سرمدية الله

من إمامةبيديا
(بالتحويل من أبدية الله)

أزلية الله وأبديته

الأزلية والأبدية من الصفات الثبوتية لله، ويرى عموم المتألهين أن الله موجود أزلي، بمعنى أنه موجود من الأزل ولم يمض زمان لا يوجد فيه الله ومن جهة أخرى الله موجود أبدي فلم يأت زمان يعدم فيه سبحانه. بعبارة أخرى: الله لم ولن يعدم لا في الماضي ولا في المستقبل [١].

قد يُستعمل لفظا (القديم) و(الباقي) مع لفظتي (الأزلي) و(الأبدي) وزيادة على هذه الألفاظ الأربع، قد تُستعمل أيضاً صفة (السرمدي) وتطلق على الله، ومقصود المتكلمين منها هو المعنى المركب من وصفي الأزلي والأيدي، فالموجود السرمدي، هو الموجود الذي يوجد في كل زمان أعم من الماضي والحال والمستقبل.[٢]

تفسيران لأزلية الله وأبديته

يلزم أن نذكر أن هناك رأيين في هذا الباب نتحصل عليهما بالتأمل في آراء العلماء المسلمين في تفسير أزلية وأبدية الله. في التفسير الأول، الله موجود في كل زمان، موجود في الماضي والحال والمستقبل؛ هذا التفسير يتضمن أن الله موجود زماني ومُقيد بالزمان. ولكن من التفسير الثاني نستفيد أن الله أعلى من القيود الزمانية ومُحيط بالزمان والموجودات الزمانية وفي القول بأن الله كان موجوداً في الماضي دائماً وأنه موجود في المستقبل على الدوام) مسامحة. وإن كان تصور عموم الناس - بل حتى غالب المتكلمين - لمعنى أزلية وأبدية الله هو التصور الأول لكن المعنى الثاني هو الصحيح. لأن إطلاق وجود الله بمعنى ذاته غير مقيدة بقيد أو حد حتى قيد الزمان؛ بل أن الزمان بمعناه الشائع هو من خصوصيات الموجودات المادية والمتحركة والذات الإلهية منزهة عن المادية والحركة. فعندما نتكلم عن أزلية الله وأبديته يجب التوجه إلى المعنى الدقيق والمناسب لهما وهو أن ذات الله أعلى من الزمان وتُحيط بالموجودات الزمانية، ولا يُمكن تصور عدمها في أيّ فرض من الفروض. والحق أنه طالما أننا محصورون في عالم الطبيعة والمادة فإن وجودنا وجود زماني، كسائر الموجودات الطبيعية فيصعب علينا تصور موجود أعلى من الزمان بحيث يكون الماضي والحال والمستقبل له سيان.[٣]

الدليل على أزلية الله وأبديته

من أقصر الأدلة التي ذكرت، والمبتني على أن الله واجب الوجود هو: بما أن الله واجب الوجود - بمعنى أن الوجود ضروري له ويمتنع سلب الوجود عن ذاته المقدسة -، فوجوب الوجود يستلزم عدم إمكان سلب الوجود عن ذاته مطلقاً، وهذا يعني أن الذات الإلهية غير مسبوقة بالعدم ولا يلحق بها العدم وهذا هو معنى أزلية الله وأبديته. وأشار المحقق الطوسي إلى هذا البرهان بعبارة موجزة: "و وجوب الوجود يدل على سرمديته"[٤] ويُستفاد من هذا الاستدلال أيضاً أن الأزلية والأبدية من المعاني المتلازمة، فإذا كان هناك موجوداً أزلياً فهو أبدي قطعاً. وقد ذكر المتكلمون أدلة أخرى نعرض عن ذكرها خوفاً من الإطالة ويُمكن للطالب مراجعة كتبهم[٥].[٦]

أزلية الله وأبديته في القرآن والروايات

لم يُذكر اصطلاحاً الأزلية والأبدية في القرآن الكريم، لكن ذكرت تعابير أخرى تُثبت هاتين الصفتين للحق تعالى، مثلاً: القرآن يطلق على الله عنواني الأول والآخر: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[٧] ذكر المفسرون في تفسير كلمتي الأول والآخر عدة احتمالات، والظاهر أن المقصود من هاتين الصفتين هو الأزلية والأبدية ويؤيد هذا المعنى بعض الروايات. مثلاً: يقول الأمير(ع) في خطبة الأشباح: «الْأَوَّلُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلٌ فَيَكُونَ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَ الْآخِرُ الَّذِي لَيْسَ لهُ بَعْدٌ فَيَكُونَ شَيْءٌ بَعْدَهُ»[٨]و[٩]، وجاء في حديث آخر عن الإمام الصادق(ع): «الْأَوَّلُ لَا عَنْ أَوَّلٍ قَبْلَهُ وَ لَا عَنْ بَدْءٍ سَبَقَهُ وَ آخِرٌ لَا عَنْ نِهَايَةٍ ... لَمْ يَزَلْ وَ لَا يَزَالُ بِلَا بَدْءٍ وَ لَا نِهَايَةٍ»[١٠]، بالتوجه إلى الأحاديث المذكورة يتضح أن المقصود من الأول والآخر ليس فقط أن الله هو أول وآخر موجود؛ لأن هذا لا يستلزم الأزلية والأبدية، ويتصور هذا الفرض أن الله حادث قبل كل الموجودات وفاني بعد كل الموجودات!، بل المقصود من الأولية والآخرية للحق أن لا يتصور له قبل أو بعد أو بدء أو منتهى ولا يسبق أو يلحق وجوده بالعدم. تؤكد بعض آيات القرآن الكريم على خصوص الأبدية لله وعدم قابليته للفناء: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ[١١]، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ[١٢]، يرى كثير من المفسرين أن المقصود من (وجه الله) هو ذات الله وعلى هذا فالآيات السابقة تؤكد بنوع ما على بقاء وأبدية الله سبحانه وتعالى.[١٣]

المراجع والمصادر

  1. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي

الهوامش

  1. سوف يأتي المعنى الأدق لهاتين الصفتين قريباً.
  2. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٥٢.
  3. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٥٣.
  4. كشف المراد، ص۳۱۵.
  5. مثلاً: يُمكن الرجوع إلى: العلامة الحلي، مناهج اليقين، ص۱۷۹.
  6. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٥٣-٢٥٤.
  7. سورة الحديد: ۳.
  8. قيل: وجوده سبحانه ليس بزماني فلا يطلق عليه القبلية والبعدية، كما يطلق على الزمانيات، فمعناه الأول الذي لا يصدق عليه القبلية ليُمكن أن يكون شئ [ما] قبله، والآخر الذي لا يصدق عليه البعدية الزمانية ليُمكن أن يكون شئ ما بعده. وقد يحمل على وجه آخر وهو أنه لم يكن سبقه عدم فيُقال: إنه مسبوق بشئ من الأشياء إما المؤثر فيه أو الزمان المقدم عليه، وأنه ليس بذات يُمكن فناؤها وعدمها فيكون بعده شئ من الأشياء إما الزمان أو غيره. ويُمكن أن يكون المراد بالقبل الزمان المتقدم سواء كان أمراً موجوداً أو موهوماً، وبالشئ موجوداً من الموجودات، أي: ليس قبله زمان حتى يتصور تقدم موجود عليه، وكذا بقاء موجود بعده. (نقلاً عن البحار، ج۵۴، ص۱۱۸).
  9. البحار، ج۵۴، ص۱۰۶ وص۱۱۷، وج۷۴، ص۳۱۶.
  10. معاني الأخبار: «سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع) وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ فَقَالَ الْأَوَّلُ لَا عَنْ أَوَّلٍ قَبْلَهُ وَ لَا عَنْ بَدْءٍ سَبَقَهُ وَ آخِرٌ لَا عَنْ نِهَايَةٍ كَمَا يُعْقَلُ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَ لَكِنْ قَدِيمٌ أَوَّلٌ وَ آخِرٌ لَمْ يَزَلْ وَ لَا يَزَالُ بِلَا بَدْءٍ وَ لَا نِهَايَةٍ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْحُدُوثُ وَ لَا يَحُولُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ»؛ البحار،ج۳، ص٢٨۴؛ ج۴، ص۱۸۲.
  11. سورة الرحمن: ۲۶-۲۷.
  12. سورة القصص: ۸۸.
  13. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٥٤-٢٥٥.