أنه تعالى قديم

قال الشيخ الصدوق في التوحيد: القديم معناه أنه المتقدم للأشياء كلها، وكلُّ متقدَّم لشيء يسمى قديماً إذا بولغ في الوصف، ولكنّه سبحانه قديم لنفسه بلا أوّل ولا نهاية، وسائر الأشياء لها أوّل ونهاية، ولم يكن لها هذا الإسم في بدئها فهي قديمة من وجه ومحدثة من وجه»[١].

وقال في المجمع: «القديم من أسمائه تعالى وهوالموجود الذي لم يزل... وإن شئت فسّرته بالموجود الذي ليس لوجوده ابتداء، وأصل القديم في اللسان: السابق، فيقال: الله قديم، بمعنى أنّه سابق الموجودات كلّها»[٢].

وقال الشيخ الكفعمي في المصباح: «القديم هوالمتقدم على الأشياء الذي ليس لوجوده أوّل، والذي لا يسبقه العدم»[٣].

وقد تطابق على قدمه تعالى الدليل النقليّ والعقلي المفيدان للعلم بأنّه تعالى قديم جلّ جلاله وعظم شأنه.

أما الدليل النقلي فكما يلي:

  1. خطبة أميرالمؤمنين(ع) في نهج البلاغة: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا تُدْرِكُهُ الشَّوَاهِدُ ولَا تَحْوِيهِ الْمَشَاهِدُ ولَا تَرَاهُ النَّوَاظِرُ ولَا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ الدَّالِّ عَلَى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ وبِحُدُوثِ خَلْقِهِ..."[٤].
  2. رواية "أَبِي الْحَسَنِ الْمَوْصِلِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ(ع) قَالَ: جَاءَ حِبْرٌ مِنَ الْأَحْبَارِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع) فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَتَى كَانَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ لَهُ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ومَتَى لَمْ يَكُنْ حَتَّى يُقَالَ مَتَى كَانَ كَانَ رَبِّي قَبْلَ الْقَبْلِ بِلَا قَبْلٍ ويَكُونُ بَعْدَ الْبَعْدِ بِلَا بَعْدٍ ولَا غَايَةَ ولَا مُنْتَهَى لِغَايَتِهِ انْقَطَعَتِ الْغَايَاتُ عَنْهُ فَهُومُنْتَهَى كُلِّ غَايَةٍ"[٥].
  3. رواية "مَيْمُونٍ الْبَانِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع) وقَدْ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ جَلَّ وعَزَّ ﴿هُوالْأَوَّلُ وَالْآخِرُ[٦]. فَقَالَ: الْأَوَّلُ لَا عَنْ أَوَّلٍ قَبْلَهُ ولَا عَنْ بَدْءٍ سَبَقَهُ وآخِرٌ لَا عَنْ نِهَايَةٍ كَمَا يُعْقَلُ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ ولَكِنْ قَدِيمٌ أَوَّلٌ آخِرٌ لَمْ يَزَلْ ولَا يَزَالُ بِلَا بَدْءٍ ولَا نِهَايَةٍ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْحُدُوثُ ولَا يُحَوَّلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ"[٧].
  4. رواية "نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ أَبَا جَعْفَرٍ(ع) قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَتَى كَانَ؟ فَقَالَ لَهُ: وَيْلَكَ أَخْبِرْنِي أَنْتَ مَتَى لَمْ يَكُنْ حَتَّى أُخْبِرَكَ مَتَى كَانَ سُبْحَانَ مَنْ لَمْ يَزَلْ ولَا يَزَالُ فَرْداً صَمَداً لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً ولَا وَلَداً"[٨].
  5. رواية "أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: أَخْرَجَ أَبُوعَبْدِ اللَّهِ(ع) حُقّاً[٩] فَأَخْرَجَ مِنْهُ وَرَقَةً فَإِذَا فِيهَا: سُبْحَانَ الْوَاحِدِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ الْقَدِيمُ الْمُبْدِئُ الَّذِي لَا بَدْءَ لَهُ الدَّائِمُ الَّذِي لَا نَفَادَ لَهُ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ الْخَالِقُ مَا يُرَى ومَا لَا يُرَى الْعَالِمُ كُلَّ شَيْءٍ بِغَيْرِ تَعْلِيمٍ ذَلِكَ اللَّهُ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ"[١٠].
  6. رواية "النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ: جَاءَ يَهُودِيٌّ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع) فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَتَى كَانَ رَبُّنَا؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ(ع): إِنَّمَا يُقَالُ: مَتَى كَانَ لِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ فَكَانَ ورَبُّنَا هُوكَائِنٌ بِلَا كَيْنُونَةِ كَائِنٍ كَانَ بِلَا كَيْفٍ يَكُونُ كَانَ لَمْ يَزَلْ بِلَا لَمْ يَزَلْ وبِلَا كَيْفٍ يَكُونُ تَبَارَكَ وتَعَالَى لَيْسَ لَهُ قَبْلٌ هُوقَبْلَ الْقَبْلِ بِلَا قَبْلٍ وبِلَا غَايَةٍ ولَا مُنْتَهَى غَايَةٍ ولَا غَايَةٍ إِلَيْهَا غَايَةٌ انْقَطَعَتِ الْغَايَاتُ عَنْهُ فَهُوغَايَةُ كُلِّ غَايَةٍ"[١١].
  7. رواية "مُحَمَّدِ بْنِ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) قَالَ: قَالَ رَأْسُ الْجَالُوتِ لِلْيَهُودِ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ عَلِيّاً مِنْ أَجْدَلِ النَّاسِ وأَعْلَمِهِمْ اذْهَبُوا بِنَا إِلَيْهِ لَعَلِّي أَسْأَلُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ أُخَطِّئْهُ فِيهَا فَأَتَاهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ. قَالَ: سَلْ عَمَّا شِئْتَ. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَتَى كَانَ رَبُّنَا؟ قَالَ يَا يَهُودِيُّ إِنَّمَا يُقَالُ مَتَى كَانَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ فَكَانَ هُوكَائِنٌ بِلَا كَيْنُونَةِ كَائِنٍ كَانَ بِلَا كَيْفٍ يَا يَهُودِيُّ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ قَبْلٌ وهُوقَبْلَ الْقَبْلِ بِلَا غَايَةٍ ولَا مُنْتَهَى غَايَةٍ ولَا غَايَةٍ إِلَيْهَا غَايَةٌ انْقَطَعَتِ الْغَايَاتُ عَنْهُ فَهُوغَايَةُ كُلِّ غَايَةٍ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ دِينَكَ الْحَقُّ وأَنَّ مَا خَالَفَهُ بَاطِلٌ"[١٢].

وأما الدليل العقلي: فالعقل يحكم، والضرورة تقضي، والبرهان يفيد أنّه تعالى قديمٌ، ثبت له القدم بالوجوه العقليّة الثلاثة التالية:

  1. ما أفاده أبوالصلاح الحلبي في تقريب المعارف[١٣]وهوأنه لوكان فاعل الأجناس محدَثاً غير قديم لاحتاج إلى محدِث، وذلك المحدِث يحتاج إلى محدِث آخر وذلك يقتضي وجود ما لا يتناهي، أوإثبات قديم بدون دليل، وكلا الأمرين محال.
  2. ما أفاده السيد الشبر في حق اليقين[١٤]، وهوأنه تعالى لولم يكن قديماً، لم يكن وجوده واجباً، فيكون محتاجاً، يعني محتاجاً إلى ما يوجده، تعالى الله عن ذلك فهوالغني بذاته عمّا سواه، فيكون غنياً عن الإيجاد وموجوداً بالقدم.
  3. ما أفاده الميرزا حبيب الله الخوئي في شرح نهج البلاغة[١٥]، وهوأنّ الأجسام كلها حادثة، لأنها غير خالية عن الحركة والسكون، وكل حادث مفتقر إلى محدِث وخالق له، وذلك المحدِث الخالق إمّا إن يكون محدَثاً فيحتاج إلى خالقٍ ويتسلسل... وإما أن يكون محدِثاً لنفسه وهوباطلٌ، فإنّ ما لا يوجد لا يمكن أن يصدر منه الوجود.

فلابدّ أن يكون المحدث الخالق قديماً أزلياً غنياً لا بداية لوجوده كما لا نهاية له، وهوالله تعالى.

وأوضح الأدلة على قدمه تعالى بحكم العقل الجازم، هوما أرشد إليه سيد الموحدين وأميرالمؤمنين(ع) بقوله: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ وبِمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ..."[١٦]. وكذلك قوله: "الدَّالِّ عَلَى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ"[١٧].

فإنّ العقل حينما يرى المخلوقات حوادث متّصفة بالحدوث يكشف ويحكم بأنّ خالقها قديم أزليّ، لمباينته مع خلقه، وعدم اتّصافه بالصفات التي أوجدها في خليقته.

فيستدلّ بحدوث الخلق على قدم الخالق؛ إذ العقل حينما يرى المخلوقات حوادث، يحكم بأنّ خالقها قديم أزليّ، تعالى شأنه وجَلّ كماله.[١٨]


المراجع والمصادر

  1.   السيد علي الحسيني الصدر، العقائد الحقة

الهوامش

  1. التوحيد، ص۲۰۹.
  2. مجمع البحرين، ص۵۳۱، مادة (قدم).
  3. المصباح، ص۳۴۴.
  4. نهج البلاغة، ص۱۳۷ رقم الخطبة ۱۸۰ من الطبعة المصرية.
  5. بحار الأنوار، ج۳، ص۲۸۳، الباب ۱۲، ح۱.
  6. سورة الحديد: ۳.
  7. بحار الأنوار، ج۳، ص۲۸۴، الباب ۱۲، ح۲.
  8. بحار الأنوار، ج۳، ص۲۸۴، الباب ۱۲، ح۳.
  9. الحُقّ والحُقّه بضم الحاء: وعاءٌ من خشب.
  10. بحار الأنوار، ج۳، ص۲۸۵، الباب ۱۲، ح۴.
  11. بحار الأنوار، ج۳، ص۲۸۵، الباب ۱۲، ح۶.
  12. بحار الأنوار، ج۳، ص۲۸۶، الباب ۱۲، ح۷.
  13. تقريب المعارف، ص۷۶.
  14. حق اليقين، ج۱، ص۲۹.
  15. منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، ج۹، ص۱۷۴.
  16. نهج البلاغة، ص۵۳، رقم الخطبة ۱۴۸ من الطبعة المصرية.
  17. نهج البلاغة، ص۱۳۷، رقم الخطبة ۱۸۰ من الطبعة المصرية.
  18. السيد علي الحسيني الصدر، العقائد الحقة، ص: 153-158.