إرادة الله في الحديث
تمهيد
وردت روايات عديدة في بيان إرادة الله والملفت أن عموم هذه الروايات ناظرة للإرادة الفعلية لله وبعضها تنفي الإرادة كصفة قديمة زائدة على الذات، مثلاً: في الحديث الوارد عندما يسأل الراوي الإمام(ع): «لَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُرِيداً؟ فَأَجَابَهُ الْإِمَامُ(ع): إِنَّ الْمُرِيدَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمُرَادٍ مَعَهُ بَلْ لَمْ يَزَلْ عَالِماً قَادِراً ثُمَّ أَرَادَ»[١]، فالإمام(ع) في هذا الحديث الشريف يُشير إلى الإرادة الفعلية ويبين أن هكذا أوصاف لا يُمكن أن تكون قديمةً وأزليةً. بتعبير آخر ينتزع من مقام فعل الله، ولأن فعل الله حادث فلا يُمكن أن تكون أوصافه الفعلية قديمة. في حديث آخر ينقل عن الإمام الرضا(ع) أنه بالإضافة إلى بيان حقيقة الإرادة الفعلية لله نجده يؤكد على اختلاف تلك الإرادة مع إرادة الإنسان وتنزهها عن محدوديات الإرادة البشرية، جاء في الكافي بسند صحيح «عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ(ع): أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِرَادَةِ مِنَ اللَّهِ وَ مِنَ الْخَلْقِ قَالَ: فَقَالَ الْإِرَادَةُ مِنَ الْخَلْقِ الضَّمِيرُ وَ مَا يَبْدُو لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْفِعْلِ وَ أَمَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِرَادَتُهُ إِحْدَاثُهُ[٢] لَا غَيْرُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُرَوِّي وَ لَا يَهُمُّ وَ لَا يَتَفَكَّرُ وَ هَذِهِ الصِّفَاتُ مَنْفِيَّةٌ عَنْهُ وَ هِيَ صِفَاتُ الْخَلْقِ فَإِرَادَةُ اللَّهِ الْفِعْلُ لَا غَيْرُ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بِلَا لَفْظٍ وَ لَا نُطْقٍ بِلِسَانٍ وَ لَا هِمَّةٍ وَ لَا تَفَكُّرٍ وَ لَا كَيْفَ لِذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ لَا كَيْفَ لَهُ»[٣]. في بعض الروايات يُصرّح الإمام بمخلوقية وحدوث المشيئة الإلهية. مثلاً يروي عن الإمام الصادق(ع): «خَلَقَ اللَّهُ الْمَشِيئَةَ بِنَفْسِهَا ثُمَّ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِالْمَشِيئَةِ»[٤] والأمر العجيب والملفت في روايات المعصومين(ع) في هذا الباب هو قولهم بتغاير العلم والإرادة، يقول الإمام الصادق(ع) في الجواب عن أحد الأصحاب الذي سأله عن وحدة أو تغايُر العلم والإرادة: «عَنْ بُكَيْرِ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع): عِلْمُ اللَّهِ وَ مَشِيَّتُهُ هُمَا مُخْتَلِفَانِ أَوْ مُتَّفِقَانِ؟ فَقَالَ: الْعِلْمُ لَيْسَ هُوَ الْمَشِيَّةَ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَ لَا تَقُولُ سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ عَلِمَ اللَّهُ، فَقَوْلُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشَأْ فَإِذَا شَاءَ كَانَ الَّذِي شَاءَ كَمَا شَاءَ وَ عِلْمُ اللَّهِ سَابِقُ الْمَشِيَّةِ»[٥].[٦]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ توحيد الصدوق، ص۱۴۶.
- ↑ و المراد بالإرادة المحدثة أن الإرادة مخصص أحد الطرفين، فإن العلم والقدرة على الطرفين سواء، وما به يرجح ويختار أحدهما هو الإرادة والمشية المخصصة لأحد الطرفين، وهي لا يكون مثل العلم والقدرة، بل تتحقق بالعلم والقدرة فقط، ولا يحتاج الغني بذاته فيها إلى أمر خارج زائد على ذاته القدوس السبوح القادر بالقدرة الغير المتناهية.
- ↑ البحار، ج۴، ص۱۳۸.
- ↑ البحار، ج۴، ص۱۴۵.
- ↑ ميزان الحكمة، ج۳، ص۱۸۲؛ البحار، ج۴، ص۱۴۴ وجاء في بيانه: لعل المراد المشيئة المتأخرة عن العلم الحادثة عند حدوث المعلوم، وقد عرفت أنه في الله تعالى ليس سوى الإيجاد، ومغائرته للعلم ظاهر. ويحتمل أن يكون المقصود بيان عدم اتحاد مفهوميهما؛ إذ ليست الإرادة مطلق العلم؛ إذ العلم يتعلق بكل شيء، بل هي العلم بكونه خيراً وصلاحاً ونافعاً، ولا تتعلق إلا بما هو كذلك، وفرق آخر بينهما وهو أن علمه تعالى بشيء لا يستدعي حصوله بخلاف علمه به على النحو الخاص، فالسبق على هذا يكون محمولاً على السبق الذاتي الذي يكون للعام على الخاص، والأول أظهر.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٦٤-٢٦٧.