الصفات الثبوتية

من إمامةبيديا

تمهيد

عرفت أنّه لا يمكن الوصول إلى كنه صفاته، وعدد أوصافه وكلها جليلة وجميلة، فنكتفي بمقدار يتيسَّر لنا بيانه ويشرفنا عنوانه:

1. أنه تعالى عالم، عليم، علام، جلت صفاته وعظمت أسماؤه

فهوالعالم بمعنى أنّه عالمٌ بكل معلوم على ما هوعليه من كونه واجباً أوممكناً أوممتنعاً، وكلياً أوجزئياً، وسُمّي عالماً لأنّه لا يجهل شيئاً... كما أفاده الشيخ الطريحي في المجمع[١].

وهو عليم معناه أنّه عليم بنفسه، عالم بالسرائر، مطلع على الضمائر، لاتخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة... عَلِمَ الأشياء قبل حدوثها وبعدما أحدثها، سرّها وعلانيتها، ظاهرها وباطنها، كما أفاده المحدث الصدوق في كتابه التوحيد[٢].

وهوالعلام، مبالغة في العلم، فهوالذي لا يشذ عنه معلوم، كما أفاده الشيخ الكفعمي في كتابه المصباح[٣].

والدليل على هذه الصفة الكريمة في ذاته المقدّسة، هوالكتاب والسنّة والضرورة وحكم العقل. فمن الكتاب آياته الكريمة مثل:

  1. قوله عزَّ اسمه: لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ[٤].
  2. قوله عزَّ شأنه: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[٥]
  3. قوله عزَّ وجهه: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ[٦].

وهذه الصفات الكمالية، ثابتةٌ لله تعالى بالدليل القطعي:

  1. بنص الكتاب الكريم فيما يزيد على مئة آيةٍ كريمة، وقد تقدّم بعضها، وجمعها العلامة المجلسي في كتابه البحار [٧].
  2. بصريح الأحاديث المتواترة التي سيأتي بيان جملة منها، وقد صرح السيّد الشبّر بتواترها في كتابه حق اليقين[٨].
  3. بضرورة المذهب القائمة على كونه تعالى عالماً، أزلاً وأبداً، بجميع الأشياء كلياتها وجزئيّاتها، من غير تغيّر في علمه، كما صرح به شيخ الإسلام المجلسي في كتابه البحار[٩].
  4. بالأدلة الاعتبارية العقلية التي توضح علم الله تعالى بالوجوه الثلاثة المقررة التالية:
    1. إنّه لولم يكن تعالى عالماً بجميع الأشياء لزم الجهل ولوفي البعض، وهونقص بل من أعظم النقائص، والخالق المتعال الذي هوواجب الوجود وكامل الذات ومنزه عن نقص الصفات، يستحيل أن يكون جاهلاً، بل هوعالم بجميع الأشياء بلا جهل فيه أبداً.
    2. إنّه تعالى منزّه عن الزمان والمكان؛ لأنه خالقها، والخالق مقدَّمٌ على مخلوقاته، والصانع سابقٌ بالنسبة إلى مصنوعاته بالبداهة العقلية، ومن المعلوم أنّ من لا يحيطه الزمان والمكان، بل كان هوالمحيط بالزمان، والموجود في كل مكان، حقّ أن يكون عالماً بجميع الأشياء، محيطاً بجميع الأمور في كل الأزمنة وفي جميع الأمكنة، بل لا معنى لأن يجهل شيئاً يقع في زمان أويحدث في مكان. وبديهيٌّ أنّ الذات المقدّسة موجودة من الأزل إلى الأبد، ومحيطة بكل معدودٍ وعدد، مشرفّة على الكون ومسلّطة على التكوين، فكيف لا تعلم الكائنات، أوتجهل الموجودات أولا تطلع على ما يحدث في الأرضين والسماوات؟!. وطبيعيٌ أنا نجد أنفسنا محدودين بالزمان والمكان، فلا يمكننا الإطلاع على غير مكاننا أومستقبل زماننا، لكنّ الله تعالى ليس بمحدود إطلاقاً، بل له الإحاطة الكاملة والسلطنة الشاملة على جميع الأزمنة والأمكنة المخلوقة له، والحادثة بإرادته ومشيئته، فلا معنى لأن يكون زمان ماضٍ أوحال أومستقبل لخالق الزمان، أويكون له هذا المكان دون ذلك المكان وهوخالق جميعها، بل من الواضح أن يطلع على جميع ما في الأزمنة والأمكنة فهوالعالم بها جميعاً والحاضر الناظر إليها محيطاً. ومُثل للاحاطة بمثال تقريبي للتوضيح، وهومثال الانسان الناظر من شاهق البناء العالي بالنسبة إلى الناظر من رَوزنة الغرفة الصغيرة فالأوّل يرى جميع ما يكون أمامه، بينما الثاني لا يرى إلا ما يمرّ أمام رَوزنته. وكيف لا يعلم الله تعالى جميع الأشياء وقد خلقها وأوجدها؟ هذا من المستحيل. قال الله تعالى: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُواللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[١٠]. وكيف يعقل أن لا يعلم الله تعالى ضمائر الناس، وقد خلق أشخاصهم وأرواحهم وقلوبهم وعقولهم ومنحهم القوّة والقدرة والتفكير والتعبير؟ قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ[١١]. فلا يبقى شك بل يحكم العقل بكل قطع، بأنّ هذه الذات الشريفة الخالقة المحيطة ذاتٌ عالمة أحاطت بكل شيء علماً، ووسعت كل شيء خُبراً.
    3. إنّ النظم والتدبير، والحكمة والتقدير، والدقة المدهشة العجيبة التي نراها في جميع مجالات الكون، وفي جميع خلائق العالم من انسانها وحيوانها وسمائها وأرضها ونباتها وجميع موجوداتها من المجرة إلى الذرة، تُنبئ عن علم خالقها وعلّامية صانعها، وهذه حقيقة يستكشفها كل من تأمّل فيها وتدبَّر في خلقتها، وأعطى من نفسه الحق والإنصاف وحكَّم قضاوة الوجدان الشفّاف...

قال الشيخ الصدوق في كتابه التوحيد: «من الدليل على أن الله تبارك وتعالى عالم أن الأفعال المختلفة التقدير، المتضادَّة التدبير، المتفاوتة الصنعة لا تقع على ما ينبغي أن يكون عليه من الحكمة ممن لا يعلمها، ولا يستمرُّ على منهاج منتظم ممن يجهلها، ألا ترى أنّه لا يصوغ قرطاً[١٢] يحكم صنعته ويضع كلاً من دقيقه وجليله موضعه من لا يعرف الصياغة، ولا ينظّم كتابةً يتبع كل حرف منها ما قبله من لا يعلم الكتابة، والعالم ألطف صنعة وأبدع تقريراً ممّا وصفناه، فوقوعه من غير عالم بكيفيّته قبل وجوده أبعد وأشد استحالة»[١٣].

فمن البديهي أن هذا النظام الكوني الدقيق البهيج، لا يمكن أن ينشأ من الجهل أويحدث بالصدفة.

بل في جميعها آيات صدق، ودلائل حق تفصح عن علم صانعها، وخبرة بارئها وحكمة فاطرها.

وهي تكشف بوضوح أنّ خالقها كان عليماً بأجزائها وجزئياتها، وخبيراً بربطها وارتباطها، وقادراً على صنعها وتركيبها بأحسن شكل وأبدع صورة... وبأجمل المناظر وأزهى المظاهر إلى جانب دقّة الفعل ورقّة العمل.

فراجع الوجدان فيما تلاحظ من البراعة العلمية، والدقة الفنية في الآيات الأنفسيّة والآفاقيّة التي تلاحظها في هذا الكون العظيم.

قال الله جلّ جلاله: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ[١٤].

وفي الخطبة العلوية الشريفة: "دَلِيلُهُ آيَاتُهُ ووُجُودُهُ إِثْبَاتُهُ"[١٥].

وفي الحديث الرضوي المبارك: "بِصُنْعِ اللَّهِ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ وبِالْعُقُولِ يُعْتَقَدُ مَعْرِفَتُهُ وبِالْفِطْرَةِ تَثْبُتُ حُجَّتُهُ"[١٦].

ويكفيك - بل يغنيك - التدبر فيما أرشد إليه الإمام الناطق، أبوعبدالله الصادق(ع)، من آيات الله الزاهرة وعجائب خلقته الباهرة، التي تفيض النور الإيماني وتؤدي إلى القطع الوجداني بعلم الله تعالى وحكمته وقدرته.

وذلك في حديث التوحيد الشريف الذي رواه المفضَّل الجعفي كما تلاحظه في البحار[١٧]، وشرحه للاستاذ الخليلي في أمالي الإمام الصادق(ع)، بأجزائها الأربعة، وهذا الحديث بحقٍّ من أعظم أدلة وجود الله وتوحيده وعلمه، وجدير بالإمعان والدراسة، وهذه الأدلة الجليلة تبرهن على هذه الصفة الكماليّة لله تعالى شأنه وجلت قدرته...

ونحن نقتطف أزاهير عاطرة من تلك الرياض الزاهرة بالإشارة إلى ما يلي:

  1. عجائب خلقة الإنسان من حين تكوّنه إلى حين ولادته: "نَبْتَدِئُ يَا مُفَضَّلُ بِذِكْرِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ فَاعْتَبِرْ بِهِ فَأَوَّلُ ذَلِكَ مَا يُدَبَّرُ بِهِ الْجَنِينُ فِي الرَّحِمِ وهُومَحْجُوبٌ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ظُلْمَةِ الْبَطْنِ وظُلْمَةِ الرَّحِمِ وظُلْمَةِ الْمَشِيمَةِ[١٨] حَيْثُ لَا حِيلَةَ عِنْدَهُ فِي طَلَبِ غِذَاءٍ ولَا دَفْعِ أَذًى ولَا اسْتِجْلَابِ مَنْفَعَةٍ ولَا دَفْعِ مَضَرَّةٍ فَإِنَّهُ يَجْرِي إِلَيْهِ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ مَا يَغْذُوهُ كَمَا يَغْذُوالْمَاءُ النَّبَاتَ فَلَا يَزَالُ ذَلِكَ غِذَاؤَهُ حَتَّى إِذَا كَمَلَ خَلْقُهُ واسْتَحْكَمَ بَدَنُهُ وقَوِيَ أَدِيمُهُ عَلَى مُبَاشَرَةِ الْهَوَاءِ وبَصَرُهُ عَلَى مُلَاقَاةِ الضِّيَاءِ هَاجَ الطَّلْقُ بِأُمِّهِ فَأَزْعَجَهُ أَشَدَّ إِزْعَاجٍ وأَعْنَفَهُ حَتَّى يُولَدَ وإِذَا وُلِدَ صَرَفَ ذَلِكَ الدَّمَ الَّذِي كَانَ يَغْذُوهُ مِنْ دَمِ أُمِّهِ إِلَى ثَدْيَيْهَا فَانْقَلَبَ الطَّعْمُ واللَّوْنُ إِلَى ضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الْغِذَاءِ وهُوأَشَدُّ مُوَافَقَةً لِلْمَوْلُودِ مِنَ الدَّمِ فَيُوَافِيهِ فِي وَقْتِ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ فَحِينَ يُولَدُ قَدْ تَلَمَّظَ وحَرَّكَ شَفَتَيْهِ طَلَباً لِلرَّضَاعِ فَهُويَجِدُ ثَدْيَيْ أُمِّهِ كَالْإِدَاوَتَيْنِ الْمُعَلَّقَتَيْنِ[١٩] لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ فَلَا يَزَالُ يَغْتَذِي بِاللَّبَنِ مَا دَامَ رَطْبَ الْبَدَنِ رَقِيقَ الْأَمْعَاءِ لَيِّنَ الْأَعْضَاءِ حَتَّى إِذَا تَحَرَّكَ واحْتَاجَ إِلَى غِذَاءٍ فِيهِ صَلَابَةٌ لِيَشْتَدَّ ويَقْوَى بَدَنُهُ طَلَعَتْ لَهُ الطَّوَاحِنُ مِنَ الْأَسْنَانِ والْأَضْرَاسِ لِيَمْضَغَ بِهِ الطَّعَامَ فَيَلِينَ عَلَيْهِ ويَسْهُلَ لَهُ إِسَاغَتُهُ فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُدْرِكَ فَإِذَا أَدْرَكَ وكَانَ ذَكَراً طَلَعَ الشَّعْرُ فِي وَجْهِهِ فَكَانَ ذَلِكَ عَلَامَةَ الذَّكَرِ وعِزَّ الرَّجُلِ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ مِنْ حَدِّ الصَّبَا وشِبْهِ النِّسَاءِ وإِنْ كَانَتْ أُنْثَى يَبْقَى وَجْهُهَا نَقِيّاً مِنَ الشَّعْرِ لِتَبْقَى لَهَا الْبَهْجَةُ والنَّضَارَةُ الَّتِي تُحَرِّكُ الرِّجَالَ لِمَا فِيهِ دَوَامُ النَّسْلِ وبَقَاؤُهُ"[٢٠].
  2. عجائب الخلقة في جهاز الصوت والتكلم في الانسان: "أَطِلِ الْفِكْرَ يَا مُفَضَّلُ فِي الصَّوْتِ والْكَلَامِ وتَهْيِئَةِ آلَاتِهِ فِي الْإِنْسَانِ فَالْحَنْجَرَةُ كَالْأُنْبُوبَةِ لِخُرُوجِ الصَّوْتِ واللِّسَانُ والشَّفَتَانِ والْأَسْنَانُ لِصِيَاغَةِ الْحُرُوفِ والنَّغْمِ أَ لَا تَرَى أَنَّ مَنْ سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ لَمْ يُقِمِ السِّينَ ومَنْ سَقَطَتْ شَفَتُهُ لَمْ يُصَحِّحِ الْفَاءَ ومَنْ ثَقُلَ لِسَانُهُ لَمْ يُفْصِحِ الرَّاءَ وأَشْبَهُ شَيْءٍ بِذَلِكَ الْمِزْمَارُ الْأَعْظَمُ فَالْحَنْجَرَةُ يُشْبِهُ قَصَبَةَ الْمِزْمَارِ والرِّئَةُ يُشْبِهُ الزِّقَّ[٢١] الَّذِي يُنْفَخُ فِيهِ لِتَدْخُلَ الرِّيحُ والْعَضَلَاتُ الَّتِي تَقْبِضُ عَلَى الرِّئَةِ لِيَخْرُجَ الصَّوْتُ كَالْأَصَابِعِ الَّتِي تَقْبِضُ عَلَى الزِّقِّ حَتَّى تَجْرِيَ الرِّيحُ فِي الْمِزْمَارِ والشَّفَتَانِ والْأَسْنَانُ الَّتِي تَصُوغُ الصَّوْتَ حُرُوفاً ونَغْماً كَالْأَصَابِعِ الَّتِي يَخْتَلِفُ فِي فَمِ الْمِزْمَارِ فَتَصُوغُ صَفِيرَهُ أَلْحَاناً غَيْرُ أَنَّهُ وإِنْ كَانَ مَخْرَجُ الصَّوْتِ يُشْبِهُ الْمِزْمَارَ بِالدَّلَالَةِ والتَّعْرِيفِ فَإِنَّ الْمِزْمَارَ بِالْحَقِيقَةِ هُوالْمُشَبَّهُ بِمَخْرَجِ الصَّوْتِ"[٢٢].
  3. عجيب الصنعة في العين والأجفان والأشفار لحاجة الإنسان: "تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ الْجَفْنَ عَلَى الْعَيْنِ كَيْفَ جُعِلَ كَالْغِشَاءِ والْأَشْفَارَ كَالْأَشْرَاجِ[٢٣] وأَوْلَجَهَا فِي هَذَا الْغَارِ وأَظَلَّهَا بِالْحِجَابِ ومَا عَلَيْهِ مِنَ الشَّعْرِ"[٢٤].
  4. عجائب الصنعة الباطنية في الأنسان: "يَا مُفَضَّلُ مَنْ غَيَّبَ الْفُؤَادَ فِي جَوْفِ الصَّدْرِ وكَسَاهُ الْمِدْرَعَةَ الَّتِي هِيَ غِشَاؤُهُ وحَصَّنَهُ بِالْجَوَانِحِ ومَا عَلَيْهَا مِنَ اللَّحْمِ والْعَصَبِ لِئَلَّا يَصِلَ إِلَيْهِ مَا يَنْكَؤُهُ[٢٥]؟ مَنْ جَعَلَ فِي الْحَلْقِ مَنْفَذَيْنِ أَحَدُهُمَا لِمَخْرَجِ الصَّوْتِ وهُوالْحُلْقُومُ الْمُتَّصِلُ بِالرِّئَةِ والْآخَرُ مَنْفَذُ الْغِذَاءِ وهُوالْمَرِيءُ الْمُتَّصِلُ بِالْمَعِدَةِ الْمُوصِلُ الْغِذَاءِ إِلَيْهَا وجَعَلَ عَلَى الْحُلْقُومِ طَبَقاً يَمْنَعُ الطَّعَامَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الرِّئَةِ فَيَقْتُلَ. مَنْ جَعَلَ الرِّئَةَ مِرْوَحَةَ الْفُؤَادِ لَا تَفْتُرُ ولَا تُخِلُّ لِكَيْلَا تَتَحَيَّزَ الْحَرَارَةُ فِي الْفُؤَادِ فَتُؤَدِّيَ إِلَى التَّلَفِ. مَنْ جَعَلَ لِمَنَافِذِ الْبَوْلِ والْغَائِطِ أَشْرَاجاً تَضْبِطُهُمَا لِئَلَّا يَجْرِيَا جَرَيَاناً دَائِماً فَيَفْسُدَ عَلَى الْإِنْسَانِ عَيْشُهُ فَكَمْ عَسَى أَنْ يُحْصِيَ الْمُحْصِي مِنْ هَذَا بَلِ الَّذِي لَا يُحْصَى مِنْهُ ولَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ أَكْثَرُ. مَنْ جَعَلَ الْمَعِدَةَ عَصَبَانِيَّةً شَدِيدَةً وقَدَّرَهَا لِهَضْمِ الطَّعَامِ الْغَلِيظِ ومَنْ جَعَلَ الْكَبِدَ رَقِيقَةً نَاعِمَةً لِقَبُولِ الصَّفْواللَّطِيفِ مِنَ الْغِذَاءِ ولِتَهْضِمَ وتَعْمَلَ مَا هُوأَلْطَفُ مِنْ عَمَلِ الْمَعِدَةِ إِلَّا اللَّهُ الْقَادِرُ؟ أَ تَرَى الْإِهْمَالَ يَأْتِي بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؟ كَلَّا بَلْ هُوتَدْبِيرٌ مِنْ مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ قَادِرٍ عَلِيمٍ بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ خَلْقِهِ إِيَّاهَا لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وهُواللَّطِيفُ الْخَبِيرُ"[٢٦].
  5. عجائب الخلقة في عظام الإنسان ودمه وأظفار أصابعه وهيأة اُذنه والدقة في خلقه: "فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ لِمَ صَارَ الْمُخُّ الرَّقِيقُ مُحَصَّناً فِي أَنَابِيبِ الْعِظَامِ هَلْ ذَلِكَ إِلَّا لِيَحْفَظَهُ ويَصُونَهُ؟ لِمَ صَارَ الدَّمُ السَّائِلُ مَحْصُوراً فِي الْعُرُوقِ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ فِي الظُّرُوفِ إِلَّا لِتَضْبِطَهُ فَلَا يَفِيضَ؟ لِمَ صَارَتِ الْأَظْفَارُ عَلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إِلَّا وِقَايَةً لَهَا ومَعُونَةً عَلَى الْعَمَلِ؟ لِمَ صَارَ دَاخِلُ الْأُذُنِ مُلْتَوِياً كَهَيْئَةِ اللَّوْلَبِ[٢٧] إِلَّا لِيَطَّرِدَ فِيهِ الصَّوْتُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى السَّمْعِ ولِيَكْسِرَ حُمَّةَ الرِّيحِ فَلَا يَنْكَأَ فِي السَّمْعِ؟ لِمَ حَمَلَ الْإِنْسَانُ عَلَى فَخِذَيْهِ وأَلْيَتَيْهِ هَذَا اللَّحْمَ إِلَّا لِيَقِيَهُ مِنَ الْأَرْضِ فَلَا يَتَأَلَّمُ مِنَ الْجُلُوسِ عَلَيْهَا كَمَا يَأْلَمُ مَنْ نَحَلَ جِسْمُهُ وقَلَّ لَحْمُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ الْأَرْضِ حَائِلٌ يَقِيهِ صَلَابَتُهَا..."[٢٨].
  6. حسن التدبير في خلق شعر الإنسان وأظفاره عديمي الحس حتى لا يتأذيان بالقص: "تَأَمَّلْ واعْتَبِرْ بِحُسْنِ التَّدْبِيرِ فِي خَلْقِ الشَّعْرِ والْأَظْفَارِ فَإِنَّهُمَا لَمَّا كَانَا مِمَّا يَطُولُ ويَكْثُرُ حَتَّى يُحْتَاجَ إِلَى تَخْفِيفِهِ أَوَّلًا فَأَوَّلًا جُعِلَا عَدِيمَيِ الْحِسِّ لِئَلَّا يُؤْلِمَ الْإِنْسَانَ الْأَخْذُ مِنْهُمَا ولَوكَانَ قَصُّ الشَّعْرِ وتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ مِمَّا يُوجَدُ لَهُ مَسٌّ مِنْ ذَلِكَ لَكَانَ الْإِنْسَانُ مِنْ ذَلِكَ بَيْنَ مَكْرُوهَيْنِ إِمَّا أَنْ يَدَعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يَطُولَ فَيَثْقُلَ عَلَيْهِ وإِمَّا أَنْ يُخَفِّفَهُ بِوَجَعٍ وأَلَمٍ يَتَأَلَّمُ مِنْهُ"[٢٩].
  7. دقة الصنعة في إحساسات الإنسان بجوعه وعطشه وكذا قواه الباطنية من قوة الجذب والدفع: "فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي الْأَفْعَالِ الَّتِي جُعِلَتْ فِي الْإِنْسَانِ مِنَ الطَّعْمِ والنَّوْمِ والْجِمَاعِ ومَا دُبِّرَ فِيهَا فَإِنَّهُ جُعِلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي الطِّبَاعِ نَفْسِهِ مُحَرِّكٌ يَقْتَضِيهِ ويَسْتَحِثُّ بِهِ فَالْجُوعُ يَقْتَضِي الطَّعْمَ الَّذِي بِهِ حَيَاةُ الْبَدَنِ وقِوَامُهُ والْكَرَى[٣٠] تَقْتَضِي النَّوْمَ الَّذِي فِيهِ رَاحَةُ الْبَدَنِ وإِجْمَامُ قُوَاهُ والشَّبَقُ يَقْتَضِي الْجِمَاعَ الَّذِي فِيهِ دَوَامُ النَّسْلِ وبَقَاؤُهُ ولَوكَانَ الْإِنْسَانُ إِنَّمَا يَصِيرُ إِلَى أَكْلِ الطَّعَامِ لِمَعْرِفَتِهِ بِحَاجَةِ بَدَنِهِ إِلَيْهِ ولَمْ يَجِدْ مِنْ طِبَاعِهِ شَيْئاً يَضْطَرُّهُ إِلَى ذَلِكَ كَانَ خَلِيقاً أَنْ يَتَوَانَى عَنْهُ أَحْيَاناً بِالتَّثَقُّلِ والْكَسَلِ حَتَّى يَنْحَلَّ بَدَنُهُ فَيَهْلِكَ كَمَا يَحْتَاجُ الْوَاحِدُ إِلَى الدَّوَاءِ بِشَيْءٍ مِمَّا يَصْلُحُ بِبَدَنِهِ فَيُدَافِعُ بِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ ذَلِكَ إِلَى الْمَرَضِ والْمَوْتِ وكَذَلِكَ لَوكَانَ إِنَّمَا يَصِيرُ إِلَى النَّوْمِ بِالتَّفَكُّرِ فِي حَاجَتِهِ إِلَى رَاحَةِ الْبَدَنِ وإِجْمَامِ قُوَاهُ كَانَ عَسَى أَنْ يَتَثَاقَلَ عَنْ ذَلِكَ فَيَدْمَغُهُ حَتَّى يَنْهَكَ بَدَنَهُ ولَوكَانَ إِنَّمَا يَتَحَرَّكُ لِلْجِمَاعِ بِالرَّغْبَةِ فِي الْوَلَدِ كَانَ غَيْرَ بَعِيدٍ أَنْ يَفْتُرَ عَنْهُ حَتَّى يَقِلَّ النَّسْلُ أَويَنْقَطِعَ فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَرْغَبُ فِي الْوَلَدِ ولَا يَحْفِلُ بِهِ فَانْظُرْ كَيْفَ جُعِلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الْإِنْسَانِ وصَلَاحُهُ مُحَرِّكٌ مِنْ نَفْسِ الطَّبْعِ يُحَرِّكُهُ لِذَلِكَ ويَحْدُوهُ عَلَيْهِ[٣١]. واعْلَمْ أَنَّ فِي الْإِنْسَانِ قُوًى أَرْبَعاً قُوَّةٌ جَاذِبَةٌ تَقْبَلُ الْغِذَاءَ وتُورِدُهُ عَلَى الْمَعِدَةِ وقُوَّةٌ مُمْسِكَةٌ تَحْبِسُ الطَّعَامَ حَتَّى تَفْعَلَ فِيهِ الطَّبِيعَةُ فِعْلَهَا وقُوَّةٌ هَاضِمَةٌ وهِيَ الَّتِي تَطْبُخُهُ وتَسْتَخْرِجُ صَفْوَهُ وتَبُثُّهُ فِي الْبَدَنِ وقُوَّةٌ دَافِعَةٌ تَدْفَعُهُ وتَحْدُرُ الثُّفْلَ الْفَاضِلَ بَعْدَ أَخْذِ الْهَاضِمَةِ حَاجَتَهَا. تَفَكَّرْ فِي تَقْدِيرِ هَذِهِ الْقُوَى الْأَرْبَعَةِ الَّتِي فِي الْبَدَنِ وأَفْعَالِهَا وتَقْدِيرِهَا لِلْحَاجَةِ إِلَيْهَا والْإِرْبِ فِيهَا ومَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّدْبِيرِ والْحِكْمَةِ ولَولَا الْجَاذِبَةُ كَيْفَ يَتَحَرَّكُ الْإِنْسَانُ لِطَلَبِ الْغِذَاءِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الْبَدَنِ ولَولَا الْمَاسِكَةُ كَيْفَ كَانَ يَلْبَثُ الطَّعَامُ فِي الْجَوْفِ حَتَّى تَهْضِمَهُ الْمَعِدَةُ ولَولَا الْهَاضِمَةُ كَيْفَ كَانَ يَنْطَبِخُ حَتَّى يَخْلُصَ مِنْهُ الصَّفْوالَّذِي يَغْذُوالْبَدَنَ ويَسُدُّ خُلَلَهُ ولَولَا الدَّافِعَةُ كَيْفَ كَانَ الثُّفْلُ الَّذِي تُخَلِّفُهُ الْهَاضِمَةُ يَنْدَفِعُ ويَخْرُجُ أَوَّلًا فَأَوَّلًا؟ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ وَكَّلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِلَطِيفِ صُنْعِهِ وحُسْنِ تَقْدِيرِهِ هَذِهِ الْقُوَى بِالْبَدَنِ والْقِيَامِ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُ وسَأُمَثِّلُ لَكَ فِي ذَلِكَ مِثَالًا إِنَّ الْبَدَنَ بِمَنْزِلَةِ دَارِ الْمَلِكِ ولَهُ فِيهَا حَشَمٌ وصِبْيَةٌ وقُوَّامٌ[٣٢] مُوَكَّلُونَ بِالدَّارِ فَوَاحِدٌ لِإِقْضَاءِ حَوَائِجِ الْحَشَمِ وإِيرَادِهَا عَلَيْهِمْ وآخَرُ لِقَبْضِ مَا يَرِدُ وخَزْنِهِ إِلَى أَنْ يُعَالَجَ ويُهَيَّأَ وآخَرُ لِعِلَاجِ ذَلِكَ وتَهْيِئَتِهِ وتَفْرِيقِهِ وآخَرُ لِتَنْظِيفِ مَا فِي الدَّارِ مِنَ الْأَقْذَارِ وإِخْرَاجِهِ مِنْهَا فَالْمَلِكُ فِي هَذَا هُوالْخَلَّاقُ الْحَكِيمُ مَلِكُ الْعَالَمِينَ والدَّارُ هِيَ الْبَدَنُ والْحَشَمُ هِيَ الْأَعْضَاءِ والْقُوَّامُ هِيَ هَذِهِ الْقُوَى الْأَرْبَعُ ولَعَلَّكَ تَرَى ذِكْرَنَا هَذِهِ الْقُوَى الْأَرْبَعَ وأَفْعَالَهَا بَعْدَ الَّذِي وُصِفَتْ فَضْلًا وتَزْدَاداً. ولَيْسَ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ هَذِهِ الْقُوَى عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي كُتُبِ الْأَطِبَّاءِ ولَا قَوْلُنَا فِيهِ كَقَوْلِهِمْ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوهَا عَلَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي صِنَاعَةِ الطِّبِّ وتَصْحِيحِ الْأَبْدَانِ وذَكَرْنَاهَا عَلَى مَا يَحْتَاجُ فِي صَلَاحِ الدِّينِ وشِفَاءِ النُّفُوسِ مِنَ الْغَيِّ كَالَّذِي أَوْضَحْتُهُ بِالْوَصْفِ الشَّافِي والْمَثَلِ الْمَضْرُوبِ مِنَ التَّدْبِيرِ والْحِكْمَةِ فِيهَا"[٣٣].
  8. قوّة الحفظ والنسيان وهما متضادتان في الجسم لكن ضروريتان للإنسان: "تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ هَذِهِ الْقُوَى الَّتِي فِي النَّفْسِ ومَوْقِعَهَا مِنَ الْإِنْسَانِ أَعْنِي الْفِكْرَ والْوَهْمَ[٣٤] والْعَقْلَ والْحِفْظَ وغَيْرَ ذَلِكَ أَ فَرَأَيْتَ لَونُقِصَ الْإِنْسَانُ مِنْ هَذِهِ الْخِلَالِ الْحِفْظَ وَحْدَهُ كَيْفَ كَانَتْ تَكُونُ حَالُهُ وكَمْ مِنْ خَلَلٍ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي أُمُورِهِ ومَعَاشِهِ وتَجَارِبِهِ إِذَا لَمْ يَحْفَظْ مَا لَهُ وعَلَيْهِ ومَا أَخَذَهُ ومَا أَعْطَى ومَا رَأَى ومَا سَمِعَ ومَا قَالَ ومَا قِيلَ لَهُ ولَمْ يَذْكُرْ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ مِمَّنْ أَسَاءَ بِهِ ومَا نَفَعَهُ مِمَّا ضَرَّهُ ثُمَّ كَانَ لَا يَهْتَدِي لِطَرِيقٍ لَوسَلَكَهُ مَا لَا يُحْصَى ولَا يَحْفَظُ عِلْماً ولَودَرَسَهُ عُمُرَهُ ولَا يَعْتَقِدُ دِيناً ولَا يَنْتَفِعُ بِتَجْرِبَةٍ ولَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْتَبِرَ شَيْئاً عَلَى مَا مَضَى بَلْ كَانَ حَقِيقاً أَنْ يَنْسَلِخَ مِنَ الْإِنْسَانِيَّةِ أَصْلًا فَانْظُرْ إِلَى النِّعْمَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الْخِلَالِ وكَيْفَ مَوْقِعُ الْوَاحِدَةِ مِنْهَا دُونَ الْجَمِيعِ وأَعْظَمُ مِنَ النِّعْمَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي الْحِفْظِ النِّعْمَةُ فِي النِّسْيَانِ فَإِنَّهُ لَولَا النِّسْيَانُ لَمَا سَلَا[٣٥] أَحَدٌ عَنْ مُصِيبَةٍ ولَا انْقَضَتْ لَهُ حَسْرَةٌ ولَا مَاتَ لَهُ حِقْدٌ ولَا اسْتَمْتَعَ بِشَيْءٍ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا مَعَ تَذَكُّرِ الْآفَاتِ ولَا رَجَا غَفْلَةً مِنْ سُلْطَانٍ ولَا فَتْرَةً مِنْ حَاسِدٍ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ جُعِلَ فِي الْإِنْسَانِ الْحِفْظُ والنِّسْيَانُ وهُمَا مُخْتَلِفَانِ مُتَضَادَّانِ وجُعِلَ لَهُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ضَرْبٌ مِنَ الْمَصْلَحَةِ ومَا عَسَى أَنْ يَقُولَ الَّذِينَ قَسَّمُوا الْأَشْيَاءَ بَيْنَ خَالِقَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَضَادَّةِ الْمُتَبَايَنَةِ وقَدْ تَرَاهَا تَجْتَمِعُ عَلَى مَا فِيهِ الصَّلَاحُ والْمَنْفَعَةُ"[٣٦].
  9. حكمة فضيلة علم الإنسان وفِي مقابله جهله بمقدار عمره، وإلّا لم يكن يتهنّا بالعيش أويستقر له قرار: "تَأَمَّلِ الْآنَ يَا مُفَضَّلُ مَا سُتِرَ عَنِ الْإِنْسَانِ عِلْمُهُ مِنْ مُدَّةِ حَيَاتِهِ فَإِنَّهُ لَوعَرَفَ مِقْدَارَ عُمُرِهِ وكَانَ قَصِيرَ الْعُمُرِ لَمْ يَتَهَنَّأْ بِالْعَيْشِ مَعَ تَرَقُّبِ الْمَوْتِ وتَوَقُّعِهِ لِوَقْتٍ قَدْ عَرَفَهُ بَلْ كَانَ[٣٧] يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَدْ فَنِيَ مَالُهُ أَوقَارَبَ الْفَنَاءَ فَقَدِ اسْتَشْعَرَ الْفَقْرَ والْوَجَلَ مِنْ فَنَاءِ مَالِهِ وخَوْفِ الْفَقْرِ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَدْخُلُ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ فَنَاءِ الْعُمُرِ أَعْظَمُ مِمَّا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ فَنَاءِ الْمَالِ لِأَنَّ مَنْ يَقِلُّ مَالُهُ يَأْمُلُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مِنْهُ فَيَسْكُنَ إِلَى ذَلِكَ ومَنْ أَيْقَنَ بِفَنَاءِ الْعُمُرِ اسْتَحْكَمَ عَلَيْهِ الْيَأْسُ. وإِنْ كَانَ طَوِيلَ الْعُمُرِ ثُمَّ عَرَفَ ذَلِكَ وَثِقَ بِالْبَقَاءِ وانْهَمَكَ فِي اللَّذَّاتِ والْمَعَاصِي وعَمِلَ عَلَى أَنَّهُ يَبْلُغُ مِنْ ذَلِكَ شَهْوَتَهُ ثُمَّ يَتُوبُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وهَذَا مَذْهَبٌ لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ ولَا يَقْبَلُهُ"[٣٨].
  10. عجيب الحكمة في عدم تشابه الناس بعضهم ببعض لأنّهم يحتاجون إلى الإمتياز وحفظ الأنساب بخلاف الوحوش والطير، فإنها لم تحتج إلى ذلك فجعلت متشابهه، مع عجائب اُخرى في التدبير: "اعْتَبِرْ لِمَ لَا يَتَشَابَهُ النَّاسُ وَاحِدٌ بِآخَرَ كَمَا يَتَشَابَهُ الْوُحُوشُ والطَّيْرُ وغَيْرُ ذَلِكَ فَإِنَّكَ تَرَى السِّرْبَ مِنَ الظِّبَاءِ والْقَطَا[٣٩] تَتَشَابَهُ حَتَّى لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ وَاحِدٍ مِنْهَا وبَيْنَ الْأُخْرَى وتَرَى النَّاسَ مُخْتَلِفَةً صُوَرُهُمْ وخَلْقُهُمْ حَتَّى لَا يَكَادَ اثْنَانِ مِنْهُمْ يَجْتَمِعَانِ فِي صِفَةٍ وَاحِدَةٍ والْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ مُحْتَاجُونَ إِلَى أَنْ يَتَعَارَفُوا بِأَعْيَانِهِمْ وحُلَاهُمْ لِمَا يَجْرِي بَيْنَهُمْ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ ولَيْسَ يَجْرِي بَيْنَ الْبَهَائِمِ مِثْلُ ذَلِكَ فَيَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِعَيْنِهِ وحِلْيَتِهِ أَ لَا تَرَى أَنَّ التَّشَابُهَ فِي الطَّيْرِ والْوَحْشِ لَا يَضُرُّهُمَا شَيْئاً ولَيْسَ كَذَلِكَ الْإِنْسَانُ فَإِنَّهُ رُبَّمَا تَشَابَهَ التَوْأَمَانِ تَشَابُهاً شَدِيداً فَتَعْظُمُ الْمَئُونَةُ عَلَى النَّاسِ فِي مُعَامَلَتِهِمَا حَتَّى يُعْطَى أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ ويُؤْخَذُ أَحَدُهُمَا بِذَنْبِ الْآخَرِ وقَدْ يُحْدَثُ مِثْلُ هَذَا فِي تَشَابُهِ الْأَشْيَاءِ فَضْلًا عَنْ تَشَابُهِ الصُّورَةِ فَمَنْ لَطُفَ لِعِبَادِهِ بِهَذِهِ الدَّقَائِقِ الَّتِي لَا تَكَادُ تَخْطُرُ بِالْبَالِ حَتَّى وَقَفَ بِهَا عَلَى الصَّوَابِ إِلَّا مَنْ وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ لَورَأَيْتَ تِمْثَالَ الْإِنْسَانِ مُصَوَّراً عَلَى حَائِطٍ فَقَالَ لَكَ قَائِلٌ إِنَّ هَذَا ظَهَرَ هَاهُنَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ لَمْ يَصْنَعْهُ صَانِعٌ أَ كُنْتَ تَقْبَلُ ذَلِكَ بَلْ كُنْتَ تَسْتَهْزِئُ بِهِ فَكَيْفَ تُنْكِرُ هَذَا فِي تِمْثَالٍ مُصَوَّرٍ جَمَادٍ ولَا تُنْكِرُ فِي الْإِنْسَانِ الْحَيِّ النَّاطِقِ لِمَ صَارَتْ أَبْدَانُ الْحَيَوَانِ وهِيَ تَغْتَذِي أَبَداً لَا تَنْمِي بَلْ تَنْتَهِي إِلَى غَايَةٍ مِنَ النُّمُوثُمَّ تَقِفُ ولَا تَتَجَاوَزُهَا لَولَا التَّدْبِيرُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَكِيمِ فِيهَا أَنْ يَكُونَ أَبْدَانُ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا عَلَى مِقْدَارٍ مَعْلُومٍ غَيْرَ مُتَفَاوِتٍ فِي الْكَبِيرِ والصَّغِيرِ وصَارَتْ تَنْمِي حَتَّى تَصِلَ إِلَى غَايَتِهَا ثُمَّ يَقِفُ ثُمَّ لَا يَزِيدُ والْغِذَاءُ مَعَ ذَلِكَ دَائِمٌ لَا يَنْقَطِعُ ولَوكَانَتْ تَنْمِي نُمُوّاً دَائِماً لَعَظُمَتْ أَبْدَانُهَا واشْتَبَهَتْ مَقَادِيرُهَا حَتَّى لَا يَكُونَ لِشَيْءٍ مِنْهَا حَدٌّ يُعْرَفُ لِمَ صَارَتْ أَجْسَامُ الْإِنْسِ خَاصَّةً تُثْقِلُ عَنِ الْحَرَكَةِ والْمَشْيِ[٤٠] ويَجْفُوعَنِ الصِّنَاعَاتِ اللَّطِيفَةِ[٤١] إِلَّا لِتَعْظِيمِ الْمَئُونَةِ فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ لِلْمَلْبَسِ والْمَضْجَعِ والتَّكْفِينِ وغَيْرِ ذَلِكَ. لَوكَانَ الْإِنْسَانُ لَا يُصِيبُهُ أَلَمٌ ولَا وَجَعٌ بِمَ كَانَ يَرْتَدِعُ عَنِ الْفَوَاحِشِ ويَتَوَاضَعُ لِلَّهِ ويَتَعَطَّفُ عَلَى النَّاسِ أَ مَا تَرَى الْإِنْسَانَ إِذَا عَرَضَ لَهُ وَجَعٌ خَضَعَ واسْتَكَانَ ورَغِبَ إِلَى رَبِّهِ فِي الْعَافِيَةِ وبَسَطَ يَدَيْهِ بِالصَّدَقَةِ ولَوكَانَ لَا يَأْلَمُ مِنَ الضَّرْبِ بِمَ كَانَ السُّلْطَانُ يُعَاقِبُ الدُّعَّارَ[٤٢] ويُذِلُّ الْعُصَاةَ الْمَرَدَةَ وبِمَ كَانَ الصِّبْيَانُ يَتَعَلَّمُونَ الْعُلُومَ والصِّنَاعَاتِ وبِمَ كَانَ الْعَبِيدُ يَذِلُّونَ لِأَرْبَابِهِمْ ويُذْعِنُونَ لِطَاعَتِهِمْ أَ فَلَيْسَ هَذَا تَوْبِيخٌ لِابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ وذَوِيِّهِ الَّذِينَ جَحَدُوا التَّدْبِيرَ والْمَانَوِيَّةِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْأَلَمَ والْوَجَعَ لَولَمْ يُولَدْ مِنَ الْحَيَوَانِ إِلَّا ذَكَرٌ فَقَطْ أَوإِنَاثٌ فَقَطْ أَ لَمْ يَكُنِ النَّسْلُ مُنْقَطِعاً وبَادَ مَعَ ذَلِكَ أَجْنَاسُ الْحَيَوَانِ فَصَارَ بَعْضُ الْأَوْلَادِ يَأْتِي ذُكُوراً وبَعْضُهَا يَأْتِي إِنَاثاً لِيَدُومَ التَّنَاسُلُ ولَا يَنْقَطِعُ. لِمَ صَارَ الرَّجُلُ والْمَرْأَةُ إِذَا أَدْرَكَا نَبَتَتْ لَهُمَا الْعَانَةُ ثُمَّ نَبَتَتِ اللِّحْيَةُ لِلرَّجُلِ وتَخَلَّفَتْ عَنِ الْمَرْأَةِ لَولَا التَّدْبِيرُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمَا جَعَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى الرَّجُلَ قَيِّماً ورَقِيباً عَلَى الْمَرْأَةِ وجَعَلَ الْمَرْأَةَ عِرْساً وخَوَلًا لِلرَّجُلِ[٤٣] أَعْطَى الرَّجُلَ اللِّحْيَةَ لِمَا لَهُ مِنَ الْعِزَّةِ والْجَلَالَةِ والْهَيْبَةِ ومَنَعَهَا الْمَرْأَةَ لِتَبْقَى لَهَا نِظَارَةُ الْوَجْهِ والْبَهْجَةُ الَّتِي تُشَاكِلُ الْمُفَاكَهَةَ والْمُضَاجَعَةَ أَ فَلَا تَرَى الْخِلْقَةَ كَيْفَ يَأْتِي بِالصَّوَابِ فِي الْأَشْيَاءِ وتَتَخَلَّلُ مَوَاضِعَ الْخَطَإِ فَتُعْطَى وتَمْنَعُ عَلَى قَدْرِ الْإِرْبِ والْمَصْلَحَةِ بِتَدْبِيرِ الْحَكِيمِ عَزَّ وجَلَّ"[٤٤].
  11. عجائب الحكمة في خلقة الحيوانات، وتربيتها منذ ولادتها وانفقاس البيضة عنها إلى أحيان تربيتها وتغذيتها إلى أن تكمل: "انْظُرِ الْآنَ إِلَى ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ كَيْفَ تَرَاهَا تَتْبَعُ أُمَّاتِهَا[٤٥] مُسْتَقِلَّةً بِأَنْفُسِهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى الْحَمْلِ والتَّرْبِيَةِ كَمَا تَحْتَاجُ أَوْلَادُ الْإِنْسِ فَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ أُمَّهَاتِهَا مَا عِنْدَ أُمَّهَاتِ الْبَشَرِ مِنَ الرِّفْقِ والْعِلْمِ بِالتَّرْبِيَةِ والْقُوَّةِ عَلَيْهَا بِالْأَكُفِّ والْأَصَابِعِ الْمُهَيَّأَةِ لِذَلِكَ أُعْطِيَتِ النُّهُوضَ والِاسْتِقْلَالَ بِأَنْفُسِهَا وكَذَلِكَ تَرَى كَثِيراً مِنَ الطَّيْرِ كَمِثْلِ الدَّجَاجِ والدُّرَّاجِ[٤٦] والْقَبْجِ[٤٧] تَدْرُجُ وتَلْقُطُ حِينَ يَنْقَابُ عَنْهَا الْبَيْضُ. فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا ضَعِيفاً لَا نُهُوضَ فِيهِ كَمِثْلِ فِرَاخِ الْحَمَامِ والْيَمَامِ والْحُمَّرِ فَقَدْ جُعِلَ فِي الْأُمَّهَاتِ فَضْلُ عَطْفٍ عَلَيْهَا فَصَارَتْ تَمُجُّ الطَّعَامَ فِي أَفْوَاهِهَا بَعْدَ مَا تُوعِيهِ حَوَاصِلُهَا فَلَا تَزَالُ تَغْذُوهَا حَتَّى تَسْتَقِلَّ بِأَنْفُسِهَا ولِذَلِكَ لَمْ تُرْزَقِ الْحَمَامُ فِرَاخاً كَثِيرَةً مِثْلَ مَا تُرْزَقُ الدَّجَاجُ لِتَقْوَى الْأُمُّ عَلَى تَرْبِيَةِ فِرَاخِهَا فَلَا تَفْسُدَ ولَا تَمُوتَ فَكُلٌّ أُعْطِيَ بِقِسْطٍ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَكِيمِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ"[٤٨].
  12. حكمة التدبير في خلق الحيوانات التي تحمل وتسخّر كالحمار والثور والفرس والإبل والغنم ونحوذلك. ثم حالة العطوفة التي جُعلت لمحافظتها وحراستها في الكلب: "أَ مَا تَرَى الْحِمَارَ كَيْفَ يَذِلُّ لِلطَّحْنِ والْحَمُولَةِ وهُويَرَى الْفَرَسَ مُودَعاً مُنَعَّماً والْبَعِيرَ لَا يُطِيقُهُ عِدَّةُ رِجَالٍ لَواسْتَعْصَى كَيْفَ كَانَ يَنْقَادُ لِلصَّبِيِّ والثَّوْرَ الشَّدِيدَ كَيْفَ كَانَ يُذْعِنُ لِصَاحِبِهِ حَتَّى يَضَعَ النِّيرَ[٤٩] عَلَى عُنُقِهِ ويَحْرِثَ بِهِ والْفَرَسَ الْكَرِيمَ يَرْكَبُ السُّيُوفَ والْأَسِنَّةَ بِالْمُؤَاتَاةِ لِفَارِسِهِ والْقَطِيعَ مِنَ الْغَنَمِ يَرْعَاهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ ولَوتَفَرَّقَتِ الْغَنَمُ فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي نَاحِيَةٍ لَمْ يَلْحَقْهَا وكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَصْنَافِ مُسَخَّرَةٌ لِلْإِنْسَانِ فَبِمَ كَانَتْ كَذَلِكَ إِلَّا بِأَنَّهَا عُدِمَتِ الْعَقْلَ والرَّوِيَّةَ فَإِنَّهَا لَوكَانَتْ تَعْقِلُ وتُرَوِّي فِي الْأُمُورِ كَانَتْ خَلِيقَةً أَنْ تَلْتَوِيَ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَآرِبِهِ حَتَّى يَمْتَنِعَ الْجَمَلُ عَلَى قَائِدِهِ والثَّوْرُ عَلَى صَاحِبِهِ وتَتَفَرَّقُ الْغَنَمُ عَنْ رَاعِيهَا وأَشْبَاهُ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ وكَذَلِكَ هَذِهِ السِّبَاعُ لَوكَانَتْ ذَاتَ عَقْلٍ ورَوِيَّةٍ فَتَوَازَرَتْ عَلَى النَّاسِ كَانَتْ خَلِيقَةً أَنْ تَجْتَاحَهُمْ[٥٠] فَمَنْ كَانَ يَقُومُ لِلْأُسْدِ والذِّئَابِ والنُّمُورَةِ والدِّبَبَةِ لَوتَعَاوَنَتْ وتَظَاهَرَتْ عَلَى النَّاسِ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ حُجِرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا وصَارَتْ مَكَانَ مَا كَانَ يُخَافُ مِنْ إِقْدَامِهَا ونِكَايَتِهَا تَهَابُ مَسَاكِنَ النَّاسِ وتُحْجِمُ عَنْهَا ثُمَّ لَا تَظْهُرُ ولَا تَنْشُرُ لِطَلَبِ قُوتِهَا إِلَّا بِاللَّيْلِ؟ فَهِيَ مَعَ صَوْلَتِهَا كَالْخَائِفِ لِلْإِنْسِ بَلْ مَقْمُوعَةٍ مَمْنُوعَةٍ مِنْهُمْ ولَولَا ذَلِكَ لَسَاوَرَتْهُمْ فِي مَسَاكِنِهِمْ وضَيَّعَتْ عَلَيْهِمْ[٥١]. ثُمَّ جُعِلَ فِي الْكَلْبِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ السِّبَاعِ عَطْفٌ عَلَى مَالِكِهِ ومُحَامَاةٌ عَنْهُ وحِفَاظٌ لَهُ فَهُويَنْتَقِلُ عَلَى الْحِيطَانِ والسُّطُوحِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ لِحِرَاسَةِ مَنْزِلِ صَاحِبِهِ وذَبِّ الدَّغَّارِ عَنْهُ[٥٢] ويَبْلُغُ مِنْ مَحَبَّتِهِ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَبْذُلَ نَفْسَهُ لِلْمَوْتِ دُونَهُ ودُونَ مَاشِيَتِهِ ومَالِهِ ويَأْلَفُهُ غَايَةَ الْإِلْفِ حَتَّى يَصْبِرَ مَعَهُ عَلَى الْجُوعِ والْجَفْوَةِ فَلِمَ طُبِعَ الْكَلْبُ عَلَى هَذَا الْإِلْفِ إِلَّا لِيَكُونَ حَارِساً لِلْإِنْسَانِ لَهُ عَيْنٌ بِأَنْيَابٍ ومَخَالِبَ ونُبَاحٌ هَائِلٌ لِيُذْعَرَ مِنْهُ السَّارِقُ ويَتَجَنَّبَ الْمَوَاضِعَ الَّتِي يَحْمِيهَا ويَخْفِرُهَا"[٥٣].
  13. التدبير اللطيف في خلق الفيل وتناوله بمشفره وخرطومه، حيث لم يتمكن من الوصول إلى الطعام برأسه: "تَأَمَّلْ مِشْفَرَ الْفِيلِ ومَا فِيهِ مِنْ لَطِيفِ التَّدْبِيرِ فَإِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْيَدِ فِي تَنَاوُلِ الْعَلَفِ والْمَاءِ وازْدِرَادِهِمَا إِلَى جَوْفِهِ ولَولَا ذَلِكَ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَنَاوَلَ شَيْئاً مِنَ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ رَقَبَةٌ يَمُدُّهَا كَسَائِرِ الْأَنْعَامِ فَلَمَّا عَدِمَ الْعُنُقَ أُعِينَ مَكَانَ ذَلِكَ بِالْخُرْطُومِ الطَّوِيلِ لِيَسْدُلَهُ فَيَتَنَاوَلَ بِهِ حَاجَتَهُ فَمَنْ ذَا الَّذِي عَوَّضَهُ مَكَانَ الْعُضْوالَّذِي عَدِمَهُ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ إِلَّا الرَّءُوفُ بِخَلْقِهِ وكَيْفَ يَكُونُ هَذَا بِالْإِهْمَالِ كَمَا قَالَتِ الظَّلَمَةُ؟"[٥٤].
  14. الفطرة العجيبة في الوحوش والسباع في دفن موتاها وستر جيفها: "فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي خِلْقَةٍ عَجِيبَةٍ جُعِلَتْ فِي الْبَهَائِمِ فَإِنَّهُمْ يُوَارُونَ أَنْفُسَهُمْ إِذَا مَاتُوا كَمَا يُوَارِي النَّاسُ مَوْتَاهُمْ وإِلَّا فَأَيْنَ جِيَفُ هَذِهِ الْوُحُوشِ والسِّبَاعِ وغَيْرِهَا لَا يُرَى مِنْهَا شَيْءٌ ولَيْسَتْ قَلِيلَةً فَتَخْفَى لِقِلَّتِهَا بَلْ لَوقَالَ قَائِلٌ إِنَّهَا أَكْثَرُ مِنَ النَّاسِ لَصَدَقَ فَاعْتَبِرْ ذَلِكَ بِمَا تَرَاهُ فِي الصَّحَارِي والْجِبَالِ مِنْ أَسْرَابِ الظِّبَاءِ والْمَهَا[٥٥] والْحَمِيرِ والْوُعُولِ[٥٦] والْأَيَائِلِ[٥٧] وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوُحُوشِ وأَصْنَافِ السِّبَاعِ مِنَ الْأُسْدِ والضِّبَاعِ والذِّئَابِ والنُّمُورِ وغَيْرِهَا وضُرُوبِ الْهَوَامِّ والْحَشَرَاتِ ودَوَابِّ الْأَرْضِ وكَذَلِكَ أَسْرَابُ الطَّيْرِ مِنَ الْغِرْبَانِ والْقَطَا والْإِوَزِّ والْكَرَاكِي[٥٨] والْحَمَامِ وسِبَاعِ الطَّيْرِ جَمِيعاً وكُلُّهَا لَا يُرَى مِنْهَا شَيْءٌ إِذَا مَاتَتْ إِلَّا الْوَاحِدَ بَعْدَ الْوَاحِدِ يَصِيدُهُ قَانِصٌ أَويَفْتَرِسُهُ سَبُعٌ فَإِذَا أَحَسُّوا بِالْمَوْتِ كَمَنُوا فِي مَوَاضِعَ خَفِيَّةٍ فَيَمُوتُونَ فِيهَا ولَولَا ذَلِكَ لَامْتَلَأَتِ الصَّحَارِي مِنْهَا حَتَّى تَفْسُدَ رَائِحَةُ الْهَوَاءِ ويُحْدَثُ الْأَمْرَاضُ والْوَبَاءُ فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الَّذِي يَخْلُصُ إِلَيْهِ النَّاسُ وعَمِلُوهُ بِالتَّمْثِيلِ الْأَوَّلِ الَّذِي مُثِّلَ لَهُمْ كَيْفَ جُعِلَ طَبْعاً وادِّكَاراً فِي الْبَهَائِمِ وغَيْرِهَا لِيَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ مَعَرَّةِ مَا يُحْدَثُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَمْرَاضِ والْفَسَادِ"[٥٩].
  15. عجيب التفكير والتدبير في الحيوانات كالغزال الذي يأكل الحيّات ولا يشرب الماء حتى ينتشر السمّ في بدنه، وكذلك الدلفين يحتال لصيد الطير والثعلب يدبر غذاءه في صيده: "فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي الْفَطَنِ الَّتِي جُعِلَتْ فِي الْبَهَائِمِ لِمَصْلَحَتِهَا بِالطَّبْعِ والْخِلْقَةِ لُطْفاً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَهُمْ لِئَلَّا يَخْلُومِنْ نِعَمِهِ جَلَّ وعَزَّ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ لَا بِعَقْلٍ ورَوِيَّةٍ فَإِنَّ الْأُيَّلَ يَأْكُلُ الْحَيَّاتِ فَيَعْطَشُ عَطَشاً شَدِيداً فَيَمْتَنِعُ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ خَوْفاً مِنْ أَنْ يَدِبَّ السَّمُّ فِي جِسْمِهِ فَيَقْتُلَهُ ويَقِفُ عَلَى الْغَدِيرِ وهُومَجْهُودٌ عَطَشاً فَيَعِجُّ عَجِيجاً عَالِياً ولَا يَشْرَبُ مِنْهُ ولَوشَرِبَ لَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ فَانْظُرْ إِلَى مَا جُعِلَ مِنْ طِبَاعِ هَذِهِ الْبَهِيمَةِ مِنْ تَحَمُّلِ الظَّمَاءِ الْغَالِبِ خَوْفاً مِنَ الْمَضَرَّةِ فِي الشُّرْبِ وذَلِكَ مِمَّا لَا يَكَادُ الْإِنْسَانُ الْعَاقِلُ الْمُمَيِّزُ يَضْبِطُهُ مِنْ نَفْسِهِ. والثَّعْلَبَ إِذَا أَعْوَزَهُ الطُّعْمُ تَمَاوَتَ ونَفَخَ بَطْنَهُ حَتَّى يَحْسَبَهُ الطَّيْرُ مَيِّتاً فَإِذَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ لِتَنْهَشَهُ وَثَبَ عَلَيْهَا فَأَخَذَهَا فَمَنْ أَعَانَ الثَّعْلَبَ الْعَدِيمَ النُّطْقِ والرَّوِيَّةِ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ إِلَّا مَنْ تَوَكَّلَ بِتَوْجِيهِ الرِّزْقِ لَهُ مِنْ هَذَا وشِبْهِهِ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ الثَّعْلَبُ يَضْعُفُ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا يَقْوَى عَلَيْهِ السِّبَاعُ مِنْ مُسَاوَرَةِ الصَّيْدِ أُعِينَ بِالدَّهَاءِ والْفِطْنَةِ والِاحْتِيَالِ لِمَعَاشِهِ. والدُّلْفِينَ[٦٠] يَلْتَمِسُ صَيْدَ الطَّيْرِ فَيَكُونُ حِيلَتُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ السَّمَكَ فَيَقْتُلَهُ ويَشْرَحَهُ حَتَّى يَطْفُوعَلَى الْمَاءِ يَكْمُنُ تَحْتَهُ ويُثَوِّرُ الْمَاءَ الَّذِي عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَتَبَيَّنَ شَخْصُهُ فَإِذَا وَقَعَ الطَّيْرُ عَلَى السَّمَكِ الطَّافِي وَثَبَ إِلَيْهَا فَاصْطَادَهَا فَانْظُرْ إِلَى هَذِهِ الْحِيلَةِ كَيْفَ جُعِلَتْ طَبْعاً فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ لِبَعْضِ الْمَصْلَحَةِ؟"[٦١].
  16. دقيق الصنع في الطائر بجعل خلقته خفيفةً مساعدة على الطيران مع إحكام في بدنه وريشه ومآكله: "تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ جِسْمَ الطَّائِرِ وخِلْقَتَهُ فَإِنَّهُ حِينَ قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ طَائِراً فِي الْجَوخُفِّفَ جِسْمُهُ وأُدْمِجَ خَلْقُهُ فَاقْتَصَرَ بِهِ مِنَ الْقَوَائِمِ الْأَرْبَعِ عَلَى اثْنَتَيْنِ ومِنَ الْأَصَابِعِ الْخَمْسِ عَلَى أَرْبَعٍ ومِنْ مَنْفَذَيْنِ لِلزِّبْلِ والْبَوْلِ عَلَى وَاحِدٍ يَجْمَعُهُمَا ثُمَّ خُلِقَ ذَا جُؤْجُؤٍ[٦٢] مُحَدَّدٍ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرِقَ الْهَوَاءَ كَيْفَ مَا أَخَذَ فِيهِ كَمَا جُعِلَ السَّفِينَةُ بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ لِتَشُقَّ الْمَاءَ وتَنْفُذَ فِيهِ وجُعِلَ فِي جَنَاحَيْهِ وذَنَبِهِ رِيشَاتٌ طِوَالٌ مِتَانٌ لِيَنْهَضَ بِهَا لِلطَّيَرَانِ وكُسِيَ كُلُّهُ الرِّيشَ لِيُدَاخِلَهُ الْهَوَاءُ فَيُقِلَّهُ[٦٣] ولَمَّا قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ طُعْمُهُ الْحَبَّ واللَّحْمَ يَبْلَعُهُ بَلْعاً بِلَا مَضْغٍ نُقِصَ مِنْ خَلْقِهِ الْأَسْنَانُ وخُلِقَ لَهُ مِنْقَارٌ صُلْبٌ جَاسٍ[٦٤] يَتَنَاوَلُ بِهِ طُعْمَهُ فَلَا ينسجح [يَنْسَحِجُ] مِنْ لَقْطِ الْحَبِّ ولَا يَتَقَصَّفُ مِنْ نَهْشِ اللَّحْمِ ولَمَّا عَدِمَ الْأَسْنَانَ وصَارَ يَزْدَرِدُ الْحَبَّ صَحِيحاً واللَّحْمَ غَرِيضاً[٦٥] أُعِينَ بِفَضْلِ حَرَارَةٍ فِي الْجَوْفِ تَطْحَنُ لَهُ الطُّعْمَ طَحْناً يَسْتَغْنِي بِهِ عَنِ الْمَضْغِ واعْتَبِرْ ذَلِكَ بِأَنَّ عَجَمَ الْعِنَبِ[٦٦] وغَيْرِهِ يَخْرُجُ مِنْ أَجْوَافِ الْإِنْسِ صَحِيحاً ويُطْحَنُ فِي أَجْوَافِ الطَّيْرِ لَا يُرَى لَهُ أَثَرٌ ثُمَّ جُعِلَ مِمَّا يَبِيضُ بَيْضاً ولَا يَلِدُ وِلَادَةً لِكَيْلَا يَثْقُلَ عَنِ الطَّيَرَانِ فَإِنَّهُ لَوكَانَتِ الْفِرَاخُ فِي جَوْفِهِ تَمْكُثُ حَتَّى تَسْتَحْكِمَ لَأَثْقَلَتْهُ وعَاقَتْهُ عَنِ النُّهُوضِ والطَّيَرَانِ فَجُعِلَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ مُشَاكِلًا لِلْأَمْرِ الَّذِي قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ ثُمَّ صَارَ الطَّائِرُ السَّائِحُ فِي هَذَا الْجَويَقْعُدُ عَلَى بَيْضِهِ فَيَحْضُنُهُ أُسْبُوعاً وبَعْضُهَا أُسْبُوعَيْنِ وبَعْضُهَا ثَلَاثَةَ أَسَابِيعَ حَتَّى يَخْرُجَ الْفَرْخُ مِنَ الْبَيْضَةِ ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَيْهِ فَيَزُقُّهُ الرِّيحَ لِتَتَّسِعَ حَوْصَلَتُهُ لِلْغِذَاءِ ثُمَّ يُرَبِّيهِ ويُغَذِّيهِ بِمَا يَعِيشُ بِهِ فَمَنْ كَلَّفَهُ أَنْ يَلْقُطَ الطُّعْمَ ويَسْتَخْرِجَهُ بَعْدَ أَنْ يَسْتَقِرَّ فِي حَوْصَلَتِهِ ويَغْذُوبِهِ فِرَاخَهُ ولِأَيِّ مَعْنًى يَحْتَمِلُ هَذِهِ الْمَشَقَّةَ ولَيْسَ بِذِي رَوِيَّةٍ ولَا تَفَكُّرٍ ولَا يَأْمُلُ فِي فِرَاخِهِ مَا يَأْمُلُ الْإِنْسَانُ فِي وَلَدِهِ مِنَ الْعِزِّ والرَّفْدِ[٦٧] وبَقَاءِ الذِّكْرِ؟ فَهَذَا هُوفِعْلٌ يَشْهَدُ بِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى فِرَاخِهِ لِعِلَّةٍ لَا يَعْرِفُهَا ولَا يُفَكِّرُ فِيهَا وهِيَ دَوَامُ النَّسْلِ وبَقَاؤُهُ لُطْفاً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ. انْظُرْ إِلَى الدَّجَاجَةِ كَيْفَ تُهَيَّجُ لِحِضْنِ الْبَيْضِ والتَّفْرِيخِ ولَيْسَ لَهَا بَيْضٌ مُجْتَمَعٌ ولَا وَكْرٌ[٦٨] مُوَطَّأٌ بَلْ تَنْبَعِثُ وتَنْتَفِخُ وتُقَوْقِي[٦٩] وتَمْتَنِعُ مِنَ الطُّعْمِ حَتَّى يُجْمَعَ لَهَا الْبَيْضُ فَتَحْضُنُهُ وتُفْرِخُ فَلِمَ كَانَ ذَلِكَ مِنْهَا إِلَّا لِإِقَامَةِ النَّسْلِ ومَنْ أَخَذَهَا بِإِقَامَةِ النَّسْلِ ولَا رَوِيَّةَ ولَا تَفَكُّرَ لَولَا أَنَّهَا مَجْبُولَةٌ عَلَى ذَلِكَ؟. اعْتَبِرْ بِخَلْقِ الْبَيْضَةِ ومَا فِيهَا مِنَ الْمُحِّ الْأَصْفَرِ الْخَاثِرِ[٧٠] والْمَاءِ الْأَبْيَضِ الرَّقِيقِ فَبَعْضُهُ لِيَنْتَشِرَ مِنْهُ الْفَرْخُ وبَعْضُهُ لِيُغَذَّى بِهِ[٧١]، إِلَى أَنْ تَنْقَابَ عَنْهُ الْبَيْضَةُ ومَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّدْبِيرِ فَإِنَّهُ لَوكَانَ نُشُوءُ الْفَرْخِ فِي تِلْكَ الْقِشْرَةِ الْمُسْتَحْصَنَةِ الَّتِي لَا مَسَاغَ لِشَيْءٍ إِلَيْهَا لَجُعِلَ مَعَهُ فِي جَوْفِهَا مِنَ الْغِذَاءِ مَا يَكْتَفِي بِهِ إِلَى وَقْتِ خُرُوجِهِ مِنْهَا كَمَنْ يُحْبَسُ فِي حَبْسٍ حَصِينٍ لَا يُوصَلُ إِلَى مَنْ فِيهِ فَيُجْعَلُ مَعَهُ مِنَ الْقُوتِ مَا يَكْتَفِي بِهِ إِلَى وَقْتِ خُرُوجِهِ مِنْهُ. فَكِّرْ فِي حَوْصَلَةِ الطَّائِرِ ومَا قُدِّرَ لَهُ فَإِنَّ مَسْلَكَ الطُّعْمِ إِلَى الْقَانِصَةِ[٧٢] ضَيِّقٌ لَا يَنْفُذُ فِيهِ الطَّعَامُ إِلَّا قَلِيلًا قَلِيلًا فَلَوكَانَ الطَّائِرُ لَا يَلْقُطُ حَبَّةً ثَانِيَةً حَتَّى تَصِلَ الْأُولَى إِلَى الْقَانِصَةِ لَطَالَ عَلَيْهِ ومَتَى كَانَ يَسْتَوْفِي طُعْمَهُ فَإِنَّمَا يَخْتَلِسُهُ اخْتِلَاساً لِشِدَّةِ الْحَذَرِ فَجُعِلَتِ الْحَوْصَلَةُ كَالْمِخْلَاةِ الْمُعَلَّقَةِ أَمَامَهُ لِيُوعِيَ فِيهَا مَا أَدْرَكَ مِنَ الطُّعْمِ بِسُرْعَةٍ ثُمَّ تُنْفِذُهُ إِلَى الْقَانِصَةِ عَلَى مَهْلٍ وفِي الْحَوْصَلَةِ أَيْضاً خَلَّةٌ أُخْرَى فَإِنَّ مِنَ الطَّائِرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَزُقَّ فِرَاخَهُ فَيَكُونُ رَدُّهُ لِلطُّعْمِ مِنْ قُرْبٍ أَسْهَلَ عَلَيْهِ. وتَأَمَّلْ رِيشَ الطَّيْرِ كَيْفَ هُوَ؟ فَإِنَّكَ تَرَاهُ مَنْسُوجاً كَنَسْجِ الثَّوْبِ مِنْ سُلُوكٍ[٧٣] دِقَاقٍ قَدْ أُلِّفَ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ كَتَأْلِيفِ الْخَيْطِ إِلَى الْخَيْطِ والشَّعْرَةِ إِلَى الشَّعْرَةِ ثُمَّ تَرَى ذَلِكَ النَّسْجَ إِذَا مَدَدْتَهُ يَنْفَتِحُ قَلِيلًا ولَا يَنْشَقُّ لِتُدَاخِلَهُ الرِّيحُ فَيَقِلَّ الطَّائِرُ إِذَا طَارَ وتَرَى فِي وَسَطِ الرِّيشَةِ عَمُوداً غَلِيظاً مَتِيناً قَدْ نُسِجَ عَلَيْهِ الَّذِي هُومِثْلُ الشَّعْرِ لِيُمْسِكَهُ بِصَلَابَتِهِ وهُوالْقَصَبَةُ الَّتِي هُوفِي وَسَطِ الرِّيشَةِ وهُومَعَ ذَلِكَ أَجْوَفُ لِيَخِفَّ عَلَى الطَّائِرِ ولَا يَعُوقَهُ عَنِ الطَّيَرَانِ. هَلْ رَأَيْتَ يَا مُفَضَّلُ! هَذَا الطَّائِرَ الطَّوِيلَ السَّاقَيْنِ[٧٤] وعَرَفْتَ مَا لَهُ مِنَ الْمَنْفَعَةِ فِي طُولِ سَاقَيْهِ فَإِنَّهُ أَكْثَرُ ذَلِكَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ الْمَاءِ فَتَرَاهُ بِسَاقَيْنِ طَوِيلَيْنِ كَأَنَّهُ رَبِيئَةٌ[٧٥] فَوْقَ مَرْقَبٍ وهُويَتَأَمَّلُ مَا يَدِبُّ فِي الْمَاءِ فَإِذَا رَأَى شَيْئاً مِمَّا يَتَقَوَّتُ بِهِ خَطَا خُطُوَاتٍ رَقِيقاً حَتَّى يَتَنَاوَلَهُ ولَوكَانَ قَصِيرَ السَّاقَيْنِ وكَانَ يَخْطُونَحْوالصَّيْدِ لِيَأْخُذَهُ يُصِيبُ بَطْنُهُ الْمَاءَ فَيَثُورُ ويُذْعَرُ مِنْهُ فَيَتَفَرَّقُ عَنْهُ فَخُلِقَ لَهُ ذَلِكَ الْعَمُودَانِ لِيُدْرِكَ بِهِمَا حَاجَتَهُ ولَا يَفْسُدَ عَلَيْهِ مَطْلَبُهُ. تَأَمَّلْ ضُرُوبَ التَّدْبِيرِ فِي خَلْقِ الطَّائِرِ فَإِنَّكَ تَجِدُ كُلَّ طَائِرٍ طَوِيلِ السَّاقَيْنِ طَوِيلَ الْعُنُقِ وذَلِكَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ تَنَاوُلِ طُعْمِهِ مِنَ الْأَرْضِ ولَوكَانَ طَوِيلَ السَّاقَيْنِ قَصِيرَ الْعُنُقِ لَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَنَاوَلَ شَيْئاً مِنَ الْأَرْضِ ورُبَّمَا أُعِينَ مَعَ طُولِ الْعُنُقِ بِطُولِ الْمَنَاقِيرِ لِيَزْدَادَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ سُهُولَةً لَهُ وإِمْكَاناً أَ فَلَا تَرَى أَنَّكَ لَا تُفَتِّشُ شَيْئاً مِنَ الْخِلْقَةِ إِلَّا وَجَدْتَهُ عَلَى غَايَةِ الصَّوَابِ والْحِكْمَةِ. انْظُرْ إِلَى الْعَصَافِيرِ كَيْفَ تَطْلُبُ أُكُلَهَا بِالنَّهَارِ؟ فَهِيَ لَا تَفْقِدُهُ ولَا هِيَ تَجِدُهُ مَجْمُوعاً مُعَدّاً بَلْ تَنَالُهُ بِالْحَرَكَةِ والطَّلَبِ وكَذَلِكَ الْخَلْقُ كُلُّهُ فَسُبْحَانَ مَنْ قَدَّرَ الرِّزْقَ كَيْفَ قَوَّتَهُ فَلَمْ يَجْعَلْ مِمَّا لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ إِذْ جَعَلَ لِلْخَلْقِ حَاجَةً إِلَيْهِ ولَمْ يَجْعَلْهُ مَبْذُولًا ويُنَالُ بِالْهُوَيْنَا[٧٦] إِذْ كَانَ لَا صَلَاحَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَوكَانَ يُوجَدُ مَجْمُوعاً مُعَدّاً كَانَتِ الْبَهَائِمُ تَتَقَلَّبُ عَلَيْهِ ولَا تَنْقَلِعُ حَتَّى تَبْشَمَ[٧٧] فَتَهْلِكَ وكَانَ النَّاسُ أَيْضاً يَصِيرُونَ بِالْفَرَاغِ إِلَى غَايَةِ الْأَشَرِ والْبَطَرِ حَتَّى يَكْثُرَ الْفَسَادُ ويَظْهَرَ الْفَوَاحِشُ. أَ عَلِمْتَ مَا طُعْمُ هَذِهِ الْأَصْنَافِ مِنَ الطَّيْرِ الَّتِي لَا تَخْرُجُ إِلَّا بِاللَّيْلِ كَمِثْلِ الْبُومِ والْهَامِ[٧٨] والْخُفَّاشِ؟ قُلْتُ لَا يَا مَوْلَايَ. قَالَ إِنَّ مَعَاشَهَا مِنْ ضُرُوبٍ تَنْتَشِرُ فِي هَذَا الْجَومِنَ الْبَعُوضِ والْفَرَاشِ وأَشْبَاهِ الْجَرَادِ والْيَعَاسِيبِ[٧٩] وذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الضُّرُوبَ مَبْثُوثَةٌ فِي الْجَولَا يَخْلُومِنْهَا مَوْضِعٌ. واعْتَبِرْ ذَلِكَ بِأَنَّكَ إِذَا وَضَعْتَ سِرَاجاً بِاللَّيْلِ فِي سَطْحٍ أَوعَرْصَةِ دَارٍ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا شَيْءٌ كَثِيرٌ فَمِنْ أَيْنَ يَأْتِي ذَلِكَ كُلُّهُ إِلَّا مِنَ الْقُرْبِ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّهُ يَأْتِي مِنَ الصَّحَارِي والْبَرَارِي. قِيلَ لَهُ كَيْفَ يُوَافِي تِلْكَ السَّاعَةَ مِنْ مَوْضِعٍ بَعِيدٍ؟ وكَيْفَ يُبْصِرُ مِنْ ذَلِكَ الْبُعْدِ سِرَاجاً فِي دَارٍ مَحْفُوفَةٍ بِالدُّورِ فَيَقْصِدُ إِلَيْهِ مَعَ أَنَّ هَذِهِ عِيَاناً تَتَهَافَتُ عَلَى السِّرَاجِ مِنْ قُرْبٍ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا مُنْتَشِرَةٌ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ الْجَوفَهَذِهِ الْأَصْنَافُ مِنَ الطَّيْرِ تَلْتَمِسُهَا إِذَا خَرَجَتْ فَتَتَقَوَّتُ بِهَا. فَانْظُرْ كَيْفَ وُجِّهَ الرِّزْقُ لِهَذِهِ الطُّيُورِ الَّتِي لَا تَخْرُجُ إِلَّا بِاللَّيْلِ مِنْ هَذِهِ الضُّرُوبِ الْمُنْتَشِرَةِ فِي الْجَوواعْرِفْ مَعَ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي خَلْقِ هَذِهِ الضُّرُوبِ الْمُنْتَشِرَةِ الَّتِي عَسَى أَنْ يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّهَا فَضْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ. خُلِقَ الْخُفَّاشُ خِلْقَةً عَجِيبَةً بَيْنَ خِلْقَةِ الطَّيْرِ وذَوَاتِ الْأَرْبَعِ [بَلْ هُوإِلَى ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ] أَقْرَبُ وذَلِكَ أَنَّهُ ذُوأُذُنَيْنِ نَاشِزَتَيْنِ[٨٠] وأَسْنَانٍ ووَبَرٍ وهُويَلِدُ وِلَاداً ويَرْضِعُ ويَبُولُ ويَمْشِي إِذَا مَشَى عَلَى أَرْبَعٍ وكُلُّ هَذَا خِلَافُ صِفَةِ الطَّيْرِ ثُمَّ هُوأَيْضاً مِمَّا يَخْرُجُ بِاللَّيْلِ ويَتَقَوَّتُ مِمَّا يَسْرِي فِي الْجَومِنَ الْفَرَاشِ ومَا أَشْبَهَهُ وقَدْ قَالَ قَائِلُونَ إِنَّهُ لَا طُعْمَ لِلْخُفَّاشِ وإِنَّ غِذَاءَهُ مِنَ النَّسِيمِ وَحْدَهُ وذَلِكَ يَفْسُدُ ويَبْطُلُ مِنْ جِهَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا خُرُوجُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ مِنَ الثُّفْلِ والْبَوْلِ فَإِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ مِنْ غَيْرِ طُعْمٍ والْأُخْرَى أَنَّهُ ذُوأَسْنَانٍ ولَوكَانَ لَا يَطْعَمُ شَيْئاً لَمْ يَكُنْ لِلْأَسْنَانِ فِيهِ مَعْنًى ولَيْسَ فِي الْخِلْقَةِ شَيْءٌ لَا مَعْنَى لَهُ وأَمَّا الْمَآرِبُ فِيهِ فَمَعْرُوفَةٌ حَتَّى إِنَّ زِبْلَهُ يَدْخُلُ فِي بَعْضِ الْأَعْمَالِ ومِنْ أَعْظَمِ الْإِرْبِ فِيهِ خِلْقَتُهُ الْعَجِيبَةُ الدَّالَّةُ عَلَى قُدْرَةِ الْخَالِقِ جَلَّ شَأْنُهُ وتَصَرُّفِهَا فِيمَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ لِضَرْبٍ مِنَ الْمَصْلَحَةِ. فَأَمَّا الطَّائِرُ الصَّغِيرُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «ابْنُ تُمَّرَةَ»[٨١] فَقَدْ عَشَّشَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فِي بَعْضِ الشَّجَرِ فَنَظَرَ إِلَى حَيَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ أَقْبَلَتْ نَحْوعُشِّهِ فَاغِرَةً فَاهَا لِتَبْلَعَهُ فَبَيْنَمَا هُويَتَقَلَّبُ ويَضْطَرِبُ فِي طَلَبِ حِيلَةٍ مِنْهَا إِذَا وَجَدَ حَسَكَةً فَحَمَلَهَا فَأَلْقَاهَا فِي فَمِ الْحَيَّةِ فَلَمْ تَزَلِ الْحَيَّةُ تَلْتَوِي وتَتَقَلَّبُ حَتَّى مَاتَتْ أَ فَرَأَيْتَ لَولَمْ أُخْبِرْكَ بِذَلِكَ كَانَ يَخْطُرُ بِبَالِكَ أَوبِبَالِ غَيْرِكَ أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ حَسَكَةٍ مِثْلُ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ الْعَظِيمَةِ أَويَكُونُ مِنْ طَائِرٍ صَغِيرٍ أَوكَبِيرٍ مِثْلُ هَذِهِ الْحِيلَةِ اعْتَبِرْ بِهَذَا وكَثِيرٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ تَكُونُ فِيهَا مَنَافِعُ لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِحَادِثٍ يُحْدَثُ بِهِ أَوخَبَرٍ يُسْمَعُ بِهِ. انْظُرْ إِلَى النَّحْلِ واحْتِشَادِهِ فِي صَنْعَةِ الْعَسَلِ وتَهْيِئَةِ الْبُيُوتِ الْمُسَدَّسَةِ ومَا تَرَى فِي ذَلِكَ اجْتِمَاعَهُ مِنْ دَقَائِقِ الْفِطْنَةِ فَإِنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ الْعَمَلَ رَأَيْتَهُ عَجِيباً لَطِيفاً وإِذَا رَأَيْتَ الْمَعْمُولَ وَجَدْتَهُ عَظِيماً شَرِيفاً مَوْقِعُهُ مِنَ النَّاسِ وإِذَا رَجَعْتَ إِلَى الْفَاعِلِ أَلْفَيْتَهُ غَبِيّاً جَاهِلًا بِنَفْسِهِ فَضْلًا عَمَّا سِوَى ذَلِكَ فَفِي هَذَا أَوْضَحُ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ والْحِكْمَةَ فِي هَذِهِ الصَّنْعَةِ لَيْسَ لِلنَّحْلِ بَلْ هِيَ لِلَّذِي طَبَعَهُ عَلَيْهَا وسَخَّرَهُ فِيهَا لِمَصْلَحَةِ النَّاسِ"[٨٢].
  17. القوَّة المودعة في الجراد على ضعفه بحيث يعجز الملوك عن إزالته: "انْظُرْ إِلَى هَذَا الْجَرَادِ مَا أَضْعَفَهُ وأَقْوَاهُ فَإِنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ خَلْقَهُ رَأَيْتَهُ كَأَضْعَفِ الْأَشْيَاءِ وإِنْ دَلَفَتْ عَسَاكِرُهُ نَحْوبَلَدٍ مِنَ الْبُلْدَانِ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَحْمِيَهُ مِنْهُ. أَ لَا تَرَى أَنَّ مَلِكاً مِنْ مُلُوكِ الْأَرْضِ لَوجَمَعَ خَيْلَهُ ورَجِلَهُ لِيَحْمِيَ بِلَادَهُ مِنَ الْجَرَادِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ أَ فَلَيْسَ مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى قُدْرَةِ الْخَالِقِ أَنْ يَبْعَثَ أَضْعَفَ خَلْقِهِ إِلَى أَقْوَى خَلْقِهِ فَلَا يَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ انْظُرْ إِلَيْهِ كَيْفَ يَنْسَابُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِثْلَ السَّيْلِ فَيُغْشِي السَّهْلَ والْجَبَلَ والْبَدْووالْحَضَرَ حَتَّى يَسْتُرَ نُورَ الشَّمْسِ بِكَثْرَتِهِ فَلَوكَانَ هَذَا مِمَّا يُصْنَعُ بِالْأَيْدِي مَتَى كَانَ يَجْتَمِعُ مِنْهُ هَذِهِ الْكَثْرَةُ وفِي كَمْ مِنْ سَنَةٍ كَانَ يَرْتَفِعُ فَاسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى الْقُدْرَةِ الَّتِي لَا يَئُودُهَا شَيْءٌ ويُكْثِرُ عَلَيْهَا"[٨٣]
  18. عجيب الخلقة في الأسماك حيث هي مستغنيةٌ بالسباحة، وغير محتاجة إلى الرئة ومكسوة بالقشور والأَفلاس لتقيها من الآفات مع كثرة نسلها لكثرة الاحتياج إليها: "تَأَمَّلْ خَلْقَ السَّمَكِ ومُشَاكَلَتَهُ لِلْأَمْرِ الَّذِي قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ خُلِقَ غَيْرَ ذِي قَوَائِمَ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْمَشْيِ إِذَا كَانَ مَسْكَنُهُ الْمَاءَ وخُلِقَ غَيْرَ ذِي رِيَةٍ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَنَفَّسَ وهُومُنْغَمِسٌ فِي اللُّجَّةِ وجُعِلَتْ لَهُ مَكَانَ الْقَوَائِمَ أَجْنِحَةٌ شِدَادٌ يَضْرِبُ بِهَا فِي جَانِبَيْهِ كَمَا يَضْرِبُ الْمَلَّاحُ بِالْمَجَاذِيفِ مِنْ جَانِبَيِ السَّفِينَةِ وكُسِيَ جِسْمُهُ قُشُوراً مِتَاناً مُتَدَاخِلَةً كَتَدَاخُلِ الدُّرُوعِ والْجَوَاشِنِ[٨٤] لِتَقِيَهُ مِنَ الْآفَاتِ فَأُعِينَ بِفَضْلِ حِسٍّ فِي الشَّمِّ لِأَنَّ بَصَرَهُ ضَعِيفٌ والْمَاءُ يَحْجُبُهُ فَصَارَ يَشَمُّ الطُّعْمَ مِنَ الْبُعْدِ الْبَعِيدِ فَيَنْتَجِعُهُ[٨٥] وإِلَّا فَكَيْفَ يَعْلَمُ بِهِ وبِمَوْضِعِهِ واعْلَمْ أَنَّ مِنْ فِيهِ إِلَى صِمَاخَيْهِ مَنَافِذَ فَهُويَعُبُّ الْمَاءَ بِفِيهِ ويُرْسِلُهُ مِنْ صِمَاخَيْهِ[٨٦] فَتَرَوَّحَ إِلَى ذَلِكَ كَمَا يَتَرَوَّحُ غَيْرُهُ مِنَ الْحَيَوَانِ إِلَى تَنَسُّمِ هَذَا النَّسِيمِ. فَكِّرِ الْآنَ فِي كَثْرَةِ نَسْلِهِ ومَا خُصَّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّكَ تَرَى فِي جَوْفِ السَّمَكَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الْبَيْضِ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً والْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَتَّسِعَ لِمَا يَغْتَذِي بِهِ مِنْ أَصْنَافِ الْحَيَوَانِ فَإِنَّ أَكْثَرَهَا يَأْكُلُ السَّمَكَ حَتَّى إِنَّ السِّبَاعَ أَيْضاً فِي حَافَاتِ الْآجَامِ[٨٧] عَاكِفَةٌ عَلَى الْمَاءِ أَيْضاً كَيْ تُرْصِدَ السَّمَكَ فَإِذَا مَرَّ بِهَا خَطِفَتْهُ فَلَمَّا كَانَتِ السِّبَاعُ تَأْكُلُ السَّمَكَ والطَّيْرُ يَأْكُلُ السَّمَكَ والنَّاسُ يَأْكُلُونَ السَّمَكَ والسَّمَكُ يَأْكُلُ السَّمَكَ كَانَ مِنَ التَّدْبِيرِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَا هُوعَلَيْهِ مِنَ الْكَثْرَةِ. فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ سَعَةَ حِكْمَةِ الْخَالِقِ وقِصَرَ عِلْمِ الْمَخْلُوقِينَ فَانْظُرْ إِلَى مَا فِي الْبِحَارِ مِنْ ضُرُوبِ السَّمَكِ ودَوَابِّ الْمَاءِ والْأَصْدَافِ والْأَصْنَافِ الَّتِي لَا تُحْصَى ولَا تُعْرَفُ مَنَافِعُهَا إِلَّا الشَّيْءُ بَعْدَ الشَّيْءِ يُدْرِكُهُ النَّاسُ بِأَسْبَابٍ تُحْدَثُ مِثْلُ الْقِرْمِزِ[٨٨] فَإِنَّهُ إِنَّمَا عَرَفَ النَّاسُ صِبْغَهُ بِأَنَّ كَلْبَةً تَجُولُ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ فَوَجَدَتْ شَيْئاً مِنَ الصِّنْفِ الَّذِي يُسَمَّى الْحَلَزُونَ[٨٩] فَأَكَلَتْهُ فَاخْتَضَبَ خَطْمُهَا بِدَمِهِ فَنَظَرَ النَّاسُ إِلَى حُسْنِهِ فَاتَّخَذُوهُ صِبْغاً وأَشْبَاهُ هَذَا مِمَّا يَقِفُ النَّاسُ عَلَيْهِ حَالًا بَعْدَ حَالٍ وزَمَاناً بَعْدَ زَمَانٍ"[٩٠].
  19. حكمة التقدير في الألوان التي خلقها الله في هذه الموجودات، كما ترى لون السماء أنسب لون مع عين الإنسان: "فَكِّرْ فِي لَوْنِ السَّمَاءِ ومَا فِيهِ مِنْ صَوَابِ التَّدْبِيرِ فَإِنَّ هَذَا اللَّوْنَ أَشَدُّ الْأَلْوَانِ مُوَافَقَةً لِلْبَصَرِ وتَقْوِيَةً حَتَّى إِنَّ مِنْ صِفَاتِ الْأَطِبَّاءِ لِمَنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ أَضَرَّ بِبَصَرِهِ إِدْمَانَ النَّظَرِ إِلَى الْخُضْرَةِ ومَا قَرُبَ مِنْهَا إِلَى السَّوَادِ وقَدْ وَصَفَ الْحُذَّاقُ مِنْهُمْ لِمَنْ كَلَّ بَصَرُهُ الْإِطْلَاعَ فِي إِجَّانَةٍ[٩١] خَضْرَاءَ مَمْلُوَّةٍ مَاءً فَانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ اللَّهُ جَلَّ وتَعَالَى أَدِيمَ السَّمَاءِ بِهَذَا اللَّوْنِ الْأَخْضَرِ إِلَى السَّوَادِ لِيُمْسِكَ الْأَبْصَارَ الْمُنْقَلِبَةَ عَلَيْهِ فَلَا يَنْكِيَ فِيهَا بِطُولِ مُبَاشَرَتِهَا لَهُ فَصَارَ هَذَا الَّذِي أَدْرَكَهُ النَّاسُ بِالْفِكْرِ والرَّوِيَّةِ والتَّجَارِبِ يُوجَدُ مَفْرُوغاً مِنْهُ فِي الْخِلْقَةِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ لِيَعْتَبِرَ بِهَا الْمُعْتَبِرُونَ ويُفَكِّرَ فِيهَا الْمُلْحِدُونَ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ"[٩٢].
  20. عجائب الصنعة، وعلمية الخلقة في جميع الموجودات في هذا الكون في سماوات والأرضين بكواكبها وأشجارها وأعشابها والحر والبرد والصيف والشتاء وجميع الموجودات حيث فيها عبرةٌ لمن فكّر، ودلالة على من دَبَّر، وآية العلم الخالق الحكيم: "فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي مَقَادِيرِ النَّهَارِ واللَّيْلِ كَيْفَ وَقَعَتْ عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ هَذَا الْخَلْقِ فَصَارَ مُنْتَهَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا امْتَدَّ إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ سَاعَةً لَا يُجَاوِزُ ذَلِكَ أَ فَرَأَيْتَ لَوكَانَ النَّهَارُ يَكُونُ مِقْدَارُهُ مِائَةَ سَاعَةٍ أَومِائَتَيْ سَاعَةٍ أَ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ بَوَارُ[٩٣] كُلِّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ حَيَوَانٍ ونَبَاتٍ؟ أَمَّا الْحَيَوَانُ فَكَانَ لَا يَهْدَأُ ولَا يَقِرُّ طُولَ هَذِهِ الْمُدَّةِ ولَا الْبَهَائِمُ كَانَتْ تُمْسِكُ عَنِ الرَّعْيِ لَودَامَ لَهَا ضَوْءُ النَّهَارِ ولَا الْإِنْسَانُ كَانَ يَفْتُرُ عَنِ الْعَمَلِ والْحَرَكَةِ وكَانَ ذَلِكَ سَيُهْلِكُهَا أَجْمَعَ ويُؤَدِّيهَا إِلَى التَّلَفِ. وأَمَّا النَّبَاتُ فَكَانَ يَطُولُ عَلَيْهِ حَرُّ النَّهَارِ ووَهْجُ الشَّمْسِ حَتَّى يَجِفَّ ويَحْتَرِقَ وكَذَلِكَ اللَّيْلُ لَوامْتَدَّ مِقْدَارُ هَذِهِ الْمُدَّةِ كَانَ يَعُوقُ أَصْنَافَ الْحَيَوَانِ عَنِ الْحَرَكَةِ والتَّصَرُّفِ فِي طَلَبِ الْمَعَاشِ حَتَّى تَمُوتَ جُوعاً وتَخْمُدُ الْحَرَارَةُ الطَّبِيعِيَّةُ مِنَ النَّبَاتِ حَتَّى يَعْفَنَ ويَفْسُدَ كَالَّذِي تَرَاهُ يَحْدُثُ عَلَى النَّبَاتِ إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ. اعْتَبِرْ بِهَذِهِ الْحَرِّ والْبَرْدِ كَيْفَ يَتَعَاوَرَانِ[٩٤] الْعَالَمَ ويَتَصَرَّفَانِ هَذَا التَّصَرُّفَ مِنَ الزِّيَادَةِ والنُّقْصَانِ والِاعْتِدَالِ لِإِقَامَةِ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الْأَرْبَعَةِ مِنَ السَّنَةِ ومَا فِيهِمَا مِنَ الْمَصَالِحِ ثُمَّ هُمَا بَعْدَ دِبَاغِ الْأَبْدَانِ الَّتِي عَلَيْهَا بَقَاؤُهُا وفِيهَا صَلَاحُهَا فَإِنَّهُ لَولَا الْحَرُّ والْبَرْدُ وتَدَاوُلُهُمَا الْأَبْدَانَ لَفَسَدَتْ وأَخْوَتْ وانْتَكَثَتْ[٩٥]. فَكِّرْ فِي دُخُولِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِهَذَا التَّدْرِيجِ والتَّرَسُّلِ فَإِنَّكَ تَرَى أَحَدَهُمَا يَنْقُصُ شَيْئاً بَعْدَ شَيْءٍ والْآخَرَ يَزِيدُ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْتَهَاهُ فِي الزِّيَادَةِ والنُّقْصَانِ ولَوكَانَ دُخُولُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى مُفَاجَأَةً لَأَضَرَّ ذَلِكَ بِالْأَبْدَانِ وأَسْقَمَهَا كَمَا أَنَّ أَحَدَكُمْ لَوخَرَجَ مِنْ حَمَّامٍ حَارٍّ إِلَى مَوْضِعِ الْبُرُودَةِ لَضَرَّهُ ذَلِكَ وأَسْقَمَ بَدَنَهُ فَلِمَ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذَا التَّرَسُّلَ فِي الْحَرِّ والْبَرْدِ إِلَّا لِلسَّلَامَةِ مِنْ ضَرَرِ الْمُفَاجَأَةِ ولِمَ جَرَى الْأَمْرُ عَلَى مَا فِيهِ السَّلَامَةُ مِنْ ضَرِّ الْمُفَاجَأَةِ لَولَا التَّدْبِيرُ فِي ذَلِكَ؟ فَإِنْ زَعَمَ زَاعِمٌ أَنَّ هَذَا التَّرَسُّلَ فِي دُخُولِ الْحَرِّ والْبَرْدِ إِنَّمَا يَكُونُ لِإِبْطَاءِ مَسِيرِ الشَّمْسِ فِي الِارْتِفَاعِ والِانْحِطَاطِ سُئِلَ عَنِ الْعِلَّةِ فِي إِبْطَاءِ مَسِيرِ الشَّمْسِ فِي ارْتِفَاعِهَا وانْحِطَاطِهَا فَإِنِ اعْتَلَّ فِي الْإِبْطَاءِ بِبُعْدِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقَيْنِ[٩٦] سُئِلَ عَنِ الْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ فَلَا تَزَالُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَرْقَى مَعَهُ إِلَى حَيْثُ رَقِيَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ حَتَّى اسْتَقَرَّ عَلَى الْعَمْدِ والتَّدْبِيرِ لَولَا الْحَرُّ لَمَا كَانَتِ الثِّمَارُ الْجَاسِيَةُ الْمُرَّةُ تَنْضَجُ فَتَلِينُ وتَعْذُبُ حَتَّى يُتَفَكَّهَ بِهَا رَطْبَةً ويَابِسَةً ولَولَا الْبَرْدُ لَمَا كَانَ الزَّرْعُ يُفْرِخُ هَكَذَا ويَرِيعُ الرَّيْعَ الْكَثِيرَ الَّذِي يَتَّسِعُ لِلْقُوتِ ومَا يُرَدُّ فِي الْأَرْضِ لِلْبَذْرِ أَ فَلَا تَرَى مَا فِي الْحَرِّ والْبَرْدِ مِنْ عَظِيمِ الْغِنَاءِ والْمَنْفَعَةِ وكِلَاهُمَا مَعَ غِنَائِهِ والْمَنْفَعَةِ فِيهِ يُؤْلِمُ الْأَبْدَانَ ويَمَضُّهَا. وفِي ذَلِكَ عِبْرَةٌ لِمَنْ فَكَّرَ ودَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَكِيمِ فِي مَصْلَحَةِ الْعَالَمِ ومَا فِيهِ"[٩٧].
  21. عجائب الصنع في المعادن وما يستخرج منها: "فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي هَذِهِ الْمَعَادِنِ ومَا يُخْرَجُ مِنْهَا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُخْتَلِفَةِ مِثْلِ الْجِصِّ والْكِلْسِ[٩٨] والْجِبْسِ[٩٩] والزَّرَانِيخِ[١٠٠] والْمَرْتَكِ[١٠١] والقونيا[١٠٢] [التُّوتِيَاءِ] والزِّئْبَقِ[١٠٣] والنُّحَاسِ والرَّصَاصِ والْفِضَّةِ والذَّهَبِ والزَّبَرْجَدِ والْيَاقُوتِ والزُّمُرُّدِ وضُرُوبِ الْحِجَارَةِ وكَذَلِكَ مَا يُخْرَجُ مِنْهَا مِنَ الْقَارِ والْمُومِيَا والْكِبْرِيتِ والنِّفْطِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَسْتَعْمِلُهُ النَّاسُ فِي مَآرِبِهِمْ فَهَلْ يَخْفَى عَلَى ذِي عَقْلٍ أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا ذَخَائِرُ ذُخِرَتْ لِلْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ لِيَسْتَخْرِجَهَا فَيَسْتَعْمِلَهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا ثُمَّ قَصُرَتْ حِيلَةُ النَّاسِ عَمَّا حَاوَلُوا مِنْ صَنْعَتِهَا عَلَى حِرْصِهِمْ واجْتِهَادِهِمْ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ لَوظَفِرُوا بِمَا حَاوَلُوا مِنْ هَذَا الْعِلْمِ كَانَ لَا مَحَالَةَ سَيَظْهَرُ ويَسْتَفِيضُ فِي الْعَالَمِ حَتَّى تَكْثُرَ الذَّهَبُ والْفِضَّةُ ويَسْقُطَا عِنْدَ النَّاسِ فَلَا يَكُونَ لَهُمَا قِيمَةٌ ويَبْطُلَ الِانْتِفَاعُ بِهِمَا فِي الشِّرَاءِ والْبَيْعِ والْمُعَامَلَاتِ ولَا كَانَ يَجْبِي السُّلْطَانُ الْأَمْوَالَ ولَا يَدَّخِرُهُمَا أَحَدٌ لِلْأَعْقَابِ وقَدْ أُعْطِيَ النَّاسُ مَعَ هَذَا صَنْعَةَ الشَّبَهِ[١٠٤] مِنَ النُّحَاسِ والزُّجَاجِ مِنَ الرَّمْلِ والْفِضَّةِ مِنَ الرَّصَاصِ والذَّهَبِ مِنَ الْفِضَّةِ وأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ. فَانْظُرْ كَيْفَ أُعْطُوا إِرَادَتَهُمْ فِيمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ ومُنِعُوا ذَلِكَ فِيمَا كَانَ ضَارّاً لَهُمْ لَونَالُوهُ ومَنْ أَوْغَلَ فِي الْمَعَادِنِ انْتَهَى إِلَى وَادٍ عَظِيمٍ يَجْرِي مُنْصَلِتاً بِمَاءٍ غَزِيرٍ لَا يُدْرَكُ غَوْرُهُ ولَا حِيلَةَ فِي عُبُورِهِ ومِنْ وَرَائِهِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ مِنَ الْفِضَّةِ. تَفَكَّرِ الْآنَ فِي هَذَا مِنْ تَدْبِيرِ الْخَالِقِ الْحَكِيمِ فَإِنَّهُ أَرَادَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يُرِيَ الْعِبَادَ قُدْرَتَهُ وسَعَةَ خَزَائِنِهِ لِيَعْلَمُوا أَنَّهُ لَوشَاءَ أَنْ يَمْنَحَهُمْ كَالْجِبَالِ مِنَ الْفِضَّةِ لَفَعَلَ لَكِنْ لَا صَلَاحَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوكَانَ فَيَكُونُ فِيهَا كَمَا ذَكَرْنَا سُقُوطُ هَذَا الْجَوْهَرِ عِنْدَ النَّاسِ وقِلَّةُ انْتِفَاعِهِمْ بِهِ واعْتَبِرْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ الشَّيْءُ الطَّرِيفُ مِمَّا يُحْدِثُهُ النَّاسُ مِنَ الْأَوَانِي والْأَمْتِعَةِ فَمَا دَامَ عَزِيزاً قَلِيلًا فَهُونَفِيسٌ جَلِيلٌ آخِذُ الثَّمَنِ فَإِذَا فَشَا وكَثُرَ فِي أَيْدِي النَّاسِ سَقَطَ عِنْدَهُمْ وخَسَتْ قِيمَتُهُ ونَفَاسَةُ الْأَشْيَاءِ مِنْ عِزَّتِهَا"[١٠٥].
  22. عجائب الخلقة في تركيب النخلة: "فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي النَّخْلِ فَإِنَّهُ لَمَّا صَارَ فِيهِ إِنَاثٌ يَحْتَاجُ إِلَى التَّلْقِيحِ[١٠٦] جُعِلَتْ فِيهِ ذُكُورَةٌ لِلِّقَاحِ مِنْ غَيْرِ غِرَاسٍ فَصَارَ الذَّكَرُ مِنَ النَّخْلِ بِمَنْزِلَةِ الذَّكَرِ مِنَ الْحَيَوَانِ الَّذِي يُلْقِحُ الْإِنَاثَ لِتَحْمِلَ وهُولَا يَحْمِلُ. تَأَمَّلْ خِلْقَةَ الْجِذْعِ[١٠٧] كَيْفَ هُوفَإِنَّكَ تَرَاهُ كَالْمَنْسُوجِ نَسْجاً مِنْ غَيْرِ خُيُوطٍ مَمْدُودَةٍ كَالسَّدَى وأُخْرَى مَعَهُ مُعْتَرِضَةٌ كَاللُّحْمَةِ كَنَحْومَا يُنْسَجُ بِالْأَيْدِي وذَلِكَ لِيَشْتَدَّ ويَصْلُبَ ولَا يَنْقَصِفَ مِنْ حَمْلِ الْقِنْوَانِ الثَّقِيلَةِ وهَزِّ الرِّيَاحِ الْعَوَاصِبِ إِذَا صَارَ نَخْلَةً ولِيَتَهَيَّأَ لِلسُّقُوفِ والْجُسُورِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُتَّخَذُ مِنْهُ إِذَا صَارَ جِذْعاً. وكَذَلِكَ تَرَى الْخَشَبَ مِثْلَ النَّسْجِ فَإِنَّكَ تَرَى بَعْضَهُ مُدَاخِلًا بَعْضاً طُولًا وعَرْضاً كَتَدَاخُلِ أَجْزَاءِ اللُّحَمِ وفِيهِ مَعَ ذَلِكَ مَتَانَةٌ لِيَصْلُحَ لِمَا يُتَّخَذُ مِنْهُ مِنَ الْآلَاتِ فَإِنَّهُ لَوكَانَ مُسْتَحْصَفاً[١٠٨]كَالْحِجَارَةِ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي السُّقُوفِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الْخَشَبَةُ كَالْأَبْوَابِ والْأَسِرَّةِ والتَّوَابِيتِ[١٠٩] ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. ومِنْ جَسِيمِ الْمَصَالِحِ فِي الْخَشَبِ أَنَّهُ يَطْفُوعَلَى الْمَاءِ فَكُلُّ النَّاسِ يَعْرِفُ هَذَا مِنْهُ ولَيْسَ كُلُّهُمْ يَعْرِفُ جَلَالَةَ الْأَمْرِ فِيهِ فَلَولَا هَذِهِ الْخَلَّةُ كَيْفَ كَانَتْ هَذِهِ السُّفُنُ والْأَظْرَافُ[١١٠] تَحْمِلُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ مِنَ الْحَمُولَةِ وأَنَّى كَانَ يَنَالُ النَّاسُ هَذَا الْوَفْقَ وخِفَّةَ الْمَئُونَةِ فِي حَمْلِ التِّجَارَاتِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وكَانَتْ تَعْظُمُ الْمَئُونَةُ عَلَيْهِمْ فِي حَمْلِهَا حَتَّى يُلْقَى كَثِيرٌ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ مَفْقُوداً أَصْلًا أَوعُسْراً وُجُودُهُ"[١١١].
  23. عجائب الخلقة في العقاقير وما خصّ بها كلّ واحد منها من دواء في رفع داء: "فَكِّرْ فِي هَذِهِ الْعَقَاقِيرِ[١١٢] ومَا خُصَّ بِهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مِنَ الْعَمَلِ فِي بَعْضِ الْأَدْوَاءِ فَهَذَا يَغُورُ فِي الْمَفَاصِلِ فَيَسْتَخْرِجُ الْفُضُولَ الْغَلِيظَةَ مِثْلَ الشَّيْطَرَجِ[١١٣] وهَذَا يَنْزِفُ الْمِرَّةَ السَّوْدَاءَ مِثْلَ الْأَفْتِيمُونِ[١١٤] وهَذَا يَنْفِي الرِّيَاحَ مِثْلَ السَّكْبِينَجِ[١١٥] وهَذَا يُحَلِّلُ الْأَوْرَامَ وأَشْبَاهِ هَذَا مِنْ أَفْعَالِهَا فَمَنْ جَعَلَ هَذِهِ الْقُوَى فِيهَا إِلَّا مَنْ خَلَقَهَا لِلْمَنْفَعَةِ؟ ومَنْ فَطَّنَ النَّاسَ بِهَا إِلَّا مَنْ جَعَلَ هَذَا فِيهَا؟ ومَتَى كَانَ يُوقَفُ عَلَى هَذَا مِنْهَا بِالْعَرَضِ والِاتِّفَاقِ كَمَا قَالَ قَائِلُونَ وهَبِ الْإِنْسَانُ فَطَنَ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِذِهْنِهِ ولَطِيفِ رَوِيَّتِهِ وتَجَارِبِهِ فَالْبَهَائِمُ كَيْفَ فَطَنَتْ لَهَا حَتَّى صَارَ بَعْضُ السِّبَاعِ يَتَدَاوَى مِنْ جِرَاحَةٍ إِنْ أَصَابَتْهُ بِبَعْضِ الْعَقَاقِيرِ فَيَبْرَأُ وبَعْضُ الطَّيْرِ يَحْتَقِنُ مِنَ الْحُصْرِ يُصِيبُهُ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَيَسْلَمُ وأَشْبَاهُ هَذَا كَثِيرٌ. ولَعَلَّكَ تُشَكِّكُ فِي هَذَا النَّبَاتِ النَّابِتِ فِي الصَّحَارِي والْبَرَارِي حَيْثُ لَا أُنْسَ ولَا أَنِيسَ فَتَظُنُّ أَنَّهُ فَضْلٌ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوطُعْمٌ لِهَذِهِ الْوُحُوشِ وحَبُّهُ عَلَفٌ لِلطَّيْرِ وعُودُهُ وأَفْنَانُهُ حَطَبٌ فَيَسْتَعْمِلُهُ النَّاسُ وفِيهِ بَعْدُ أَشْيَاءُ تُعَالَجُ بِهِ الْأَبْدَانُ وأُخْرَى تُدْبَغُ بِهِ الْجُلُودُ وأُخْرَى تُصْبَغُ بِهِ الْأَمْتِعَةُ وأَشْبَاهُ هَذَا مِنَ الْمَصَالِحِ. أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ أَخَسَّ النَّبَاتِ وأَحْقَرَهُ هَذَا الْبَرْدِيُّ[١١٦] ومَا أَشْبَهَهَا فَفِيهَا مَعَ هَذَا مِنْ ضُرُوبِ الْمَنَافِعِ فَقَدْ يُتَّخَذُ مِنَ الْبَرْدِيِّ الْقَرَاطِيسُ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الْمُلُوكُ والسُّوقَةُ والْحُصُرُ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا كُلُّ صِنْفٍ مِنَ النَّاسِ ولَيُعْمَلُ مِنْهُ الْغُلُفُ الَّتِي يُوقَى بِهَا الْأَوَانِي ويُجْعَلُ حَشْواً بَيْنَ الظُّرُوفِ فِي الْأَسْفَاطِ لِكَيْلَا تَعِيبَ وتَنْكَسِرَ وأَشْبَاهُ هَذَا مِنَ الْمَنَافِعِ"[١١٧].

وهذه الآيات الجليلة تنبئ بصدقٍ وتدل بحق على أنّ الله تعالى الذي خلقها وصنعها عليم حكيم أحكم وأتقن جزئياتها وكلياتها ودقائق صنعتها وخلقتها.

وعليه فلا يمكن المساعدة مع قول الحكماء بنفي العلم بالجزئيات عن الله تعالى، بناءاً منهم على أنّ علم الله تعالى حصوليٌّ، كما تلاحظ نقله عنهم في البحار[١١٨].

فانّه يردّهم العموميّة الوضعيّة المفيدة علم الله تعالى بكل شيء في قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[١١٩].

فقد أخبر تعالى وهوالصادق المصدق، والحق المطلق، بأنّه عالم بجميع الأشياء، فعلمه إحاطيٌ حضوريّ يعلم جميع الأشياء، كليها وجزئيّها.

كما لا يمكن أيضاً قبول قول الشيخ الرئيس ابن سينا، باستحالة تعلّق علمه تعالى بالمفاهيم، تمسكاً بأنّه لابدّ للمفاهيم من وجود خارجيّ أوذهنيّ والكل محال كما نقله عنه في مجمع البحرين[١٢٠].

فإنّه يردّه أنّ هذه اللابدية إنما تكون في المخلوقين حيث يكون علمهم محدوداً وعارضاً عليهم، فلا يتقوم إلا بأن تكون المفاهيم موجودةً حتى يتعلّق العلم بها بوجود خارجي أوذهني. لا في الخالق العليم الذي يكون علمه عين ذاته، وعلمه بجميع الأشياء قبل حدوثها كعلمه بها بعد حدوثها، كما يوضّحه الحديث التالي الذي رواه ثقة الأسلام الكليني بسنده عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله(ع) يقول: "لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ رَبَّنَا والْعِلْمُ ذَاتُهُ ولَا مَعْلُومَ والسَّمْعُ ذَاتُهُ ولَا مَسْمُوعَ والْبَصَرُ ذَاتُهُ ولَا مُبْصَرَ والْقُدْرَةُ ذَاتُهُ ولَا مَقْدُورَ فَلَمَّا أَحْدَثَ الْأَشْيَاءَ وكَانَ الْمَعْلُومُ وَقَعَ الْعِلْمُ مِنْهُ عَلَى الْمَعْلُومِ والسَّمْعُ عَلَى الْمَسْمُوعِ والْبَصَرُ عَلَى الْمُبْصَرِ والْقُدْرَةُ عَلَى الْمَقْدُورِ..."[١٢١].

كما لا يمكن أصلاً قبول قول الجبرية بأن العلم بالمعصية يصير سبباً لوقوعها بدعوى عدم تخلّف معصية عن ذلك العلم، لأنّه لوتخلَّفت لتبدل العلم جهلاً، كما في البيت الشعري المنسوب إلى الخيام.

فإنّه يردّه أنّ العلم ليس علةً أوسبباً للمعلوم، والثابت في علم الله تعالى هومعصية العبد لكن باختيار نفس العبد، وبسبب إرادته وبسوء اختياره.

فلا يكون العصيان بسبب علم الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وإنّما يكون العصيان باختيار نفس العبد العاصي.

فالله تعالى يعلم أنّ العبد سيختار المعصية، ويعلم أيضاً تبدّل عزمه من المعصية إلى الطاعة إذا انصرف عن العصيان. فعدم عصيان العبد لا يوجب تبدّل العلم إلى الجهل، كما توهّمه الخيّامي؛ لأنّ الله الذي أحاط بكلّ شيء علماً، يعلم جميع حالات العبد، طاعاته ومعصياته وعزماته وانصرافاته في جميع حركاته وسكناته، والله كارهٌ لعصيان عبده ولا بحبّ السوء لعبيده، فكيف يسبِّب عصيانهم أويجبرهم على المعصية؟!

الشرع والعقل يخالف هذا ويحكم بأن العلم من الله لا يسبب عصيان العبد، بل أنّ عصيان العبد بخيرة نفسه واختياره كما يستفاد من مثل قوله تعالى: مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا[١٢٢] وقوله تعالى: وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ[١٢٣].

وكما تلاحظ بيانه في أحاديث نفي الجبر والتفويض مثل:

  1. ما رواه يونس بن عبدالرحمن عن غير واحد، عن أبي جعفر وأبي عبد الله، قالا: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أَرْحَمُ بِخَلْقِهِ مِنْ أَنْ يُجْبِرَ خَلْقَهُ عَلَى الذُّنُوبِ ثُمَّ يُعَذِّبَهُمْ عَلَيْهَا واللَّهُ أَعَزُّ مِنْ أَنْ يُرِيدَ أَمْراً فَلَا يَكُونَ قَالَ فَسُئِلَا: هَلْ بَيْنَ الْجَبْرِ والْقَدَرِ مَنْزِلَةٌ ثَالِثَةٌ؟ قَالا نَعَمْ أَوْسَعُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ والْأَرْضِ"[١٢٤].
  2. حديث المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله(ع)، قال: "لَا جَبْرَ ولَا تَفْوِيضَ ولَكِنْ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَالَ قُلْتُ ومَا أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَالَ مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ رَأَيْتَهُ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَنَهَيْتَهُ فَلَمْ يَنْتَهِ فَتَرَكْتَهُ فَفَعَلَ تِلْكَ الْمَعْصِيَةَ فَلَيْسَ حَيْثُ لَمْ يَقْبَلْ مِنْكَ فَتَرَكْتَهُ أَنْتَ الَّذِي أَمَرْتَهُ بِالْمَعْصِيَةِ"[١٢٥].
  3. حديث الحسن بن علي الوشاء، عن أبي الحسن الرضا(ع)، قال: سألته فقلت له: "اللَّهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إِلَى الْعِبَادِ؟

قَالَ اللَّهُ أَعَزُّ مِنْ ذَلِكَ. قُلْتُ فَأَجْبَرَهُمْ عَلَى الْمَعَاصِي؟ قَالَ اللَّهُ أَعْدَلُ وأَحْكَمُ مِنْ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا أَوْلَى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ وأَنْتَ أَوْلَى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي عَمِلْتَ الْمَعَاصِيَ بِقُوَّتِيَ الَّتِي جَعَلْتُهَا فِيكَ"[١٢٦].

فالإنسان مختار في أفعاله، ولم يفوض إليه الأمر تفويضاً، ولم يكن عليه مجبوراً بل يصدر عنه اختياراً. وهذا أمرٌ واضحٌ نحسّه فيما نراه من المساوي التي قد يعلمها الخبير المحسن في فردٍ مسيء، مع بُغض ذلك الخبير لتلك المساوي، وردعه لصاحبها ونهيه عنها ومنعه عن فعلها.

فإنّه إذا ارتكب ذلك الفرد المسيء تلك المساوي بالرغم من نهيه وردعه، لا يشك العقل والعرف أن المقصر هوذلك الفرد العاصي الذي أساء العمل، لا الخبير الناهي الذي أراد الخير، فاختيار العاصي هوالسبب للعصيان دون علم العالم به، بل العالم منزَّه عنه.

وعلى الجملة فعلم الله تعالى محيط بكل الأشياء قاطبة، الكليات والجزئيات، الظواهر والخفيّات حتى خطرات النفس والمطويات، وهوكمالٌ وجمالٌ لذاته المتعالية المقدسة، فهوعالم بجميع الأشياء بدون لزوم محذورٍ أوشبهةٍ.

ولمعرفة علمه تعالى لاحظ بعد الآيات المباركات المائة التي أشرنا إلى بعضها في أول هذا البحث، أحاديث حججه وبيانات معادن حكمته الأئمة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين.

وإليك نبذةٌ منها، وأريجة من شذاها، رزقنا الله زيادة المعرفة بنورها، فلاحظ الأحاديث التالية:

  1. ما حدّث به أبوعلى القصاب، قال: كنت عند أبي عبد الله(ع)، فقلت: "الْحَمْدُ لِلَّهِ مُنْتَهَى عِلْمِهِ فَقَالَ لَا تَقُلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِعِلْمِهِ مُنْتَهًى"[١٢٧].
  2. حديث هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله(ع) قال: "الْعِلْمُ هُومِنْ كَمَالِهِ"[١٢٨].
  3. حديث "مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) قَالَ: قُلْتُ لَهُ أَ رَأَيْتَ مَا كَانَ ومَا هُوكَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَ لَيْسَ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَقَالَ: بَلَى قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضَ"[١٢٩].
  4. "الحديث الآخر لِمَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: سَأَلْتُهُ يَعْنِي أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع): هَلْ يَكُونُ الْيَوْمَ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ فِي عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؟ قَالَ: لَا بَلْ كَانَ فِي عِلْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُنْشِئَ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضَ"[١٣٠].
  5. حديث جابر، قال: قال أبوجعفر الباقر(ع): "إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَتْ أَسْمَاؤُهُ وتَعَالَى فِي عُلُوكُنْهِهِ أَحَدٌ تَوَحَّدَ بِالتَّوْحِيدِ فِي تَوْحِيدِهِ ثُمَّ أَجْرَاهُ عَلَى خَلْقِهِ فَهُوأَحَدٌ صَمَدٌ مَلِكٌ قُدُّوسٌ يَعْبُدُهُ كُلُّ شَيْءٍ ويَصْمِدُ إِلَيْهِ وفَوْقَ الَّذِي عَسَيْنَا أَنْ نَبْلُغَ رَبَّنَا- وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً"[١٣١].
  6. "حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ بَشَّارٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا(ع) قَالَ: سَأَلْتُهُ أَ يَعْلَمُ اللَّهُ الشَّيْءَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ أَنْ لَوكَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ أَولَا يَعْلَمُ إِلَّا مَا يَكُونُ؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوالْعَالِمُ بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ كَوْنِ الْأَشْيَاءِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[١٣٢] وقَالَ لِأَهْلِ النَّارِ- وَلَورُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ[١٣٣] فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أَنَّهُ لَورَدَّهُمْ لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ لَمَّا قَالُوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ[١٣٤] فَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عِلْمُهُ سَابِقاً لِلْأَشْيَاءِ قَدِيماً قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهَا فَتَبَارَكَ رَبُّنَا تَعَالَى عُلُوّاً كَبِيراً خَلَقَ الْأَشْيَاءَ وعِلْمُهُ بِهَا سَابِقٌ لَهَا كَمَا شَاءَ كَذَلِكَ لَمْ يَزَلْ رَبُّنَا عَلِيماً سَمِيعاً بَصِيراً"[١٣٥].
  7. حديث "عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع) عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى: أَ كَانَ يَعْلَمُ الْمَكَانَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْمَكَانَ أَمْ عَلِمَهُ عِنْدَ مَا خَلَقَهُ وبَعْدَ مَا خَلَقَهُ؟ فَقَالَ: تَعَالَى اللَّهُ بَلْ لَمْ يَزَلْ عَالِماً بِالْمَكَانِ قَبْلَ تَكْوِينِهِ كَعِلْمِهِ بِهِ بَعْدَ مَا كَوَّنَهُ وكَذَلِكَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ كَعِلْمِهِ بِالْمَكَانِ"[١٣٦].
  8. حديث "مَنْصُورٍ الصَّيْقَلِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عِلْمٌ لَا جَهْلَ فِيهِ حَيَاةٌ لَا مَوْتَ فِيهِ نُورٌ لَا ظُلْمَةَ فِيهِ"[١٣٧].
  9. حديث "ابْنِ سِنَانٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى عِلْماً خَاصّاً وعِلْماً عَامّاً فَأَمَّا الْعِلْمُ الْخَاصُ فَالْعِلْمُ الَّذِي لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ مَلَائِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ وأَنْبِيَاءَهُ الْمُرْسَلِينَ وأَمَّا عِلْمُهُ الْعَامُّ فَإِنَّهُ عِلْمُهُ الَّذِي أَطْلَعَ عَلَيْهِ مَلَائِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ وأَنْبِيَاءَهُ الْمُرْسَلِينَ وقَدْ وَقَعَ إِلَيْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)"[١٣٨].
  10. حديث "عَبْدِ الْأَعْلَى عَنِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ(ع)، قَالَ: عِلْمُ اللَّهِ لَا يُوصَفُ مِنْهُ بِأَيْنٍ ولَا يُوصَفُ الْعِلْمُ مِنَ اللَّهِ بِكَيْفٍ ولَا يُفْرَدُ الْعِلْمُ مِنَ اللَّهِ ولَا يُبَانُ اللَّهُ مِنْهُ ولَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ عِلْمِهِ حَدٌّ"[١٣٩].
  11. حديث "هَارُونَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: سُئِلَ أَبُوعَبْدِ اللَّهِ(ع) عَنِ التَّوْحِيدِ فَقَالَ: هُوعَزَّ وجَلَّ مُثْبَتٌ مَوْجُودٌ لَا مُبْطَلٌ ولَا مَعْدُودٌ ولَا فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ ولَهُ عَزَّ وجَلَّ نُعُوتٌ وصِفَاتٌ فَالصِّفَاتُ لَهُ وأَسْمَاؤُهَا جَارِيَةٌ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ مِثْلُ السَّمِيعِ والْبَصِيرِ والرَّءُوفِ والرَّحِيمِ وأَشْبَاهِ ذَلِكَ والنُّعُوتُ نُعُوتُ الذَّاتِ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِاللَّهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى واللَّهُ نُورٌ لَا ظَلَامَ فِيهِ وحَيٌّ لَا مَوْتَ لَهُ وعَالِمٌ لَا جَهْلَ فِيهِ وصَمَدٌ لَا مَدْخَلَ فِيهِ رَبُّنَا نُورِيُّ الذَّاتِ حَيُّ الذَّاتِ عَالِمُ الذَّاتِ صَمَدِيُّ الذَّاتِ"[١٤٠].
  12. حديث "أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ الْأَحْمَرِ قَالَ: قُلْتُ لِلصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع): أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى لَمْ يَزَلْ سَمِيعاً بَصِيراً عَلِيماً قَادِراً؟ قَالَ نَعَمْ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ رَجُلًا يَنْتَحِلُ مُوَالاتَكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى لَمْ يَزَلْ سَمِيعاً بِسَمْعٍ وبَصِيراً بِبَصَرٍ وعَلِيماً بِعِلْمٍ وقَادِراً بِقُدْرَةٍ فَغَضِبَ(ع) ثُمَّ قَالَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ودَانَ بِهِ فَهُومُشْرِكٌ ولَيْسَ مِنْ وَلَايَتِنَا عَلَى شَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى ذَاتٌ عَلَّامَةٌ سَمِيعَةٌ بَصِيرَةٌ قَادِرَةٌ"[١٤١].
  13. حديث "صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ(ع) أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِرَادَةِ مِنَ اللَّهِ ومِنَ الْمَخْلُوقِ؟ قَالَ: فَقَالَ: الْإِرَادَةُ مِنَ الْمَخْلُوقِ الضَّمِيرُ ومَا يَبْدُولَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْفِعْلِ وأَمَّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَإِرَادَتُهُ إِحْدَاثُهُ لَا غَيْرُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُرَوِّي ولَا يَهُمُّ ولَا يَتَفَكَّرُ وهَذِهِ الصِّفَاتُ مَنْفِيَّةٌ عَنْهُ وهِيَ مِنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ فَإِرَادَةُ اللَّهِ هِيَ الْفِعْلُ لَا غَيْرُ ذَلِكَ- يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بِلَا لَفْظٍ ولَا نُطْقٍ بِلِسَانٍ ولَا هِمَّةٍ ولَا تَفَكُّرٍ ولَا كَيْفَ لِذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ بِلَا كَيْفٍ"[١٤٢].
  14. حديث "هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ فِي حَدِيثِ الزِّنْدِيقِ الَّذِي سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع) أَنَّهُ قَالَ لَهُ أَ تَقُولُ إِنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ؟ فَقَالَ أَبُوعَبْدِ اللَّهِ(ع): هُوسَمِيعٌ بَصِيرٌ سَمِيعٌ بِغَيْرِ جَارِحَةٍ وبَصِيرٌ بِغَيْرِ آلَةٍ بَلْ يَسْمَعُ بِنَفْسِهِ ويُبْصِرُ بِنَفْسِهِ ولَيْسَ قَوْلِي إِنَّهُ يَسْمَعُ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ شَيْءٌ والنَّفْسُ شَيْءٌ آخَرُ ولَكِنِّي أَرَدْتُ عِبَارَةً عَنْ نَفْسِي إِذْ كُنْتُ مَسْئُولًا وإِفْهَاماً لَكَ إِذْ كُنْتَ سَائِلًا فَأَقُولُ: يَسْمَعُ بِكُلِّهِ لَا أَنَّ كُلَّهُ لَهُ بَعْضٌ ولَكِنِّي أَرَدْتُ إِفْهَامَكَ والتَّعْبِيرُ عَنْ نَفْسِي ولَيْسَ مَرْجِعِي فِي ذَلِكَ إِلَّا إِلَى أَنَّهُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الْعَالِمُ الْخَبِيرُ بِلَا اخْتِلَافِ الذَّاتِ ولَا اخْتِلَافِ الْمَعْنَى"[١٤٣].
  15. حديث "مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَانَ اللَّهُ ولَا شَيْءَ غَيْرُهُ ولَمْ يَزَلْ عَالِماً بِمَا كَوَّنَ فَعِلْمُهُ بِهِ قَبْلَ كَوْنِهِ كَعِلْمِهِ بِهِ بَعْدَ مَا كَوَّنَهُ"[١٤٤].
  16. حديث "أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ(ع) يَسْأَلُهُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أَ كَانَ يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ أَنْ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ وكَوَّنَهَا أَولَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ حَتَّى خَلَقَهَا وأَرَادَ خَلْقَهَا وتَكْوِينَهَا فَعَلِمَ مَا خَلَقَ عِنْدَ مَا خَلَقَ ومَا كَوَّنَ عِنْدَ مَا كَوَّنَ فَوَقَّعَ(ع) بِخَطِّهِ: لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَالِماً بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْأَشْيَاءَ كَعِلْمِهِ بِالْأَشْيَاءِ بَعْدَ مَا خَلَقَ الْأَشْيَاءَ"[١٤٥].
  17. حديث "هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) فَقَالَ لِي: أَ تَنْعَتُ اللَّهَ؟ فَقُلْتُ نَعَمْ. قَالَ: هَاتِ. فَقُلْتُ هُوالسَّمِيعُ الْبَصِيرُ. قَالَ هَذِهِ صِفَةٌ يَشْتَرِكُ فِيهَا الْمَخْلُوقُونَ[١٤٦]. قُلْتُ فَكَيْفَ تَنْعَتُهُ؟ فَقَالَ: هُونُورٌ لَا ظُلْمَةَ فِيهِ وحَيَاةٌ لَا مَوْتَ فِيهِ وعِلْمٌ لَا جَهْلَ فِيهِ وحَقٌّ لَا بَاطِلَ فِيهِ فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ وأَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالتَّوْحِيدِ"[١٤٧].
  18. حديث "بُكَيْرِ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع): عِلْمُ اللَّهِ ومَشِيَّتُهُ هُمَا مُخْتَلِفَانِ أَمْ مُتَّفِقَانِ؟ فَقَالَ: الْعِلْمُ لَيْسَ هُوالْمَشِيَّةُ أَ لَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ولَا تَقُولُ سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ عَلِمَ اللَّهُ فَقَوْلُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشَأْ فَإِذَا شَاءَ كَانَ الَّذِي شَاءَ كَمَا شَاءَ وعِلْمُ اللَّهِ سَابِقٌ لِلْمَشِيَّةِ"[١٤٨].
  19. حديث "مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى[١٤٩] قَالَ: السِّرُّ مَا كَتَمْتَهُ فِي نَفْسِكَ وأَخْفَى مَا خَطَرَ بِبَالِكَ ثُمَّ أُنْسِيتَهُ"[١٥٠].
  20. حديث "عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلَمَةَ الْحَرِيرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع) عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ[١٥١] فَقَالَ: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى الشَّيْءِ وكَأَنَّهُ لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَذَلِكَ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ"[١٥٢].
  21. حديث تفسير القمي في قوله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[١٥٣]. "قَالَ الصَّادِقُ(ع): هَذِهِ الْخَمْسَةُ أَشْيَاءَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وهِيَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ"[١٥٤].
  22. في نهج البلاغة: "مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ(ع): يَعْلَمُ عَجِيجَ الْوُحُوشِ فِي الْفَلَوَاتِ ومَعَاصِيَ الْعِبَادِ فِي الْخَلَوَاتِ واخْتِلَافَ النِّينَانِ فِي الْبِحَارِ الْغَامِرَاتِ وتَلَاطُمَ الْمَاءِ بِالرِّيَاحِ الْعَاصِفَاتِ"[١٥٥].
  23. حديث "ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فِي قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ[١٥٦] فَقَالَ: الْغَيْبُ مَا لَمْ يَكُنْ والشَّهَادَةُ مَا قَدْ كَانَ"[١٥٧].
  24. حديث "الْهَرَوِيِّ قَالَ: قَالَ الْمَأْمُونُ الرِّضَا(ع) فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا[١٥٨]. فَقَالَ(ع): إِنَّهُ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ خَلْقَهُ لِيَبْلُوَهُمْ بِتَكْلِيفِ طَاعَتِهِ وعِبَادَتِهِ لَا عَلَى سَبِيلِ الِامْتِحَانِ والتَّجْرِبَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَلِيماً بِكُلِّ شَيْءٍ"[١٥٩].
  25. حديث "أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع) فِي قَوْلِهِ: سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ[١٦٠] السِّرُّ والْعَلَانِيَةُ عِنْدَهُ سَوَاءٌ وقَوْلُهُ وَمَنْ هُومُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ[١٦١] أَيْ مُسْتَخْفٍ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ. وقَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ[١٦٢] يَعْنِي تَحْتَ الْأَرْضِ فَذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وَاحِدٌ يَعْلَمُهُ"[١٦٣].
  26. حديث "مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا(ع): هَلْ كَانَ اللَّهُ عَارِفاً بِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ يَرَاهَا ويَسْمَعُهَا؟ قَالَ مَا كَانَ مُحْتَاجاً إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْأَلُهَا ولَا يَطْلُبُ مِنْهَا هُونَفْسُهُ ونَفْسُهُ هُوقُدْرَتُهُ نَافِذَةٌ فَلَيْسَ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُسَمِّيَ نَفْسَهُ ولَكِنَّهُ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ أَسْمَاءً لِغَيْرِهِ يَدْعُوهُ بِهَا لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُدْعَ بِاسْمِهِ لَمْ يُعْرَفْ. فَأَوَّلُ مَا اخْتَارَ لِنَفْسِهِ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ لِأَنَّهُ أَعْلَى الْأَسْمَاءِ كُلِّهَا فَمَعْنَاهُ اللَّهُ واسْمُهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ هُوأَوَّلُ أَسْمَائِهِ لِأَنَّهُ عَلِيٌّ عَلَا كُلَّ شَيْءٍ"[١٦٤].
  27. حديث "حَفْصٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ[١٦٥]. قَالَ: عِلْمُهُ"[١٦٦].
  28. حديث "الْبَرْقِيِّ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ أَبُوعَبْدِ اللَّهِ(ع): إِنَّ لِلَّهِ عِلْمَيْنِ عِلْمٌ تَعْلَمُهُ مَلَائِكَتُهُ ورُسُلُهُ وعِلْمٌ لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ فَمَا كَانَ مِمَّا يَعْلَمُهُ مَلَائِكَتُهُ ورُسُلُهُ فَنَحْنُ نَعْلَمُهُ ومَا خَرَجَ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ غَيْرُهُ فَإِلَيْنَا يَخْرُجُ"[١٦٧].
  29. حديث "دَاوُدَ الرَّقِّيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ[١٦٨]. قَالَ: إِنَّ اللَّهَ هُوأَعْلَمُ بِمَا هُومُكَوِّنُهُ قَبْلَ أَنْ يُكَوِّنَهُ وهُمْ ذَرٌّ وعَلِمَ مَنْ يُجَاهِدُ مِمَّنْ لَا يُجَاهِدُ كَمَا عَلِمَ أَنَّهُ يُمِيتُ خَلْقَهُ قَبْلَ أَنْ يُمِيتَهُمْ ولَمْ يُرِهِمْ مَوْتَى وهُمْ أَحْيَاءٌ"[١٦٩].
  30. حديث "الْحُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ[١٧٠]. فَقَالَ: الْوَرَقُ السِّقْطُ يَسْقُطُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُهِلَّ الْوَلَدُ[١٧١]. قَالَ فَقُلْتُ وقَوْلُهُ وَلَا حَبَّةٍ؟ قَالَ يَعْنِي الْوَلَدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ إِذَا أَهَلَّ ويَسْقُطُ مِنْ قَبْلِ الْوِلَادَةِ. قَالَ: قُلْتُ قَوْلُهُ وَلَا رَطْبٍ؟قَالَ: يَعْنِي الْمُضْغَةَ إِذَا اسْتَكَنَّتْ فِي الرَّحِمِ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ خَلْقُهَا قَبْلَ أَنْ يَنْتَقِلَ. قَالَ قَوْلُهُ وَلَا يَابِسٍ؟ قَالَ: الْوَلَدُ التَّامُّ. قَالَ: قُلْتُ: فِي كِتَابٍ مُبِينٍ؟ قَالَ: فِي إِمَامٍ مُبِينٍ"[١٧٢].
  31. حديث "أَبِي مَعْمَرٍ السَّعْدِيِّ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ(ع) فِي قَوْلِ اللَّهِ: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ[١٧٣]. فَإِنَّمَا يَعْنِي أَنَّهُمْ نَسُوا اللَّهَ فِي دَارِ الدُّنْيَا فَلَمْ يَعْمَلُوا لَهُ بِالطَّاعَةِ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ وبِرَسُولِهِ فَنَسِيَهُمْ فِي الْآخِرَةِ أَيْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ فِي ثَوَابِهِ نَصِيباً فَصَارُوا مَنْسِيِّينَ مِنَ الْخَيْرِ"[١٧٤].
  32. "حَرِيزٍ رَفَعَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا أي الإمامين الباقر والصادق فِي قَوْلِ اللَّهِ: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ[١٧٥] قَالَ: الْغَيْضُ كُلُّ حَمْلٍ دُونَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وما تَزْدادُ كُلُّ شَيْءٍ يَزْدَادُ عَلَى تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وكُلَّمَا رَأَتِ الدَّمَ فِي حَمْلِهَا مِنَ الْحَيْضِ يَزْدَادُ بِعَدَدِ الْأَيَّامِ الَّتِي رَأَتْ فِي حَمْلِهَا مِنَ الدَّمِ"[١٧٦].

وهذه الأحاديث المباركة المتضافرة تكشف بوضوح عن علمه تعالى بكل الأشياء قبل وجودها كعلمه بها بعد وجودها، وتبيّن إحاطته بجميع المخلوقات، ومعرفته لجميع الظواهر والخفيات، وعرفانه جميع الأسرار والمطويّات.

وعلمه نورٌ لا يدرك ولا يُحدّ، وليس له نهايةٌ وأمد.[١٧٧]

۲. أنه تعالى حيٌّ له الحياة الأزلية الأبدية، وموصوف بهذه الصفة الكمالية التي هي له صفة ذاتية

ومعنى كونه حياً كما أفاده المحدث الصدوق في كتابه التوحيد أنه: «الفعّال المدبِّر، وهوحيٌّ لنفسه لا يجوز عليه الموت والفناء، وليس يحتاج إلى حياة بها يحيى»[١٧٨].

وأفاد الشيخ الكفعمي في كتابه المصباح: «الحي هوالذي لم يزل موجوداً وبالحياة موصوفاً، لم يحدث له الموت بعد الحياة ولا العكس...

فالحي الكامل هوالذي يندرج جميع المدركات تحت إدراكه حتى لا يشذّ عن علمه مدرك، ولا عن فعله مخلوق، وكل ذلك لله، فالحي المطلق هوالله تبارك وتعالى»[١٧٩].

وقال السيّد الشبَّر في كتابه حق اليقين: «والمراد بالحياة صفة يتأتى معها العلم والقدرة..»[١٨٠].

وقال الشيخ الطريحي في مجمع البحرين: «الحيّ القيّوم أي الباقي الذي لا سبيل للفناء عليه»[١٨١].

وذكر الراغب في المفردات[١٨٢]: «أنّ الحياة التي يوصف بها الباري تعالى معناها هوأنّه لا يصحّ عليه الموت...».

ثم ذكر أنّ هذه الحياة ليست إلا الله عزّوجلّ إذ الحياة جاءت لمعانٍ اُخرى أيضاً هي:

  1. القوة النامية الموجودة في النبات والحيوان، كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ[١٨٣].
  2. القوّة الحسّاسة التي بها سمي الحيوان حيواناً، ومنه قوله تعالى: وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ[١٨٤].
  3. القوة العاملة العاقلة، كما قال تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ[١٨٥].
  4. الحياة الأخروية الأبدية، كما قال تعالى: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ[١٨٦].
  5. التلذّذ وارتفاع الغمّ، كما قال تعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ[١٨٧].

وحياة الله تبارك وتعالى فوق هذه الصفات، وأشرف من كل حياة، ولا تُقاس بها هذه الحيويّات الخمسة، فحياته أشرف من هذه الحياة وذاتيّة له بلا ممات.

وقد قام الدليل القرآني والروائي والعقلي على حياته العليا بالبيان التالي:

  1. دليل الكتاب: وقد صرح القرآن الكريم بهذه الصفة الجليلة، في آيات عديدة وهي ما يلي:
    1. اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوالْحَيُّ الْقَيُّومُ[١٨٨].
    2. الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوالْحَيُّ الْقَيُّومُ[١٨٩].
    3. وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ[١٩٠].
    4. هُوالْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوفَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ[١٩١].
  2. دليل السنة: وقد تضافرت بذكر حياته الكريمة روايات كثيرة، منها ما يلي:
    1. حديث "مَنْصُورٍ الصَّيْقَلِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) قَالَ: إِنَ اللَّهَ عِلْمٌ لَا جَهْلَ فِيهِ حَيَاةٌ لَا مَوْتَ فِيهِ نُورٌ لَا ظُلْمَةَ فِيهِ"[١٩٢].
    2. حديث "يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع): رُوِّينَا أَنَّ اللَّهَ عِلْمٌ لَا جَهْلَ فِيهِ حَيَاةٌ لَا مَوْتَ فِيهِ نُورٌ لَا ظُلْمَةَ فِيهِ قَالَ كَذَلِكَ هُوَ"[١٩٣].
    3. حديث "جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع) قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ نُورٌ لَا ظُلْمَةَ فِيهِ وعِلْمٌ لَا جَهْلَ فِيهِ وحَيَاةٌ لَا مَوْتَ فِيهِ"[١٩٤].
    4. "ما تقدم من حديث هَارُونَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: سُئِلَ أَبُوعَبْدِ اللَّهِ(ع) عَنِ التَّوْحِيدِ؟ فَقَالَ: هُوعَزَّ وجَلَّ مُثْبَتٌ مَوْجُودٌ لَا مُبْطَلٌ ولَا مَعْدُودٌ ولَا فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ ولَهُ عَزَّ وجَلَّ نُعُوتٌ وصِفَاتٌ فَالصِّفَاتُ لَهُ وأَسْمَاؤُهَا جَارِيَةٌ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ مِثْلُ السَّمِيعِ والْبَصِيرِ والرَّءُوفِ والرَّحِيمِ وأَشْبَاهِ ذَلِكَ والنُّعُوتُ نُعُوتُ الذَّاتِ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِاللَّهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى واللَّهُ نُورٌ لَا ظَلَامَ فِيهِ وحَيٌّ لَا مَوْتَ لَهُ وعَالِمٌ لَا جَهْلَ فِيهِ وصَمَدٌ لَا مَدْخَلَ فِيهِ رَبُّنَا نُورِيُّ الذَّاتِ حَيُّ الذَّاتِ عَالِمُ الذَّاتِ صَمَدِيُّ الذَّاتِ"[١٩٥].
    5. حديث "جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع) قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى كَانَ ولَا شَيْءَ غَيْرُهُ نُوراً لَا ظَلَامَ فِيهِ وصَادِقاً لَا كَذِبَ فِيهِ وعَالِماً لَا جَهْلَ فِيهِ وحَيّاً لَا مَوْتَ فِيهِ وكَذَلِكَ هُوالْيَوْمَ وكَذَلِكَ لَا يَزَالُ أَبَداً"[١٩٦].
    6. حديث "عَبْدِ الْأَعْلَى عَنِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ(ع) قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كَانَ حَيّاً بِلَا كَيْفٍ ولَا أَيْنٍ ولَا كَانَ فِي شَيْءٍ ولَا كَانَ عَلَى شَيْءٍ ولَا ابْتَدَعَ لِمَكَانِهِ مَكَاناً ولَا قَوِيَ بَعْدَ مَا كَوَّنَ الْأَشْيَاءَ ولَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ يَكُونُ ولَا كَانَ خِلْواً مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمُلِكِ قَبْلَ إِنْشَائِهِ ولَا يَكُونُ خِلْواً مِنَ الْقُدْرَةِ بَعْدَ ذَهَابِهِ كَانَ عَزَّ وجَلَّ إِلَهاً حَيّاً بِلَا حَيَاةٍ حَادِثَةٍ مَلِكاً قَبْلَ أَنْ يُنْشِئَ شَيْئاً ومَالِكاً بَعْدَ إِنْشَائِهِ ولَيْسَ لِلَّهِ حَدٌّ ولَا يُعْرَفُ بِشَيْءٍ يُشْبِهُهُ ولَا يَهْرَمُ لِلْبَقَاءِ ولَا يَصْعَقُ لِدَعْوَةِ شَيْءٍ ولِخَوْفِهِ تَصْعَقُ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا وكَانَ اللَّهُ حَيّاً بِلَا حَيَاةٍ حَادِثَةٍ ولَا كَوْنٍ مَوْصُوفٍ ولَا كَيْفٍ مَحْدُودٍ ولَا أَيْنٍ مَوْقُوفٍ ولَا مَكَانٍ سَاكِنٍ بَلْ حَيٌّ لِنَفْسِهِ ومَالِكٌ لَمْ يَزَلْ لَهُ الْقُدْرَةُ أَنْشَأَ مَا شَاءَ حِينَ شَاءَ بِمَشِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ كَانَ أَوَّلًا بِلَا كَيْفٍ ويَكُونُ آخِراً بِلَا أَيْنٍ وكُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ[١٩٧] لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ[١٩٨]"[١٩٩].
    7. الحديث الذي تقدم "عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) فَقَالَ لِي: أَ تَنْعَتُ اللَّهَ فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ هَاتِ فَقُلْتُ هُوالسَّمِيعُ الْبَصِيرُ قَالَ هَذِهِ صِفَةٌ يَشْتَرِكُ فِيهَا الْمَخْلُوقُونَ قُلْتُ فَكَيْفَ تَنْعَتُهُ فَقَالَ هُونُورٌ لَا ظُلْمَةَ فِيهِ وحَيَاةٌ لَا مَوْتَ فِيهِ وعِلْمٌ لَا جَهْلَ فِيهِ وحَقٌّ لَا بَاطِلَ فِيهِ فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ وأَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالتَّوْحِيدِ"[٢٠٠].
  3. دليل العقل: ... وهوحاكم بأنّ الله تعالى حيٌّ قيّوم، غير فانٍ ولا ميّت.

فإنّ العقل حينما يرى تجدد الحوادث والموجودات في هذا الكون العظيم، ويلاحظ انتظام السير والسير المنتظم في هذا العالم الكبير، ويتأمّل في التغيّرات العارضة على هذا الرحب الوسيع، من الإحياء والإماتة، ونموالنباتات والأشجار، ونزول الثلوج والأمطار، وحركات السحاب ودوران الأفلاك، وتغيّرات الهواء وسير الشمس وحركة القمر في الفضاء، وحدوث الليل والنهار، وما يطرأ من المرض والشفاء، واستمرار الحيويّة والإحياء...

حينما يتدبّر العقل في هذه الأمور، يحكم بأنّ خالقها ومدبّرها حيّ يدبّر سيرها ويدير أمورها، ويجزم العقل بأنّ الحيّ يديم حركة الأحياء، وإلا ففاقد الحياة لا يعطيها، والميّت الفاني لا يديمها.

فهوحيّ قيّومٌ في الصفات، قائمٌ على جميع الموجودات وكلّ ذي وجود وذي حياة.

حيٌّ أزلاً وأبداً، به قوام الأحياء ووجود الأشياء، جلّ جلاله وعمّ نواله.

أمّا الأزليّة في حياته؛ فلأنّ هذه الصفة يلزم أن تكون ذاتيةٌ له وإلا لاحتاج إلى من يحييه، وهويستلزم التسلسل، وهوباطلٌ؛ أويستلزم التوقف على إحياء نفسه بنفسه، وهوباطل أيضاً.

وأمّا السرمديّة في حياته؛ فلأنّ الحياة الذاتية لا تنفك عن الذات، فحيث كانت أزليّة فلابدّ وأن تكون سرمديّة أيضاً، فهوالحيّ الأزليّ السرمديّ الأبديّ. [٢٠١]

۳. أنّه تعالى قادر، ليس يعجزه شي. ولا يعجز عن شي، وهوعلى كل شيء قدير، فهوالقادر القدير المقتدر ولتوضيح معناه نقدّم ما يلي

أفاد شيخ المحدّثين الصدوق في كتابه التوحيد: "الْقَدِيرُ والْقَاهِرُ مَعْنَاهُمَا أَنَّ الْأَشْيَاءَ لَا تُطِيقُ الِامْتِنَاعَ مِنْهُ ومِمَّا يُرِيدُ الْإِنْفَاذَ فِيهَا ... والْقُدْرَةُ مَصْدَرُ قَوْلِكَ: قَدَرَ قُدْرَةً أَيْ مَلَكَ فَهُوقَدِيرٌ قَادِرٌ مُقْتَدِرٌ وقُدْرَتُهُ عَلَى مَا لَمْ يُوجَدْ واقْتِدَارُهُ عَلَى إِيجَادِهِ هُوقَهْرُهُ ومُلْكُهُ لَهَا وقَدْ قَالَ عَزَّ ذِكْرُهُ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[٢٠٢] ويَوْمُ الدِّينِ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ..."[٢٠٣].

وأفاد الشيخ الكفعمي في كتابه المصباح: «القادر هوالموجد للشيء اختياراً من غير عجز ولا فتور... والقدير الذي قدرته لا تتناهى فهوأبلغ من القادر ولهذا لا يوصف به غير الله تعالى... والقدرة هي التمكن من إيجاد الشيء... والمقتدر هوالتام القدرة الذي لا يمنعه شيء عن مراده... وقال الشهيد رحمه الله: المقتدر أبلغ من القادر لاقتضائه الإطلاق، ولا يوصف بالقدرة المطلقة غير الله تعالى. وقيل: قدرة الإنسان هيئة يتمكن بها من الفعل، وقدرة الله عبارة عن نفي العجز عنه، والقادر هوالذي إن شاء فعل وإن شاء ترك»[٢٠٤].

وأفاد الشيخ الطبرسي في مجمع البيان في معنى القدير: «هومبالغة القادر. وقيل قوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[٢٠٥] عامٌ، فهوقادر على الأشياء كلّها على ثلاثة أوجه: على المعدومات بأن يوجدها، وعلى الموجودات بأن يفنيها، وعلى مقدور غيره بأن يقدر عليه ويمنع منه»[٢٠٦].

وأفاد العلامة الكازراني في مرآة الأنوار: «القدرة بمعنى التمكن من الفعل ضد العجز»[٢٠٧].

وأفاد الشيخ الطريحي في مجمع البحرين: «قدرت على الشيء من باب ضَرَبَ: قويت عليه وتمكنت منه، والاسم القدرة، والفاعل قدير وقادر... والإقتدار أبلغ وأعم. والقادر والمقتدر إذا وصف الله بهما، فالمراد نفي العجز عنه فيما يشاء ويريد... ومحال أن يوصف بالقدرة المطلقة غير الله تعالى وإن اطلق عليه لفظاً... والقدرة عبارة عمّا قضاه الله وحكم به من الأمور»[٢٠٨].

وذكر الراغب في المفردات: «إنّ القدير هوالفاعل لما يشاء بما تقتضيه الحكمة لا زائداً عليه ولا ناقصاً عنه، ولذلك لا يصحّ أن يوصف به إلا الله تعالى كما قاله تعالى: يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[٢٠٩].

والمقتدر يقاربه نحو: عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ[٢١٠] لكن قد يوصف به البشر، وإذا استعمل في الله تعالى فمعناه معنى القدير، وإذا استعمل في البشر فمعناه المتكلف والمكتسب للقدرة.

والمستفاد من ذلك إنّ الله تبارك وتعالى له القدرة المطلقة النافذة في جميع الأشياء لا يعجز عن شيء ولا يعجزه شيء وهوقادر على كل شيء»[٢١١].

وهذا ثابتٌ بالبراهين الحقّة من الكتاب والسنة والعقل بالبيان التالي:

  1. دليل الكتاب: وقد صرح القرآن الكريم بقدرة الله البالغة في ما يزيد على خمسين آية نظير ما يلي:
    1. قوله تعالى: وَلَوشَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[٢١٢].
    2. قوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا[٢١٣].
    3. قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ[٢١٤].
    4. قوله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا[٢١٥].
    5. قوله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[٢١٦].
  2. دليل السنة: وقد دلّت الأحاديث المتواترة، وصرحت الروايات المتضافرة بقدرته العظيمة، واقتداره الكبير في مثل الأحاديث التالية:
    1. حديث "مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ الْخَفَّافُ قَالَ حَدَّثَنِي عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ الدَّيَصَانِيَّ أَتَى هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ فَقَالَ لَهُ أَ لَكَ رَبٌّ فَقَالَ بَلَى قَالَ قَادِرٌ قَالَ نَعَمْ قَادِرٌ قَاهِرٌ قَالَ يَقْدِرُ أَنْ يُدْخِلَ الدُّنْيَا كُلَّهَا فِي الْبَيْضَةِ لَا يُكَبِّرُ الْبَيْضَةَ ولَا يُصَغِّرُ الدُّنْيَا؟ فَقَالَ هِشَامٌ: النَّظِرَةَ فَقَالَ لَهُ: قَدْ أَنْظَرْتُكَ حَوْلًا ثُمَّ خَرَجَ عَنْهُ فَرَكِبَ هِشَامٌ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ فَقَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَتَانِي عَبْدُ اللَّهِ الدَّيَصَانِيُّ بِمَسْأَلَةٍ لَيْسَ الْمُعَوَّلُ فِيهَا إِلَّا عَلَى اللَّهِ وعَلَيْكَ فَقَالَ لَهُ أَبُوعَبْدِ اللَّهِ(ع): عَمَّا ذَا سَأَلَكَ فَقَالَ قَالَ لِي كَيْتَ وكَيْتَ فَقَالَ أَبُوعَبْدِ اللَّهِ(ع): يَا هِشَامُ كَمْ حَوَاسُّكَ؟ قَالَ: خَمْسٌ. فَقَالَ: أَيُّهَا أَصْغَرُ؟فَقَالَ: النَّاظِرُ. فَقَالَ: وكَمْ قَدْرُ النَّاظِرِ؟ قَالَ مِثْلُ الْعَدَسَةِ أَوأَقَلُّ مِنْهَا. فَقَالَ: يَا هِشَامُ فَانْظُرْ أَمَامَكَ وفَوْقَكَ وأَخْبِرْنِي بِمَا تَرَى. فَقَالَ: أَرَى سَمَاءً وأَرْضاً ودُوراً وقُصُوراً وتُرَاباً وجِبَالًا وأَنْهَاراً. فَقَالَ لَهُ أَبُوعَبْدِ اللَّهِ(ع): إِنَّ الَّذِي قَدَرَ أَنْ يُدْخِلَ الَّذِي تَرَاهُ الْعَدَسَةَ أَوأَقَلَّ مِنْهَا قَادِرٌ أَنْ يُدْخِلَ الدُّنْيَا كُلَّهَا الْبَيْضَةَ لَا يُصَغِّرُ الدُّنْيَا ولَا يُكَبِّرُ الْبَيْضَةَ. فَانْكَبَّ هِشَامٌ عَلَيْهِ وقَبَّلَ يَدَيْهِ ورَأْسَهُ ورِجْلَيْهِ وقَالَ حَسْبِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَانْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ وغَدَا إِلَيْهِ الدَّيَصَانِيُّ فَقَالَ يَا هِشَامُ إِنِّي جِئْتُكَ مُسَلِّماً ولَمْ أَجِئْكَ مُتَقَاضِياً لِلْجَوَابِ. فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ مُتَقَاضِياً فَهَاكَ الْجَوَابَ فَخَرَجَ عَنْهُ الدَّيَصَانِيُّ فَأُخْبِرَ أَنَّ هِشَاماً دَخَلَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) فَعَلَّمَهُ الْجَوَابَ فَمَضَى عَبْدُ اللَّهِ الدَّيَصَانِيُّ حَتَّى أَتَى بَابَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ فَلَمَّا قَعَدَ قَالَ لَهُ يَا جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ دُلَّنِي عَلَى مَعْبُودِي..."[٢١٧].
    2. حديث "أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا قَالَ: مَرَّ أَبُوالْحَسَنِ الرِّضَا(ع) بِقَبْرٍ مِنْ قُبُورِ أَهْلِ بَيْتِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِلَهِي بَدَتْ قُدْرَتُكَ ولَمْ تَبْدُ هَيْئَةٌ فَجَهِلُوكَ وقَدَّرُوكَ والتَّقْدِيرُ عَلَى غَيْرِ مَا بِهِ وَصَفُوكَ وإِنِّي بَرِيءٌ يَا إِلَهِي مِنَ الَّذِينَ بِالتَّشْبِيهِ طَلَبُوكَ لَيْسَ كَمِثْلِكَ شَيْءٌ إِلَهِي ولَنْ يُدْرِكُوكَ وظَاهِرُ مَا بِهِمْ مِنْ نِعْمَتِكَ دَلِيلُهُمْ عَلَيْكَ لَوعَرَفُوكَ وفِي خَلْقِكَ يَا إِلَهِي! مَنْدُوحَةٌ أَنْ يَتَنَاوَلُوكَ بَلْ سَوَّوْكَ بِخَلْقِكَ فَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَعْرِفُوكَ واتَّخَذُوا بَعْضَ آيَاتِكَ رَبّاً فَبِذَلِكَ وَصَفُوكَ تَعَالَيْتَ رَبِّي عَمَّا بِهِ الْمُشَبِّهُونَ نَعَتُوكَ"[٢١٨].
    3. حديث "أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ قَالَ: جَاءَ قَوْمٌ مِنْ وَرَاءِ النَّهْرِ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ(ع) فَقَالُوا لَهُ: جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ ثَلَاثِ مَسَائِلَ فَإِنْ أَجَبْتَنَا فِيهَا عَلِمْنَا أَنَّكَ عَالِمٌ فَقَالَ سَلُوا فَقَالُوا أَخْبِرْنَا عَنِ اللَّهِ أَيْنَ كَانَ وكَيْفَ كَانَ وعَلَى أَيِّ شَيْءٍ كَانَ اعْتِمَادُهُ؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ كَيَّفَ الْكَيْفَ فَهُوبِلَا كَيْفٍ وأَيَّنَ الْأَيْنَ فَهُوبِلَا أَيْنٍ وكَانَ اعْتِمَادُهُ عَلَى قُدْرَتِهِ فَقَالُوا نَشْهَدُ أَنَّكَ عَالِمٌ"[٢١٩].
    4. حديث "أَحْمَدَ بْنِ مُحَسِّنٍ الْمِيثَمِيِّ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ أَبِي مَنْصُورٍ الْمُتَطَبِّبِ فَقَالَ أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي قَالَ: كُنْتُ أَنَا وابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُقَفَّعِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَالَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ تَرَوْنَ هَذَا الْخَلْقَ وأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى مَوْضِعِ الطَّوَافِ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ أُوجِبُ لَهُ اسْمَ الْإِنْسَانِيَّةِ إِلَّا ذَلِكَ الشَّيْخَ الْجَالِسَ يَعْنِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍقالب:عم فَأَمَّا الْبَاقُونَ فَرَعَاعٌ وبَهَائِمُ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ: وكَيْفَ أَوْجَبْتَ هَذَا الِاسْمَ لِهَذَا الشَّيْخِ دُونَ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: لِأَنِّي رَأَيْتُ عِنْدَهُ مَا لَمْ أَرَ عِنْدَهُمْ. فَقَالَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ مَا بُدٌّ مِنِ اخْتِبَارِ مَا قُلْتَ فِيهِ مِنْهُ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْمُقَفَّعِ: لَا تَفْعَلْ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُفْسِدَ عَلَيْكَ مَا فِي يَدِكَ. فَقَالَ: لَيْسَ ذَا رَأْيَكَ ولَكِنَّكَ تَخَافُ أَنْ يَضْعُفَ رَأْيُكَ عِنْدِي فِي إِحْلَالِكَ إِيَّاهُ الْمَحَلَّ الَّذِي وَصَفْتَ. فَقَالَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ: أَمَّا إِذَا تَوَهَّمْتَ عَلَيَّ هَذَا فَقُمْ إِلَيْهِ وتَحَفَّظْ مَا اسْتَطَعْتَ مِنَ الزَّلَلِ ولَا تَثْنِ عِنَانَكَ إِلَى اسْتِرْسَالٍ يُسْلِمْكَ إِلَى عِقَالٍ[٢٢٠] وسِمْهُ مَا لَكَ أَوعَلَيْكَ[٢٢١] قَالَ فَقَامَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ وبَقِيتُ أَنَا وابْنُ الْمُقَفَّعِ فَرَجَعَ إِلَيْنَا فَقَالَ: يَا ابْنَ الْمُقَفَّعِ مَا هَذَا بِبَشَرٍ وإِنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا رُوحَانِيٌّ يَتَجَسَّدُ إِذَا شَاءَ ظَاهِراً ويَتَرَوَّحُ إِذَا شَاءَ بَاطِناً فَهُو هَذَا. فَقَالَ لَهُ: وكَيْفَ ذَاكَ؟ فَقَالَ جَلَسْتُ إِلَيْهِ فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ غَيْرِي ابْتَدَأَنِي فَقَالَ إِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ عَلَى مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ وهُوعَلَى مَا يَقُولُونَ يَعْنِي أَهْلَ الطَّوَافِ فَقَدْ سَلِمُوا وعَطِبْتُمْ وإِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَقُولُونَ ولَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ فَقَدِ اسْتَوَيْتُمْ أَنْتُمْ وهُمْ فَقُلْتُ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ وأَيَّ شَيْءٍ نَقُولُ وأَيَّ شَيْءٍ يَقُولُونَ؟ مَا قَوْلِي وقَوْلُهُمْ إِلَّا وَاحِداً؟ قَالَ فَكَيْفَ يَكُونُ قَوْلُكَ وقَوْلُهُمْ وَاحِداً وهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ لَهُمْ مَعَاداً وثَوَاباً وعِقَاباً ويَدِينُونَ بِأَنَّ لِلسَّمَاءِ إِلَهاً وأَنَّهَا عُمْرَانٌ وأَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ السَّمَاءَ خَرَابٌ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ. قَالَ فَاغْتَنَمْتُهَا مِنْهُ فَقُلْتُ لَهُ: مَا مَنَعَهُ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ أَنْ يَظْهَرَ لِخَلْقِهِ ويَدْعُوَهُمْ إِلَى عِبَادَتِهِ حَتَّى لَا يَخْتَلِفَ مِنْهُمُ اثْنَانِ ولِمَ احْتَجَبَ عَنْهُمْ وأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ ولَوبَاشَرَهُمْ بِنَفْسِهِ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ. فَقَالَ لِي: وَيْلَكَ وكَيْفَ احْتَجَبَ عَنْكَ مَنْ أَرَاكَ قُدْرَتَهُ فِي نَفْسِكَ نُشُوءَكَ ولَمْ تَكُنْ وكِبَرَكَ بَعْدَ صِغَرِكَ وقُوَّتَكَ بَعْدَ ضَعْفِكَ وضَعْفَكَ بَعْدَ قُوَّتِكَ وسُقْمَكَ بَعْدَ صِحَّتِكَ وصِحَّتَكَ بَعْدَ سُقْمِكَ ورِضَاكَ بَعْدَ غَضَبِكَ وغَضَبَكَ بَعْدَ رِضَاكَ وحُزْنَكَ بَعْدَ فَرَحِكَ وفَرَحَكَ بَعْدَ حُزْنِكَ وحُبَّكَ بَعْدَ بُغْضِكَ وبُغْضَكَ بَعْدَ حُبِّكَ وعَزْمَكَ بَعْدَ إِبَائِكَ وإِبَاءَكَ بَعْدَ عَزْمِكَ وشَهْوَتَكَ بَعْدَ كَرَاهَتِكَ وكَرَاهَتَكَ بَعْدَ شَهْوَتِكَ ورَغْبَتَكَ بَعْدَ رَهْبَتِكَ ورَهْبَتَكَ بَعْدَ رَغْبَتِكَ ورَجَاءَكَ بَعْدَ يَأْسِكَ ويَأْسَكَ بَعْدَ رَجَائِكَ وخَاطِرَكَ بِمَا لَمْ يَكُنْ فِي وَهْمِكَ وعُزُوبَ مَا أَنْتَ مُعْتَقِدُهُ عَنْ ذِهْنِكَ ومَا زَالَ يَعُدُّ عَلَيَّ قُدْرَتَهُ الَّتِي هِيَ فِي نَفْسِيَ الَّتِي لَا أَدْفَعُهَا حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ فِيمَا بَيْنِي وبَيْنَهُ"[٢٢٢].
    5. حديث "مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) قَالَ: إِنَّ إِبْلِيسَ قَالَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ(ع): أَ يَقْدِرُ رَبُّكَ عَلَى أَنْ يُدْخِلَ الْأَرْضَ بَيْضَةً لَا يُصَغِّرُ الْأَرْضَ ولَا يُكَبِّرُ الْبَيْضَةَ؟ فَقَالَ عِيسَى(ع): وَيْلَكَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُوصَفُ بِعَجْزٍ ومَنْ أَقْدَرُ مِمَّنْ يُلَطِّفُ الْأَرْضَ ويُعَظِّمُ الْبَيْضَةَ"[٢٢٣].
    6. حديث "الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع) يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لَا يُوصَفُ قَالَ: وقَالَ زُرَارَةُ قَالَ أَبُوجَعْفَرٍ(ع) إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لَا يُوصَفُ وكَيْفَ يُوصَفُ وقَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ[٢٢٤] فَلَا يُوصَفُ بِقُدْرَةٍ إِلَّا كَانَ أَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ"[٢٢٥].
    7. حديث "الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع) يَقُولُ: قَالَ أَبِي(ع): إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ كَانَ رَجُلًا رَابِطَ الْجَأْشِ وأَشَارَ بِيَدِهِ وكَانَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَاسْتَقْبَلَهُ الْحَجَّاجُ فَقَالَ قَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَضْرِبَ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاكَ. قَالَ لَهُ مُحَمَّدٌ كَلَّا إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ اسْمُهُ فِي خَلْقِهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَمِائَةِ لَحْظَةٍ أَولَمْحَةٍ فَلَعَلَّ إِحْدَاهُنَّ تَكُفُّكَ عَنِّي"[٢٢٦].
    8. حديث "مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ قَالَ: قُلْتُ لِلرِّضَا(ع): خَلَقَ اللَّهُ الْأَشْيَاءَ بِالْقُدْرَةِ أَمْ بِغَيْرِ الْقُدْرَةِ؟ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِالْقُدْرَةِ لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِالْقُدْرَةِ فَكَأَنَّكَ قَدْ جَعَلْتَ الْقُدْرَةَ شَيْئاً غَيْرَهُ وجَعَلْتَهَا آلَةً لَهُ بِهَا خَلَقَ الْأَشْيَاءَ وهَذَا شِرْكٌ وإِذَا قُلْتَ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِقُدْرَةٍ فَإِنَّمَا تَصِفُهُ أَنَّهُ جَعَلَهَا بِاقْتِدَارٍ عَلَيْهَا وقُدْرَةٍ ولَكِنْ لَيْسَ هُوبِضَعِيفٍ ولَا عَاجِزٍ ولَا مُحْتَاجٍ إِلَى غَيْرِهِ"[٢٢٧].
    9. حديث "مُحَمَّدِ بْنِ الْجَهْمِ قَالَ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ الْمَأْمُونِ وعِنْدَهُ الرِّضَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى(ع) فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَ لَيْسَ مِنْ قَوْلِكَ أَنَ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ؟ قَالَ بَلَى فَسَأَلَهُ عَنْ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَكَانَ فِيمَا سَأَلَهُ أَنْ قَالَ لَهُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي[٢٢٨] قَالَ الرِّضَا(ع): إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى كَانَ أَوْحَى إِلَى إِبْرَاهِيمَ(ع) أَنِّي مُتَّخِذٌ مِنْ عِبَادِي خَلِيلًا إِنْ سَأَلَنِي إِحْيَاءَ الْمَوْتَى أَجَبْتُهُ فَوَقَعَ فِي نَفْسِ إِبْرَاهِيمَ(ع) أَنَّهُ ذَلِكَ الْخَلِيلُ فَقَالَ: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي[٢٢٩] عَلَى الْخُلَّةِ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[٢٣٠] فَأَخَذَ إِبْرَاهِيمُ(ع) نَسْراً وبَطّاً وطَاوُساً ودِيكاً فَقَطَّعَهُنَّ قِطَعاً صِغَاراً ثُمَّ جَعَلَ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ الَّتِي كَانَتْ حَوْلَهُ وكَانَتْ عَشَرَةً مِنْهُنَّ جُزْءاً وجَعَلَ مَنَاقِيرَهُنَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ثُمَّ دَعَاهُنَّ بِأَسْمَائِهِنَّ ووَضَعَ عِنْدَهُ حَبّاً ومَاءً فَتَطَايَرَتْ تِلْكَ الْأَجْزَاءُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ حَتَّى اسْتَوَتِ الْأَبْدَانُ وجَاءَ كُلُّ بَدَنٍ حَتَّى انْضَمَّ إِلَى رَقَبَتِهِ ورَأْسِهِ فَخَلَّى إِبْرَاهِيمُ عَنْ مَنَاقِيرِهِنَّ فَطِرْنَ ثُمَّ وَقَفْنَ فَشَرِبْنَ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ والْتَقَطْنَ مِنْ ذَلِكَ الْحَبِّ وقُلْنَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَحْيَيْتَنَا أَحْيَاكَ اللَّهُ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ(ع): بَلِ اللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[٢٣١] قَالَ الْمَأْمُونُ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ..."[٢٣٢] والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.
    10. حديث "مُثَنًّى الْحَنَّاطِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَظُنُّهُ مُحَمَّدَ بْنَ نُعْمَانَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ:وَهُواللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ[٢٣٣]. قَالَ: كَذَلِكَ هُوفِي كُلِّ مَكَانٍ قُلْتُ بِذَاتِهِ؟ قَالَ وَيْحَكَ إِنَّ الْأَمَاكِنَ أَقْدَارٌ فَإِذَا قُلْتَ فِي مَكَانٍ بِذَاتِهِ لَزِمَكَ أَنْ تَقُولَ فِي أَقْدَارٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ولَكِنْ هُوبَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ مُحِيطٌ بِمَا خَلَقَ عِلْماً وقُدْرَةً وإِحَاطَةً وسُلْطَاناً ومُلْكاً ولَيْسَ عِلْمُهُ بِمَا فِي الْأَرْضِ بِأَقَلَّ مِمَّا فِي السَّمَاءِ لَا يَبْعُدُ مِنْهُ شَيْءٌ والْأَشْيَاءُ لَهُ سَوَاءٌ عِلْماً وقُدْرَةً وسُلْطَاناً ومُلْكاً وإِحَاطَةً"[٢٣٤].
    11. حديث "هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: قَالَ أَبُوشَاكِرٍ الدَّيَصَانِيُّ إِنَّ فِي الْقُرْآنِ آيَةً هِيَ قُوَّةٌ لَنَا. قُلْتُ ومَا هِيَ؟ فَقَالَ: وَهُوالَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ[٢٣٥] فَلَمْ أَدْرِ بِمَا أُجِيبُهُ فَحَجَجْتُ فَخَبَّرْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع) فَقَالَ: هَذَا كَلَامُ زِنْدِيقٍ خَبِيثٍ إِذَا رَجَعْتَ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ مَا اسْمُكَ بِالْكُوفَةِ؟ فَإِنَّهُ يَقُولُ فُلَانٌ. فَقُلْ مَا اسْمُكَ بِالْبَصْرَةِ؟ فَإِنَّهُ يَقُولُ فُلَانٌ. فَقُلْ كَذَلِكَ اللَّهُ رَبُّنَا فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ[٢٣٦]وفِي الْبِحَارِ إِلَهٌ وفِي كُلِّ مَكَانٍ إِلَهٌ. قَالَ: فَقَدِمْتُ فَأَتَيْتُ أَبَا شَاكِرٍ فَأَخْبَرْتُهُ. فَقَالَ هَذِهِ نُقِلَتْ مِنَ الْحِجَازِ"[٢٣٧].
    12. حديث "مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ قَالَ أَبُوعَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقُ(ع): لَمَّا صَعِدَ مُوسَى(ع) إِلَى الطُّورِ فَنَادَى رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَالَ يَا رَبِّ أَرِنِي خَزَائِنَكَ. فَقَالَ: يَا مُوسَى إِنَّمَا خَزَائِنِي إِذَا أَرَدْتُ شَيْئاً أَنْ أَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ"[٢٣٨].
    13. حديث "سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ الْهِلَالِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيّاً(ع) يَقُولُ لِأَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ الْكِنَانِيِّ: يَا أَبَا الطُّفَيْلِ الْعِلْمُ عِلْمَانِ: عِلْمٌ لَا يَسَعُ النَّاسَ إِلَّا النَّظَرُ فِيهِ وهُوصِبْغَةُ الْإِسْلَامِ وعِلْمٌ يَسَعُ النَّاسَ تَرْكُ النَّظَرِ فِيهِ وهُوقُدْرَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ"[٢٣٩].
  3. دليل العقل: فهو يحكم جزماً بل الوجدان أيضاً يحكم بداهةً بقدرة الله تعالى وعدم عجزه إطلاقاً... وذلك بملاحظة الوجوه العقلية الثلاثة التالية:
    1. إنّ العجز نقصٌ لا يليق بالذات الكاملة، ولا يكون الكامل الواجب ناقصاً؛ فإنّ واجب الوجود مستجمعٌ لجميع الصفات الكماليّة، ومنزهٌ عن النقائص والصفات الجلالية وإلا لزم الخُلف وهومحالٌ، فلابدّ وأن يكون قادراً غير عاجز.
    2. إنّ صدور الأفاعيل العجيبة منه، ووجود التدبيرات الحكيمة في خليقته تدلّ على قدرته واقتداره. ولا يمكن أن يكون صاحبها عاجزاً بل هوعليمٌ حكيم قادر. وقد شعّ نور هذا البرهان الواضح من أمير البيان علي بن أبي طالب(ع) في كلامه الشريف الوارد في غرر الحكم: "عَجِبْتُ لِمَنْ شَكَّ فِي اللَّهِ وهُويَرَى خَلْقَ اللَّهِ"[٢٤٠].
  4. استحالة الصانعيّة والخالقيّة بدون القدرة المطلقة. أفاد هذا الدليل الشيخ الصدوق في كتابه التوحيد بما نصّه:

من الدَّليل على أنَّ الله عزَّوجلَّ قادر: أنَّ العالم لمّا ثبت أنّه صنع الصانع ولم نجد أن يصنع الشيء من ليس بقادر عليه بدلالة أنَّ المُقعَد لا يقع منه المشي والعاجز لا يتأتّى له الفعل صحَّ أنَّ الذي صنعه قادرٌ، ولوجاز غير ذلك لجاز منّا الطيران مع فقد ما يكون به من الآلة، ولصحَّ لنا الإدراك وإن عدمنا الحاسّة، فلمّا كان إجازة هذا خروجاً عن المعقول كان الأوَّل مثله»[٢٤١].

فالله تبارك وتعالى قادرٌ على كل شيء ومتمكن من كلّ أمر... علماً بأنّ قدرته المتعالية جارية مع حكمته وعدله، فلا يفعل القبيح ولا يصدر منه الشرّ، بل فعله الخير وعادته الإحسان وهوقادرٌ على كل شيء.

وبذلك يظهر بطلان قول المعتزلة، بأنّ الله لا يقدر على القبيح والشرّ، بدعوى استلزامه الظلم.

وجه البطلان أنَّ القدرة على القبيح ليست بظلم، وإنّما يكون فعل القبيح ظلماً؛ والله سبحانه وتعالى قادر على ذلك لكنّه منزّه عنه. دليله قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[٢٤٢].

مع التعبير بكلمة (أن) التحقيقية والقدرة التي هي مطلقة فتكون لا متناهية، مع أداة (كل) التعميمية بالإضافة إلى كلمة (شيء) المفيد لأتم العموم، حيث يستفاد من ذلك قدرته على جميع الأشياء بلا استثناء لكنه تعالى لا يظلم أبداً لقوله تعالى: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ[٢٤٣].

والمعتزلة بقولهم هذا، فرّوا من الظلم ووقعوا في العجز.

ويظهر أيضاً مما قدمنا بطلان قول الأشاعرة في نسبة الشرّ إلى الله تعالى ووقوعه منه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وجه البطلان أنّ إيقاع الشرّ ظلمٌ وهومنافٍ للحكمة والكمالية.

وأفعال الله جلّ جلاله خير لخلقه، ولا يريد الشرَّ لعباده، ومُن فعله مِن عباده فقد فعله باختياره وسوء عمله.

دليله قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[٢٤٤] مع الأحاديث الواردة في تفسير العبادة بالمعرفة والرحمة في كتاب تفسير البرهان[٢٤٥].

فلاحظ تفسيرها وتأمل في غائيّة العبادة والمعرفة والرحمة للخلقة.

والأشاعرة فرّوا من الشرك في خلق الأفعال بزعمهم، ووقعوا في الظلم في هذه النسبة الذي هوكفرٌ كما أفاده في حق اليقين[٢٤٦]. [٢٤٧]

۴. أنّه تعالى مريدٌ ومن صفات كماله إرادته

والإرادة في أصل اللغة بمعنى المشيئة، لكن إرادة الله تفترق عن إرادة المخلوقين، فإرادة الله هوفعله كما قاله أبوالصلاح الحلبي في كتابه تقريب المعارف[٢٤٨].

واستدلّ لهذا المعنى بقوله تعالى: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[٢٤٩].

وإلى هذا المعنى ذهب الشيخ الجليل المفيد قدّس سره، استدلالاً له بالأخبار التي يأتي ذكرها، قال قدّس سرّه: « إنّ الإرادة من الله جلّ اسمه نفس الفعل... وبذلك جاء الخبر عن أئمة الهدى» كما حكاه عنه في البحار»[٢٥٠].

ونقل في مجمع البحرين الحديث عن الإمام الرضا(ع): "أَنَّ الْإِبْدَاعَ والْمَشِيئَةَ والْإِرَادَةَ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ والْأَسْمَاءُ ثَلَاثَةٌ"[٢٥١].

والحجة في هذا المعنى إضافةً إلى ما تقدّم، نصّ حديث صفوان بن يحيى عن الإمام الكاظم(ع) جاء فيه ما نصّه: "الْإِرَادَةُ مِنَ الْخَلْقِ الضَّمِيرُ ومَا يَبْدُولَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْفِعْلِ وأَمَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِرَادَتُهُ إِحْدَاثُهُ لَا غَيْرُ ذَلِكَ..."[٢٥٢].

فالمستفاد من هذه الأدلة أنّ إرادة الله معناها: إحداثه للأشياء وإبداعه وفعله لها.

لكن فسّرها شيخ المحدثين الصدوق في التوحيد بقوله: «مشيّة الله وإرادته في الطاعات الأمر بها والرضا، وفي المعاصي النهي عنها والمنع منها بالزجر والتحذير»[٢٥٣].

ولعلَّ نظره قدس سرّه إلى إرادة العزم التي جاء ذكرها في حديث الفتح بن يزيد الجرجاني عن الإمام أبي الحسن الكاظم(ع)المذكور في أصول الكافي[٢٥٤].

وذكر هذا المعنى أيضاً السيد الشبر في حق اليقين بالتعبير التالي: «ومعنى إرادته لأفعال عبيده أنّه أراد إيقاع الطاعات منهم على وجه الإختيار... ومعنى كراهته تعالى لأفعال غيره نهيه إيّاهم عن إيقاع المعاصي المفسدة لهم على وجه الإختيار...»[٢٥٥].

لكن أفاد بعد هذا المعنى ما نصه: «وقد ورد في جملة من الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم سلام الملك الغفار، أنّ إرادته عبارة عن إيجاده وإحداثه، وأنها من صفات الفعل الحادثة، كالخالقيّة والرازقيّة ونحوها لا من صفات الذات بمعنى العلم بالأصلح»[٢٥٦].

وبهذا يظهر عدم تمامية قول المتكلمين في الإرادة وتفسيرهم لها بأنّها هي: «العلم بالخير والنفع وما هوالأصلح».

فإنّ هذا المعنى يرجع إلى كون الإرادة هوالعلم الذاتي، وهذا خلاف ما يأتي من الأخبار في كون الإرادة محدَثة مع ما له من تالي فاسد القِدَم وتعدد القدماء الذي ثبت بطلانه، فلا يمكن قبول هذا المعنى في الإرادة، والمُتَّبَع كلام أهل البيت الذين بهم النجاة ومنهم الهدى، وفي طريقهم الصواب، والله العاصم.

وعلى الجملة؛ فالمستفاد من الأخبار الشريفة كون إرادة الله تعالى هي نفس فعله وإحداثه وإيجاده، وهي الإرادة الحتميّة. وتطلق أيضاً على أمره بالطاعات ونهيه عن المعاصي، وهي الإرادة العزميّة.

ولذلك أفاد العلامة الكازراني في مرآة الأنوار: «تحقيق المقام أنّ الله تعالى إرادتين، إرادة حتم وإرادة عزم، فالحتمية هي ما لا يقدر العباد على ضدّ مراده، وهي من صفات فعله يتصّف بها الله تعالى عند صدور كل فعل منه، كالإماتة والاحياء والأمراض والشفاء.

والعزمية. هي إتيانه تعالى بشيء من جملة مخلوقاته لمصلحة وحكمة، كخلق جوارح الإنسان وسيلة لصالح أعماله مع استعمال العبد هذه الجوارح في الحلال أوالحرام بفعل نفسه وقد أمره الله تعالى بالحلال، ونهاه عن الحرام»[٢٥٧].

وقد دلّت البراهين الحقّة على إرادة الله تعالى التي هي صفة من صفات كماله ووصفٌ من أوصاف جماله، دلّت عليها أدلة الكتاب والسنة والعقل، بالبيان التالي:

  1. الكتاب الكريم: في آيات عديدة مثل:
    1. قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ[٢٥٨].
    2. قوله تعالى: يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[٢٥٩].
    3. قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ[٢٦٠].
    4. قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ[٢٦١].
    5. قوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا[٢٦٢].
  2. السنة الشريفة: في أحاديث كثيرة منها ما يلي:
    1. حديث "مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) قَالَ: الْمَشِيَّةُ مُحْدَثَةٌ"[٢٦٣].
    2. حديث "عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحِ قَالَ: دَخَلَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) أَوأَبِي جَعْفَرٍ(ع) رَجُلٌ مِنْ أَتْبَاعِ بَنِي أُمَيَّةَ فَخِفْنَا عَلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ لَوتَوَارَيْتَ وقُلْنَا لَيْسَ هُوهَاهُنَا. قَالَ: بَلِ ائْذَنُوا لَهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص) قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَ لِسَانِ كُلِّ قَائِلٍ ويَدِ كُلِّ بَاسِطٍ فَهَذَا الْقَائِلُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وهَذَا الْبَاسِطُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْسُطَ يَدَهُ إِلَّا بِمَا شَاءَ اللَّهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ وآمَنَ بِهَا وذَهَبَ"[٢٦٤].
    3. حديث "الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع): أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إِلَى دَاوُدَ(ع): يَا دَاوُدُ تُرِيدُ وأُرِيدُ ولَا يَكُونُ إِلَّا مَا أُرِيدُ فَإِنْ أَسْلَمْتَ لِمَا أُرِيدُ أَعْطَيْتُكَ مَا تُرِيدُ وإِنْ لَمْ تُسْلِمْ لِمَا أُرِيدُ أَتْعَبْتُكَ فِيمَا تُرِيدُ ثُمَّ لَا يَكُونُ إِلَّا مَا أُرِيدُ"[٢٦٥].
    4. حديث "سُلَيْمَانَ بْنِ جَعْفَرٍ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ: قَالَ الرِّضَا(ع): الْمَشِيَّةُ والْإِرَادَةُ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ مُرِيداً شَائِياً فَلَيْسَ بِمُوَحِّدٍ"[٢٦٦].
    5. حديث "أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ الْبَزَنْطِيِّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنَّ أَصْحَابَنَا بَعْضُهُمْ يَقُولُونَ بِالْجَبْرِ وبَعْضُهُمْ بِالاسْتِطَاعَةِ. فَقَالَ لِي: اكْتُبْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى يَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِيَّتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تَشَاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ وبِقُوَّتِي أَدَّيْتَ إِلَيَّ فَرَائِضِي وبِنِعْمَتِي قَوِيتَ عَلَى مَعْصِيَتِي جَعَلْتُكَ سَمِيعاً بَصِيراً قَوِيّاً مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ[٢٦٧] وذَلِكَ أَنَا أَوْلَى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ وأَنْتَ أَوْلَى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي وذَلِكَ أَنِّي لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ وهُمْ يُسْئَلُونَ قَدْ نَظَمْتُ لَكَ كُلَّ شَيْءٍ تُرِيدُ"[٢٦٨].
    6. حديث "الْعَرْزَمِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) قَالَ: كَانَ لِعَلِيٍّ(ع) غُلَامٌ اسْمُهُ قَنْبَرُ وكَانَ يُحِبُّ عَلِيّاً(ع) حُبّاً شَدِيداً فَإِذَا خَرَجَ عَلِيٌّ(ع) خَرَجَ عَلَى أَثَرِهِ بِالسَّيْفِ فَرَآهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ يَا قَنْبَرُ مَا لَكَ؟ قَالَ جِئْتُ لِأَمْشِيَ خَلْفَكَ فَإِنَّ النَّاسَ كَمَا تَرَاهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَخِفْتُ عَلَيْكَ. قَالَ: وَيْحَكَ أَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ تَحْرُسُنِي أَمْ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ؟! قَالَ: لَا بَلْ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ. نص غليظقَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ لَا يَسْتَطِيعُونَ لِي شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ السَّمَاءِ فَارْجِعْ فَرَجَعَ"[٢٦٩].
    7. حديث "فُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع) يَقُولُ: شَاءَ وأَرَادَ ولَمْ يُحِبَّ ولَمْ يَرْضَ شَاءَ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ إِلَّا بِعِلْمِهِ وأَرَادَ مِثْلَ ذَلِكَ ولَمْ يُحِبَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ[٢٧٠] ولَمْ يَرْضَ لِعِبادِهِ الْكُفْرَ"[٢٧١].
    8. ما روي "عَنِ النَّبِيِّ(ص) قَالَ: سَبَقَ الْعِلْمُ وجَفَّ الْقَلَمُ وتَمَّ الْقَضَاءُ بِتَحْقِيقِ الْكِتَابِ وتَصْدِيقِ الرِّسَالَةِ والسَّعَادَةِ مِنَ اللَّهِ والشَّقَاوَةِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص) كَانَ يَرْوِي حَدِيثَهُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِيَّتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تَشَاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ وبِإِرَادَتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تُرِيدُ لِنَفْسِكَ مَا تُرِيدُ وبِفَضْلِ نِعْمَتِي عَلَيْكَ قَوِيتَ عَلَى مَعْصِيَتِي وبِعِصْمَتِي وعَفْوِي وعَافِيَتِي أَدَّيْتَ إِلَيَّ فَرَائِضِي فَأَنَا أَوْلَى بِإِحْسَانِكَ مِنْكَ وأَنْتَ أَوْلَى بِذَنْبِكَ مِنِّي فَالْخَيْرُ مِنِّي إِلَيْكَ بِمَا أَولَيْتُ بَدَاءً والشَّرُّ مِنِّي إِلَيْكَ بِمَا جَنَيْتَ جَزَاءً وبِسُوءِ ظَنِّكَ بِي قَنَطْتَ مِنْ رَحْمَتِي فَلِيَ الْحَمْدُ والْحُجَّةُ عَلَيْكَ بِالْبَيَانِ ولِيَ السَّبِيلُ عَلَيْكَ بِالْعِصْيَانِ ولَكَ الْجَزَاءُ والْحُسْنَى عِنْدِي بِالْإِحْسَانِ لَمْ أَدَعْ تَحْذِيرَكَ ولَمْ آخُذْكَ عِنْدَ عِزَّتِكَ ولَمْ أُكَلِّفْكَ فَوْقَ طَاقَتِكَ ولَمْ أُحَمِّلْكَ مِنَ الْأَمَانَةِ إِلَّا مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ رَضِيتُ مِنْكَ لِنَفْسِي مَا رَضِيتَ بِهِ لِنَفْسِكَ مِنِّي"[٢٧٢].
    9. حديث "أَبِي الصَّلْتِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ صَالِحٍ الْهَرَوِيِّ قَالَ: سَأَلَ الْمَأْمُونُ يَوْماً عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا(ع) فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: وَلَوشَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ[٢٧٣] فَقَالَ الرِّضَا(ع): حَدَّثَنِي أَبِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع) أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ(ص) لَوأَكْرَهْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنَ النَّاسِ عَلَى الْإِسْلَامِ لَكَثُرَ عَدَدُنَا وقَوِينَا عَلَى عَدُوِّنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص) مَا كُنْتُ لِأَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بِبِدْعَةٍ لَمْ يُحْدِثْ إِلَيَّ فِيهَا شَيْئاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ[٢٧٤] فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى: وَلَوشَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا[٢٧٥] عَلَى سَبِيلِ الْإِلْجَاءِ والِاضْطِرَارِ فِي الدُّنْيَا كَمَا يُؤْمِنُونَ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ ورُؤْيَةِ الْبَأْسِ فِي الْآخِرَةِ ولَوفَعَلْتُ ذَلِكَ بِهِمْ لَمْ يَسْتَحِقُّوا مِنِّي ثَوَاباً ولَا مَدْحاً لَكِنِّي أُرِيدُ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْمِنُوا مُخْتَارِينَ غَيْرَ مُضْطَرِّينَ لِيَسْتَحِقُّوا مِنِّيَ الزُّلْفَى والْكَرَامَةَ ودَوَامَ الْخُلُودِ فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ[٢٧٦] وأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ[٢٧٧] فَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ تَحْرِيمِ الْإِيمَانِ عَلَيْهَا ولَكِنْ عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا مَا كَانَتْ لِتُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وإِذْنُهُ أَمْرُهُ لَهَا بِالْإِيمَانِ مَا كَانَتْ مُكَلَّفَةً مُتَعَبِّدَةً وإِلْجَاؤُهُ إِيَّاهَا إِلَى الْإِيمَانِ عِنْدَ زَوَالِ التَّكْلِيفِ والتَّعَبُّدِ عَنْهَا. فَقَالَ الْمَأْمُونُ: فَرَّجْتَ عَنِّي يَا أَبَا الْحَسَنِ فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ"[٢٧٨].
  3. دليل العقل: فالعقل حينما يلاحظ الأفعال الكونية، يراها أفعالاً اختيارية ويجد فيها حسن الآثار، والدقائق الكثار، وقرائن الإختيار.

ومن المعلوم أنّ العمل الإختباريّ، والأثر المنظم لا يكون إلا عملاً إرادياً مقصوداً. فوقوع تلك الأفعال المنتظمة مفتقرٌ عقلاً إلى كون فاعلها مريداً لها، قديراً عليها أوجدها بإرادته وصنعها بقدرته، ولم تصدر عفواً أواعتباطاً بغير مشيئة من حضرته. فيحكم العقل بداهةً بكون الخالق تعالى مريداً ذا إرادة قاهرة باهرة. مع أنّها صفة كمال لا يفقدها الكامل، وفقدها نقصٌ يتنزَّه عنه ذوالكمال.[٢٧٩]

۵. أنّه تعالى مُدرك

والإدراك في أصل اللغة هو بلوغ أقصى الشيء ومنتهاه.

ويطلق في الإنسان على اطلاعه على الأمور الخارجيّة التي تدرك بالحواسّ الخمسة زائداً على العلم. فإنه قد يعلم الإنسان شيئاً فيكون عالماً به، ثم يراه عياناً فيكون مدركاً له.

لكن بالنسبة إلى الله تعالى الذي هومنزهٌ عن الحواس يدرك أقصى الشيء وغايته ومنتهاه إدراكاً لا بحاسّة.

بل للأشياء بمعنى أنّه عالم بالمدركات، أي أنّه عالم بما يدرك بالحواس إدراكاً أعظم من إدراكنا، حيث قد يقع الخطأ فيما ندركه، ولا يخطئ الله جلّ شأنه في إدراكه.

فالمراد بإدراكه تعالى هوالعلم الخاص، كما أفاده في حق اليقين[٢٨٠]، ومن هنا يعلم أنّ هذه الصفة الكمالية من صفات ذاته المقدّسة.

ويدل على هذه الصفة في الله أدلّة العلم الثلاثة المتقدمة. ويضاف إلى ذلك ما يستفاد من تقريب المعارف: «إن وجود المدرك وارتفاع الموانع تستلزم الإدراك، والله تعالى كامل مستجمع لجميع صفات الكمال، ولا سبيل للنقص والموانع إلى ذي الجلال، فيكون مدركاً لكلّ محسوس، وعالماً بكل ما يحسّ»[٢٨١].

ودلائل مدركيّته واضحةٌ بالعيان لكلّ ذي حسٍّ ووجدان...

وكيف لا يدرك المحسوسات مَن هوعالم بالغيوب والخفيّات، بل يعلم السر وأخفى؟

يعلم ما أسّره الإنسان وما نساه وغاب عن خاطره ويعلم الغيب والشهادة فيكون عالماً بالمحسوسات بالأولويّة القطعية. فالله تعالى مدركٌ لجميع الأشياء المحسوسة وعالم بكلّ شيء محسوسٍ وغير محسوس، حاضرٍ وغائب، وكلِّ غيبٍ وحضور، كما تلاحظ ذلك في أحاديث بحار الأنوار[٢٨٢].[٢٨٣]

۶. أنه تعالى قديم

قال الشيخ الصدوق في التوحيد: القديم معناه أنه المتقدم للأشياء كلها، وكلُّ متقدَّم لشيء يسمى قديماً إذا بولغ في الوصف، ولكنّه سبحانه قديم لنفسه بلا أوّل ولا نهاية، وسائر الأشياء لها أوّل ونهاية، ولم يكن لها هذا الإسم في بدئها فهي قديمة من وجه ومحدثة من وجه»[٢٨٤].

وقال في المجمع: «القديم من أسمائه تعالى وهوالموجود الذي لم يزل... وإن شئت فسّرته بالموجود الذي ليس لوجوده ابتداء، وأصل القديم في اللسان: السابق، فيقال: الله قديم، بمعنى أنّه سابق الموجودات كلّها»[٢٨٥].

وقال الشيخ الكفعمي في المصباح: «القديم هوالمتقدم على الأشياء الذي ليس لوجوده أوّل، والذي لا يسبقه العدم»[٢٨٦].

وقد تطابق على قدمه تعالى الدليل النقليّ والعقلي المفيدان للعلم بأنّه تعالى قديم جلّ جلاله وعظم شأنه.

أما الدليل النقلي فكما يلي:

  1. خطبة أميرالمؤمنين(ع) في نهج البلاغة: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا تُدْرِكُهُ الشَّوَاهِدُ ولَا تَحْوِيهِ الْمَشَاهِدُ ولَا تَرَاهُ النَّوَاظِرُ ولَا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ الدَّالِّ عَلَى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ وبِحُدُوثِ خَلْقِهِ..."[٢٨٧].
  2. رواية "أَبِي الْحَسَنِ الْمَوْصِلِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ(ع) قَالَ: جَاءَ حِبْرٌ مِنَ الْأَحْبَارِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع) فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَتَى كَانَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ لَهُ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ومَتَى لَمْ يَكُنْ حَتَّى يُقَالَ مَتَى كَانَ كَانَ رَبِّي قَبْلَ الْقَبْلِ بِلَا قَبْلٍ ويَكُونُ بَعْدَ الْبَعْدِ بِلَا بَعْدٍ ولَا غَايَةَ ولَا مُنْتَهَى لِغَايَتِهِ انْقَطَعَتِ الْغَايَاتُ عَنْهُ فَهُومُنْتَهَى كُلِّ غَايَةٍ"[٢٨٨].
  3. رواية "مَيْمُونٍ الْبَانِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع) وقَدْ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ جَلَّ وعَزَّ هُوالْأَوَّلُ وَالْآخِرُ[٢٨٩]. فَقَالَ: الْأَوَّلُ لَا عَنْ أَوَّلٍ قَبْلَهُ ولَا عَنْ بَدْءٍ سَبَقَهُ وآخِرٌ لَا عَنْ نِهَايَةٍ كَمَا يُعْقَلُ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ ولَكِنْ قَدِيمٌ أَوَّلٌ آخِرٌ لَمْ يَزَلْ ولَا يَزَالُ بِلَا بَدْءٍ ولَا نِهَايَةٍ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْحُدُوثُ ولَا يُحَوَّلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ"[٢٩٠].
  4. رواية "نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ أَبَا جَعْفَرٍ(ع) قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَتَى كَانَ؟ فَقَالَ لَهُ: وَيْلَكَ أَخْبِرْنِي أَنْتَ مَتَى لَمْ يَكُنْ حَتَّى أُخْبِرَكَ مَتَى كَانَ سُبْحَانَ مَنْ لَمْ يَزَلْ ولَا يَزَالُ فَرْداً صَمَداً لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً ولَا وَلَداً"[٢٩١].
  5. رواية "أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: أَخْرَجَ أَبُوعَبْدِ اللَّهِ(ع) حُقّاً[٢٩٢] فَأَخْرَجَ مِنْهُ وَرَقَةً فَإِذَا فِيهَا: سُبْحَانَ الْوَاحِدِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ الْقَدِيمُ الْمُبْدِئُ الَّذِي لَا بَدْءَ لَهُ الدَّائِمُ الَّذِي لَا نَفَادَ لَهُ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ الْخَالِقُ مَا يُرَى ومَا لَا يُرَى الْعَالِمُ كُلَّ شَيْءٍ بِغَيْرِ تَعْلِيمٍ ذَلِكَ اللَّهُ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ"[٢٩٣].
  6. رواية "النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ: جَاءَ يَهُودِيٌّ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع) فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَتَى كَانَ رَبُّنَا؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ(ع): إِنَّمَا يُقَالُ: مَتَى كَانَ لِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ فَكَانَ ورَبُّنَا هُوكَائِنٌ بِلَا كَيْنُونَةِ كَائِنٍ كَانَ بِلَا كَيْفٍ يَكُونُ كَانَ لَمْ يَزَلْ بِلَا لَمْ يَزَلْ وبِلَا كَيْفٍ يَكُونُ تَبَارَكَ وتَعَالَى لَيْسَ لَهُ قَبْلٌ هُوقَبْلَ الْقَبْلِ بِلَا قَبْلٍ وبِلَا غَايَةٍ ولَا مُنْتَهَى غَايَةٍ ولَا غَايَةٍ إِلَيْهَا غَايَةٌ انْقَطَعَتِ الْغَايَاتُ عَنْهُ فَهُوغَايَةُ كُلِّ غَايَةٍ"[٢٩٤].
  7. رواية "مُحَمَّدِ بْنِ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) قَالَ: قَالَ رَأْسُ الْجَالُوتِ لِلْيَهُودِ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ عَلِيّاً مِنْ أَجْدَلِ النَّاسِ وأَعْلَمِهِمْ اذْهَبُوا بِنَا إِلَيْهِ لَعَلِّي أَسْأَلُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ أُخَطِّئْهُ فِيهَا فَأَتَاهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ. قَالَ: سَلْ عَمَّا شِئْتَ. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَتَى كَانَ رَبُّنَا؟ قَالَ يَا يَهُودِيُّ إِنَّمَا يُقَالُ مَتَى كَانَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ فَكَانَ هُوكَائِنٌ بِلَا كَيْنُونَةِ كَائِنٍ كَانَ بِلَا كَيْفٍ يَا يَهُودِيُّ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ قَبْلٌ وهُوقَبْلَ الْقَبْلِ بِلَا غَايَةٍ ولَا مُنْتَهَى غَايَةٍ ولَا غَايَةٍ إِلَيْهَا غَايَةٌ انْقَطَعَتِ الْغَايَاتُ عَنْهُ فَهُوغَايَةُ كُلِّ غَايَةٍ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ دِينَكَ الْحَقُّ وأَنَّ مَا خَالَفَهُ بَاطِلٌ"[٢٩٥].

وأما الدليل العقلي: فالعقل يحكم، والضرورة تقضي، والبرهان يفيد أنّه تعالى قديمٌ، ثبت له القدم بالوجوه العقليّة الثلاثة التالية:

  1. ما أفاده أبوالصلاح الحلبي في تقريب المعارف[٢٩٦]وهوأنه لوكان فاعل الأجناس محدَثاً غير قديم لاحتاج إلى محدِث، وذلك المحدِث يحتاج إلى محدِث آخر وذلك يقتضي وجود ما لا يتناهي، أوإثبات قديم بدون دليل، وكلا الأمرين محال.
  2. ما أفاده السيد الشبر في حق اليقين[٢٩٧]، وهوأنه تعالى لولم يكن قديماً، لم يكن وجوده واجباً، فيكون محتاجاً، يعني محتاجاً إلى ما يوجده، تعالى الله عن ذلك فهوالغني بذاته عمّا سواه، فيكون غنياً عن الإيجاد وموجوداً بالقدم.
  3. ما أفاده الميرزا حبيب الله الخوئي في شرح نهج البلاغة[٢٩٨]، وهوأنّ الأجسام كلها حادثة، لأنها غير خالية عن الحركة والسكون، وكل حادث مفتقر إلى محدِث وخالق له، وذلك المحدِث الخالق إمّا إن يكون محدَثاً فيحتاج إلى خالقٍ ويتسلسل... وإما أن يكون محدِثاً لنفسه وهوباطلٌ، فإنّ ما لا يوجد لا يمكن أن يصدر منه الوجود.

فلابدّ أن يكون المحدث الخالق قديماً أزلياً غنياً لا بداية لوجوده كما لا نهاية له، وهوالله تعالى.

وأوضح الأدلة على قدمه تعالى بحكم العقل الجازم، هوما أرشد إليه سيد الموحدين وأميرالمؤمنين(ع) بقوله: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ وبِمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ..."[٢٩٩]. وكذلك قوله: "الدَّالِّ عَلَى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ"[٣٠٠].

فإنّ العقل حينما يرى المخلوقات حوادث متّصفة بالحدوث يكشف ويحكم بأنّ خالقها قديم أزليّ، لمباينته مع خلقه، وعدم اتّصافه بالصفات التي أوجدها في خليقته.

فيستدلّ بحدوث الخلق على قدم الخالق؛ إذ العقل حينما يرى المخلوقات حوادث، يحكم بأنّ خالقها قديم أزليّ، تعالى شأنه وجَلّ كماله.[٣٠١]


۷. أنه تعالى متكلّم

الكلام في الحروف المسموعة المنتظمة، ومعنى كونه متكلِّماً هوأنّه أوجد الكلام كما في المجمع[٣٠٢].

وقال العلامة المجلسي في بحار الأنوار: «اعلم أنّه لا خلاف بين أهل الملل في كونه تعالى متكلماً لكن اختلفوا في تحقيق كلامه وحدوثه وقدمه فالإمامية قالوا بحدوث كلامه تعالى، وأنّه مؤلَّف من أصوات وحروف، وهوقائم بغيره. ومعنى كونه تعالى متكلماً عندهم أنّه موجد تلك الحروف والأصوات في الجسم كاللّوح المحفوظ أوجبرئيل أوالنبيّ(ص) أوغيرهم كشجرة موسى»[٣٠٣].

وفي منهاج البراعة[٣٠٤] أفاد أنه قد تواترت الأنباء عن الرسل والأنبياء، وأطبقت الشرايع والملل على كونه عزوجل متكلماً، لاخلاف لأحدٍ في ذلك، وإنّما الخلاف في معنى كلامه تعالى وفي قدمه وحدوثه.

فذهب أهل الحقّ من الإمامية إلى أنّ كلامه تعالى مؤلَّف من حروف وأصوات قائمةٍ بجوهر الهواء، ومعنى كونه متكلماً هوأنه موجد للكلام في جسم من الأجسام، كالمَلَك والشجر ونحو ذلك.

وعلى مذهبهم فالكلام حادث، لأنّه مؤلَّفٌ من أجزاء مترتبة متعاقبة في الوجود وكل ما هوكذلك فهو حادث.

هذا؛ ومن المعلوم أن الكلام من صفات الفعل فيكون حادثاً، فمثل الصوت الذي أوجده في شجرة موسى لابدّ وأن يكون حادثاً ويكون بحدوثه غير مجرّد أيضاً شأن سائر المخلوقات؛ فإنّ الخلقة تساوى الجسميّة.

وعلى الجملة فإيجاد الكلام ناشٍ من قدرته الخاصّة الذاتية، إلا أنّ نفس كلامه تعالى حادث محدَث، ومن صفات الفعل، بدليل تصريح نفس كلامه المجيد: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ[٣٠٥] كما أفاده في حق اليقين[٣٠٦].

ثم إن الدليل على متكلميته تعالى ثابتٌ قائم من الكتاب والسنة والعقل:

أما الكتاب فآيات كثيرة منها:

  1. قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا[٣٠٧].
  2. قوله تعالى: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي[٣٠٨].
  3. قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَومِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ[٣٠٩].

وأما السنة: فاحاديث عديدة منها:

  1. كلام أميرالمؤمنين(ع) في جواب ذعلب اليماني الوارد في نهج البلاغة، قال فيها: "مُتَكَلِّمٌ لَا بِرَوِّيَّةٍ مُرِيدٌ لَا بِهِمَّةٍ"[٣١٠].
  2. حديث "أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع) يَقُولُ: لَمْ يَزَلِ اللَّهُ جَلَّ اسْمُهُ عَالِماً بِذَاتِهِ ولَا مَعْلُومَ ولَمْ يَزَلْ قَادِراً بِذَاتِهِ ولَا مَقْدُورَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَلَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّماً؟ قَالَ الْكَلَامُ مُحْدَثٌ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ولَيْسَ بِمُتَكَلِّمٍ ثُمَّ أَحْدَثَ الْكَلَامَ"[٣١١].
  3. حديث "صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى قَالَ: سَأَلَ أَبُوقُرَّةَ الْمُحَدِّثُ عَنِ الرِّضَا(ع) فَقَالَ: أَخْبِرْنِي جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ لِمُوسَى؟ فَقَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَيِّ لِسَانٍ كَلَّمَهُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ أَمْ بِالْعِبْرَانِيَّةِ فَأَخَذَ أَبُوقُرَّةَ بِلِسَانِهِ فَقَالَ إِنَّمَا أَسْأَلُكَ عَنْ هَذَا اللِّسَانِ. فَقَالَ أَبُوالْحَسَنِ(ع): سُبْحَانَ اللَّهِ مِمَّا تَقُولُ ومَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُشْبِهَ خَلْقَهُ أَويَتَكَلَّمَ بِمِثْلِ مَا هُمْ مُتَكَلِّمُونَ ولَكِنَّهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[٣١٢] ولَا كَمِثْلِهِ قَائِلٌ فَاعِلٌ قَالَ:كَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: كَلَامُ الْخَالِقِ لِمَخْلُوقٍ لَيْسَ كَكَلَامِ الْمَخْلُوقِ لِمَخْلُوقٍ ولَا يَلْفَظُ بِشَقِّ فَمٍ ولِسَانٍ ولَكِنْ يَقُولُ لَهُ كُنْ فَكَانَ بِمَشِيئَتِهِ مَا خَاطَبَ بِهِ مُوسَى مِنَ الْأَمْرِ والنَّهْيِ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ فِي نَفَسٍ"[٣١٣].
  4. وفي الخصال عن النبي(ص): "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ نَاجَى مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ(ع) بِمِائَةِ أَلْفِ كَلِمَةٍ وأَرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ أَلْفَ كَلِمَةٍ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ولَيَالِيهِنَّ مَا طَعِمَ فِيهَا مُوسَى(ع) ولَا شَرِبَ فِيهَا فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وسَمِعَ كَلَامَهُمْ مَقَتَهُمْ لِمَا كَانَ وَقَعَ فِي مَسَامِعِهِ مِنْ حَلَاوَةِ كَلَامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ"[٣١٤].
  5. وفي التوحيد للصدوق عن الكاظم(ع) في حديث: "فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى طُورِ سَيْنَاءَ فَأَقَامَهُمْ فِي سَفْحِ الْجَبَلِ وصَعِدَ مُوسَى(ع) إِلَى الطُّورِ وسَأَلَ اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى أَنْ يُكَلِّمَهُ ويُسْمِعَهُمْ كَلَامَهُ فَكَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ وسَمِعُوا كَلَامَهُ مِنْ فَوْقُ وأَسْفَلُ ويَمِينُ وشِمَالُ ووَرَاءُ وأَمَامُ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أَحْدَثَهُ فِي الشَّجَرَةِ ثُمَّ جَعَلَهُ مُنْبَعِثاً مِنْهَا حَتَّى سَمِعُوهُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ"[٣١٥].
  6. وعن أميرالمؤمنين(ع): "كلم الله موسى تكليماً بلا جوارح وأدوات وشفة ولا لهوات سبحانه وتعالى عن الصفات"[٣١٦].
  7. في حديث احتجاج اليهود مع رسول الله(ص): "قَالَتِ الْيَهُودُ مُوسَى خَيْرٌ مِنْكَ قَالَ النَّبِيُّ(ص) ولِمَ؟ قَالُوا: لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ كَلَّمَهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ كَلِمَةٍ ولَمْ يُكَلِّمْكَ بِشَيْءٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ(ص): لَقَدْ أُعْطِيتُ أَنَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالُوا ومَا ذَاكَ قَالَ: هُوقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ[٣١٧] وحُمِلْتُ عَلَى جَنَاحِ جَبْرَئِيلَ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَجَاوَزْتُ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى[٣١٨] حَتَّى تَعَلَّقْتُ بِسَاقِ الْعَرْشِ فَنُودِيتُ مِنْ سَاقِ الْعَرْشِ إِنِّي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا ... السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ ورَأَيْتُهُ بِقَلْبِي ومَا رَأَيْتُهُ بِعَيْنِي فَهَذَا أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَتِ الْيَهُودُ: صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ وهُومَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ"[٣١٩].

وأما العقل: فلأن الكتب الإلهية والصحف السماوية والأحاديث القدسية والتكلم مع بعض المقامات النبوية، رسول الله أو كليم الله، لا تتحقق إلا بخطاب الله وكلامه وتكلمه، فهذه الأمور من اللازم البيّن فيها أن يتكلم بها الله تعالى فيكون العقل حاكماً بكونه متكلماً... له قدرة الكلام، بل أحدث الكلام، ومن كماله هذا التكلّم بهذه الأمور القدسيّة، فتكلّمه ثابتٌ بالأدلة الثلاثة الصريحة. [٣٢٠]

۸. أنه تعالى صادق

الصدق لغة ضد الكذب، ويكون أصله في القول، فيقال: قول صدق وكلام صدق، وصاحبه صادق.

وذكر في المفردات: «أن الصدق والكذب لا يكونان في القول إلا في الكلام الخبري دون غيره من أصناف الكلام كالإنشاء»[٣٢١].

لكن هذا غير صحيح، فمقتضى التحقيق أنه يطلق الصدق والكذب عرفاً على الإنشاء أيضاً إذا كان منبئاً عن شيء إلزاماً، وكان ذلك المدلول الالتزامي مطابقاً للواقع أو غير مطابق كما تلاحظه في طلب الفقير المال حيث ينبئ عن فقره فيوصف بأنه صادق أو كاذب.

وكذلك من قال شيئاً واعتقد خلافه، فإنه يكون كذباً، كما أفاده الطبرسي في المجمع[٣٢٢] استشهاداً بقوله تعالى: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ[٣٢٣]. فيكون الصدق والكذب محققاً نيةً وقولاً وعملاً.

وأضاف في مجمع البحرين: «إنّ الصدق يكون بالقول وغيره، فقوله تعالى: وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ[٣٢٤] معناه الذين صدقوا في دين الله نيةً وعملاً وقولاً، وكذا صَادِقَ الْوَعْدِ[٣٢٥] يعني إذا عمل بشيء وفي به. وقد جاء وصف الصدق في صفات الله العليا وأسمائه الحسنى»[٣٢٦].

قال الشيخ الصدوق في التوحيد: إنّ معنى كونه صادقاً هو: «أنّه صادق في وعده، ولا يبخس ثواب من يفي بعهده» [٣٢٧].

وقال الشيخ الكفعمي في المصباح: «الصادق: الذي يصدق في وعده، ولا يبخس ثواب من يفي بعهده، والصدق خلاف الكذب» [٣٢٨].

وقد ثبتت هذه الصفة الكريمة لله تعالى كتاباً وسنةً وعقلاً:

أما الكتاب: ففي مثل:

  1. قوله تعالى: وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ[٣٢٩].
  2. قوله تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا[٣٣٠].
  3. قوله تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا[٣٣١].

وأما السنة؛ ففي أحاديث كثيرة منها:

  1. خطبة أميرالمؤمنين(ع)، جاء فيها توصيف الله تعالى، بقوله(ع): "الَّذِي صَدَقَ فِي مِيعَادِهِ وارْتَفَعَ عَنْ ظُلْمِ عِبَادِهِ"[٣٣٢].
  2. حديث سليمان بن مهران، المتقدم عن التوحيد[٣٣٣]، عدّ فيها «الصادق» من أسمائه الحسنى.
  3. الأدعية المأثورة الشريفة، كدعاء الجوشن الكبير، المروي عن سيد الساجدين عن آبائه الطاهرين، وجاء فيه توصيف الله تبارك وتعالى بالصادق[٣٣٤].

وأمّا العقل: فإنّه يقضي وبديهة العقل تحكم بقبح الكذب، والقبيح لا يصدر من الله تعالى الحكيم الكامل الواجب المنزّه عن جميع القبائح والنقائص، مع أنّه غير محتاجٍ إليه وغني عنه.

والعقل يحكم بقبح الكذب من البشر المخلوق الناقص، فكيف بكونه من الله تعالى الغني الكامل؟

فهو تعالى صادق لا يكذب ولا يخلف أبداً، وله الأسماء الحسنى وهوالسميع البصير. هذا تمام الكلام في ذكر ما تشرّفنا ببيانه واخترناه من ذكر صفاته الكمالية الثبوتية.[٣٣٥]

المراجع

  1. مجمع البحرين، ص۵۲۸، مادة (علم).
  2. التوحيد، ص۲۰۱.
  3. المصباح، ص۳۴۰.
  4. سورة سبأ: ۳.
  5. سورة البقرة: ۲۳۱.
  6. سورة التوبة: ۷۸.
  7. بحار الأنوار، ج۴، ص۷۴.
  8. حق اليقين، ج۱، ص۲۵.
  9. بحار الأنوار، ج۴، ص۸۷.
  10. سورة الملك: ۱۴.
  11. سورة ق: ۱۶.
  12. القرط: هوما يعلق في شحمة الأذن من دُرة أوجوهرة مصوغة.
  13. التوحيد، ص۱۳۷.
  14. سورة الفصلت: ۵۳.
  15. الاحتجاج للطبرسي، ج۱، ص۲۰۱.
  16. عيون الأخبار، ج۱، ص۱۵۱.
  17. بحار الأنوار، ج۳، ص۵۷-۱۵۱.
  18. المشيمة: غشاء الجنين الذي يخرج معه عند الولادة.
  19. الإداوة بكسر الهمزة: اناء صغير من جلد يُتخذ للماء.
  20. بحار الأنوار، ج۳، ص۶۲.
  21. الزق بكسر الزاء: الجلد النافخ الذي يستعمل في المزمار.
  22. بحار الأنوار، ج۳، ص۷۱.
  23. وفي نسخة الأشراح، وهي العُرى.
  24. بحار الأنوار، ج۳، ص۷۳.
  25. إي ما يجرحه ويؤذيه.
  26. بحار الأنوار، ج۳، ص۷۳.
  27. وفي بعض النسخ: اللولب، وهي الآلة ذات محور له دوائر ناتئة.
  28. بحار الأنوار، ج۳، ص۷۴.
  29. بحار الأنوار، ج۳، ص۷۶.
  30. الكرى: النعاس الذي يكون مع فتور الأعصاب وتراخي الأجفان، والإجمام هي الراحة.
  31. أي يبعثه ويسوقه إليه.
  32. الحشم: هم الخدم والعيال، والقُوّام: جمع القيّم، وهوالمتولي على الشيء.
  33. بحار الأنوار، ج۳، ص۷۸.
  34. فُسّر الوهم بالقوة النفسية التي تدرك المعاني غير المحسوسة.
  35. سَلا عن الشيء: أي نسيه وذهل عن ذكره وطابت نفسه عنه.
  36. بحار الأنوار، ج۳، ص۸۰.
  37. في نسخة البحار هنا زيادة يكون.
  38. بحار الأنوار، ج۳، ص۸۳.
  39. السِّرب بكسر السين هو: القطيع والمجموعة، والقطا واحده القطاة: ضرب من الحمام ذي طوق معروف، والظباء جمع ظبية وهي: أنثى الغزال.
  40. أي المشي الكثير والحركة المجهدة.
  41. أي الدقيقة المُتعبة... فهذا مما يدعوإلى المساعدة والمعاضدة بين أفراد الإنسان.
  42. الدعار: جمع داعر وهوالشخص الخبيث.
  43. يقال: خوّله الله تعالى نعمةً أي أعطاه.
  44. بحار الأنوار، ج۳، ص۸۷.
  45. اُمّات جمع أم، قيل: إنها تستعمل في البهائم وأما في الناس فهي أمهات.
  46. الدُرّاج بضم الدال وتشديد الراء: ضرب من الطير، أرقط بسواد وبياض أوانقط.
  47. القَبّج بفتح القاف وسكون الباء وقيل: بفتحهما وهو: الحجل أونوع منه، معرّب (كبك).
  48. بحار الأنوار، ج۳، ص۹۷.
  49. النير بكسر النون هي: الخشبة المعترضة في عنق الثورين باداة الحرث.
  50. أي تستأصلهم وتهلكهم.
  51. في نسخة: وضيّقت عليهم.
  52. الدغار بتخفيف الغين هو: الاختلاس، وفي بعض النسخ: الذعار.
  53. بحار الأنوار، ج۳، ص۹۴.
  54. المشفر بكسر الميم هي شفة الحيوان، وفي الفيل هوالخرطوم.
  55. بحار الأنوار، ج۳، ص۹۶.
  56. المها جمع مهاة، وهي: البقرة الوحشية.
  57. الوعول جمع وعل، وهو: المعز الجبلي.
  58. الأيائل جمع أيّل، نوع من الوعول يمتاز بقرون متشعبة يسمى بالفارسية: گوَزن.
  59. الكراكي جمع كركي بضم الكاف الأولى: طائر كبير أغبر اللون، طويل العنق والرجلين، أبتر الذنب، يأوي إلى الماء.
  60. بحار الأنوار، ج۳، ص۹۹.
  61. الدُلفين بضم الدال وسكون اللام: من الحيتان البحرية الكبيرة تسمى في العربية الدخس.
  62. الجؤجؤ من الطائر هو: الصدر، والجمع جآجئ.
  63. أي يحمله ويرفعه.
  64. الجاسي هو: الصلب، وعدم الانسجاح هو: عدم الليونة، ولا يتقصّف، أي لا ينكسر.
  65. الغريض هو: الطريّ.
  66. عُجم العنب هو: نواه الصغير.
  67. الرفد بكسر الراء هي: المعونة والعطاء.
  68. الوكر بفتح الواوهو: عش الطائر.
  69. أي تصيح.
  70. المُحّ بضم الميم هي: صُفرة البيض، والخاثر هو: الثخين.
  71. في نسخة: ليغتذي به.
  72. القانصة للطير كالمعدة للإنسان.
  73. سلوك جمع سلك وهو: الخيط.
  74. تنطبق هذه الأوصاف على الطائر المائي المعروف بالأنيس.
  75. الربيئة: العين التي ترقب.
  76. الهوينا: الرفق والتؤدة.
  77. البشم: الاتخام من الطعام.
  78. الهام جمع هامة: نوع من البوم الصغير.
  79. اليعاسيب جمع يعسوب، هو: ذكر النحل وأميرها.
  80. من النشوز بمعنى الارتفاع عن المكان.
  81. ابن تمرة: طائر أصغر من العصفور جميل المنظر له منقار دقيق يمتص به التمر والزهر.
  82. بحار الأنوار، ج۳، ص۱۰۳.
  83. بحار الأنوار، ج۳، ص۱۰۸.
  84. الجواشن جمع جوشن، وهو: الدرع.
  85. أي يطلبه في موضعه.
  86. الصماخ بكسر الصاد: خرق الاُذن الباطن الذي ينفذ إلى الرأس، وعبّ الماء بمعنى شربه بمصّ من غير تنفّس.
  87. جمع الجمع للأجمة بمعنى الشجر الكثير الملتف، وقيل: الآجمة تكون من القصب.
  88. القرمز هو: الصبغ الأحمر.
  89. الحلزون: دويبة صغيرة تكون في صدف وهي المعروفة بالبُزاق.
  90. بحار الأنوار، ج۳، ص۱۰۹.
  91. الإجانة بكسر الهمزة وتشديد الجيم: إناء تُغسل فيه الثياب.
  92. بحار الأنوار، ج۳، ص۱۱۱.
  93. البوار هو: الهلاك والكساد والبطلان.
  94. يتعاوران بمعنى يتداولان.
  95. أَخْوَت أي جاعت، وانتكثت بمعنى انتقضت.
  96. أي المشرق والمغرب.
  97. بحار الأنوار، ج۳، ص۱۱۸.
  98. الكِلس بكسر الكاف: حجر معروف يستخدم في البناء والطلاء يسمى بالساروج.
  99. الجبس: حجر الجص الذي يبنى به.
  100. جمع الزرنيخ، وهو: عنصر سنجابي اللون لمّاع صلب وسمٌ معدني.
  101. المرتك هو: اكسيد الرصاص يسمى (مرداسنج).
  102. وفي نسخة التوتيا وهو: معدن صلب أبيض ويسمى بالخارصين وأكسيد الزنك.
  103. الزيبق هو: الفلز المعروف السائل الكثيف اللمّاع. والمعادن الباقية معروفة.
  104. الشبه بكسر الشين هو: النحاس الأصفر.
  105. بحار الأنوار، ج۳، ص۱۲۸.
  106. التلقيح في النخل يحصل في أعذاق النخيل التي هي على هيأة السنابل المغلّفه بقشرة سميكه تشبه في هيكلها السمكة، فتُجعل سنابل من الذكور وسط سنابل الأناث أويجعل طحين زهر الفحل الجاف عوض السنبلة الطريّة فيحصل التلقيح.
  107. الجذع: ساق النخلة، والقنوان جمع قنا والقنوبكسر القاف: العذق وهومن النخل كالعنقود من العنب.
  108. المستحصف هو: الشديد المستحكم.
  109. التوابيت جمع تابوت بمعنى الصندوق.
  110. الأظراف جمع ظريف لعله جاء بمعنى الأشياء الظريفة، أوجمع ظرف بمعنى الوعاء.
  111. بحار الأنوار، ج۳، ص۱۳۴.
  112. العقاقير جمع عَقّار بالفتح ثم التشديد: ما يتداوى به من النبات والشجر في أصول الأدوية.
  113. الشيطرج: نبات ينبت غالباً في المقابر والجدران القديمة، له ورق عريض دقيق وزهر أحمر إلى بياض يسمى بمسواك الراعي.
  114. الأفتيمون: نبات أحمر إلى غُبره ذوعروق دقائق وأوراق صغار وبذره أصغر من حب الخشخاش يلتّف بما يليه وهومسهلٌ للسوداء
  115. السكبينج أوالسكنبيج: صمغ النبات يشبه الخيار يُجلب من اصفهان.
  116. البردي: نبات كالقصب ينبت في المستنقعات والشواطئ، في أصول سيقانه زغب ناعم كالقطن ذوحلاوة قليلة.
  117. بحار الأنوار، ج۳، ص۱۳۵.
  118. بحار الأنوار، ج۴، ص۸۷.
  119. سورة البقرة: ۲۳۱.
  120. مجمع البحرين ص۵۲۸.
  121. أصول الكافي، ج۱، ص۱۰۷، باب صفات الذات ح۱.
  122. سورة يونس: ۱۰۸.
  123. سورة النساء: ۱۱۱.
  124. توحيد الصدوق ص۳۶۰، باب نفي الجبر والتفويض، ح۳.
  125. توحيد الصدوق ص۳۶۲، باب نفي الجبر والتفويض، ح۸.
  126. توحيد الصدوق ص۳۶۲، باب نفي الجبر والتفويض، ح۱۰.
  127. توحيد الصدوق، ص۱۳۴، الباب ۱۰، ح۱.
  128. توحيد الصدوق، ص۱۳۴، الباب ۱۰، ح۳.
  129. توحيد الصدوق، ص۱۳۵، الباب ۱۰، ح۵.
  130. توحيد الصدوق، ص۱۳۵، الباب ۱۰، ح۶.
  131. توحيد الصدوق، ص۱۳۶، الباب ۱۰، ح۷.
  132. سورة الجاثية: ۲۹.
  133. سورة الأنعام: ۲۸.
  134. سورة البقرة: ۳۰.
  135. توحيد الصدوق، ص۱۳۶، الباب ۱۰، ح۸.
  136. توحيد الصدوق، ص۱۳۷، الباب ۱۰، ح۹.
  137. توحيد الصدوق، ص۱۳۷، الباب ۱۰، ح۱۱.
  138. توحيد الصدوق، ص۱۳۸، الباب ۱۰، ح۱۴.
  139. توحيد الصدوق، ص۱۳۸، الباب ۱۰، ح۱۶.
  140. توحيد الصدوق، ص۱۴۰، الباب ۱۱، ح۴.
  141. توحيد الصدوق، ص۱۴۴، الباب ۱۱، ح۸.
  142. توحيد الصدوق، ص۱۴۷، الباب ۱۱، ح۱۷.
  143. توحيد الصدوق، ص۱۴۴، الباب ۱۱، ح۱۰.
  144. توحيد الصدوق، ص۱۴۵، الباب ۱۱، ح۱۲.
  145. توحيد الصدوق، ص۱۴۵، الباب ۱۱، ح۱۳.
  146. أي من حيث المفهوم لا من حيث الحقيقة.
  147. توحيد الصدوق، ص۱۴۶، الباب ۱۱، ح۱۴.
  148. توحيد الصدوق، ص۱۴۶، الباب ۱۱، ح۱۶.
  149. سورة طه: ۷.
  150. بحار الأنوار، ج۴، ص۷۹، الباب ۲، ح۲.
  151. سورة الغافر: ۱۹.
  152. بحار الأنوار، ج۴، ص۸۰، الباب ۲، ح۴.
  153. سورة لقمان: ۳۴.
  154. بحار الأنوار، ج۴، ص۸۲، الباب ۲، ح۹.
  155. بحار الأنوار، ج۴، ص۹۲، الباب ۲، ح۴۴ والنينان جمع نون وهوالحوت.
  156. سورة الأنعام: ۷۳.
  157. بحار الأنوار، ج۴، ص۷۹، الباب ۲، ح۳.
  158. سورة هود: ۷.
  159. بحار الأنوار، ج۴، ص۸۰، الباب ۲، ح۵.
  160. سورة الرعد: ۱۰.
  161. سورة الرعد: ۱۰.
  162. سورة الرعد: ۱۰.
  163. بحار الأنوار، ج۴، ص۸۲، الباب ۲، ح۸.
  164. بحار الأنوار، ج۴، ص۸۸، الباب ۲، ح۲۶.
  165. سورة البقرة: ۲۵۵.
  166. بحار الأنوار، ج۴، ص۸۹، الباب ۲، ح۲۷.
  167. بحار الأنوار، ج۴، ص۸۹، الباب ۲، ح۳۲.
  168. سورة آل عمران: ۱۴۲.
  169. بحار الأنوار، ج۴، ص۹۰، الباب ۲، ح۳۵.
  170. سورة الأنعام: ۵۹.
  171. يقال: أهلَّ الصبي أي رفع صوته بالبكاء حين الولادة.
  172. بحار الأنوار، ج۴، ص۹۰، الباب ۲، ح۳۶.
  173. سورة التوبة: ۶۷.
  174. بحار الأنوار، ج۴، ص۹۱، الباب ۲، ح۳۸.
  175. سورة الرعد: ۸.
  176. بحار الأنوار، ج۴، ص۹۱، الباب ۲، ح۳۹.
  177. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 67-123.
  178. التوحيد للصدوق، ص۲۰۱.
  179. المصباح، ص۳۲۷.
  180. حق اليقين، ج۱، ص۲۹.
  181. مجمع البحرين، ص۲۴، مادة (حيء).
  182. المفردات، ص۱۳۹.
  183. سورة الأنبياء: ۳۰.
  184. سورة فاطر: ۲۲.
  185. سورة الأنعام: ۱۲۲.
  186. سورة الأنفال: ۲۴.
  187. سورة آل عمران: ۱۶۹.
  188. سورة البقرة: ۲۵۵.
  189. سورة آل عمران: ۱-۲.
  190. سورة الفرقان: ۵۸.
  191. سورة الغافر: ۶۵.
  192. توحيد الصدوق، ص۱۳۷، الباب ۱۰، ح۱۱.
  193. توحيد الصدوق، ص۱۳۸، الباب ۱۰، ح۱۲.
  194. توحيد الصدوق، ص۱۳۸، الباب ۱۰، ح۱۳.
  195. توحيد الصدوق، ص۱۴۰، الباب ۱۱، ح۴.
  196. توحيد الصدوق، ص۱۴۱، الباب ۱۱، ح۵.
  197. سورة القصص: ۸۸.
  198. سورة الأعراف: ۵۴.
  199. توحيد الصدوق، ص۱۴۱، الباب ۱۱، ح۶.
  200. توحيد الصدوق، ص۱۴۶، الباب ۱۱، ح۱۴.
  201. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 123-128.
  202. سورة الفاتحة: ۴.
  203. التوحيد، ص۱۹۸.
  204. المصباح، ص۳۳۰.
  205. سورة البقرة: ۲۰.
  206. مجمع البيان، ج۱، ص۵۹.
  207. مرآة الأنوار، ص۱۸۰.
  208. مجمع البحرين، ص۲۹۵، مادة (قدر).
  209. سورة النور: ۴۵.
  210. سورة القمر: ۵۵.
  211. المفردات، ص 394ز
  212. سورة البقرة: ۲۰.
  213. سورة الكهف: ۴۵.
  214. سورة الاسراء: ۹۹.
  215. سورة الفاطر: ۴۴.
  216. سورة يس: ۸۲.
  217. إلى آخر الحديث الذي تقدم تمامه.
  218. توحيد الصدوق، ص۱۲۴، الباب ۹، ح۲.
  219. توحيد الصدوق، ص۱۲۵، الباب ۹، ح۳.
  220. أي لا ترخ عنانك إلى قبول ما يلقي عليك حتى يعقلك في مقام الجدال بما قبلت منه.
  221. أي أعلم كلامك وميّز ما فيه نفعك أوضررك حق التمييز حتى تتكلم بما فيه نفعك وتسكت عما فيه ضررك حتى لا يخصمك.
  222. توحيد الصدوق، ص۱۲۵، الباب ۹، ح۴.
  223. توحيد الصدوق، ص۱۲۷، الباب ۹، ح۵.
  224. سورة الأنعام: ۹۱.
  225. توحيد الصدوق، ص۱۲۷، الباب ۹، ح۶.
  226. توحيد الصدوق، ص۱۲۸، الباب ۹، ح۷.
  227. توحيد الصدوق، ص۱۳۰، الباب ۹، ح۱۲.
  228. سورة البقرة: ۲۶۰.
  229. سورة البقرة: ۲۶۰.
  230. سورة البقرة: ۲۶۰.
  231. سورة الحديد: ۲.
  232. توحيد الصدوق، ص۱۳۲، الباب ۹، ح۱۴.
  233. سورة الأنعام: ۳.
  234. توحيد الصدوق، ص۱۳۲، الباب ۹، ح۱۵.
  235. سورة الزخرف: ۸۴.
  236. سورة الزخرف: ۸۴.
  237. توحيد الصدوق، ص۱۳۳، الباب ۹، ح۱۶.
  238. توحيد الصدوق، ص۱۳۳، الباب ۹، ح۱۷.
  239. بحار الأنوار، ج۴، ص۱۳۶، الباب ۴، ح۲.
  240. غرر الحكم ودرر الكلم، ص۴۹۳.
  241. التوحيد، ص۱۳۴.
  242. سورة البقرة: ۲۰.
  243. سورة الفصلت: ۴۶.
  244. سورة الذاريات: ۵۶.
  245. البرهان، ج۲، ص۱۰۵۱.
  246. حق اليقين، ج۱، ص۲۳.
  247. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 123-143.
  248. تقريب المعارف، ص۸۰.
  249. سورة النحل: ۴۰.
  250. بحار الأنوار، ج۴، ص۱۳۸.
  251. مجمع البحرين، ص۵۲، مادة (شيأ).
  252. أصول الكافي، ج۱، ص۱۰۹، ح۳.
  253. التوحيد، ص۳۴۶.
  254. أصول الكافي، ج۱، ص۱۵۱، ص۴.
  255. حق اليقين، ج۱، ص۳۰.
  256. حق اليقين، ج۱، ص۳۲.
  257. مرآة الأنوار، ص۱۰۷.
  258. سورة النساء: ۲۶.
  259. سورة المائدة: ۶.
  260. سورة هود: ۱۰۷.
  261. سورة الحج: ۱۴.
  262. سورة الأحزاب: ۳۳.
  263. توحيد الصدوق، ص۳۳۶، الباب ۵۵، ح۱.
  264. توحيد الصدوق، ص۳۳۷، الباب ۵۵، ح۳.
  265. توحيد الصدوق، ص۳۳۷، الباب ۵۵، ح۴.
  266. توحيد الصدوق، ص۳۳۸، الباب ۵۵، ح۵.
  267. سورة النساء: ۷۹.
  268. توحيد الصدوق، ص۳۳۸، الباب ۵۵، ح۶.
  269. توحيد الصدوق، ص۳۳۸، الباب ۵۵، ح۷.
  270. سورة المائدة: ۷۳.
  271. توحيد الصدوق، ص۳۳۹، الباب ۵۵، ح۹.
  272. توحيد الصدوق، ص۳۴۰، الباب ۵۵، ح۱۰.
  273. سورة يونس: ۹۹.
  274. سورة ص: ۸۶.
  275. سورة يونس: ۹۹.
  276. سورة يونس: ۹۹.
  277. سورة يونس: ۱۰۰.
  278. توحيد الصدوق، ص۳۴۱، الباب ۵۵، ح۱۱.
  279. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 143-151.
  280. حق اليقين، ج۱، ص۳۰.
  281. تقريب المعارف، ص۸۴.
  282. بحار الأنوار، ج۴، ص۷۹، الباب ۲، ح۲ و۳، وقد مرّ آنفاً الحديثان الدالان عليه في بحث "إِنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ" ص۹۵ و۹۶، ح۱۹ و۲۳.
  283. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 151-153.
  284. التوحيد، ص۲۰۹.
  285. مجمع البحرين، ص۵۳۱، مادة (قدم).
  286. المصباح، ص۳۴۴.
  287. نهج البلاغة، ص۱۳۷ رقم الخطبة ۱۸۰ من الطبعة المصرية.
  288. بحار الأنوار، ج۳، ص۲۸۳، الباب ۱۲، ح۱.
  289. سورة الحديد: ۳.
  290. بحار الأنوار، ج۳، ص۲۸۴، الباب ۱۲، ح۲.
  291. بحار الأنوار، ج۳، ص۲۸۴، الباب ۱۲، ح۳.
  292. الحُقّ والحُقّه بضم الحاء: وعاءٌ من خشب.
  293. بحار الأنوار، ج۳، ص۲۸۵، الباب ۱۲، ح۴.
  294. بحار الأنوار، ج۳، ص۲۸۵، الباب ۱۲، ح۶.
  295. بحار الأنوار، ج۳، ص۲۸۶، الباب ۱۲، ح۷.
  296. تقريب المعارف، ص۷۶.
  297. حق اليقين، ج۱، ص۲۹.
  298. منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، ج۹، ص۱۷۴.
  299. نهج البلاغة، ص۵۳، رقم الخطبة ۱۴۸ من الطبعة المصرية.
  300. نهج البلاغة، ص۱۳۷، رقم الخطبة ۱۸۰ من الطبعة المصرية.
  301. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 153-158.
  302. مجمع البحرين، ص۵۳۶ مادة (كلم).
  303. بحار الأنوار، ج۴، ص۱۵۰.
  304. منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، ج۱۰، ص۲۶۳.
  305. سورة الأنبياء: ۲.
  306. حق اليقين، ج۱، ص۳۳.
  307. سورة النساء: ۱۶۴.
  308. سورة الأعراف: ۱۴۳.
  309. سورة الشورى: ۵۱.
  310. نهج البلاغة، ص۱۲۰، رقم الخطبة ۱۷۴ من الطبعة المصرية.
  311. بحار الأنوار، ج۴، ص۱۵۰، الباب ۶، ج۱.
  312. سورة الشورى: ۱۱.
  313. بحار الأنوار، ج۴، ص۱۰۲، الباب ۶، ح۴.
  314. تفسير الصافي، ج۱، ص۵۲۱.
  315. تفسير الصافي، ج۱، ص۵۲۲.
  316. تفسير الصافي، ج۱، ص۵۲۲.
  317. سورة الاسراء: ۱.
  318. سورة النجم: ۱۵.
  319. الاحتجاج للطبرسي، ج۱، ص۵۵.
  320. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 158-163.
  321. المفردات للراغب، ص۲۷۷.
  322. مجمع البيان، ج۱۰، ص۲۹۰.
  323. سورة المنافقون: ۱.
  324. سورة التوبة: ۱۱۹.
  325. سورة مريم: ۵۴.
  326. مجمع البحرين، ص۴۳۷ مادة (صدق).
  327. التوحيد، ص۲۰۷.
  328. المصباح، ص۳۴۲.
  329. سورة الحجر: ۶۴.
  330. سورة النساء: ۸۷.
  331. سورة النساء: ۱۲۲.
  332. نهج البلاغة، ص۱۳۸ رقم الخطبة ۱۸۰ من الطبعة المصرية.
  333. التوحيد، ص۱۹۴، الباب ۲۹، ح۸، المتقدم في ص۵۳ من الكتاب.
  334. البلد الأمين، ص۴۰۴.
  335. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 163-165.