الجود في نهج البلاغة
تمهيد
الجود من مكارم الأخلاق، ودلائل طيب الذات، وسماحة النفس والأريحية، وليست تعني هذه الصفة نداوة الكف، وإقراء الضيف، ومد الخوان، بل هي أسمى من ذلك وأوسع، كما نقف على ذلك في نصوصها.
وتتفق تلكم السمات في الحكاية عن شرف النفس ولین العريكة وأريحية الطباع، بل ربما ترادفت أو تقاربت في معانيها ومواطن استعمالها، ولذلك جمعناها في عنوان واحد، ولكن لكثرة ورودها في نهج الإمام (ع) وتمايزها في جملة من مواردها أفردنا كل صفة بحديث الإمام فيها، وليُعلم بذلك جهات الترادف والتقارب والافتراق.
الله الغني المطلق والجواد الدائم
- «الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لا يَفِرُهُ المَنْعُ وَالُجْمُودُ وَلا يُكْدِيهِ الإعْطَاءُ وَالْجودُ إِذْكُلُّ مُعْطٍ مُنْتَقِصٌ سِوَاهُ وَكُلُّ مَانِعٍ مَذْمُومٌ مَا خَلاهُ وَهُوَ الْمَنَّانُ بِفَوَائِدِ النَّعَمِ وَعَوَائِدِ الَمزِيدِ وَالْقِسَمِ عِيَالُهُ الْخَلائِقُ ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ وَقَدَّرَ أَقْوَاتَهُمْ وَنَهَجَ سَبِيلَ الرَّاغِبِینَ إِلَيْهِ وَالطَّالِبِینَ مَا لَدَيْهِ وَلَيْسَ بِمَا سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَمْ يُسْأَلْ... ولَوْ وَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ وَضَحِكَتْ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ مِنْ فِلِزّ اللُّجَیِنْ وَالْعِقْيَانِ وَنُثَارَةِ الدُّرِّ وَحَصِيدِ الْمَرْجَانِ مَا أَثَّرَ ذَلِكَ فِي جُودِهِ وَلا أَنْفَدَ سَعَةَ مَا عِنْدَهُ وَلَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَخَائِرِ الأنْعَامِ مَا لا تُنْفِدُهُ مَطَالِبُ الأنَامِ لِأَنَّهُ الْجَوَادُ الَّذِي لا يَغِيضُهُ سُؤَالُ السَّائِلِيَن وَلا يُبْخِلُهُ إِلَحْاحُ الُمْلِحَّینَ. وَبِي فَاقَةٌ إِلَيْكَ لا يْجَبُرُ مَسْكَنَتَهَا إِلا فَضْلُكَ وَلا يَنْعَشُ مِنْ خَلَّتِهَا إِلا مَنُّكَ وَجُودُكَ فَهَبْ لَنَا فِي هَذَا الْمقَامِ رِضَاكَ وَأَغْنِنَا عَنْ مَدَّ الأيْدِي إلى سِوَاكَ إِنَّكَ عَلى كُلَّ شيْءٍ قَدِيرٌ»[١].
- «الْحَمْدُ للهِ النَّاشِرِ فِي الْخَلْقِ فَضْلَهُ وَالْبَاسِطِ فِيهِمْ بِالْجُودِ يَدَهُ»[٢].
- «الْحَمْدُ للهِ الْمعْرُوفِ مِنْ غَیْرِ رُؤْيَةٍ وَالْخَالِقِ مِنْ غَیْرِ مَنْصَبَةٍ خَلَقَ الْخَلائِقَ بِقُدْرَتِهِ وَاسْتَعْبَدَ الأرْبَابَ بِعِزَّتِهِ وَسَادَ الْعُظَمَاءَ بِجُودِهِ»[٣].
موقع الجود
- «الْجُودُ حَارِسُ الأعْرَاضِ»[٤].
- وسئل (ع): أیهما أفضل: العدل أو الجود؟ فقال (ع): «الْعَدْلُ يَضَعُ الْأُمُورَ مَوَاضِعَهَا وَالْجُودُ يُخْرِجُهَا مِنْ جِهَتِهَا وَالْعَدْلُ سَائِسٌ عَامٌّ وَالْجُودُ عَارِضٌ خَاصٌّ فَالْعَدْلُ أَشْرَفُهُماَ وَأَفْضَلُهُمَا»[٥].
- «وَأَنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ وَخُذُوا مِنْ أَجْسَادِكُمْ فَجُودُوا بِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَلا تَبْخَلُوا بِهَا عَنْهَا فَقَدْ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾[٦]، وَقَالَ تَعَالَی: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾[٧]».[٨]
- وقال (ع) لـجابر بن عبد الله الأنصاري: «يَا جَابِرُ قِوَامُ الدَّينِ وَالدُّنْيَا بِأَرْبَعَةٍ عَالِمٍ مُسْتَعْمِلٍ عِلْمَهُ وَجَاهِلٍ لا يَسْتَنْكِفُ أَنْ يَتَعَلَّمَ وَجَوَادٍ لا يَبْخَلُ بِمَعْرُوفِهِ وَفَقِیرٍ لا يَبِيعُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ فَإِذَا ضَيَّعَ الْعَالِمُ عِلْمَهُ اسْتَنْكَفَ الْجَاهِلُ أَنْ يَتَعَلَّمَ وَإِذَا بَخِلَ الْغَنِيُّ بِمَعْرُوفِهِ بَاعَ الْفَقِیرُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ»[٩].[١٠]