البَري في نهج البلاغة

تمهيد

«البَري»: من بَرَى العودَ أو الحَجَر ونحوهما يَبريه بَرياً: نَحَتَهُ، فهو بارٍ، وبرى القلم: سوى طرفه لغرض الكتابة. وبرى لفلانٍ يبري بَرياً: عرض له[١]. وبرى المرض الشخص: هزله وأوهنه، ومنه المثل: أعط القوس باريها: أي كل الأمر لصاحبه، وليترك الأمر لمن يستطيع أن يتولاه.

وقال ابن فارس: «الباء والراء والحرف المعتل بعدهما - وهي الواو والياء- أصلان: أحدهما: تسوية الشيء نَحتاً، والثاني: التعرض والمحاكاة»[٢].

من وصفه(ع) للمتقين: «وَ أَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى وَ مَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ»[٣]. أي رقق الخوف أجسامهم كما ترق السهام بالنحت. و«الْقِدَاحِ»: جمع قدح -بالكسر - وهو السهم قبل أن يراش، و«براه»: نحته.

شبه(ع) رقة خوفهم وخشوعهم ببري القداح، ووجه الشبه: شدة النحافة؛ على سبيل التشبيه البليغ؛ لإثبات ذلك الوصف لهم وحدهم دون غيرهم؛ من خلال حذف أداة التشبيه، ووجه الشبه، وزاد هذا التشبيه قوةً وبياناً لما شبههم بالمرضى؛ لمشاركتهم في نفس الصفات المرضية، كقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ[٤].

إذ شبه تعالى أهل الكهف في حال نومهم بالأيقاظ؛ لمشاركتهم الأيقاظ في بعض صفاتهم، إذ قيل بأنهم كانوا مفتحي العيون في حال نومهم، وبهذا يظهر ما في هذين التشبيهين من دلالة على تحقق التشبيه وتيقنه، وذلك من خلال الأداة «حسب» وهذا ما يفيد التشبيه مبالغةً ودقةً في التصوير.[٥]

المراجع والمصادر

  1.   السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج۲

الهوامش

  1. المعجم الكبير، ج٢، ص٢٨٢؛ المعجم الوسيط، ص٥٣.
  2. معجم مقاييس اللغة، مادة: «ب ر ي».
  3. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٣.
  4. سورة الكهف: ١٨.
  5. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج٢، ج٢، ص ١٧٩.