الفرق بين المراجعتين لصفحة: «العقيدة»
←الاهتمام بالمجهولات
| سطر ٢٣٦: | سطر ٢٣٦: | ||
إنّ هذا العالم الّذي تنقصفُ الأقلام وتكِلّ الألسن عن وصفه ولن تبلغ غايتها يقول: | إنّ هذا العالم الّذي تنقصفُ الأقلام وتكِلّ الألسن عن وصفه ولن تبلغ غايتها يقول: | ||
{{نص حديث|اِندَمَجتُ عَلى مَكنونِ عِلمٍ لو بُحتُ بِهِ لَاضطَرَبتُمُ اضطِرابَ الأَرشيةِ فِي الطَّوِيِّ البَعيدَةِ. | {{نص حديث|اِندَمَجتُ عَلى مَكنونِ عِلمٍ لو بُحتُ بِهِ لَاضطَرَبتُمُ اضطِرابَ الأَرشيةِ فِي الطَّوِيِّ البَعيدَةِ}}<ref>موسوعه الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام : ج ۱۰(القسم الحادي عشر/الفصل الثاني: لم يجد حملة لعلمه : ح۴۹۳۶).</ref>. | ||
إنّ هذا العالم العظيم، مع علمه الغزير هذا الّذييستهلك الأسماع دون وفاء الاستماع ، يعتبر ما يعلمه بالنّسبة لِما يجهل ، لا يُعدّ شيئا ، وعندما يتضرّع بالدّعاء إلى ربّه ، يقارن علمه بالعلم الّذي لا حصر له ، علمِ اللّه سبحانه ، فيُقرّ أمامه ويعترف بجهله . | إنّ هذا العالم العظيم، مع علمه الغزير هذا الّذييستهلك الأسماع دون وفاء الاستماع ، يعتبر ما يعلمه بالنّسبة لِما يجهل ، لا يُعدّ شيئا ، وعندما يتضرّع بالدّعاء إلى ربّه ، يقارن علمه بالعلم الّذي لا حصر له ، علمِ اللّه سبحانه ، فيُقرّ أمامه ويعترف بجهله . | ||
ففي دعاء «يستشير» الذي ذكر عليه السلام بأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله علَّمه اِيّاهُ وأوصاه أن يعلّمه للخليفة من بعده وأن يردّد في العشيّ والإبكار ، نشاهده يخاطب اللّه عز و جل متضرعا :{{نص حديث|أنتَ العالِمُ وأَنَا الجاهِلُ}} <ref>بحار الأنوار، ج۹۴، ص۲۱۸.</ref> | |||
وأنها لحقيقة واقعية علميّة دقيقة!! إنّ الإمام عليه السلام لم يكن ليجامل أو ليبالغ أوليحيد عن إطار الحقيقة قيد شعرة ، وكلّ ما يصدر عنه عين الحقيقة لا ذرّة من زيادة أو ذرّة من نقصان . {{نص حديث|العالِمُ مَن عَرَفَ قَدرَهُ}} <ref>بحار الأنوار، ج ۲، ص ۵۸.</ref> | |||
هذه عبارة اُخرى للإمام علي عليه السلام أيضا في صدد علائم العالم الحقيقي والتمييز بينه وبين أشباه العلماء وإن كانت على الظاهر شبيهة بسالفتها في المعنى ، وأمّا كامل قوله عليه السلام فهو : {{نص حديث|العالِمُ مَن عَرَفَ قَدرَهُ ، وكَفى بِالمَرءِ جَهلاً أن لا يَعرِفَ قَدرَهُ}}<ref>بحار الأنوار، ج ۲، ص ۵۸.</ref> | |||
ولا يَخفى أنّ المراد من {{نص حديث| قَدرَهُ}} هو مقدار علمه ، أي : أنّ العالم الحقّ هو من عرَف مقدار علمه وسلم من الغرور العلمي وداء رؤية النفس عالما ، ومن لم يبلغ هذه المعرفه ولم يعرف قدْر ما يعلم بالنسبة لما يجهل ليس جديراً بأن يسمّى عالما ، وكائنا مّا كان مقدار ما لديه من العلوم المختلفة فإنّ جهله هذا كافٍ للتضليل وسقوط الاعتبار عن آرائه وعقائده .<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 94- 98.</ref> | |||
=== التّعطُّش المتنامي لاكتساب العِلم=== | |||
بعد أن يزن العالم معلوماته بالنسبة لمجهولاته بميزان الدقّة ويفهم أن مايعلم بالنسبة لما لايعلم، شيء لا يحتسب ، يشتدُّ ظمأ الاطّلاع والوعي في روحه ، ويزيد العشقُ والولعُ بالعلم قدْرتَه وسعيَه لمعرفة حقائق الوجود كما قال الإمام عليه السلام : {{نص حديث|العالِمُ مَن لا يَشبَعُ مِنَ العِلمِ وَلا يَتَشَبَّعُ بِهِ}}<ref>غرر الحکم، ج ۱، ص ۹۲.</ref> وكما قال عليه السلام أيضا : {{نص حديث|العالِمُ الَّذي لا يَمِلُّ مِن تَعَلُّمِ العِلمِ}}<ref>غرر الحکم، ج۱، ص ۷۰</ref>. وعلى النقيض تماما أشباه العلماء مَن يصدّهم داء اعتبار النفس عالما عن مداومة الدّراسة ، ولا يُتيح هذا الداء الفرصة للمصاب حتّى يحقّق فيما لايعلم ، بل يوهمه بأنه عليم بكلّ شيء ، ولم يعُد ينقصه ما يحصله أو يكتسبه من العلم.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 94.</ref> | |||
===التواضع لأهل العلم=== | |||
العلامة الثالثة التي أشار إليها الإمام عليه السلام ضمن ما أشار به إلى العالم الحقّ هي الخضوع والتواضع لأهل العلم . | |||
فمهما بلغ الإنسان من العلم إذا قارن ما علم بما جهلِ ، لم يتملّكه الغرور ، فيحبس نظره فيما علم ليس إلّا ، بل إنّه ليأخذ تحقيقات الآخرين وعلومهم بعين الاعتبار ويقدرها ، فلا يسعه أمام العلماء نظراً لعلمهم إلّا أن يخضع لهم ويتواضع . وعلى خلاف ذلك العلماء الخياليون الذين يعتبرون أنفسهم أعلم العلماء ، فإنّهم لا يفتأون يرفعون من قدرهم على حساب الآخرين وتحقيرهم . | |||
هؤلاء المرضى يتصوّرون أنّهم لو تواضعوا للعالم لكان ذلك منقصةً من قدرهم العلمي ، ويتوهّمون أنّ الناس سيعزون احترامهم للعلماء الآخرين إلى قلّة علمهم ، ولهذا يتظاهرون بأنّه لا يوجد من هو أعلم منهم، ويتعاملون باستنقاص مع آراء جميع العلماء ويعرِّضون بها، دون مطالعة متأنية وتدقيق .<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 99.</ref> | |||
===اتّهام الرأي الذاتي=== | |||
رابعة علامات العالم الحقّ فيما أورده الإمام عليه السلام من خصائص هي اتّهام الشخص رأيه ونظره . | |||
فالعالم الواقعي الواعي ـ لأن مجهولاته لا تتناهى ـ لا يبرّئ رأيه أو نظره من الخطأ مطلقا ، بل إنّه لينظر إليه بعين الاتّهام ، ولا يعتبر أيَّ فرضيةٍ نظريةً علميةً منطقيةً منطبقةً على الواقع ما لم تثبت لديه بصورة قطعية . | |||
فما أكثر الآراء والعقائد التي ظلّت القرون المتمادية على العالم باعتبارها نظريات علميّة قطعية ، لا يتبادر الشكّ في صحّتها لأيّ إنسان ، أو يسمح إنسان لنفسه بالارتياب في صحّتها ، حتّى أثبت التطوّر العلمي بطلانها؟! ودونك فرضية بطليموس في علم الهيئة وأمثالها في المسائل النظرية ليست قليلة .<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 100.</ref> | |||
===اختيار الصمت=== | |||
خامسة ميزات العالم الحقّ في كلام الإمام عليه السلام هي ملازمة الصمت . | |||
إنّ العالم الواقعي المدرك ـ بأنّ معلوماته نزر يسير أمام مجهولاته التي لا تعدّ ولا تحدّ ـ لا يسمح له عقله إبداء رايهِ في كلّ مسألة . | |||
روى الشهيد الثاني رحمه اللّه عن القاسم بن محمّد بن أبي بكر ـ أحد فقهاء المدينة المتّفق على علمه وفقهه بين المسلمين ـ أنّه سئل عن شيءٍ فقال : لا اُحسنه ، فقال السائل : إنّي جئت إليك لا أعرف غيرك فقال القاسم : لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي ، واللّه ما اُحسنه . فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه : يابن أخي الزمها ؛ فقال : واللّه ما رأيتك في مجلس أنبل منك مثل اليوم ، فقال القاسم : {{نص حديث|وَاللّهِ لَأَن يُقطَعَ لِساني أَحَبُّ إِلَيَّ أَن أَتَكَلَّمَ بِما لا عِلمَ لي بِهِ}}<ref>بحار الأنوار، ج۲، ص۱۲۳.</ref> | |||
وهكذا ، كلّ معاف من الغرور العلمي سالم من داء اعتبار النفس عالما ، ليس على استعداد مطلقا وبأيّ قيمة أن يُبديَ رأيا فيما لايعرف ، ومن ثَمَّ يلتزم السكوت والصمت ويمسك عن جواب الكثير من المسائل ، وهذا ما يتضمّنه البيان الرائع من الإمام علي عليه السلام حينما يقول :{{نص حديث|قَوْلُ لاَ أَعْلَمُ نِصْفُ اَلْعِلْمِ}} <ref>غرر الحکم و درر الکلم، ج۱، ص ۴۹۹.</ref> | |||
إنّ هذا على خلاف المبتلين بالغرور العلمي واعتبار النفس عالما ، الذين لا يتريّثون بل يتعجّلون الإجابة عمّا يُسأَلون دون تأمّل ، اُولئك الذين لا يقتصر على وصفهم بأنّهم ليسوا علماء ، وإنّما هم مرضى ، أو كما نعتَهم الإمام الصادق عليه السلام بأنهم مجانين:{{نص حديث| إِنَّ مَنْ أَجَابَ فِي كُلِّ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ لَمَجْنُونٌ}} <ref>بحار الأنوار، ج ۲، ص ۱۱۷.</ref>.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 100-101.</ref> | |||
=== التحفّظ من الخطأ=== | |||
وهو الميزة السادسة فيما أورد الإمام عليه السلام من علامات العالم الحقّ . فمن برئ من الغرور العلمي وعرف مقدار ما يجهله ، إذا أراد أن يبدي رأيا في مسألةٍ مّا استجمع فكره وسيطر على حواسّه حذر الوقوع في الخطأ ، ثمّ يُظهر رأيه بكلّ دقّة آخذا كلّ أبعاد المسألة المعنية وجوانبها المختلفة بعين الاعتبار . | |||
فلسان العاقل وراءَ عقله دائماً ، فلا ينطق مطلقا بكلام غير موزون ، تحاشيا لارتكاب الخطأ فيما يقول ، على خلاف المبتلى بالغرور المؤوف باعتبار النفس عالما الذي يبدي رأيه ارتجالاً دون تأمّل في كلّ مايُعرض عليه .<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 101-102.</ref> | |||
=== عدم إنكار المجهول=== | |||
وآخر العلامات التي حدّد بها الإمام عليه السلام شخصية العالم الحقّ ـ والذي يستحقّ من وجهة نظر الإمام عليه السلام أن يقال عنه عالم ـ هي عدم إنكاره ما جهل وما يعلم : | |||
{{نص حديث|وإِن وَرَدَ عَلَيهِ ما لا يَعرِفُ لَم يُنكِرهُ ؛ لِما قَرَّرَ بِهِ نَفسَهُ مِنَ الجَهالَةِ}}<ref>تحف العقول، ج ۱، ص ۶۸</ref> | |||
هذا المعافى السالم من الغرور العلمي العارف ضآلة معلوماته وعدم تناهي مجهولاته لا يجيز له عقله على أيّ حال أن ينكر ما لا يعرفه وما هو مجهول بالنسبة له . | |||
وبهذا المعنى نقل عن ابن سينا أنّه قال : كلّ ما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان ما لم يَذُدك عنه قائم البرهان .<ref>اشتهرت هذه العبارة ونقلها الكثيرون عن الشيخ الرئيس ، والذي عثرنا عليه بهذا المضمون في الإشارات والتنبيهات : ج ۳ ص ۴۱۸ في ذكر الحوادث الغريبة حيث قال : «فالصواب أن تسرح أمثال ذلك إلى بقعة الإمكان ما لم يذدك عنه قائم البرهان» .</ref> | |||
وإنّها لحقيقة عقلية علميّة : أنّ «عدم المعرفة لا يدلّ على عدم الوجود» فما أكثر الأشياء التي لا علم للإنسان بها ، ولكنّها موجودة . | |||
وهل كان البشر قبل ألف سنة على علم بحركة الدم وحركة الذرّة ومئات الحقائق العلمية الاُخرى التي تكشّفت وثبتت اليوم؟ فهل كان عدم العلم بهذه الاُمور فيما سبق يمكن أن يكون دليلاً على عدم وجودها كحقيقة واقعية ؟ فلو أنّ الإنسان كان من أهل العلم بالمعنى الواقعي لعلم أنّ أكثر حقائق الوجود اُمور مجهولة بالنسبة للبشر . | |||
وأميرالمؤمنين عليه السلام ضِمن كلام آخر له في بيان خصائص العالم الواقعي وأشباه العلماء يقول :{{نص حديث|لاَ تَقُولُوا بِمَا لاَ تَعْرِفُونَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ اَلْحَقِّ فِيمَا تُنْكِرُونَ}}<ref>بحار الأنوار، ج ۳۴، ص ۲۰۹.</ref> | |||
ولكنّ المسألة التي بلغت من الوضوح والبيان إلى هذا الحدّ وفهم كل ذي شعور أنّه لا حقّ له في إنكار ما لا يعرف وما هو مجهول لديه قدعمي عنها من علقوا بشباك الغرور العلمي فريسة لاعتبار النفس عالما ، ولا يرون إلّا خلافها . | |||
وهناك مزيدٌ من الإيضاح في هذا الصدد عندما نتحدّث عن اُولي علائم العقائد غير العلمية .<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 102.</ref> | |||
==حرّية العقيدة== | |||
إنّ حرية العقيدة إحدى المسائل المهمّة للغاية التي تحظى بالعناية في عالم اليوم ، وخاصّةً بعد صدور البيان الدولي بإعلان حقوق الانسان . | |||
لقد نصَّت المادة الثامنة عشرة من ميثاق الاُمم المتّحدة بخصوص الحقوق المدنية والسياسية على ما يأتي : | |||
#يحقّ لكلّ إنسان أن يتمتّع بحرّية الفكر والوجدان والمذاهب ، ومنها حقّه في اعتناق المذهب والعقيدة التي يرغبها ، كما أنّ له الحقّ في التظاهر بمذهبه أو عقيدته انفراديا أو جماعيا ، سرّا أو علنا عن طريق العبادات وممارسته الفرائض والطقوس الدينيّة. | |||
#لا يجوز أن يتعرّض أحد لمكروه يخلّ بحرّيته في التمتّع بدينه أو معتقده ، أو في اعتناق ما يودّه من مذهب أو عقيدة . | |||
#لا يجوز أن تخضع حرّية التظاهر بالمذهب أو العقيدة لأيّ نوع من التحديد ، إلّا فيما ينحصر فيما يستوجب قانونا تفرضه الضرورة لحماية الأمن والنُّظم وسلامة الأوضاع أو الحفاظ على العفّة العامّة أو حفظ حقوق الآخرين وحرّياتهم الأساسية . | |||
#تتعهّد الدول المتبنّية لهذا الميثاق باحترام حرّية الوالدين أو أولياء الاُمور القانونيين حسب ما هو كائن في تأمين التعليم المذهبي والأخلاقي لأطفالهم وفقا لمعتقداتهم الخاصّة . | |||
ونصّت المادّة التاسعة عشرة من نفس الميثاق على ما يأتي : | |||
#يحقّ لكلّ أحد أن تكون له عقائد مصونا من تدخل الآخرين . | |||
#لكلّ إنسان حقّه في حرّية التعبير عن رأيه ، بما يشمل حرّية البحث عن المعلومات والأفكار وتحصيلها ونشرها أيًّا كان نوعها ، بغضّ النظر عن الحدود ، وذلك سواء بصورة شفهية أو مكتوبة أو مطبوعة أو على شكل فنّ أو بأيّ وسيلة اُخرى يرغبها . | |||
#تنفيذ الحقوق المذكورة في الفقرة الثانية من هذه المادّة يستوجب حقوقا ومسؤوليات خاصّة ، ولذا كان من الممكن أن تخضع لتحديدات معيّنة يقرّرها القانون ضرورة لما يلي : | |||
##احترام حقوق الآخرين وحيثياتهم . | |||
##حفظ الأمن الوطني أو النظام العامّ أو سلامة المجتمع أو عفافه<ref>راهنماى سازمان ملل (بالفارسية) : ص ۱۰۲۶ ـ ۱۰۲۷ .</ref>.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 115-116.</ref> | |||
==منشأ العقيدة== | |||
من أين تنشأ عقائد الإنسان وتصديقاته؟ هذه العقائد التي تشكّل الأساس في تصرّفاته ومواقفه في الحياة كيف يؤمن الإنسان بشيء ويعتقده ويقتنع به؟! | |||
وإنّه لسؤال مهمّ للغاية ، يقتضي الإجابة عليه قبل البحث في مسألة حرّية العقيدة ، فالجواب عليه يساعد على إبداء الرأي في مسألة حرّية العقيدة بسهولة . | |||
فلو أننا أمْعَنَّا النظر قليلاً لتشخّص أنّ عقائد الإنسان وتصديقاته راجعة إلى أحد هذين المصدرين أو المنشأين : التحقيق و التقليد . | |||
===التحقيق=== | |||
فالإنسان عندما يفكّر بمئِ حرّيته ويطالع ويحقّق في مسألةٍ مّا قد يتوصّل في هذا الصدد إلى عقيدةٍ مّا ، مثلا ، لو أنّه حقّق فيما إذا كانت الأرض تدور حول الشمس أم أنّ الشمس تدور حول الأرض أو فيما إذا كان هناك شيء آخر وراء المادّة أم لا . . . وما شاكل لكان حينئذٍ قد اتّخذ التحقيق أساسا ومنشأً تصدر عنه عقيدته ، سيّان أكان رأيه واعتقاده سديداً مطابقا للواقع أم لا . | |||
===التقليد=== | |||
وقد لا تكون عقيدة الإنسان حصيلة دراسةٍ وفحصٍ يبنيان على تفكير حرّ ، إمّا أنّه قد قبل العقيدة بلا دراسةٍ وأمّا قبلها بعد الدراسة ولكنّه بتأثيرٍ من التفكير المكبَّل بالتقليد ، وفي كلتا الحالتين يقوم اعتقاده على أساس التقليد . | |||
بناءً على ما تقدّم فالمنشأ الأساسي للعقيدة ومصدرها إمّا التحقيق وإمّا التقليد ، إلا أنّ هناك بطبيعة الحال منشأً ثالثا وهو الإلهام والإشراق ، ونظراً لكونه ليس مصدراً عامًّا بل هو خاصّ بمن يستثنون من الأفراد بما يخرجه عن نطاق بحثنا الآن فلنستمهله إلى حينه . | |||
أمّا ما يسترعي الانتباه هنا فهو أنّه بمجرّد دراسة معمّقة يتّضح لنا أنّ أغلب عقائد الناس وتصديقاتهم فاقدة للأساس الفكري ولا أصل لها من البحث والاستدلال ، وإنّما هي ثمرة التقليد!! | |||
فالأب والامّ ، والقوم والقبيلة والبيئة ، والحزب والمنظّمة والجمعية ، والشخصيات المحترمة ، كلٌّ يلقّن الإنسان رأيا ووجهة نظرٍ ، يتقبّله تلقائيا فيقلّده دون أن يطالب بدليل أو برهان عليه ، فيألفه ثّم يتعوّد عليه رويداً رويداً حتّى ينعقد في ذهنه وروحه ويصير عقيدةً له . | |||
ولهذا كانت العائلة والبيئة عاملَين أساسين لهما دور كبير في بلورة عقائد الغالبية الساحقة من الناس ، وعلى وجه العموم فإنّ الآراء والمعتقدات تنتقل إلى الفرد عن طريق عائلته أو عن طريق من يعيش في بيئتهم ، وقليلٌ جدّاً اُولاء الذين يختارون عقائدهم على أساس البحث والتثبّت فقط ، ومن ثَمّ حذّر القرآن الكريم الإنسان من تقليد أكثر الناس ، قال تعالى :{{ نص قرآني |وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية 116.</ref>.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 117-119.</ref> | |||
==حرّية العقيدة== | |||
ولا بدّ لنا قبل البحث في حرّية العقيدة توضيح معنى هذه الحرّية ، فما لم يتضّح معناها لا يتسنّى لنا الحكم بصحّتها أو عدم صحّتها . | |||
ويمكن أن نتناول حرّية العقيدة بالتفسير من جوانب ثلاثة : | |||
#الحرّية في انتخاب العقيدة ، وتعني أنّ الإنسان حرٌّ في الاعتقاد بما يريد . | |||
#الحرّية في التظاهر بالعقيدة ، وتعني أنّ الإنسان حرٌّ في الإفصاح عمّا اعتقده . | |||
#الحرّية في نشر العقيدة ، وتعني أنّ الإنسان حرٌّ في نشر عقيدته والترويج لها . | |||
وعليه ، فقد يتوجّه الحديث عن حرّية العقيدة إلى أحد هذه المعاني الثلاثة ، أو أنّه يتوجّه إليها جميعا .<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 119.</ref> | |||
==حرّية العقيدة في رؤية العقل== | |||
إنّ للعقل رؤيةً ورأيا لكلّ واحدة من هذه المعاني فلا يسعه أن يحكم على كلّها حكما واحدا بصورة مطلقة لذا ينبغي أن يُدرس كلّ من هذه المعاني على حدة . | |||
===حرّية انتخاب العقيدة=== | |||
أول معاني حرّية العقيدة هو أن يكون الإنسان حرّاً في انتخاب ما يشاء من العقائد فيؤمن بما يميل إليه قلبه ويعتقد ما يرغب فيه فؤاده . | |||
فلو أمعنّا النظر قليلاً لتبيّن لنا أنّ هذا النوع من حرّية العقيدة غير ممكن عقلاً ، فلا عقائد الإنسان وتصديقاته خاضعة لاختياره ، ولا هي خاضعة لاختيار غيره ، ولا في وسع الإنسان أن يعتقد بما يشاء على الإطلاق ، ولا في وسع أحد أن يرغمه على عقيدةٍ مّا ، وذلك لأنّ العقيدة ليست كالأزياء يختار الإنسان ويرفض منها ما يشاء ، كما وأنّه ليس هناك من يجبره على ارتداء هذا أو ذاك . | |||
الاعتقاد لدى الإنسان شيء كالحُبّ . والعشق والتعلّق والمحبّة اُمور خارجة عن إرادة العاشق ، فلا هو يستطيع أن يعشق هذا أو لا يعشق ذاك ، ولا هو في اختيار أحد ليحمله على عشق دون عشق ، وإذا كان الوقت نهاراً فكيف يتأتّى له أن يؤمن بأنه ليل ، وهل في إمكان أحد أن يجبره على تغيير عقيدته ، نعم ، قد يضطرّ أحد إلى قول بخلاف عقيدته ، أمّا أن يغيّر اعتقاده وما آمن به فهذا محال . | |||
في عام 1632 ميلادي وضع جاليلو كتابا عن عقائد بطليموس وكوبرنيك . وبعد عام من ذلك دعاه البابا إلى روما وأبلغه أنّ اعتقاده بدوران الأرض حول الشمس شِرْكٌ ، وأجبره على الجلوس على ركبتيه وطلب المغفرة ، وقيل : إنّ جاليلو نفّذ ما طلب منه البابا ، ولكنّه عندما خرج من عنده شوهد وهو يكتب على الأرض بإصبعه : «رغم كلّ هذا . . . الأرض تدور حول الشمس».<ref>فرهنگ فارسى (بالفارسية) للدكتور محمّد معين : ج ۶ «گاليله» .</ref> | |||
وإنّها لحالة واحدة يمكن فيها للعقيدة أن تقبل التغيير ، وهي عندما يتغيّر منشؤها والمحيط الذي نشأت فيه ، فلو أنّ منشأها كان التحقيق فقد يواجه المحقّق على مدى تحقيقه دلائل تثبت بطلان عقيدته السابقة ، ولو أنّ منشأها كان التقليد فإنّ صِفادَ <ref>الصِفاد : ما يوثَق به الأسير من قِدٍّ و قيدٍ و غلٍّ (الصحاح : ج ۲ ص ۴۹۸) .</ref> التقليد عرضة للتّحطّم . | |||
=== حرّية الإفصاح عن الاعتقاد=== | |||
والمعنى الثاني من معاني حرية العقيدة هو حرّية الإنسان في الإعلان عن عقيدته والتظاهر بها ، وهي في نظر العقل من اُوليات حقوق الإنسان المسلّم بها؛ وأنّ لكلّ إنسان حقّ في أن يقول هذه عقيدتي ، وليس لأحدٍ مّا حقّ في مضايقته ، كما أنّ لكلّ إنسان أن يتصرّف في حياته الشخصية حسبما يريد ، طالما كان تصرّفه لا يتعارض مع حقوق غيره . | |||
وحرّية التظاهر بالعقيدة ـ علاوةً على كونها حقًّا طبيعيًّا لكلّ إنسان ـ تستوجب التقاء الآراء ونضج المعتقدات العلمية وتصحيح العقائد أيضا ، وليس لدى العقل أدنى شكّ في صحّة هذه الحرّية وضرورتها ، إلّا أن هناك مسألتين ينبغي بحثهما في هذا الصدد : | |||
المسألة الاُولى : أيحقُّ للإنسان أن يبدي رأيا خلافا لما يعلم وعلى خلاف عقيدته وإيمانه الواقعي؟ | |||
والمسألة الاُخرى : أيحقّ للإنسان عقلاً أن يرى من واجبه تصحيح العقائد الموهومة أو الفاسدة والتصديقات الشعواء أم لا ؟ | |||
وما ينبغي أن يُجاب به على السؤال الأول هو : أنّنا إذا احتكمنا إلى العقل فإنّه وإن كان يستهجن إظهار الرأي خلافا للاعتقاد الواقعي ويندّد به إلّا أنّه لا يرى مجوّزاً لسلب حرّية البيان ما دام لايمسّ الآخرين بالضرر . | |||
أمّا جواب السؤال الآخر فهو : أنّ العقل في الوقت الذي يعلن حرّية التظاهر بالعقيدة فإنّه يرى وجوب الإقدام على تصحيح العقائد ويستلزم ذلك أيضا ، بدليلين ، أوّلهما : أنّ العقيدة أساس العمل وركيزته ، والمعتقدات الموهومة الفاسدة مفسدة مضيعة للمجتمع ، والآخر : أنّ مكافحة المعتقدات الموهومة جهدٌ يهدف إلى تحرير الفكر ، ولا يمكن للعقل إلّا أنّ يقتضي موجبات تحرّره . | |||
وبيان ذلك : أنّ حرّية العقيدة تتناقض أصلا مع حرّية الفكر ، فلا تتحقق حرّية العقيدة حيثما كانت حرّية الفكر ، فكما سبق أن وضّحنا أنّ العقيدة شيء يرتبط بالذهن وينعقد فيه ويندمج بروح الانسان ، فاذا لم تكن عقائد الإنسان قائمة على أساس فكري محقّق فهي أصفاد تشلُّ حركة الفكر وتحبس الروح في حصار الأوهام ، ولا تدع الإنسان حتّى يفكّر بحرّية أو يصل إلى المعتقدات العلمية المطابقة للواقع . وعليه ، فلا مندوحة أمامه إلّا أن يختار حرّية الفكر أو حرّية العقائد الموهومة ، فإذا ما اختار حرّية الفكر أصبح تحطيم أغلال العقائد الموهومة أمرا جدّيًّا مهمًّا ، وكذلك عندما يكون مكبّلاً بالأغلال لا يستطيع أن يحطّمها بنفسه ، ولابدّ له من شخص طليق ليحرّره ، ولا يستطيع الفكر المكبَّل بسلاسل المعتقدات الموهومة المرتهنة للعقائد الفاسدة أن يتحرّر منها وينجو بنفسه ما لم يتدراكه شخص طليق يقدم على تحطيم أغلاله وينقذه . | |||
وعليه ، فإنّ العقل يرى أن الإقدام على تصحيح عقائد الآخرين أمر ضروري واجب ، ونظراً لأنّ تصحيح العقائد ليس بالقوّة والإجبار كان الطريق إلى ذلك هو تنوير الأفكار وهدايتها إلى نضج العقائد الصحيحة وكمالها ، وتعريف الحقائق إلى الناس بالدليل والبرهان ، واستبدال التقليد بالتحقيق . | |||
ولو أنّ فرداً أو أفراداً أصبحوا حَجر عثرة في سبيل حرّية الفكر وتصحيح العقائد لما بقي هناك مجال للدليل والبرهان ، حيث يحكم العقل بضرورة إزالة هذا العائق بالقوّة حتّى يتهيّأ المجال لازدهار العقائد الصحيحة وزوال العقائد الفاسدة . | |||
===حرّية نشر العقيدة=== | |||
والمعنى الثالث لحرّية العقيدة هو حرّية نشرها والترويج لها وتبليغها للآخرين ، سواء كانت مبنية على التحقيق أو التقليد ، وسواء كانت مطابقة للواقع أو لم تكن ، وسواء كانت مفيدة للمجتمع أو مضرّة له . | |||
وعندما يحكم العقل ـ بناءً على ما ذكر من الأدلّة ـ بوجوب كفاح العقائد الموهومة فقد انتفى الشكّ في عدم الجواز للتبليغ بصورة مطلقة ، وإلّا فكيف يسيغ العقل أو يسمح بالترويج لعقائد وهمية عارية عن كلّ تحقيق، تكبّل الفكر وتشلّ نبوغ المجتمع وتتخلّف به عن سيرة التقدّم وتصيبه بالضرر؟! إنّ العقائد الباطلة الضارّة نوع من الأمراض النفسية ، والأمراض العقائدية أشدّ خَطراً وتفاقما من الأمراض الجسمية ، فاذا كان العقل لا يسمح لمريض أن يتنقّل بمرضه الجسماني بين المجتمع حذر تفشّي العدوى فيكف يسمح بحرّية تنقّل الأمراض النفسية؟!<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 120-123.</ref> | |||
==الإسلام وحرّية العقيدة | |||
كنا نتحدّث حتّى الآن عن حرّية العقيدة في نظر العقل ، وقد وصلنا بالإجمال إلى أنَّ حرّية العقيدة بمعنى حرّية الإنسان في اختيار العقيدة لا يتّفق مع العقل ، وأنها بمعنى حرّيته في التظاهر بعقيدته ونشرها ، فذلك حقّ طبيعي ، وأمّا بمعنى حرّية الانسان في الترويج للمعتقدات الوهمية الضارّة وتبليغها للمجتمع فهذا ما يؤكّد العقل منعه بتاتا . | |||
والآن ، فما رأي الإسلام في حرّية العقيدة؟ | |||
فأمّا الجواب بالإجمال فهو : أنّ نظر الإسلام إلى حرّية العقيدة هو نظر العقل إليها عينه ، وأمّا تفصيل هذا الإجمال فيقتضي دراسة رأي الإسلام بالنسبة لكلّ معنىً من معاني حرّية العقيدة على حدة .<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 125-126.</ref> | |||
==حرّية اختيار العقيدة في رأي الإسلام== | |||
سبق أن قلنا لدى بيان رأي العقل في حرّية اختيار العقيدة : إنَّ معتقدات الإنسان ليست خاضعةً لإرادته حتّى يعتقد بشيء أو لايعتقد به ، وقلنا أيضا : إنَّ العقيدة ليست كاللباس للإنسان خياره في انتقائه ، ومتى ماشاء بدّله ، أو يُضطَرّ على غير هوى منه إلى تبديله ، وإنّما العقيدة كالحبّ ، لا تتغيّر إلّا إذا تغيّر منشأها . | |||
فالعقيدة اذاً ليست أمراً اختياريا حتى يتمّ البحث عن حرّية الاختيار في الإسلام ، ومن ثَمَّ حينما جاءت طائفة من الأعراب من بني أسد إلى النبيّ صلى الله عليه و آله في موسم الجفاف وأعلنت إسلامها غير مؤمنين بالعقيدة الإسلامية بل لدوافع مادّية ألجأتها إلى هذا الاختيار<ref>راجع : مجمع البيان : ج ۹ ص ۲۰۷ .</ref> نزلت الآية الكريمة وهي قوله تعالى :{{ نص قرآني |قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}}<ref> سورة الحجرات، الآية 14.</ref> | |||
والإسلام هو الإفصاح عن الإيمان بالمعتقدات الإسلامية ، والإيمان هو اعتقاد القلب بتلك العقائد وأمّا الإفصاح عن الرأي فيخضع لإرادة الإنسان ، ولكن اعتقاد القلب ليس كذلك . وعليه ، يمكن للإنسان أن يتظاهر بعقيدةٍ مّا لدوافع مختلفة ، أمّا الاعتقاد المؤمِن فهو من شأن القلب ، وهناك فقط عندما تَخْتَمِرُ الروح بالعقائد الإسلامية يمكن للإنسان أن يدّعي الإيمان .<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 126.</ref> | |||
==حرّية التظاهر بالعقيدة في رأي الإسلام== | |||
إنّ التروّي في القرآن والأحاديث الإسلامية والتاريخ الإسلامي كذلك يدلّ بأنّ الإسلام يعترف بحرّية التعبير عن العقيدة والتظاهر بها اعترافا رسميا ، ولا دين يولي هذه الحرّية ما يوليها الإسلام من الاحترام . | |||
فإنّ الإسلام لا يكتفي بالاعتراف بالحرّية في إظهار العقيدة فحسب ، وإنّما يرشد القرآن الكريم الناس إلى ضرورة استماع الأقوال المختلفة والآراء والعقائد المتباينة ، ونقدها ودراستها بفكر حرّ ، حتّى إذا ما استقرَّ التحقيق بهم على أفضل الكلام وأحكمه اختاروه واتّخذوه مقياسا للعمل ، وبعبارة اُخرى : إنَّ من تعاليم القرآن هو أن يتخذ الإنسان في حرية الرأي طريقا لتكامل العقائد الصحيحة واختيار أفضلها ، قال عزّ من قائل :{{ نص قرآني |فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}}<ref> سورة الزمر، الآية 17-18.</ref> | |||
إنّ الحرّية في الإسلام لا تقتصر على إظهار العقيدة ، فالإنسان حرٌّ في إبداء الرأي حتّى وإن كان مخالفا لما يعتقده ويؤمن به ، وعلى الرغم من أنّ الإسلام يستهجن هذا العمل ويستوجب له العقوبة الاُخروية ، إلّا أنّه لا يجبره بالقوّة مطلقا على الاعتراف بالحقّ الذي يعرفه . | |||
وفي القرآن آيات عديدة تنصُّ صراحةً على أنّه لا إكراه في الإيمان ، وأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله ليس مكلّفا بإرغام الناس على الإيمان عنوةً .<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 127.</ref> | |||
==مكافحة العقائد الموهومة في الإسلام== | |||
ربّما يستنتج ممّا سلف عن حرّية العقيدة وحرّية التعبير عنها أنّ الإسلام لايسمح باتّخاذ أيّ إجراء من أجل مكافحة العقائد الواهية وتصحيح المعتقدات المجانِفة للصواب ، وما دامت عقائد الإنسان تابعة لمبادئه الخاصة وخارجة عن اختياره وأنّ الكلّ أحرار في الإفصاح عن معتقداتهم وأنّه لا يجوز فرض الإيمان حتّى على اولئك الذين أيقنوا صوابَه فلا معنى اذاً لمكافحة العقائد الموهومة . | |||
لكن لو تأمّلنا قليلاً اتّضح أنّ هذا الاستنتاج ما هو إلّا وهمٌ وتصوّر ، لأن عدم الخيار في العقيدة لايتنافى وتصحيح العقائد الخاطئة ، كما أنّ حرّية الإعلان والتظاهر بالعقيدة لا تنفي مكافحة الأوهام والخرافات العقائدية مكافحة أساسية ، بل إنّها لتهيِّئُ المجال لهذه المكافحة . | |||
فبينما نرى الإسلام يؤيّد حرّية التظاهر بالعقيدة من حيث كونها مجالاً لتكامل الإنسان نراه يؤكّد ضرورة مكافحة العقائد الموهومة ، من حيث كونها باعثا على تحرير الفكر من قيود المعتقدات الخرافية الباطلة ، ويتنبَّأُ بالنصر النهائي في هذا الكفاح ، ويؤمن بيومٍ يأتي مع مستقبل التاريخ ، فيه يتحرّر المجتمع البشري قاطبةً من قيود المعتقدات الباطلة ، وذلك يوم يهيمن الإسلام على العالم أجمع .<ref>قال عزّ من قائل: {{ نص قرآني |هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}} ( سورة التوبة، الآية 33)</ref> | |||
وأمّا دليل الإسلام على ضرورة مكافحة المعتقدات الباطلة فهو نفس الدليل الذي يقيمه العقل لنفس الضرورة ، والطريق الذي يعيّنه الإسلام لتصحيح العقائد الفاسدة هو عين الطريق الذي يحدّده العقل . | |||
فالإسلام لايسمح مطلقا للعقائد الباطلة غير الواقعية بأن تؤثّر على شاكلة الإنسان وهيئته الباطنية الواقعية وهي مصدر أعماله ومنشأ تصرّفاته ، فتبتني على اُسس مغلوطة غير علمية ، أو أنها تبقى على ما هي عليه من غلط إن كان ذلك . | |||
والإسلام لا يسمح مطلقا للعقائد المناقضة للعقل التي من شأنها أن تكبّل فكر الإنسان بأن تطعّم روحه ببراعمها ، فإن كانت قد طُعِّمت فلا يسمح لها أن تبقى أسيرة في أغلال العقائد الموهومة .<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 133-134.</ref> | |||
==طريقة الإسلام في مكافحة العقائد الباطلة== | |||
إنّ الطريق الذي عيّنه الإسلام لمكافحة المعتقدات الباطلة ـ كما سبق أن أشرنا إليه ـ هو نفس الطريق الذي حدّده العقل لذلك ، ولبيان ذلك يمكننا أن نقسم طريقة هذا الكفاح إلى قسمين : | |||
القسم الأول : طريقة الإسلام في إزالة العقائد الباطلة وتبرئة أذهان عامّة الناس منها . | |||
القسم الآخر : طريقته في مواجهة العراقيل التي تقف حَجر عثرة في طريق حرّية التعبير عن العقيدة وازدهار المعتقدات الصحيحة بين المجتمع . | |||
فأمّا الطريقة الأولى فتتمّ بالكفاح الإعلامي والتبليغ ، وأمّا الطريقة الاُخرى ، فتتمّ بالكفاح المسلّح . | |||
===الكفاح الإعلامي ضدّ المعتقدات الباطلة=== | |||
طريقة الإسلام ومنهاجه في مكافحة العقائد الباطلة والقضاء على المعتقدات الفاسدة في أذهان الناس ودعوتهم كافّةً لاعتناق العقائد الصحيحة المطابقة للحقيقة هي الاعتماد أولاً وقبل كلّ شيء على الدليل والبرهان والنصيحة والموعظة والمناظرة والنقاش الحرّ ، وبتعبير آخر : الكفاح الإعلامي أو التبليغ . | |||
والآية الآتية توضّح هذه الطريقة أو الاُسلوب بصورة واضحة ، حيث يوجّه اللّه سبحانه وتعالى تعليماته في هذا الصدد إلى النبيّ صلى الله عليه و آله بقوله :{{ نص قرآني |ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}}<ref> سورة النحل، الآية 125.</ref> | |||
فالقرآن الكريم ينصّ في هذه الآية على الأساليب المنطقية لتطهير أذهان الناس من العقائد الباطلة ، ويأمر النبيّ صلى الله عليه و آله أن يوظّف هذه الأساليب في دعوة الناس إلى الإسلام وعقائده ، وهذه الأساليب هي : | |||
#الحكمة: إنّ أول الأساليب العملية لمكافحة المعتقدات الباطلة في الاسلام هو إقامة الدليل والبرهان والاستدلالات العقلية أو كما عبَّر القرآن «الحكمة» . ومعنى «الحكمة» كما جاء في مفردات الراغب ـ هو إصابة الحقِّ بالعِلْمِ والعقل ، وبعبارة اُخرى : الحكمة عبارة عن كشف الحقائق بواسطة الاستدلال العلمي والعقلي ، والإسلام يقدّم دائما الدليل والبرهان لإثبات دعاويه ، ويطالب المخالفين ببرهانهم. <ref>قال تعالى : {{ نص قرآني |هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ}} (سورة البقرة، الآية 111) ، الأنبياء : ۲۴ ، النمل : ۶۴ ، القصص : ۷۵ .</ref> | |||
#الموعظة: وهي الأُسلوب العمليّ الثاني الّذي يتوسّل به الإسلام في مكافحة العقائد الباطلة إلى جوار الدليل والبرهان . وهي عبارة عن أقوال تعليمية تثير الاعتبار وتحرّك عواطف السامع وتحفزها على قبول الحقّ ، وعليه ، فالحكمة عن طريق العقل ، والموعظة عن طريق العاطفة والمشاعر الباطنية تدعوان الإنسان إلى تحطيم قيود المعتقدات الباطلة . وممّا يلفت النظر في الآية الكريمة أنّ «الموعظة» قد قيّدت بوصفها «الحسنة» ، وهذا إشارة إلى أنّ الموعظة أو النصيحة لها أثرها في تحريك العواطف والمشاعر الباطنية لقبول الحقّ إذا كانت خالية من أيّ نوع من الكراهة ـ كالفظاظه والتعالي والإهانة ـ وكانت موائمة لليسر والجمال ، فالجمال كيسر الحديث وحسن اللقاء وجمال الدافع وحتّى ملاحة القائل وما إلى ذلك جميعا لها أثرها الفعّال في نفاذ الموعظة إلى مكامن النفس ، على أنّ الأهمّ من هذا كلّه أن يكون الواعظ متّعظا بما يقول عاملاً به فأقبح العظات عظة الواعظ غير المتّعظ . وعليه ، فكلّما ازدادت الموعظة حُسنا ازداد أثرها في نفس السامع ، وما أكثر ما كانت العظات الحسنة أبلغ أثراً ـ في نفوس عامّة الناس وجذبهم إلى العقائد الصحيحة والأعمال الصالحة ـ من الدليل والبرهان .أمّا المواعظ القبيحة فإنها لا تقتصر على كونها عديمة التأثير بل لها ردّ فعلٍ عكسي يؤدّي بالإنسان إلى إنكار ما آمن به بالدليل والبرهان . | |||
#المناظرة والبحث: وهي ثالثة الأساليب العملية في منهاج الإسلام لمكافحة العقائد غير العلمية جنبا إلى جنب مع ما سبق ، وهي ما عبّر عنها القرآن بألفاظٍ كالجدال والمراء . والجدال والمراء أو المناظرة عبارة عن البحث والحوار حول الفكرة على سبيل المنازعة والمغالبة ، أو بعبارة اُخرى : مصارعة الأفكار على مسرح البحث والحوار . | |||
وللقرآن في مخض الفكر بالمناظرة ـ الأمر الذي يستوجب بيان الحقائق وتجلّي المعتقدات الصحيحة ـ تعبيران : الأول: ما ورد فيالآية المعنيّة: الجدال بالتي هي أحسن . والآخر : المراء الظاهر. <ref>كما في قوله سبحانه : {{ نص قرآني |وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}} (سورة النحل، الآية 125.) وقوله تعالى : {{ نص قرآني |وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}} (سورة العنكبوت، الآية 46).</ref>. | |||
فـ «الجدال بالتي هي أحسن» يعني ممارسة أسلم الطرق وأليق الأساليب في المناظرة ، حتّى يتجلى الحقّ ، و«المراء الظاهر» هو الإفادة من الأدلّة التي ثبت حجّيتها وظهرت قاطعيتها وأيقن بها الجميع ، والتي من شأنها أن تُفحم الطرف المقابل وتلقمه حجراً . | |||
والإسلام ـ وهو رسالة أنبياء اللّه جميعا ـ هو الواضع الأول لمنهاج النقاش الحرّ والمناظرة ، والنبيّ صلى الله عليه و آله ـ وهو أعظم رسول إلهي ـ هو الذي أعلن لأول مرّة منهاج النقاش الحرّ والمناظرة وتلاقي الأفكار السليمة في مجتمع عصر كانت الغلبة فيه للقوّة والمال ، وعلى هذا الغرار كان هو وعلماء أهل بيته هم الطليعة البارزة في هذا المجال ، ومن ثَمّ اختصّ قسم ملحوظ من كتب الحديث بمناظرات النبيّ صلى الله عليه و آله والأئمه من أهل بيته عليهم السلام .<ref>راجع : الحوار بين الحضارات في الكتاب والسنة.</ref> | |||
والجدير بالملاحظة هنا هو أنّ اُسلوب الإسلام للقضاء على المعتقدات غير العلميّة اُسلوبٌ علميٌّ منطقيٌّ تماما ، فلم يلجأ ولا يلجأ إلى السيف لهذا الفرض بتاتا ، فكان اُسلوب الرسول صلى الله عليه و آله في الدعوة ـ بناءً على تعليمات القرآن ـ مبتنيا على إقامة الأدلّة والبراهين وبذل المواعظ والنصائح والمناظرة بالتي هي أحسن ، وكان صلى الله عليه و آله يُعلن صراحةً بأنّ اُسلوبه واُسلوب من اتّبعه لدعوة الناس إلى الإيمان باللّه واعتناق الإسلام يستند إلى العلم والبصيرة : {{ نص قرآني |قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}}<ref> سورة يوسف، الآية 108.</ref> | |||
وعليه ، فإنّه غاية من عدم الإنصاف أن يقال : إنّ الإسلام قد فُرِضَ على الناس بالقوّة ، ولا سيَما إذا كان هذا الافتراء قد صدر من جانب اُناسٍ قد سوّدت جرائمهم وجه التاريخ في محاكم التفتيش . | |||
أجل ، إنّ الإسلام لايلجأ إلى قوّة السلاح لفرض عقائده وإنّما يلجأ إلى تحطيم الموانع والعقبات التي تحول دون انتشار العقائد الصحيحة وازدهارها .<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 135-139.</ref> | |||
===الكفاح من أجل حرّية الفكر=== | |||
نعم ، عندما لا يجدي الدليل والبرهان والمناظرة والموعظة فتيلاً لايرى الإسلام مندوحةً إلّا مقابلة الموانع والسدود الّتي أمام طريق حرّية الفكر ، بالكفاح المسلّح والحرب. | |||
وهذه الموانع تتمثّل في النُظُم الفاسدة والتقاليد الخرافية التي تسلب الناس قدرتهم على التفكير والتشخيص ، وبالتالي على انتخاب العقائد الصحيحة . | |||
إنّ النُظُم الفاسدة المتهرّئة والقدرات الطاغية الجائرة التي تتغذّى وتنمو على جهل الناس وترى في وعيهم صورة واقعية لسقوطهم من أريكة الاقتدار لايمكنها أن تسمح بإعلان الحقائق للناس كما هي ، ومن هنا كانت هذه النُظُم في حقيقتها سدّا في طريق المعتقدات الصحيحة ، أو كما وصفها القرآن بأنها تصدّ عن سبيل اللّه . | |||
فالإسلام بعد أن يُتمّ الحجّة على هذه النُظُم يواجهها بالقوّة ، حتّى يزيل العقبات المانعة لحرّية الفكر ، ويفسح الطريق للوعي ونماء العقائد الصحيحة . | |||
وسوف نشاهد بعد ـ في مبحث «النبوّة الخاصّة» فيما يختصّ بمعرفة النبيّ صلى الله عليه و آله واُسلوبه في مقابلة المخالفين ـ أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله في مواجهته للقُدرات المناوئة كان يتوسّل بالدليل والبرهان كخطوة اُولى في مناظرته ، ثمّ المباهلة كخطوة ثانية وهي تحكيم اللّه والاحتكام إليه ، فإذا لم تفلح المناظرة أو المباهلة فالحرب والقتال في ميادين الوغى هي الخطوة الأخيرة لإزالة السدود عن طريق الوعي وحرّية الفكر . وما المناظرة والمباهلة إلّا إتمام الحجّة على المعاندين . | |||
مضافا إلى النُظُم المتعفّنة قد تقوم السُنن والتقاليد المهيمنة على مجتمع من المجتمعات أحيانا بمثابة السدّ في طريق حرّية الفكر ، مثل : عبادة الأوثان وعبادة البقر وعبادة النار ، والعشرات بل المئات من العقائد الاُخرى المنافية للعقل ، التي لو تأمّلها الإنسان بفكر حرّ لم يلبث حتّى يُدرك أنها عقائد وهمية دونما أدنى شكّ ، إلّا أنّ السُنن والعادات الموروثة العمياء التي تطوّق أرواح المعتقدين وكأنها الأغلال استبدّت بالفكر ، لا تتيح للإنسان فرصة التفكّر والتعقّل ، وعلى حدّ قول الاُستاذ الشهيد العلّامة المطهّري : في البداية يظهر أصحاب المصالح الاستغلاليون ، ويحاولون تأسيس نظام ، وهذا النظام يحتاج بدون شكّ إلى مرتكز عقائدي ، فالمؤسّس يعلم ذاتيا ما هو صانع ، يعلم أنّه يخون ويعرف خيانته ، فهو يروّج بين الناس لفكرة أو صنم أو بقرة أو ثعبان ، فينخدع به جمعٌ منهم دون أن تتعلّق قلوبهم به ، وتمضي عدّة أعوام ، فيولد لهذه الجماعة أطفال يتربّون في أحضانهم يشاهدون أعمالهم ثمّ يبدؤون بالسير على خُطى الآباء . | |||
ومثلها كمثل الجِصّ الليّن يمكن تشكيله في أيّ شكل من الأشكال حتّى يستقر على شكل وقالب معيّن ، فيجف تدريجيا ويتصلّب أكثر فأكثر كلّما ازداد جفافا حتّى يصل من الصلابة إلى حدّ يعجز المعوَل عن هدمه ، والسؤال : أيجب أن يكافح هؤلاء أم لا ؟ أتشمل حرّية الفكر التي ندعو إليها هذه الفكرة والعقيدة؟ هذه المغالطة تعمُّ العالم اليوم ، حيث يقولون من جهة بضرورة حرّية عقل الإنسان وفكره ، ومن جهة اخرى يدعون إلى ضرورة حرّية العقيدة أيضا . فهل يجوز أن يكون عبَدة الأصنام والبقر والثعابين و . . . أحراراً في عقائدهم ، في حين أنّ هذه العقائد مضادّة لحرّية الفكر مقيّدة لها؟ <ref>نقلاً عن كلمة ألقاها الشهيد المطهّري في حسينية الإرشاد في خريف عام ۱۳۴۸ ه ش تحت عنوان «حرّية العقيدة» . راجع ص ۹۸ ـ ۹۹ من سلسلة مقالات پيرامون جمهورى اسلامى (بالفارسية) .</ref> | |||
هذه المعتقدات الخرافية الباطلة التي ترسّبت في الأذهان طوال القرون المتمادية لايمكن إزالتها بالأساليب المبدئية ، ولذا فإنّ الإسلام يوصي باستخدام القوّة لإبادة كلّ ما من شأنه عرقلة حرّية الفكر ويحول دون تحرّر المجتمع من العادات والتقاليد البائدة ورواسب الثقافات المتردّية . بيدَ أنّه ـ وكما ذكرنا سابقا ـ لايمكن استخدام القوّة العسكرية في مواجهة تلك المعتقدات مباشرةً ، فلهذا يوصي الإسلام بادئ ذي بَدء بضرب المعالم والآثار الاجتماعية لتلك المعتقدات والتقاليد المذمومة . فلأجل مكافحة عبادة الأصنام مثلاً لابدّ من هدم معابد الوثنيّين مثلما فعل النبيّ إبراهيم عليه السلام ، ولمكافحة عبادة البقر يجب رمي العِجْل في النار كما فعل النبيّ موسى عليه السلام . | |||
لقد كان النبيّ ابراهيم عليه السلام أول من كشف سرّ الخلق في زمانه وأصاب الرؤية الكونية الحقيقية بفكر طليق ،<ref>قال تعالى : {{ نص قرآني |وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}}(سورة الأنعام، الآية 75).</ref> وكان يتصدّى لقومٍ يعيشون في الأوهام ، قد قيّدت المعتقدات الباطلة أذهانهم ، فهم محرومون من أيسر تفكير وتعقّل؛ وقد حاول إنقاذهم عن طريق الاستدلال والنصح فلم يفلح ، الأمر الذي حداه إلى البرهنة العملية على أنّ الآلهة الأصنام التي كانوا يعبدونها ليست الإله الحقيقي ، بل هي من صنع أيديهم . | |||
ففي أحد الأيام خرج الناس من المدينة لأداء مراسم عيد خاصّ بهم ، فاستغلّ إبراهيم عليه السلام الفرصة ودخل معبد الأوثان وحمل عليها بالفأس وهشّمها إلّا واحداً ، هو كبيرها ، فعلّق الفأس في رقبته وخرج من المعبد . وقد كان عليه السلام يهدف من وراء ذلك إلقاء التهمة على عاتق هذا الوثن الأكبر بأنه هو الذي هشّم الأوثان الاُخرى ، وبذلك يخلّص أذهان الناس من المعتقدات الخرافية ويحرّر أفكارهم . | |||
لمّا عاد الناس بعد احتفال العيد إلى المدينة علموا بأنّ المعبد قد خُرّب ، وكأنّ الأصنام قد اقتتلت وقتلت بعضها بعضا ، فدخلوا المعبد وشاهدوا الأصنام جميعا جذاذاً ، ولم يبق إلّا الصنم الكبير والفأس على رقبته . | |||
إنّ هذا المشهد لا يدلّ إلّا على أنّ الصنم الكبير هو المتّهم لاغيره ، إلّا أنهم كانوا يدركون بشعورهم الفطري أنّه لا يمكن لمجموعة من الكائنات غير الحية العديمة الشعور أن تدخل في نزاع معا ، فسارعوا في البحث عن المتّهم في الحادث ، أي النبيّ إبراهيم عليه السلام ، فلطالما انتقد عبادة الأوثان وسبق أن هدّد بتحطيمها ، فألقوا القبض عليه بتهمة قتل آلهتهم! وشرعوا في محاكمته على مرأىً من الملأ . | |||
وقد كان أول سؤال وجّه اليه ، هو : {{ نص قرآني |أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ}}<ref> سورة الأنبياء، الآية 62.</ref> | |||
أجاب عليه السلام بما يستهدف إحياء الضمائر الميّتة فيهم قائلاً بأنّ الدلائل تشير إلى أنّ الوثن الأكبر هو الفاعل ، فإذا كانت الأوثان لتنطق فاسألوهم ليخبروكم عن الفاعل . | |||
{{ نص قرآني |بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ}}<ref> سورة الأنبياء، الآية 63.</ref> | |||
إنّ ما يلفت النظر هنا هو أنّ الإسلام بعدما يحطّم الموانع ويحلّ عُقَد الأفكار المخطئة ويحرّر الذهن يقول للإنسان : الآن فكّر ، لترى ماذا يقول العقل ، فإن قال : إنّ الإسلام صائب ، فاقبله واعتنقه ، وإن قال : إنّ المدرسة الفلانية صحيحة ، فاقبلها واتبعها ، بعبارة اُخرى : إنّ الإسلام لايفكُّ غُلًا بالقوّة ليستبد له بآخر يحلّ محلّه ، أو يفرض على الإنسان عقيدة اُخرى حتّى وإن كانت على أساس من العقل والفكر ، بل إنّه يدعو إلى اختيار العقيدة على أساس التفكير والتحقيق حتّى ولو كانت تلك العقيدة عقيدةً إسلامية . | |||
بعد أن فُتحت مكّة وانصرف الناس عن عبادة الأصنام واُعلن العفو العامّ دخل أهل الحجاز في دين اللّه أفواجا ، إلّا زعماء المشركين الذين كانوا يخلقون المشاكل للمسلمين ، فقد باتوا يشعرون بالخطر ، ممّا حداهم إلى الهرب من مكّة المكرّمة . وكان صفوان بن اُميّه أحد الهاربين إلى جدّة . | |||
فإنّه فضلاً عن جرائمه الفادحة ـ كان قد قتل مسلما انتقاما لأبيه اُمية بن خلف الذي قُتِل على أيدي المسلمين في بدر ، وذلك عندما صلَبَهُ أمامَ حشد كبير من أهل مكّة في وضح النهار ، ولهذا أهدر رسول اللّه صلى الله عليه و آله دمَه ، فعزم على أن يخرج من الحجاز عن طريق البحر فراراً من القتل ، وبخاصّة عندما علم بأنه من جملة العشرة الذين أمر رسول اللّه صلى الله عليه و آله بقتلهم وإهدار دمِهم . | |||
فطَلبَ عُمير بن وهب من رسول اللّه صلى الله عليه و آله أن يعفو عنه ، فقبِلَ رسول اللّه صلى الله عليه و آله شفاعته ، وأعطاه عمامته ليدخلَ بها مكّة كعلامة أمان من رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، ويصطحب معه إلى مكّة صفوان بن اُمية ، فذهب عُمير إلى جدّة وأخبر صفوان بذلك ، وقدِمَ به مكّة على رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فلمّا وقعت عينا رسول اللّه على كبير المجرمين بل أكبرهم يومئذ قال له ردّاً عليه لما سأله قائلاً «إنّ عُمير يزعم أنك أمتّني» : صدقت ، إنزل أبا وهب . | |||
ثمّ دعاه رسول اللّه صلى الله عليه و آله إلى الإسلام ، فقال : اجعلني بالخيار شهرين ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : أنت بالخيار في أربعة أشهر ، وبهذا أمهله رسول اللّه صلى الله عليه و آله أربعة أشهر كفرصة يفكّر فيها في الإسلام ودعوة النبيّ .<ref>سيّد المرسلين : ج ۲ ص ۵۰۵ ، وراجع كنز العمّال : ج ۱۰ ص ۵۰۴ ح ۳۰۱۷۰ .</ref> | |||
ولعل الألطف من هذه القصّة قصة دخول سهيل بن عمر الإسلام ، قال : لمّا دخلَ رسول اللّه صلى الله عليه و آله مكّة وظَهَرَ ، انقحمتُ بيتي وأغلقتُ عليَّ بابي ، وأرسلتُ إلى ابني عبداللّه بن سهيل أن اُطلب لي جواراً من محمّد ، وإنّي لا آمن أن اُقتَل ، وجعلت أتذكّر أثري عند محمّد وأصحابه؛ فليس أحدٌ أسوأ أثرا منّي ... . فذهب عبداللّه بن سهيل إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فقال : يا رسول اللّه ، تُؤَمِّنُهُ؟ فقال : نعم ، هو آمن بأمان اللّه ، فليَظْهر ، ثمّ قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله لمن حوله : من لقيَ سُهيلَ بنَ عمروٍ فلا يشدُّ النظر إليه ، فليخرج ؛ فلعمري إنَّ سهيلاً له عقل وشرف ، وما مثلُ سهيل جهِلَ الإسلام ، ولقد رأى ما كان يوضع فيه أنّه لم يكن له بنافع ! فخرج عبداللّه إلى أبيه فأخبره بمقالة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ؛ فقال سهيل : كان واللّه بَرّاً ؛ صغيراً وكبيراً . فكان سهيل يُقبل ويُدبر ، وخرج إلى حنين مع النبيّ صلى الله عليه و آله وهو على شركه ، حتّى أسْلَمَ بالجِعِرّانة. <ref>المغازي للواقدي : ج ۲ ص ۸۴۶ ، المستدرك على الصحيحين : ج ۳ ص ۳۱۷ ح ۵۲۲۵ ، شرح نهج البلاغة : ج۱۷ ص ۲۸۴ ، كنز العمّال : ج ۱۰ ص ۵۰۳ ح ۳۰۱۶۸ .</ref> | |||
هاتان القصّتان نموذجان واضحان للسيرة العمليّة لنبيّ الإسلام صلى الله عليه و آله في معاملة المناوئين للعقيدة الإسلامية ، وهما تبرهنان عكس المزاعم التي يبثّها بعض المستشرقين للنيل من الإسلام والنبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله ، وعليه ، فإنّ المعارك والغزوات الإسلامية بناءً على تعاليم القرآن لم تكن إلّا إقداما على تحطيم الموانع دون حرّية الفكر ونماء المعتقدات الصحيحة.<ref>لمزيد من المعلومات بهذا الخصوص راجع مقالة «ملفّ الإسلام» من كتاب محمّد خاتم پيامبران (بالفارسية) : ج ۲ ص ۵۹ ـ ۷۱.</ref>.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 139-144.</ref> | |||
==حرّية تبليغ العقيدة في الإسلام== | |||
علمنا حتّى الآن بأنّ الإسلام لا يؤيّد حرّية الإعلان عن العقيدة فحسب ، بل ويدافع عنها أيضا ، وعليه ؛ أيسمحُ الإسلام لكلّ صاحب عقيدة أيًّا كانت أن يبلّغها لغيرهِ؟ هذا ما يجب أن نعرفه ، وقد سبق أن أجبنا عن هذا السؤال لدى بياننا عن رأي العقل في هذا الموضوع ، وقلنا : إنّ العقل لايسمح لتبليغ العقيدة بحرّية مطلقةٍ ، وإنّ رأي الإسلام في هذا الصدد مطابق لرأي العقل ، ولمزيد من الايضاح نقول : إنّ تبليغ العقيدة يتمّ عن طريق الاستدلال والبرهنة ، والمبلِّغ يعتمد على العقل والمنطق إمّا بشكل حقيقي ، وإمّا بالتهريج والتحايل والتضليل . | |||
والإعلان عن العقائد ذات الأساس العقلي في حدّ ذاته يعتبر ترويجا وتبليغا لها بمقدار ما تتمتّع به من العقل والمنطق والاستدلال ، ومن ثَمَّ فالتبليغ بهذا المعنى منطوٍ تحت حرّية التظاهر والإعلان ، وقد بَيَّنَّا رأي الإسلام في هذا الخصوص بشكل وافٍ . | |||
وأمّا التبليغ عن طريق التهريج أو خلق الأجواء وتكييفها والتحايل لنشر المعتقدات التي لا أساس لها من الفكر أو المنطق فإنه يترك آثاراً سيئة على المجتمع ، فلا العقل يسمح به ـ كما سبق وأسلفنا ـ ولا الإسلام ، يؤيّد ما لا يجيزه العقل . | |||
وعليه ، نقطع بغاية من الإيجاز فنقول : إنّ الإعلان عن الرأي والعقيدة مسموح به في الإسلام ، أمّا التهريج والشعوذة والتضليل لتفشّي المعتقدات الباطلة فهذا ما يحرّمه الإسلام .<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 144-145.</ref> | |||
==إمكانيّة تعليم العقائد الصحيحة== | |||
إنّ أوّل سؤال يثار هو أنّنا إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ عقائد الإنسان خارجة عن اختياره، فكيف يتسنّى تعليم الناس العقائد الصحيحة المطابقة للواقع؟ | |||
والجواب هو أنّ عقائد الإنسان ليست كثيابه فيغيّرها أنّى شاء، بيد أنّ العقائد غير العلميّة قابلة للتغيير بعد اجتثاث جذور العقائد الوهميّة السقيمة. | |||
وتعليم العقائد على أساس الرؤية الإسلاميّة يعمد إلى تحقيق هذا الهدف وهو انّه بعد تحرير الفكر من قُيود التقليد، واستبدال البحث الوافي بالبحث الناقص، تترك العقائد الوهميّة مكانها للعقائد العلميّة الصحيحة. ومن البديهيّ أنّ هذا الأمر يتيسّر ولايتعذّر.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 149.</ref> | |||
==ضرورة تعليم العقائد الصحيحة== | |||
عقائد الإنسان هي آصرة روحه ونفسه؛ أي: إنّ العقائد الخاطئة تشوّه شكل الإنسان وباطنه الحقيقيّ وتُمرضه، فتُخرج بذلك حياته الفرديّة والاجتماعيّة عن مسارها الطبيعيّ. | |||
وما يمكن أن يقي الإنسانَ هذا الخطرَ هو علم المعرفة وتعليم العقائد العلميّة، من هنا يُعدُّ هذا العلم أهمّ العلوم وأثمنها وأكثرها ضرورةً، لأنّه يحولُ دون تطعيم الذهن بالعقائد الغالطة غير العلميّة، ويضمن سلامة الروح، لذا قال الإمام الباقر عليه السلام في سياق إرشاداته لجابر بن يزيد الجعفيّ: {{نص حديث| اِعْلَمْ أَنَّهُ لاَ عِلْمَ كَطَلَبِ اَلسَّلاَمَةِ وَ لاَ سَلاَمَةَ كَسَلاَمَةِ اَلْقَلْبِ }}. <ref>بحار الأنوار، ج ۷۵، ص۱۶۲.</ref> | |||
أجل، لاعلم كالعلم الذي يتوخّى ضمان سلامة قلب الإنسان وروحه، لأنّ معيار القيمة في كلّ علم يتمثّل في الخدمة التي يقدّمها للإنسان والمجتمع، ولمّا كان علم العقيدة وتنقيحها يؤدّي أهمّ دور في ضمان سلامة الفكر والروح، فإنّه من أثمن العلوم وأكثرها قيمةً وضرورة للإنسان.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 150.</ref> | |||
==أسلوب نيل العقائد الصحيحة== | |||
تلاحظ ثلاثة أساليب للحصول على المعرفة الحقيقيّة والعقائد العلميّة الصحيحة ، وهي كما يأتي : | |||
#اُسلوب الفلاسفة . | |||
#اُسلوب المتكلّمين . | |||
#اُسلوب الأنبياء . | |||
لقد تحدّث كلّ من الفلاسفة والمتكلّمين والأنبياء عن اُصول العقائد ، وكان لكلّ منهم اُسلوبه ومنهاجه الخاصّ في بيان المسائل العقائدية. <ref>للتعرّف على اُسلوب الفلاسفة والمتكلّمين ، راجع مجموعة «آشنايى با علوم اسلامى» (بالفارسية) الشهيد الاُستاذ المطهّري : الدرس الرابع في الفلسفة ، موضوع «الأساليب الفكرية الإسلامية» وكذلك الدرس الأول في «علم الكلام» .</ref> | |||
==ميزات اُسلوب الأنبياء== | |||
يتمتّع اُسلوب الأنبياء عليهم السلام في تعليم اُصول العقائد بميزتين مهمّتين أساسيّتين ، يفتقر إليهما اُسلوب كلّ من الفلاسفة والمتكلّمين ، وهاتان الميزتان هما : | |||
=== العمومية=== | |||
فالاُولى تعني أنّ الأنبياء عليهم السلام كانوا يخاطبون الناس عامّة ويعلّمونهم كافّة ، أي أنهم على العكس من الفلاسفة والمتكلّمين ، فهم يعلّمون فئة خاصّة تفهم لغتهم واُسلوبهم ، بعبارة اُخرى : إنّ الفلاسفة حينما يتكلّمون عن المسائل العقائدية أو يؤلّفون كتبا فيها لا يخاطبون الناس كافّةً ، بل يخاطبون اُولئك الذين يتمتّعون بأذواق ومعلومات فلسفية أو كلامية ، أو مَن درسوا الفلسفة أو الكلام ، أو يبغون دراستها ، وعليه ، فلا يستفيد عامّة الناس من أقوالهم ومؤلّفاتهم . | |||
أمّا الأنبياء فهم معلّمون ومربُّون للناس جميعا ، يرشدونهم إلى الاستناد إلى العقل والأدلّة والبراهين في المسائل العقائدية . | |||
فالذين يخاطبهم الأنبياء لا يقتصرون على المشتغلين بالفلسفة أو مريديها ، أو على ذوي الأذواق والمؤهّلات في علم الكلام ، أو على العلماء وطلّاب العلم ، أو على شريحة اجتماعية خاصّة ، بل هم الناس قاطبة بمختلف طبقاتهم وشرائحهم الاجتماعية ، ولهذا كان لابدّ للأنبياء أن يقولوا في المسائل العقائدية ما يسهل فهمه للجميع ، وأن يستدلّوا فيها بما يمكن للجميع أن يستوعبوه ، سواء في ذلك الجاهل الاُمّي والعالم النِحرير . | |||
===الشموليّة=== | |||
والميزة الاُخرى لاُسلوب الأنبياء الإلهيّين في تعليم المسائل العقائدية هي الجامعية أو الشمولية . | |||
فالعقيدة في منهاج الفلاسفة والكلاميّين تبحث بمعزل عن التطبيق العلمي . فالبحوث العقائدية على الطريقة الفلسفية والكلامية عبارة عن سلسلة من البحوث العلمية الجافّة الخارجة عن نطاق النشاطات الاجتماعية والسياسية والأخلاقية ، في حين أنّ البحوث العقائدية على طريقة الأنبياء عليهم السلام بحوث شاملة جامعة بين العقيدة والعمل في نفس الوقت. | |||
<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص | إنّ تعليم العقيدة بهذا المنهاج الجامع يعرّف الإنسان حقائق المبدأ والمعاد من خلال الدلائل العلميّة والفلسفيّة الدقيقة تزامنا مع تعليمه أسمى القضايا العرفانيّة وأدقّ الموضوعات الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة .<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 150-153.</ref> | ||
==المراجع والمصادر== | ==المراجع والمصادر== | ||