إرادة الله في علم الكلام

من إمامةبيديا

تمهيد

«الإرادة» في أصل اللغة بمعنى المشيئة، لكن إرادة الله تفترق عن إرادة المخلوقين، فإرادة الله هوفعله كما قاله أبوالصلاح الحلبي في كتابه تقريب المعارف[١].

واستدلّ لهذا المعنى بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[٢].

وإلى هذا المعنى ذهب الشيخ الجليل المفيد قدّس سره، استدلالاً له بالأخبار التي يأتي ذكرها، قال قدّس سرّه: « إنّ الإرادة من الله جلّ اسمه نفس الفعل... وبذلك جاء الخبر عن أئمة الهدى» كما حكاه عنه في البحار»[٣].

ونقل في مجمع البحرين الحديث عن الإمام الرضا(ع): "أَنَّ الْإِبْدَاعَ والْمَشِيئَةَ والْإِرَادَةَ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ والْأَسْمَاءُ ثَلَاثَةٌ"[٤].

والحجة في هذا المعنى إضافةً إلى ما تقدّم، نصّ حديث صفوان بن يحيى عن الإمام الكاظم(ع) جاء فيه ما نصّه: "الْإِرَادَةُ مِنَ الْخَلْقِ الضَّمِيرُ ومَا يَبْدُولَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْفِعْلِ وأَمَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِرَادَتُهُ إِحْدَاثُهُ لَا غَيْرُ ذَلِكَ..."[٥].

فالمستفاد من هذه الأدلة أنّ إرادة الله معناها: إحداثه للأشياء وإبداعه وفعله لها.

لكن فسّرها شيخ المحدثين الصدوق في التوحيد بقوله: «مشيّة الله وإرادته في الطاعات الأمر بها والرضا، وفي المعاصي النهي عنها والمنع منها بالزجر والتحذير»[٦].

ولعلَّ نظره قدس سرّه إلى إرادة العزم التي جاء ذكرها في حديث الفتح بن يزيد الجرجاني عن الإمام أبي الحسن الكاظم(ع)المذكور في أصول الكافي[٧].

وذكر هذا المعنى أيضاً السيد الشبر في حق اليقين بالتعبير التالي: «ومعنى إرادته لأفعال عبيده أنّه أراد إيقاع الطاعات منهم على وجه الإختيار... ومعنى كراهته تعالى لأفعال غيره نهيه إيّاهم عن إيقاع المعاصي المفسدة لهم على وجه الإختيار...»[٨].

لكن أفاد بعد هذا المعنى ما نصه: «وقد ورد في جملة من الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم سلام الملك الغفار، أنّ إرادته عبارة عن إيجاده وإحداثه، وأنها من صفات الفعل الحادثة، كالخالقيّة والرازقيّة ونحوها لا من صفات الذات بمعنى العلم بالأصلح»[٩].

وبهذا يظهر عدم تمامية قول المتكلمين في الإرادة وتفسيرهم لها بأنّها هي: «العلم بالخير والنفع وما هوالأصلح».

فإنّ هذا المعنى يرجع إلى كون الإرادة هوالعلم الذاتي، وهذا خلاف ما يأتي من الأخبار في كون الإرادة محدَثة مع ما له من تالي فاسد القِدَم وتعدد القدماء الذي ثبت بطلانه، فلا يمكن قبول هذا المعنى في الإرادة، والمُتَّبَع كلام أهل البيت الذين بهم النجاة ومنهم الهدى، وفي طريقهم الصواب، والله العاصم.

وعلى الجملة؛ فالمستفاد من الأخبار الشريفة كون إرادة الله تعالى هي نفس فعله وإحداثه وإيجاده، وهي الإرادة الحتميّة. وتطلق أيضاً على أمره بالطاعات ونهيه عن المعاصي، وهي الإرادة العزميّة.

ولذلك أفاد العلامة الكازراني في مرآة الأنوار: «تحقيق المقام أنّ الله تعالى إرادتين، إرادة حتم وإرادة عزم، فالحتمية هي ما لا يقدر العباد على ضدّ مراده، وهي من صفات فعله يتصّف بها الله تعالى عند صدور كل فعل منه، كالإماتة والاحياء والأمراض والشفاء.

والعزمية. هي إتيانه تعالى بشيء من جملة مخلوقاته لمصلحة وحكمة، كخلق جوارح الإنسان وسيلة لصالح أعماله مع استعمال العبد هذه الجوارح في الحلال أوالحرام بفعل نفسه وقد أمره الله تعالى بالحلال، ونهاه عن الحرام»[١٠].

وقد دلّت البراهين الحقّة على إرادة الله تعالى التي هي صفة من صفات كماله ووصفٌ من أوصاف جماله، دلّت عليها أدلة الكتاب والسنة والعقل، بالبيان التالي:

  1. الكتاب الكريم: في آيات عديدة مثل:
    1. قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ[١١].
    2. قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[١٢].
    3. قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ[١٣].
    4. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ[١٤].
    5. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا[١٥].
  2. السنة الشريفة: في أحاديث كثيرة منها ما يلي:
    1. حديث "مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) قَالَ: الْمَشِيَّةُ مُحْدَثَةٌ"[١٦].
    2. حديث "عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحِ قَالَ: دَخَلَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) أَوأَبِي جَعْفَرٍ(ع) رَجُلٌ مِنْ أَتْبَاعِ بَنِي أُمَيَّةَ فَخِفْنَا عَلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ لَوتَوَارَيْتَ وقُلْنَا لَيْسَ هُوهَاهُنَا. قَالَ: بَلِ ائْذَنُوا لَهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص) قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَ لِسَانِ كُلِّ قَائِلٍ ويَدِ كُلِّ بَاسِطٍ فَهَذَا الْقَائِلُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وهَذَا الْبَاسِطُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْسُطَ يَدَهُ إِلَّا بِمَا شَاءَ اللَّهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ وآمَنَ بِهَا وذَهَبَ"[١٧].
    3. حديث "الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع): أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إِلَى دَاوُدَ(ع): يَا دَاوُدُ تُرِيدُ وأُرِيدُ ولَا يَكُونُ إِلَّا مَا أُرِيدُ فَإِنْ أَسْلَمْتَ لِمَا أُرِيدُ أَعْطَيْتُكَ مَا تُرِيدُ وإِنْ لَمْ تُسْلِمْ لِمَا أُرِيدُ أَتْعَبْتُكَ فِيمَا تُرِيدُ ثُمَّ لَا يَكُونُ إِلَّا مَا أُرِيدُ"[١٨].
    4. حديث "سُلَيْمَانَ بْنِ جَعْفَرٍ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ: قَالَ الرِّضَا(ع): الْمَشِيَّةُ والْإِرَادَةُ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ مُرِيداً شَائِياً فَلَيْسَ بِمُوَحِّدٍ"[١٩].
    5. حديث "أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ الْبَزَنْطِيِّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنَّ أَصْحَابَنَا بَعْضُهُمْ يَقُولُونَ بِالْجَبْرِ وبَعْضُهُمْ بِالاسْتِطَاعَةِ. فَقَالَ لِي: اكْتُبْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى يَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِيَّتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تَشَاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ وبِقُوَّتِي أَدَّيْتَ إِلَيَّ فَرَائِضِي وبِنِعْمَتِي قَوِيتَ عَلَى مَعْصِيَتِي جَعَلْتُكَ سَمِيعاً بَصِيراً قَوِيّاً ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ[٢٠] وذَلِكَ أَنَا أَوْلَى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ وأَنْتَ أَوْلَى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي وذَلِكَ أَنِّي لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ وهُمْ يُسْئَلُونَ قَدْ نَظَمْتُ لَكَ كُلَّ شَيْءٍ تُرِيدُ"[٢١].
    6. حديث "الْعَرْزَمِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) قَالَ: كَانَ لِعَلِيٍّ(ع) غُلَامٌ اسْمُهُ قَنْبَرُ وكَانَ يُحِبُّ عَلِيّاً(ع) حُبّاً شَدِيداً فَإِذَا خَرَجَ عَلِيٌّ(ع) خَرَجَ عَلَى أَثَرِهِ بِالسَّيْفِ فَرَآهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ يَا قَنْبَرُ مَا لَكَ؟ قَالَ جِئْتُ لِأَمْشِيَ خَلْفَكَ فَإِنَّ النَّاسَ كَمَا تَرَاهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَخِفْتُ عَلَيْكَ. قَالَ: وَيْحَكَ أَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ تَحْرُسُنِي أَمْ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ؟! قَالَ: لَا بَلْ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ. قَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ لَا يَسْتَطِيعُونَ لِي شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ السَّمَاءِ فَارْجِعْ فَرَجَعَ"[٢٢].
    7. حديث "فُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع) يَقُولُ: شَاءَ وأَرَادَ ولَمْ يُحِبَّ ولَمْ يَرْضَ شَاءَ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ إِلَّا بِعِلْمِهِ وأَرَادَ مِثْلَ ذَلِكَ ولَمْ يُحِبَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ[٢٣] ولَمْ يَرْضَ لِعِبادِهِ الْكُفْرَ"[٢٤].
    8. ما روي "عَنِ النَّبِيِّ(ص) قَالَ: سَبَقَ الْعِلْمُ وجَفَّ الْقَلَمُ وتَمَّ الْقَضَاءُ بِتَحْقِيقِ الْكِتَابِ وتَصْدِيقِ الرِّسَالَةِ والسَّعَادَةِ مِنَ اللَّهِ والشَّقَاوَةِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص) كَانَ يَرْوِي حَدِيثَهُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِيَّتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تَشَاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ وبِإِرَادَتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تُرِيدُ لِنَفْسِكَ مَا تُرِيدُ وبِفَضْلِ نِعْمَتِي عَلَيْكَ قَوِيتَ عَلَى مَعْصِيَتِي وبِعِصْمَتِي وعَفْوِي وعَافِيَتِي أَدَّيْتَ إِلَيَّ فَرَائِضِي فَأَنَا أَوْلَى بِإِحْسَانِكَ مِنْكَ وأَنْتَ أَوْلَى بِذَنْبِكَ مِنِّي فَالْخَيْرُ مِنِّي إِلَيْكَ بِمَا أَولَيْتُ بَدَاءً والشَّرُّ مِنِّي إِلَيْكَ بِمَا جَنَيْتَ جَزَاءً وبِسُوءِ ظَنِّكَ بِي قَنَطْتَ مِنْ رَحْمَتِي فَلِيَ الْحَمْدُ والْحُجَّةُ عَلَيْكَ بِالْبَيَانِ ولِيَ السَّبِيلُ عَلَيْكَ بِالْعِصْيَانِ ولَكَ الْجَزَاءُ والْحُسْنَى عِنْدِي بِالْإِحْسَانِ لَمْ أَدَعْ تَحْذِيرَكَ ولَمْ آخُذْكَ عِنْدَ عِزَّتِكَ ولَمْ أُكَلِّفْكَ فَوْقَ طَاقَتِكَ ولَمْ أُحَمِّلْكَ مِنَ الْأَمَانَةِ إِلَّا مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ رَضِيتُ مِنْكَ لِنَفْسِي مَا رَضِيتَ بِهِ لِنَفْسِكَ مِنِّي"[٢٥].
    9. حديث "أَبِي الصَّلْتِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ صَالِحٍ الْهَرَوِيِّ قَالَ: سَأَلَ الْمَأْمُونُ يَوْماً عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا(ع) فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَوشَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ[٢٦] فَقَالَ الرِّضَا(ع): حَدَّثَنِي أَبِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع) أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ(ص) لَوأَكْرَهْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنَ النَّاسِ عَلَى الْإِسْلَامِ لَكَثُرَ عَدَدُنَا وقَوِينَا عَلَى عَدُوِّنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص) مَا كُنْتُ لِأَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بِبِدْعَةٍ لَمْ يُحْدِثْ إِلَيَّ فِيهَا شَيْئاً ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ[٢٧] فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى: ﴿وَلَوشَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا[٢٨] عَلَى سَبِيلِ الْإِلْجَاءِ والِاضْطِرَارِ فِي الدُّنْيَا كَمَا يُؤْمِنُونَ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ ورُؤْيَةِ الْبَأْسِ فِي الْآخِرَةِ ولَوفَعَلْتُ ذَلِكَ بِهِمْ لَمْ يَسْتَحِقُّوا مِنِّي ثَوَاباً ولَا مَدْحاً لَكِنِّي أُرِيدُ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْمِنُوا مُخْتَارِينَ غَيْرَ مُضْطَرِّينَ لِيَسْتَحِقُّوا مِنِّيَ الزُّلْفَى والْكَرَامَةَ ودَوَامَ الْخُلُودِ فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ[٢٩] وأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ[٣٠] فَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ تَحْرِيمِ الْإِيمَانِ عَلَيْهَا ولَكِنْ عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا مَا كَانَتْ لِتُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وإِذْنُهُ أَمْرُهُ لَهَا بِالْإِيمَانِ مَا كَانَتْ مُكَلَّفَةً مُتَعَبِّدَةً وإِلْجَاؤُهُ إِيَّاهَا إِلَى الْإِيمَانِ عِنْدَ زَوَالِ التَّكْلِيفِ والتَّعَبُّدِ عَنْهَا. فَقَالَ الْمَأْمُونُ: فَرَّجْتَ عَنِّي يَا أَبَا الْحَسَنِ فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ"[٣١].
  3. دليل العقل: فالعقل حينما يلاحظ الأفعال الكونية، يراها أفعالاً اختيارية ويجد فيها حسن الآثار، والدقائق الكثار، وقرائن الإختيار.

ومن المعلوم أنّ العمل الإختباريّ، والأثر المنظم لا يكون إلا عملاً إرادياً مقصوداً. فوقوع تلك الأفعال المنتظمة مفتقرٌ عقلاً إلى كون فاعلها مريداً لها، قديراً عليها أوجدها بإرادته وصنعها بقدرته، ولم تصدر عفواً أواعتباطاً بغير مشيئة من حضرته. فيحكم العقل بداهةً بكون الخالق تعالى مريداً ذا إرادة قاهرة باهرة. مع أنّها صفة كمال لا يفقدها الكامل، وفقدها نقصٌ يتنزَّه عنه ذوالكمال.[٣٢]

المراجع والمصادر

  1. السيد علي الحسيني الصدر، العقائد الحقة

الهوامش

  1. تقريب المعارف، ص۸۰.
  2. سورة النحل: ۴۰.
  3. بحار الأنوار، ج۴، ص۱۳۸.
  4. مجمع البحرين، ص۵۲، مادة (شيأ).
  5. أصول الكافي، ج۱، ص۱۰۹، ح۳.
  6. التوحيد، ص۳۴۶.
  7. أصول الكافي، ج۱، ص۱۵۱، ص۴.
  8. حق اليقين، ج۱، ص۳۰.
  9. حق اليقين، ج۱، ص۳۲.
  10. مرآة الأنوار، ص۱۰۷.
  11. سورة النساء: ۲۶.
  12. سورة المائدة: ۶.
  13. سورة هود: ۱۰۷.
  14. سورة الحج: ۱۴.
  15. سورة الأحزاب: ۳۳.
  16. توحيد الصدوق، ص۳۳۶، الباب ۵۵، ح۱.
  17. توحيد الصدوق، ص۳۳۷، الباب ۵۵، ح۳.
  18. توحيد الصدوق، ص۳۳۷، الباب ۵۵، ح۴.
  19. توحيد الصدوق، ص۳۳۸، الباب ۵۵، ح۵.
  20. سورة النساء: ۷۹.
  21. توحيد الصدوق، ص۳۳۸، الباب ۵۵، ح۶.
  22. توحيد الصدوق، ص۳۳۸، الباب ۵۵، ح۷.
  23. سورة المائدة: ۷۳.
  24. توحيد الصدوق، ص۳۳۹، الباب ۵۵، ح۹.
  25. توحيد الصدوق، ص۳۴۰، الباب ۵۵، ح۱۰.
  26. سورة يونس: ۹۹.
  27. سورة ص: ۸۶.
  28. سورة يونس: ۹۹.
  29. سورة يونس: ۹۹.
  30. سورة يونس: ۱۰۰.
  31. توحيد الصدوق، ص۳۴۱، الباب ۵۵، ح۱۱.
  32. السيد علي الحسيني الصدر، العقائد الحقة، ص: 143-151.