتله ، قالوا : طاعةً للأمير عبيد الله ابن زياد. فقال {{ع}} : «تبّاً لكم أيتها الجماعة وترحاً! أحين استصرختمونا (3) والهين ، فأصرخناكم موجفين ، سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم ، وحَشَشْتم علينا ناراً اقتدحناها على عدوّنا وعدوّكم ، فأصبحتم إلباً (4) لأعدائكم على أوليائكم ، بغير عدل أفشوه فيكم ، ولا أمل أصبح لكم فيهم ، فهلاّ ـ لكم الويلات! ـ تركتمونا والسيفُ مشيم ، والجأش طامن ، والرأي لمّا يستحصفْ ، ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدبا (5) ، وتداعيتم عليها كتهافُتِ الفراش ، ثمّ نقضتموها ، فسُحْقاً لكم يا عبيدَ الأمة ، وشُذّاذَ الأحزاب ، ونبذة الكتاب ، ومحرّفي الكلم ، وعصبة الإثم ، ونفثةَ الشيطان ، ومطفئي السنن ، ويْحَكم! أهؤلاء تعضدون وعنّا تتخاذلون؟! أجل والله
__________________
(1) مقتل الحسين ـ للمقرّم : 277.
(2) مقتل الحسين ـ للمقرّم : 277 ، تاريخ الطبري 3 : 318.
(3) استصرختمونا : طلبتم نجدتنا.
(4) إلباً : مجتمعين متضامنين ضدّنا.
(5) الدبا : الجراد الصغير.
غدرٌ فيكم قديم ، وشجت عليه اُصولكم ، وتأزّرت فروعكم ، فكنتم أخبثَ ثمر شجىً للناظر ، وأكلةً للغاصب. ألا وإنّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين ؛ بين السلة والذلّة ، وهيهات منّا الذلة! يأبى الله لنا ذلك ورسولُه والمؤمنون ، وحجورٌ طابت وطَهُرَتْ ، واُنوفٌ حميةٌ ، ونفوسٌ أبيّةٌ من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام. ألا وإنّي زاحف بهذه الاسرة على قلّة العدد ، وخذلان الناصر. ثمّ أنشدَ أبياتِ فروة بن مسيك المرادي :
فاِنْ نَهْزِمْ فهزّامون قِدْماً
وإن نُهْزَمْ فغيْرُ مهزَّمينا
وما إن طبَّنا جُبْنٌ ولكن
منايانا ودولةُ آخرينا
فَقُلْ للشامتين بنا أفيقوا
سَيَلْقى الشامتون كما لقينا
إذا ما الموت رَفَّعَ عن اُناس
كلاكله أناخ بآخرينا (4)
أما والله ، لا تلبثون بعدها إلاّ كريثما يُركبُ الفرس حتّى تدور بكم دور الرحى ، وتقلق بكم قلق المحور ؛ عهد عهده إليّ أبي عن جدّي رسول الله {{صل}} ، (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ) (2) ، (تَوَكَّلْتُ عَلَى الله رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (3)». ثمّ رفع يديه نحو السماء وقال : «اللّهمّ احبس عنهم قطر السماء ، وابعث عليهم سنينَ كسنيّ يوسف ، وسلِّطْ عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأساً مصبَّرةً ؛ فإنّهم كذّبونا وخذلونا وأنت ربّنا عليك توكلّنا وإليك المصير» (4).
كلّ ذلك وعمر بن سعد مُصرّ على قتال الحسين {{ع}} ، والإمام الحسين {{ع}} يحاور وينصح ويدفع القوم بالتي هي أحسن. ولمّا لم يجدِ النصح مجدياً قال لا ابن سعد : «أيْ عمر ، أتزعم أنّك تقتلني ويولّيك الدعي بلاد الري وجرجان؟
__________________
(1) تاريخ ابن عساكر 69 : 265 ، اللهوف في قتلى الطفوف ـ ابن طاووس : 59 و124.
(2) و(3) سورة يونس : 71. سورة هود : 56.
(4) مقتل الحسين ـ للمقرّم : 289 ـ 286 ، مقتل الحسين ـ للخوارزمي 2 : 6 ، تاريخ ابن عساكر ، ترجمة الإمام الحسين {{ع}} : 216 ، راجع إعلام الورى 1 : 458.
والله لا تتهنّأ بذلك ، عهد معهود ، فاصنع ما أنت صانع ؛ فإنّك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة ، وكأنّي برأسك على قصبة يتراماه الصبيان بالكوفة ، ويتخذونه غرضاً بينهم». فصرف ابن سعد وجهه عنه مغضباً (1).
واستحوذَ الشيطان على ابن سعد فوضع سهمه في كبد قوسه ثمّ رمى باتجاه معسكر الحسين {{ع}} وقال : اشهدوا أنّي أوّلُ مَنْ رمى. ثمّ ارتمى الناس وتبارزوا (2).
فخاطب الإمام {{ع}} أصحابه قائلاً : «قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لا بدّ منه ؛ فإنّ هذه السهام رسل القوم إليكم» (3).
فتوجهوا إلى القتال كالأُسود الضارية لا يبالون بالموت ، مستبشرين بلقاء الله (جلّ جلاله) ، وكأنّهم رأوا منازلهم مع النبيين والصّديقين وعباده الصالحين ، وكان لا يُقتل منهم أحد حتّى يقول : السلام عليك يا أبا عبد الله ، ويوصي أصحابه بأن يفدوا الإمام بالمهج والأرواح ، واحتدمت المعركة بين الطرفين ، (فكان لا يُقْتَلُ الرجل من أنصار الحسين {{ع}} حتّى يَقْتل العشرة والعشرين) (4).
استمرت رحى الحرب تدور في ساحة كربلاء ، واستمر معه شلاّل الدم المقدس يجري ليتّخذ طريقه عبر نهر الخلود ، وأصحابُ الحسين {{ع}} يتساقطون الواحد تلو الآخر ، وقد أثخنوا جيش العدو بالجراح ، وأرهقوه بالقتل ، فتصايح رجال عمر بن سعد : لو استمرت الحرب برازاً بيننا وبينهم لأتوا على آخِرنا ، لنهجم عليهم مرّة واحدة ، ولنرشقهم بالنّبال والحجارة.
__________________
(1) مقتل الحسين ـ للمقرّم : 289.
(2) الإرشاد 2 : 101 ، اللهوف : 100 ، إعلام الورى 1 : 461.
(3) مقتل الحسين ـ للمقرّم : 292.
(4) سيرة الأئمة الاثني عشر 2 : 76.
فبدأ الهجوم والزحف نحو مَنْ بقي مع الحسين {{ع}} ، وأحاطوا بهم من جهات متعدّدة ، مستخدمين كلّ أدوات القتل وأساليبه الدنيئة حتّى قتلوا أكثر جنود المعسكر الحسيني من الصحابة.
وزالت الشمس وحضر وقت الصلاة ، وها هو الحسين {{ع}} ينادي للصّلاة ، وقد تحوّل الميدان عنده محراباً للجهاد والعبادة ، ولم يكن في مقدور السيوف والأسنّة أن تحول بينه وبين الحضور في ساحة المناجاة والعروج إلى حظائر القدس وعوالم الجمال والجلال.
ولم يزل يتقدّم رجل رجل من أصحابه فيقتل حتّى لم يبقَ مع الحسين {{ع}} إِلاّ أهل بيته خاصّةً ؛ فتقدّم ابنه عليّ بن الحسين {{ع}} ـ واُمّه ليلى بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفي ـ وكان من أصبح الناس وجهاً ، فشدَّ على الناس وهو يقول :
أنا عليُّ بن الحسين بن علي
نحن وبيت الله أولى بالنَّبي
تالله لا يحكم فينا ابنُ الدعي
ففعل ذلك مراراً وأهل الكوفة يتَّقون قتله ، فبصر به مرّة بن منقذ العبدي فقال : عليَّ إثم العرب إن مرَّ بي يفعل مثل ذلك إن لم أثكل أباه. فمرَّ يشدُّ على الناس كما مرَّ في الأول ، فاعترضه مرّة بن منقذ فطعنه فصُرع ، واحتوشه القوم فقطّعوه بأسيافهم ، فجاء الحسين {{ع}} حتّى وقف عليه فقال : «قتل الله قوماً قتلوك يا بُنيَّ ، ما أجرأَهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة الرسول!». وانهملت عيناه بالدُّموع ، ثمّ قال : «على الدنيا بعدك العفا!». وخرجت زينب أخت الحسين مسرعةً تنادي : يا أُخيّاه وابن أُخيّاه ، وجاءت حتّى أكبّت عليه ، فأخذ الحسين برأسها فردَّها إلى الفسطاط ، وأمر فتيانه فقال : «احملوا أخاكم». فحملوه حتّى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه.
ثمّ رمى رجلٌ من أصحاب عمر بن سعد يُقال له : عمرو بن صبيح عبد الله بن مسلم بن عقيل رحمه‌الله بسهم ، فوضع عبد الله يده على جبهته يتّقيه ، فأصاب السهم كفَّه ونفذ إلى جبهته فسمّرها به فلم يستطع تحريكها ، ثمّ انتحى عليه آخر برمحه فطعنه في قلبه فقتله.
وحمل عبد الله بن قُطبة الطائي على عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه فقتله.
وحمل عامر بن نهشل التيمي على محمّد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه فقتله.
وشدَّ عثمان بن خالد الهمداني على عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه فقتله.
قال حميد بن مسلم : فإنّا لكذلك إذ خرج علينا غلام كأنَّ وجهه شقَّة قمر ، في يده سيف وعليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع إحداهما ، فقال لي عمر بن سعيد بن نفيل الأزدي : والله لأشدَّنَّ عليه. فقلت : سبحان الله! وما تريد بذلك؟! دعه يكفيكه هؤلاء القوم الذين ما يبقون على أحد منهم. فقال : والله لأشدَّنَّ عليه ، فشدَّ عليه فما ولّى حتّى ضرب رأسه بالسّيف ففلقه ، ووقع الغلام لوجهه فقال : يا عمّاه ، فجلى (1) الحسين {{ع}} كما يجلي الصقر ، ثمّ شدَّ شدّة ليث أُغضب ، فضرب عمر بن سعيد بن نفيل بالسّيف فاتّقاها بالسّاعد فأطنَّها من لدن المرفق ، فصاح صيحة سمعها أهل العسكر ، ثمّ تنحّى عنه الحسين {{ع}} ، وحملت خيل الكوفة لتستنقذه فوطأته بأرجلها حتّى مات.
وانجلت الغبرة فرأيت الحسين {{ع}} قائماً على رأس الغلام وهو
__________________
(1) جلّى ببصره : إذا رمى به كما ينظر الصقر إلى الصيد. «الصحاح ـ جلا ـ 6 : 2305».
يفحص برجله ، والحسين يقول : «بُعداً لقوم قتلوك ، ومَنْ خصمهم يوم القيامة فيك جدُّك». ثمّ قال : «عزَّ ـ والله ـ على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك ، أو يجيبك فلا ينفعك ، صوت ـ والله ـ كثرَ واتروه ، وقلَّ ناصروه». ثمّ حمله على صدره ، فكأنِّي أنظر إلى رجلي الغلام تخطّان الأرض ، فجاء به حتّى ألقاه مع ابنه عليِّ بن الحسين والقتلى من أهل بيته ، فسألت عنه فقيل لي : هو القاسم بن الحسن بن عليِّ بن أبي طالب {{عم}}.
ثمّ جلس الحسين {{ع}} أمام الفسطاط ، فاُتي بابنه عبد الله بن الحسين وهو طفل فأجلسه في حجره ، فرماه رجل من بني أسد بسهم فذبحه ، فتلقّى الحسين {{ع}} دمه ، فلمّا ملأ كفَّه صبَّه في الأرض ثمّ قال : «ربّ إن تكن حبست عنّا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير ، وانتقم لنا من هؤلاء القوم الظالمين». ثمّ حمله حتّى وضعه مع قتلى أهله.
ورمى عبد الله بن عقبة الغنوي أبا بكر بن الحسن بن عليِّ بن أبي طالب {{عم}} فقتله.
فلمّا رأى العباس بن عليّ (رحمة الله عليه) كثرة القتلى في أهله قال لإخوته من اُمِّه ، وهم عبد الله وجعفر وعثمان : يا بني اُمِّي ، تقدّموا حتّى أراكم قد نصحتم لله ولرسوله ...
فتقدّم عبد الله فقاتل قتالاً شديداً ، فاختلف هو وهانئ بن ثبيت الحضرمي ضربتين فقتله هانئ (لعنه الله). وتقدّم بعده جعفر بن عليّ {{ع}} فقتله أيضاً هانئ. وتعمّد خوليُّ بن يزيد الأصبحي عثمان بن عليّ {{ع}} وقد قام مقام إخوته ، فرماه بسهم فصرعه ، وشدَّ عليه رجل من بني دارم فاحتزَّ رأسه.
وحملت الجماعة على الحسين {{ع}} فغلبوه على عسكره ، واشتدَّ به العطش ، فركب المسناة (1) يريد الفرات وبين يديه العباس أخوه ، فاعترضته خيل ابن سعد ، وفيهم رجل من بني دارم ، فقال لهم : ويلكم! حولوا بينه وبين الفرات ولا تمكِّنوه من الماء. فقال الحسين {{ع}} : «اللّهمّ أظمئه». فغضب الدارمي ورماه بسهم فأثبته في حنكه ، فانتزع الحسين {{ع}} السهم وبسط يده تحت حنكه فامتلأت راحتاه بالدَّم ، فرمى به ثمّ قال : «اللّهمَّ إنِّي أشكو إليك ما يُفعل بابن بنت نبيِّك». ثمّ رجع إلى مكانه وقد اشتدَّ به العطش.
استشهاد الإمام الحسين {{ع}}
لم يبقَ مع الإمام الحسين {{ع}} سوى أخيه العباس الذي تقدّم إليه يطلب منه الإذن في قتال القوم فبكى الحسين وعانقه ، ثمّ أذن له فكان يحمل على أهل الكوفة فينهزمون بين يديه كما تنهزم المعزى من الذئاب الضارية وضجّ أهل الكوفة من كثرة مَنْ قُتل منهم ، ولمّا قُتل قال الحسين {{ع}} : «الآن انكسر ظهري ، وقلّت حيلتي ، وشمت بي عدوّي» (2).
وفي رواية اُخرى : إنّ الإمام الحسين {{ع}} اتجه إلى نهر الفرات وبين يديه أخوه العباس ، فاعترضته خيل ابن سعد (لعنه الله) ، وفيهم رجل من بني دارم ، فقال لهم : ويلكم! حولوا بينه وبين الفرات ولا تمكّنُوهُ من الماء. فقال الحسين {{ع}} : «اللّهمّ أظمئه». فغضب الدارمي ورماه بسهم فأثبته في حنكه ، فانتزع الحسين {{ع}} السهم ، وبسط يده تحت حنكه فامتلأت راحتاه من الدم ، فرمى به ثمّ قال : «اللّهمّ إنّي أشكو إليك ما يُفعل بابن بنت نبيّك». ثمّ رجع إلى مكانه
_____________________
(1) المسناة : تراب عال يحجز بين النهر والأرض الزراعية. «تاج العروس ـ سنى ـ 10 : 185».
(2) سيرة الأئمة الاثني عشر 2 : 77 ، بحار الأنوار 45 : 440 ، المنتخب ـ للطريحي : 431.
وقد اشتدّ به العطش ، وأحاط القوم بالعبّاس {{ع}} فاقتطعوه عنه ، فجعل يقاتلهم وحده حتّى قُتل (رحمة الله عليه) (1).
ونظر الحسين {{ع}} إلى ما حوله ، ومدّ ببصره إلى أقصى الميدان فلم يرَ أحداً من أصحابه وأهل بيته إلاّ وهو يسبح بدم الشهادة ، مقطّعَ الأوصال والأعضاء.
وهكذا بقي الإمام {{ع}} وحده يحمل سيف رسول الله {{صل}} وبين جنبيه قلب علي {{ع}} ، وبيده راية الحق البيضاء ، وعلى لسانه كلمة التقوى.
الحسين {{ع}} وحيداً في الميدان
حينما التفت أبو عبد الله الحسين {{ع}} يميناً وشمالاً ولم يرَ أحداً يذبّ عن حرم رسول الله أخذ ينادي : «هل من ذابٍّ يذبّ عنا؟» فخرج الإمام زين العابدين {{ع}} من الفسطاط ، وكان مريضاً لا يقدر أن يحمل سيفه واُمّ كلثوم تنادي خلفه : يا بُني ارجع. فقال : «يا عمّتاه ، ذريني اُقاتل بين يدي ابن رسول الله {{صل}}».
وإذا بالحسين {{ع}} ينادي : «يا اُمّ كلثوم ، خذيه لئلاّ تبقى الأرض خالية من نسل آل محمّد {{صل}}» (2).
ويقول المؤرخون : إنّه لمّا رجع الحسين {{ع}} من المسناة إلى فسطاطه تقدّم إليه شمر بن ذي الجوشن في جماعة من أصحابه فأحاطوا به ، فأسرع منهم رجل يُقال له : مالك بن النسر الكندي فشتم الحسين {{ع}} ، وضربه على رأسه بالسيف ، وكان عليه قلنسوة فقطعها حتّى وصل إلى رأسه فأدماه
__________________
(1) الإرشاد 2 : 109.
(2) بحار الأنوار 45 : 46.
فامتلأت القلنسوة دماً ، فقال له الحسين {{ع}} : «لا أكلت بيمينك ولا شربت بها ، وحشرك الله مع القوم الظالمين».
ثمّ ألقى القلنسوة ودعا بخرقة فشدَّ بها رأسَه ، واستدعى قلنْسوة اُخرى فلبسها واعتمّ عليها ، ورجع عنه شمر بن ذي الجوشن ومَنْ كان معه إلى مواضعهم ، فمكث هنيئة ثمّ عاد وعادوا إليه وأحاطوا به (1).
حمل الإمام الحسين {{ع}} سيفه وراح يرفع صوته على عادة الحروب ونظامها في البراز ، وراح ينازل فرسانهم ، ويواجه ضرباتهم ببسالة نادرة وشجاعة فذّة ، فما برز إليه خصم إلاّ وركع تحت سيفه ركوع الذل والهزيمة.
قال حميد بن مسلم : فوالله ، ما رأيت مكثوراً قطّ قد قُتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً ولا أمضى جناناً منه! أَن كانت الرجالة لتشدّ عليه فيشدَّ عليها بسيفه فتنكشف عن شماله انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب (2).
ولمّا عجزوا عن مقاتلته لجأوا إلى أساليب الجبناء ؛ فقد استدعى شمر الفرسان فصاروا في ظهور الرجالة ، وأمر الرماة أنْ يرموه ، فرشقوه بالسّهام حتّى صار جسمُه كالقنفذ فأحجم عنهم ، فوقفوا بإزائه ، وخرجت أُخته زينب إلى باب الفسطاط فنادت عمر بن سعد بن أبي وقاص : ويلك يا عمر! أيُقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟! فلم يجبها عمر بشيء ، فنادت : ويحكم! أما فيكم مسلم؟! فلم يجبها أحد بشيء ، ونادى شمر بن ذي الجوشن الفرسان والرجّالة فقال : ويحكم! ما تنتظرون بالرجل؟ ثكلتكم أُمهاتكم! فحملوا عليه من كلّ جانب.
فضربه زُرعة بن شريك على كتفه اليسرى فقطعها ، وضربه آخر منهم على عاتقه فكبا منها لوجهه ، وطعنه سنان بن أنس النخعي بالرمح فصرعه ،
__________________
(1) الإرشاد 2 : 110 ، إعلام الورى 1 : 467.
(2) الإرشاد 2 : 111 ، إعلام الورى 1 : 468.
وبدر إليه خُولى بن يزيد الأصبحي فنزل ليحتزّ رأسه فأرعد ، فقال له شمر : فتَّ الله في عضدك ، ما لك ترعد؟!
ونزل شمر إليه فذبحه ، ثمّ رفع رأسه إلى خولى بن يزيد فقال : احمله إلى الأمير عمر بن سعد.
ثمّ أقبلوا على سلب الحسين {{ع}} فأخذ قميصه إِسحاق بن حَيْوَة الحضرمي ، وأخذ سراويله أبجر بن كعب ، وأخذ عمامته أخنس بن مرثد ، وأخذ سيفه رجل من بني دارم ، وانتهبوا رحله وإبله وأثقاله وسلبوا نساءه (1).
امتداد الحمرة في السماء
ومادت الأرض ، واسودَّتْ آفاق الكون ، وامتدت حمرة رهيبة في السماء كانت نذيراً من الله لاُولئك السفاكين المجرمين الذين انتهكوا جميع حُرُماتِ الله (2).
وصبغ فرس الحسين {{ع}} ناصيته بدم الإمام الشهيد المظلوم ، وأقبل يركض مذعوراً نحو خيام الحسين {{ع}} ؛ ليعلم العيال بمقتله واستشهاده. وقد صوّرت زيارة الناحية المقدسة هذا المشهد المأساوي كما يلي :
«فلمّا نظرت النساء إلى الجواد مخزيّاً ، والسّرج عليه ملويّاً ؛ خرجن من الخدور ناشرات الشعور ، على الخدود لاطمات ، وللوجوه سافرات ، وبالعويل داعيات ، وبعد العز مذَلَّلات ، وإلى مصرع الحسين مبادرات».
ونادت عقيلة بني هاشم زينب بنت عليّ بن أبي طالب {{ع}} وهي ثكلى : وا محمداه! وا أبتاه! وا علياه! وا جعفراه! وا حمزتاه! هذا حسين بالعراء ، صريع
__________________
(1) الإرشاد 2 : 112 ، إعلام الورى 1 : 469.
(2) راجع كشف الغمة 2 : 9 ، سير أعلام النبلاء 3 : 312 ، تاريخ الإسلام ـ للذهبي : 15 ، حوادث سنة 61 ، إعلام الورى 1 : 429.
بكربلاء ، ليت السماء أُطبقت على الأرض! وليت الجبال تدكدكت على السهل (1)!
حرق الخيام وسلب حرائر النبوة
وعمد المجرمون اللئام إلى حرق خيام الإمام أبي عبد الله الحسين {{ع}} غير حافلين بمَنْ في الخيام من بنات الرسالة وعقائل النبوة. قال الإمام زين العابدين {{ع}} : «والله ، ما نظرت إلى عمّاتي وأخواتي إلاّ وخنقتني العبرة ، وتذكّرت فرارهن يوم الطف من خيمة إلى خيمة ، ومن خباء إلى خباء ، ومنادي القوم ينادي : أحرقوا بيوت الظالمين» (2).
وعمد أراذل جيش الكوفة إلى سلب حرائر النبوة وعقائل الرسالة ، فنهبوا ما عليهنّ من حليّ وحلل ، كما نهبوا ما في الخيام من متاع.
الخيل تدوس الجثمان الطاهر
لقد بانت خِسّة الامويين لكلّ ذي عينين ، وعبّرت عن مسخفي الوجدان الذي كانوا يحملونه ، وماتت الإنسانية فتحوّلت الأجساد المتحركة إلى وحوش دنيئة لا تملك ذرّة من رحمة ، ولا يزعها وازعٌ من بقيّة ضمير إنساني.
فحين حاصرت جيوش الضلالة أهل بيت النبوة {{عم}} في عرصات كربلاء كتب ابن زياد إلى عمر بن سعد كتاباً وهو يبيّن له ما يستهدفه من نتيجة للمعركة ، وما تنطوي عليه نفسه الشريرة من حقد دفين على الرسالة والرسول {{صل}} ، وكلّ ما يمتّ إليهما بصلة أو قرابة ، وقد جاء فيه ما يلي :
أما بعد ، فإنّي لم أبعثك إلى الحسين لتكفّ عنه ، ولا لتطاوله ، ولا لتمنّيه السلامة والبقاء ، ولا لتعقد له عندي شافعاً ، انظر فإن نزل حسين وأصحابه على
__________________
(1) مقتل الحسين ـ للمقرم : 346.
(2) حياة الإمام الحسين {{ع}} ، نقلاً عن تاريخ المظفري : 238.
الحكم واستسلموا فابعث بهم سلماً ، وإن أبوا فازحف إليهم حتّى تقتلهم وتمثّل بهم ؛ فإنّهم لذلك مستحقّون ، فإن قُتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره ؛ فإنّه عاقّ مشاقّ ، قاطع ظلوم ، وليس في هذا أن يضرّ بعد الموت شيئاً ، ولكن عليّ قول ، لو قد قتلته فعلت هذا به (1).
على أنّ ابن زياد كان من أعمدة الحكم الاموي. ولا نعلم أوامر صدرت من أحد أفراده بحيث كانت ترعى حرمة أو تقديراً لمقام ابن النبي {{صل}} الذي لم يكن خافياً على أحد من الامويين.
وهكذا انبرى ابن سعد بعد مقتل ريحانة رسول الله {{صل}} ؛ لينفّذ أوامر سيّده الحاقد ابن زياد ، فنادى في أصحابه : مَنْ ينتدب للحسين فيوطئه فرسه؟
فانتدب عشرة ، فداسوا جسد الحسين {{ع}} بخيولهم حتّى رضّوا ظهره (2).
عقيلة بني هاشم أمام الجثمان العظيم
ووقفت حفيدة الرسول {{صل}} وابنة أمير المؤمنين {{ع}} العقيلة زينب عليها‌السلام على جثمان أخيها العظيم ، وهي تدعو قائلةً : «اللّهمّ تقبّل هذا القربان» (3).
إنَّ الإنسانية لتنحني إجلالاً وخضوعاً أمام هذا الإيمان الذي هو السر الوحيد في خلود تضحية الحسين {{ع}} وأصحابه (رضوان الله تعالى عليهم أجمعين).
__________________
(1) تاريخ الطبري 4 : 314 ، إعلام الورى 1 : 453.
(2) إعلام الورى 1 : 470 ، مقتل الحسين ـ للخوارزمي 2 : 39.
(3) حياة الإمام الحسين بن علي {{ع}} 3 : 304.


يعتبر هذا اليوم لدى [[الشيعة]] يوم [[حزن]] وعزاء على استشهاد الحسين{{ع}} الذي يعد اكبر مصيبة وقعت على [[آل الرسول]]، وفرح فيه اعداء الإسلام و [[أهل البيت]]، وصار يوم [[مأتم]] ومواساة لشيعة آل الرسول يبكون فيه قتلى هذا اليوم. قال [[الإمام]] [[جعفر بن محمد الصادق]]{{ع}}: {{نص حديث|وَ أَمَّا يَوْمُ عَاشُورَاءَ فَيَوْمٌ أُصِيبَ فِيهِ اَلْحُسَيْنُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ صَرِيعاً بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَ أَصْحَابُهُ حَوْلَهُ صَرْعَى عُرَاةً}}<ref>بحار الانوار ٤٥: ٩٥.</ref>.
وقال [[الإمام الرضا]]{{ع}}: {{نص حديث|مَنْ كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمَ مُصِيبَتِهِ وَ حُزْنِهِ وَ بُكَائِهِ جَعَلَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ يَوْمَ فَرَحِهِ وَ سُرُورِهِ}}<ref>بحار الانوار ٤٤: ٢٨٤، وسائل الشيعة ١٠: ٣٩٤.</ref>. وجاء في [[زيارة عاشوراء]]: {{نص حديث|اَللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ تَبَرَّكَتْ بِهِ بَنُو أُمَيَّةَ وَ اِبْنُ آكِلَةِ اَلْأَكْبَادِ ...}}.
دأب ائمّة الشيعة على احياء ذكرى هذا اليوم، حيث يقيمون فيه المآتم ويبكون على مصرع [[أبي عبد الله]]{{ع}}، ويزورونه فيه ويحثّون شيعتهم على زيارته، وكان يوم حزن لهم، ومن جملة [[الآداب]] المتعارفة في مثل هذا اليوم اجتناب اللذّات، والكفّ عن [[العمل]]، والحزن والبكاء، وعدم [[الأكل والشرب]] حتى الظهر، وعدم ادخار شيء للدار، واظهار [[الحزن]] والأسى وما إلى ذلك<ref>وسائل الشيعة ١٠: ٣٩٤، سفينة البحار ٢: ١٩٦.</ref>.
لم تكن الظروف في العهدين [[الاموي]] والعبّاسي تسمح باقامة شعائر العزاء بشكل علني وواسع على الحسين. ولكن حينما توفرت الظروف المناسبة كان الشيعة يقيمون شعائر العزاء بأبهى صورة ممكنة، وذكرت كتب [[التاريخ]] أن [[معز الدولة الديلمي]] ألزم أهل [[بغداد]] النوح واقامة المأتم على الحسين{{ع}} وأمر بغلق الأبواب وعلّقت عليها المسوح ومنع الطباخين من الاطعمة وان تخرج [[النساء]] بثياب سوداء ويندبن [[الحسين]]، واستمر هذا لعدّة سنوات ولم يستطع [[السنّة]] منعه لأن [[الحكومة]] كانت بيد [[الشيعة]]<ref>سفينة البحار ٢: ١٩٦.</ref>.
اعتبرت واقعة [[عاشوراء]] منذ عدّة قرون مضت رمزا ليوم [[صراع الحق والباطل]]، ورمزا ليوم [[الفداء]] والتضحية في سبيل [[الدين]] ؛ ففي هذا اليوم واجه [[الحسين بن علي]] بفئة قليلة ولكن مؤمنة وصابرة وتتحلى بالعزّة والصلابة والعظمة جيش [[حكومة]] [[يزيد]] على كثرة عدده وكمال عدته، ولكنه كان مجردا من الدين والرأفة، وجعل من [[كربلاء]] ساحة للبطولة والحرية، ومع ان [[يوم عاشوراء]] كان يوم واحداً من [[الصراع]] إلّا انّ نطاق تأثيره امتد إلى [[الأبد]]، ودخل في اعماق الضمائر والقلوب حتّى صارت العشرة الأولى من محرم وخاصة اليوم العاشر منه فرصة تبرز فيها ذروة [[المحبة]] والولاء لعلم [[الحرية]]، واسوة [[الجهاد]] والشهادة الحسين بن علي، حتى ان غير الشيعة يبجّلون سمو ارواح اولئك الرجال العظام.
عاشوراء يعكس معنى {{نص حديث|حُسَيْنٌّ مِنِّي وَ أَنَا مِنْ حُسَيْنِ}} إذ ان [[دين]] [[رسول الله]] سقته وأحيته دماء الحسين. أو كما عبّر احد [[العلماء]] عن هذه [[الحقيقة]] بقوله: «... كان يوم عاشوراء يوم [[ثورة]] عدد قليل من دعاة [[العدالة]] المؤمنين ضد الجائرين من أصحاب القصور والمتسلّطين ...»<ref>صحيفة النور ٩: ٥٧.</ref>، وقوله: «لو لا عاشوراء لساد منطق جاهلية [[أبي سفيان]] ومن هو على شاكلته ممّن كانوا يستهدفون [[القضاء]] على أي وجود للوحي والقرآن، وكان يزيد تذكار عصر [[عبادة]] الاصنام [[المقيت]] يظن ان [[قتل]] ابناء [[الوحي]] قد يعينه على هدم صرح [[الإسلام]]، وطي صفحة [[الحكومة الإسلامية]] بصراحة وباعلانه (لا [[خبر]] جاء ولا [[وحي]] نزل)، ولو لا عاشوراء لكان من غير الواضح ما الذي سيحل بالقرآن [[الكريم]] والإسلام [[العزيز]]»<ref>صحيفة النور ١٤: ٢٦٥.</ref>.
سار [[الإمام الحسين]] من [[مكّة]] إلى [[الكوفة]] بدعوة من أهاليها لكي ينضم إلى الشيعة الثوريين فيها ويتسلّم زمام قيادتهم بيده، وقبل بلوغ الكوفة حاصره جيش [[ابن زياد]] في كربلاء ولكنه ابى ان يبايع حكومة يزيد الظالمة الغاصبة، فقاتله جيش الكوفة، فقاتل هو واصحابه في يوم عاشوراء ببسالة منقطعة [[النظير]] حتّى قتلوا وهم عطاشى، واقتيد الباقون من قافلة [[النور]] اسرى بيد قوى [[الظلم]] واخذوا إلى [[الكوفة]]، وسطّر اصحابه الاثنان والسبعون افخر ملحمة في تاريخ [[البشرية]] وخلدوا ذكراهم في [[قلب]] [[التاريخ]] والضمير [[البشري]].
أو كما وصف احد الكتاب المعاصرين [[عاشوراء]] بالقول: «عاشوراء مائدة [[روح الإنسان]] الفسيحة على مدى العصور، وتجسيد لسمو [[الضمير]] في محكمة التاريخ، وانعكاس لصلابة وشجاعة [[الإنسان]] في موضع تجلّي [[الإيمان]]، وطواف الدم في احرام [[الصيحة]]، وتجلي [[الكعبة]] في ميقات الدم. عاشوراء اعادة لقراءة [[التوراة]] والانجيل والزبور في معبد الاقدام، وترتيل [[آيات القرآن]] في الواح [[الأبدية]]، وهو دم [[الله]] الجاري في اوردة [[التنزيل]]، والحنجرة الدامية لجبل «حراء» في ذروة الابلاغ، وصراع جديد بين [[محمد]]{{صل}} وجاهلية [[بني اميّة]] وشرك [[قريش]]، وتجديد لمطلع رجز «[[بدر]]» و«[[حنين]]»، وانفجار [[الصلاة]] في [[الشهادة]] وانفجار الشهادة في الصلاة، وتبلور ابّهة [[خلود]] [[الحقّ]] في خندق حتف [[الباطل]]، وناشر صيحة المظلومين عبر التاريخ، ويد [[الإنسانية]] التي تمسح على رءوس الجياع، ورواق [[الحماسة]] القاني فى ظلماء [[الليل]] والجور، والقلب النابض لعشاق [[العدالة]] في محكمة الإنسانية، ودوي [[الانتصار]] في اذن الامصار، وهو العطش الذي يصب البحار في محيط [[الحياة]]، ورسالة كبرى على عاتق «السبي» الحافل بالحريّة، عاشوراء [[كرامة]] المصلين وعزة المسلمين، واخيرا فعاشوراء ركن الكعبة وعمود [[القبلة]]، وعماد الامة وحياة [[القرآن]]، وروح الصلاة، وبقاء [[الحج]]، وصفاء الصفا والمروة وروح المشعر ومنى. عاشوراء هدية [[الإسلام]] للبشرية والتاريخ.<ref>[[جواد المحدثي]]، [[موسوعة عاشوراء (كتاب)|'''موسوعة عاشوراء''']]، ص ٢٨٧.</ref>


==المراجع والمصادر==
==المراجع والمصادر==
٢٦٬٨٢١

تعديل