انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الجنة عند أهل السنة»

سطر ٢١٩: سطر ٢١٩:
فهذه درجات الجنة ومنازلها العالية متفاوته بعضها فوق بعض، أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين من أهل الجنة على قدر إيمانهم وأعمالهم وتوفيق الله تعالى لهم، وأعلى تلك الدرجات الفردوس، ولا تنال تلك الدرجات العلى إلا بالطاعة والإيمان والعمل الصالح، والتنافس والتسابق في الخيرات.
فهذه درجات الجنة ومنازلها العالية متفاوته بعضها فوق بعض، أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين من أهل الجنة على قدر إيمانهم وأعمالهم وتوفيق الله تعالى لهم، وأعلى تلك الدرجات الفردوس، ولا تنال تلك الدرجات العلى إلا بالطاعة والإيمان والعمل الصالح، والتنافس والتسابق في الخيرات.


==صفة الجنة ونعيمها==
تحدث القرآن كثيرًا عن الجنة وصفاتها وما فيها من النعيم المقيم الذي أعده الله تعالى لعباده المؤمنين، وسوف نستعرض في هذا المبحث بعض ما جاء فيها من خلال النقاط الآتية:
===أبواب الجنة===
ذكر القرآن الكريم في آياته أن للجنة أبوابًا يدخل منها المؤمنون إلى جنات الخلد.
وفي معنى الباب يقول الراغب الاصفهاني: «الباب يقال لمدخل الشيء، وأصل ذلك: مداخل الأمكنة، كباب المدينة والدار والبيت، وجمعه: أبواب، قال تعالى: (ڍ ڌ ڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ ڑ) [يوسف: ٢٥].
وقال تعالى: (ں ڻ ڻ ڻ ڻ ۀ ۀ ہ ہ) [يوسف: ٦٧].
ومنه يقال في العلم: باب كذا، وهذا العلم باب إلى علم كذا، أي: به يتوصل إليه، وقد يقال: أبواب الجنة وأبواب جهنم للأشياء التي بها يتوصل إليهما»70.
أما أبواب الجنة قال تعالى: (ڭ ڭ ڭ ۇ ۇ ۆ ۆۈ ۈ ٷ ۋ ۋ ۅ ۅ ۉ ۉ ې ې ې ې ى ى) [الزمر: ٧٣].
قال ابن كثير رحمه الله: «وهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين حين يساقون على النجائب وفدًا إلى الجنة (ۆ)، أي: جماعة بعد جماعة: المقربون، ثم الأبرار، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم كل طائفة مع من يناسبهم: الأنبياء مع الأنبياء والصديقون مع أشكالهم، والشهداء مع أضرابهم، والعلماء مع أقرانهم، وكل صنف مع صنف، كل زمرة تناسب بعضها بعضًا»71.
وتصف هذه الآية الكريمة المشهد العظيم للمؤمنين الوافدين إلى جنات الخلد التي أعدها الله تعالى لهم، حيث تتلقاهم الملائكة وتحييهم وتهنيهم بسلامة وصولهم ودخولهم الجنة والخلود فيها، (ې ې ې ې ى).
وقال تعالى: (گ ڳ ڳ ڳ ڳ ڱ) [ص: ٥٠].
أي: جنات إقامة مفتحة لهم الأبواب72، وإنما قال: «مفتحة» ولم يقل مفتوحة، لأنها تفتح لهم بالأمر لا بالمس، كما قال الحسن البصري: تكلم: انفتحي، فتنفح. انغلقي، فتنغلق. وقيل: تفتح لهم الملائكة الأبواب73.
يقول ابن القيم رحمه الله: «وإن في تفتيح الأبواب لهم إشارة إلى تصرفهم وذهابهم وإيابهم وتبوءهم في الجنة حيث شاؤوا، ودخول الملائكة عليهم كل وقت بالتحف والألطاف من ربهم، ودخول ما يسرهم عليهم كل وقت، وأيضًا إشارة إلى أنها دار أمن لا يحتاجون فيها إلى غلق الأبواب كما كانوا يحتاجون إلى ذلك في الدنيا»74.
وجاء في الحديث الصحيح عن سهل بن سعد رضي الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (في الجنة ثمانية أبواب، فيها باب يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون)75.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أنفق زوجين في سبيل الله، نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، فقال أبو بكر رضي الله عنه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها، قال: (نعم وأرجو أن تكون منهم)76.
وهذه الأدلة تثبت أن للجنة أبوابًا كثيرة ذكرت في القرآن الكريم بشكل عام دون تفصيل أو مسميات، إلا أن السنة النبوية المطهرة بينت شأن تلك الأبواب وعددها وسمّت بعض أبوابها وذكرت سعتها.
قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي رحمه الله: «وقد أبهم الباري سبحانه أبواب الجنة في الطاعات ليلتزم الراجي لدخولها جميعها»77.
وأما عدد أبواب الجنة فقد ورد في الحديث الصحيح عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله، وابن أمته، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء)78.
وأما سعة أبواب الجنة، فقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى)79.
قال الإمام النووي رحمه الله: المصراعان جانبا الباب، وهجر مدينة عظيمة هي قاعدة بلاد البحرين، وأما بصرى وهي مدينة معروفة، بينها وبين دمشق نحو ثلاث مراحل وهي مدينة حوران، وبينها وبين مكة شهر80.
ولعلو شأن الجنة وأبوابها فأن أول من يقرع بابها سيدنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولا تفتح أبواب الجنة لأحد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث ورد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك)81.
ويتبين مما مضى أن الجنة ذات أبواب واسعة عظيمة تليق بسعتها، وتدل على علو شأنها ومنزلتها وقدرها، يدخل منها المؤمنون الجنة، وأن أول من يقرع تلك الأبواب هو سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.
===الأنهار===
بشّر الله تعالى عباده المؤمنين بأنه أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار في آيات عديدة، منها قوله تعالى: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ ڀ) [البقرة: ٢٥].
وقال تعالى: (ڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ ڑ ڑ ک ک کک گ گ گ گ) [آل عمران: ١٣٦].
وسياق هذه الآيات يدل على أن تلك الأنهار جارية وموجودة في الجنة، أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين، وتكرر ذكرها في آيات كثيرة، وكلها مقترنة بحرف «من» ما عدا آية واحدة في قوله تعالى: (ٺ ٺ ٺ ٺ ٿ ٿ) [التوبة: ١٠٠].
ويشير ابن القيم رحمه الله لدلالة هذا التكرار بأمور: «أحدها: وجود الأنهار فيها حقيقية، والثاني: أنهار جارية لا واقفة، والثالث: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا، وقد ظن بعض المفسرين أن معنى ذلك جريانها بأمرهم وتصريفهم لها كيف شاؤوا، كأن الذي حملهم على ذلك أنه لما سمعوا أن أنهارها تجري في غير أخدود فهي جارية على وجه الأرض؛ حملوا قوله تجري من تحتها الأنهار على أنها تجري بأمرهم؛ إذ لا يكون فوق المكان تحته، وهؤلاء أتوا من ضعف الفهم، فإن أنهار الجنة وإن جرت في غير أخدود فهي تحت القصور والمنازل والغرف وتحت الأشجار، وهو سبحانه لم يقل من تحت أرضها»82.
«وقد أخبر سبحانه عن جريان الأنهار تحت الناس في الدنيا فقال (ڱ ڱ ڱ ڱ ں ں ڻ ڻ ڻ ڻ ۀ ۀ ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ۓ ۓ) [الأنعام: ٦].
فهذا على ما هو المعهود والمتعارف وكذلك ما حكاه من قول فرعون (ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ) [الزخرف: ٥١]»83.
ومن نعم الجنة كثرة الأنهار الجارية فيها، وهي أنهار متنوّعة تحدثت بعض الآيات الكريمة عن أصنافها وأوصافها، فقال تعالى: (ڎ ڎ ڈ ڈ ژژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ڳ ڳ ڳ ڳ ڱ ڱ ڱ ڱ ں ں ڻڻ ڻ ڻ ۀ ۀ ہ ہ ہ ہ) [محمد: ١٥].
أي: صفة الجنة العجيبة العظيمة الشأن التي وعد المتقون الشرك والمعاصي، (ڑ ڑ ک ک ک ک) غير متغير الطعم واللون والرائحة، (گ گ گ گ ڳ ڳ) كما تتغير ألبان الدنيا بالحموضة وغيرها، إذ فيها ما تشتهيه الأنفس، (ڳ ڳ ڱ ڱ ڱ) أي: لذيذة، ليس فيها كراهة طعم وريح، ولا غائلة سكر، وإنما هي تلذذ محض، (ڱ ں ں ڻ) لم يخرج من بطون النحل فيخالطه شمع أو غيره84.
قيل: بدأ من هذه الأنهار بالماء لأنه لا يستغنى عنه قط، ثم باللبن لأنه يجري مجرى المطعوم والمشروب في كثير من الأوقات، ثم بالخمر؛ لأنه إذا حصل الري والمطعوم تشوقت النفس إلى ما يلتذ به، ثم بالعسل لأنه فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض من المشروب والمطعوم فهو متأخر فى الرتبة85.
وجاء هذا التنويع في الشراب ليلبي رغبات البشر، ويستثير فيهم شوقهم إلى الجنة، فالمشهد في الآية كله أشربة وهي أنهار أيضا لتوحي بالكثرة والوفرة، والديمومة وعدم الانقطاع، وإن كانت هذه الأشربة معروفة لدى الناس في الدنيا، إلا أن طعمها مختلف، ونوعها أجود86.
وذكرت الأحاديث الشريفة أن في الجنة أربعة أنهار، كما ورد عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رفعت إلى السدرة، فإذا أربعة أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان، فأما الظاهران: النيل والفرات، وأما الباطنان: فنهران في الجنة... الحديث)87.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيحان وجيحان، والفرات والنيل كل من أنهار الجنة) 88.
قال الإمام ملا علي القاري رحمه الله: «إنما جعل الأنهار الأربعة من أنهار الجنة، لما فيها من العذوبة والهضم، ولتضمنها البركة الإلهية، وتشرفها بورود الأنبياء إليها وشربهم منها»89.
ولا يمكن القول بأن أنهار الجنة تنحصر في هذه الأربعة التي ذكرت في الأحاديث السابقة؛ وذلك لأن تلك الأحاديث ذكرت أسماء بعض أنهار الجنة، ولم تذكر أنواعها بالتحديد التي قال تعالى عنها: (ڎ ڎ ڈ ڈ ژژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ڳ ڳ ڳ ڳ ڱ ڱ ڱ ڱ ں ں ڻ) [محمد: ١٥].
فالماء واللبن والخمر والعسل كلها أنهار من كل الأصناف التي ذكرت.
قال الزركشي: «فأعاد ذكر الأنهار مع كل صنف، وكان يكفي أن يقال فيها: أنهار من ماء، ومن لبن، ومن خمر، ومن عسل، لكن لما كانت الأنهار من الماء حقيقة وفيما عدا الماء مجازًا للتشبيه، فلو اقتصر على ذكرها مع الماء وعطف الباقي عليه لجمع بين الحقيقة والمجاز، فإن قلت: فهلا أفرد ذكر الماء وجمع الباقي صيغة واحدة؟ قيل: لو فعل ذلك لجمع بين محامل من المجاز مختلفة في صيغة واحدة، وهو قريب في المنع من الذي قبله»90.
وعلى ذلك يتبين أن في الجنة أنهارًا كثيرة، جعلها الله تعالى نعيمًا لعباده المؤمنين وأوليائه الصالحين، وهي متنوعة الأشكال والألوان والمذاق بين ماء عذب، ولبن سائغ، وخمر شهي، وعسل صافٍ، ومختلفة الأسماء والعدد كما مرّ في الآيات والأحاديث المتقدمة، ومن الأنهار التي ذكرت في القرآن الكريم ما يأتي:
١. أنهار من ماء.
قال تعالى: (ڑ ڑ ک ک ک ک) [محمد: ١٥].
أي: أنهار من ماء غير متغير الريح، يقال منه: قد أسن ماء هذه البئر: إذا تغيرت ريح مائها فأنتنت، فهو يأسن أسنا، وأما إذا أجن الماء وتغير، فإنه يقال له: أسن فهو يأسن، ويأسن أسونا، وماء أسن، وهذه المياه ليست كالتي في الدنيا؛ لأن المياه في الدنيا تتغير بأحد وجهين: إما النجاسة وآفة تصيبها، أو لطول الزمان والمكث، فيخبر أن ليس في الجنة شيء يغير مياهها91.
ولم ترد كلمة (تجري) للأنهار في هذه الآية، لأن الماء الآسن لا يكون إلا بركود الماء، فلم يتطلب السياق ذكر كلمة (تجري)، أما في قوله تعالى: (ژ ڑ ڑ ک)، لم يكن هناك من داع لتحديد (ک ک) لأنه جاء وصف الأنهار بالجريان، الأمر الذي لا يؤدي إلى أن تأسن الماء92.
وتؤكد الآية الكريمة حقيقة علمية: «قبل أن يكشف العلم بوسائله وأدواته عالم الميكروبات أي الجراثيم التي توجد في الماء الراكد، الذي يصير مستودعًا لملايين البكتيريا والطفيليات الضارة التي تصيب الإنسان والحيوان بالأمراض، فأنه لما اخترع الإنسان المناظير المكبرة رأى بواسطتها كيف أن الماء الراكد يموج بملايين الكائنات الدقيقة التي لا ترى بالعين المجردة، وتتكاثر بسرعة هائلة؛ فتفسد الماء وتجعله متغير الرائحة والطعم، وسببًا في الأمراض والأوبئة التي ما كان أحد يعرف مصدرها قبل اكتشافها بواسطة المجهر (الميكروسكوب) أي: مكبر الصور إلى درجة كبيرة»93.
٢. أنهار من اللبن.
اللبن جمعه: ألبان، قال تعالى: (گ گ گ) [محمد: ١٥].
أي: «لم يحمض ولم يصر قارصًا ولا حازرًا كألبان الدنيا، وتغير الريح لا يفارق تغير الطعم»94.
قال الطبري: «لم يتغير طعمه لأنه لم يحلب من حيوان فيتغير طعمه بالخروج من الضروع، ولكنه خلقه الله ابتداء في الأنهار، فهو بهيئته لم يتغير عما خلقه عليه»95.
٣. أنهار من خمر.
قال تعالى: (ڳ ڳ ڱ ڱ ڱ) [محمد: ١٥].
أي: «وفيها أنهار من خمر لذيذة لهم، إذ لم تدنسها الأرجل، ولم ترنّقها (تكدرها) الأيدى كخمر الدنيا، وليس فيها كراهة طعم وريح، ولا غائلة سكر وخمار كخمور الدنيا، فلا يتكرّهها الشاربون»96.
وروى الضحاك عن ابن عباس قال: «في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول، وقد ذكر الله خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال»97.
وهذا من فضل الله تعالى على عباده المتقين أن جعلهم يتلذذون بالخمر الذي حرموا منه في الحياة الدنيا؛ جزاء لهم على طاعتهم وانقيادهم لأمر الله تعالى، فخمر الدنيا كريهة الرائحة تسلب عقل من شربها، خلاف خمر الجنة التي وصفت باللذة الكاملة.
٤. أنهار من عسل.
قال تعالى: (ڱ ں ں ڻ) [محمد: ١٥].
أي: «وفيها أنهار من عسل قد صفّى من القذى وما يكون فى عسل أهل الدنيا قبل التصفية من الشمع وفضالات النحل وغيرها»98.
٥. الكوثر.
قال تعالى: (ڎ ڎ ڈ ڈ) [الكوثر: ١].
واختلف أهل التأويل في معنى الكوثر على أقوال، منها:
القول الأول: أنه نهر في الجنة، وهو المشهور والمستفيض عند السلف والخلف99، واستدلوا على ذلك بما ورد عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بينما أنا أسير في الجنة، إذا أنا بنهر، حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر، الذي أعطاك ربك، فإذا طينه - أو طيبه - مسك أذفر)100.
وعن ابن عباس، قال: «الكوثر: نهر في الجنة حافتاه من ذهب وفضة، يجري على الياقوت والدر، ماؤه أبيض من الثلج، وأحلى من العسل»101، وقال أيضًا: نهر أعطاه الله محمدًا صلى الله عليه وسلم في الجنة102.
القول الثاني: أنه حوض، والأخبار فيه مشهورة، ووجه التوفيق بين هذا القول والقول الأول أن يقال: لعل النهر ينصب في الحوض، أو لعل الأنهار إنما تسيل من ذلك الحوض، فيكون ذلك الحوض كالمنبع103.
قال عطاء: «حوض في الجنة أعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم»104.
القول الثالث: عني بالكوثر الخير الكثير، وهو قول ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة105.
قال الراغب الاصفهاني: «قيل: هو نهر في الجنة يتشعب عنه الأنهار، وقيل: بل هو الخير العظيم الذي أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يقال للرجل السخي: كوثر، ويقال: تكوثر الشيء: كثر كثرة متناهية»106.
والأقوال كثيرة ومتعددة في تأويل معنى الكوثر، وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: هو اسم النهر الذي أعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة، لتتابع الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك.
قال الحافظ ابن حجر: «ثبت تخصيصه بالنهر من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم فلا معدل عنه»107.
ويتضح مما تقدم أن من نعم الجنة التي لا تنقطع ولا تفنى أن جعل الله تعالى فيها أنهارًا جارية من الماء واللبن والخمر والعسل، والكوثر الذي أعطاه الله تعالى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ترده أمته يوم القيامة، ثبث بالآيات والأحاديث المتقدمة.
===العيون===
لم يكتف القرآن بذكر الأنهار الجارية في الجنة، بل تحدث عن العيون المتفجرة والمتنوعة في أرجائها، أعطاها الله تعالى لعباده المتقين، قال الله تعالى: (ڭ ڭ ۇ ۇ ۆ ۆ) [الحجر: ٤٥].
وذكرت عيون الجنة في آيات كثيرة، حيث بينت أسماء بعضها وميزتها، وهذا من فضل الله تعالى الذي أعده لعباده المتقين بحسب مراتبهم في الجنة، ومن تلك العيون ما يأتي:
١. تسنيم.
أخبر الله تعالى عن العين التي يشرب منها المقربون في الجنة فقال تعالى: (ې ى ى ئا ئا ئە ئە ئو ئو) [المطففين: ٢٧- ٢٨].
قال الإمام الرازي: «تسنيم: علم لعين بعينها في الجنة، سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه، إما لأنها أرفع شراب في الجنة، وإما لأنها تأتيهم من فوق، على ما روي أنها تجري في الهواء مسنمة فتنصب في أوانيهم، وإما لأنها لأجل كثرة ملئها وسرعته تعلو على كل شيء تمر به وهو تسنيمه، أو لأنه عند الجري يرى فيه ارتفاع وانخفاض، فهو التسنيم أيضًا، وذلك لأن أصل هذه الكلمة للعلو والارتفاع»108.
وقوله تعالى: (ئا ئە ئە ئو ئو)، أي: يشربها المقربون صرفًا، وتمزج لأصحاب اليمين مزجًا، قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومسروق، وقتادة، وغيرهم109.
٢. سلسبيل.
ذكر الله تعالى أن في الجنة عينًا تسمى السلسبيل.
قال تعالى: (ڭ ڭ ۇ ۇ ۆ) [الإنسان: ١٨].
واختلف أهل التأويل في معنى (ۇ) على ستة أقوال:
أحدها: أنه اسم لها، قاله عكرمة.
الثاني: معناه سل سبيلًا إليها، قاله علي رضي الله عنه.
الثالث: يعني سلسلة السبيل، قاله مجاهد.
الرابع: سلسلة يصرفونها حيث شاءوا، قاله قتادة.
الخامس: أنها تنسلّ في حلوقهم انسلالًا، قاله ابن عباس.
السادس: أنها الحديدة الجري، قاله مجاهد أيضًا110.
قيل: عني بقوله سلسبيلا سلسة منقادًا ماؤها، وهو قول قتادة.
وقال آخرون: عني بذلك أنها شديدة الجرية، قاله مجاهد.
وقال بعضهم: إن سلسبيل صفة للعين بالتسلسل، وقيل: إنما أراد عينًا تسمى سلسبيلا، أي: تسمى من طيبها السلسبيل، أي: توصف للناس111.
قال الطبري: «والصواب من القول في ذلك أن قوله: (ۇ ۇ) صفة للعين، وصفت بالسلاسة في الحلق، وفي حال الجري، وانقيادها لأهل الجنة يصرفونها حيث شاءوا، كما قال مجاهد وقتادة؛ وإنما عني بقوله (ۇ): أي توصف»112.
٣. الكافور.
قال تعالى واصفًا عين الكافور: (ئم ئى ئي بج بح بخ بم بى بي ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ) [الإنسان: ٥-٦].
أي: «إن الذين بروا بطاعتهم ربهم فأدّوا فرائضه واجتنبوا معاصيه يشربون من خمر كان مزاج ما فيها من الشراب كالكافور طيب رائحة وبردًا وبياضًا، وهذا المزاج من عين يشرب منها عباد الله المتقون وهم في غرف الجنات، يسوقونها إليهم سوقًا سهلًا إلى حيث يريدون، وينتفعون بها كما يشاءون، ويتبعهم ماؤها إلى كل مكان يحبون وصوله إليه»113.
وقوله تعالى: (پ پ)، أي: «يفجرون تلك العين التي يشربون بها كيف شاءوا وحيث شاءوا من منازلهم وقصورهم تفجيرًا، ويعني بالتفجير: الإسالة والإجراء»114.
وهذه من النعم التي أعدها الله تعالى لعباده المتقين، فتلك العيون التي يفجرها الله تعالى لهم زيادة في المتعة والتلذذ وهم في الجنات يتصرفون فيها كيف شاؤوا، وحيث أرادوا من دورهم ومنازلهم ومجالسهم، بحسب مراتبهم في الجنة؛ جزاء بما كانوا يعملون.
=== القصور===
إن من نعيم الجنة الذي وعد الله عز وجل به عباده من المؤمنين والمؤمنات أن جعل لهم قصورًا في الجنة.
قال الله تعالى: (ۉ ۉ ې ې ې ې ى ى ئا ئا ئە ئە ئو ئو ئۇ ئۇ ئۆ ئۆ) [الفرقان: ١٠].
ويخبر القرآن الكريم في آيات أخرى أن الجنّة ليست مجرد أشجار وثمار تجري من تحتها الأنهار الجارية وتتفجر منها العيون، بل فيها قصور ومساكن وبيوت وخيام يسكن داخلها المؤمنون في حياتهم الخالدة في الجنّة، قال تعالى: (ھ ے ے ۓ ۓ ڭ ڭ ڭ ڭ ۇ ۇ ۆ ۆ ۈ ۈ ٷۋ ۋ ۅ ۅ ۉۉ ې ې ې ې ى) [التوبة: ٧٢].
وقد سمى الله تعالى في آيات أخرى هذه المساكن بالغرفات، قال تعالى: (ې ې ې ى ى ئا ئا ئە ئە ئو ئو ئۇ ئۇ ئۆئۆ ئۈ ئۈئې ئې ئې ئى ئى ئى) [الزمر: ٢٠].
والغرف في الجنة هي القصور الشاهقة، طباق فوق طباق، مبنيات محكمات مزخرفات عاليات115.
ووصف الإمام القرطبي تلك القصور بقوله: «قصور من الزبرجد والدر والياقوت يفوح طيبها من مسيرة خمسمائة عام»116.
وذكرت السنة النبوية المطهرة بأن الله تعالى أعد قصورًا في الجنة لعباده المؤمنين، حيث وصف لنا النبي صلى الله عليه وسلم بعض القصور التي شاهدها في الجنة وذلك، كما ورد عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دخلت الجنة، فإذا أنا بقصر من ذهب، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لرجل من قريش، فما منعني أن أدخله يا ابن الخطاب، إلا ما أعلم من غيرتك)، قال: وعليك أغار يا رسول الله117.
ومن كمال النعم أن أهل الجنة يعرفون مساكنهم وقصورهم التي أعدت لهم في الجنة كما قال تعالى: (ے ۓ ۓ ڭ ڭ) [محمد: ٦].
أي: «عرّفها وبيّنها لهم، حتى إن الرجل ليأتي منزله منها إذا دخلها كما كان يأتي منزله في الدنيا، لا يشكل عليه ذلك»118.
ويؤكد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا)119.
===الأثاث===
ذكر القرآن الكريم في بعض آياته أثاث أهل الجنة، ومنه ما يأتي:
١. السرر.
وصف الله تعالى سرر أهل الجنة فقال تعالى: (چ چ ڇ ڇ) [الطور: ٢٠].
وقال تعالى: (ى ى ئا ئا) [الواقعة: ١٥].
وقال تعالى: (ڱ ڱ ڱ ں) [الغاشية: ١٣].
وهذه السرر قد صفّ بعضها إلى بعض، وقوبل بعضها ببعض، مرمولة بالذهب، مشبكة بالدر والياقوت، عالية في الهواء وذلك لأجل أن يرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما أعطاه ربه في الجنة من النعيم والملك120.
والسرر قد تكون في الدنيا مصفوفة، ولكن لا تكون موضونة؛ أي: منسوجة؛ والوضن: لا يكون بين السرر في الآخرة انفصال ولا فروج، كما يكون في الدنيا، لكن موصولة بعضها ببعض121.
٢. الفرش.
قال تعالى: (ڳ ڳ ڳ ڳ ڱ ڱڱ ڱ ں ں ڻ) [الرحمن: ٥٤].
وقال تعالى: (ں ں ڻ) [الواقعة: ٣٤].
فوصف الفرش بكونها مبطنة بالإستبرق وهذا يدل على أمرين، أحدهما: أن ظهائرها أعلى وأحسن من بطائنها، لأن بطائنها للأرض، وظهائرها للجمال والزينة والمباشرة، والثاني: يدل على أنها فرش عالية، لها سمك وحشو بين البطانة والظهارة.
٣. النمارق.
قال تعالى: (ڻ ڻ ۀ) [الغاشية: ١٥].
والنمارق: «جمع نمرقة، وهي: الوسادة التي يتكىء عليها الجالس والمضطجع، ومصفوفة: أي جعل بعضها قريبًا من بعض صفًّا، أي أينما أراد الجالس أن يجلس وجدها»122.
قال ابن عباس: النمارق: الوسائد، وكذا قال عكرمة، وقتادة، والضحاك، والسدي، والثوري، وغيرهم123.
فمعنى الآية: ووسائد مصفوف بعضها إلى جوانب بعض، فإن شاءوا جلسوا عليها، وإن أرادوا استندوا إليها، وإن أحبوا أن يجلسوا على بعضها ويستندوا إلى بعض فعلوا124.
٤. الأرائك.
قال تعالى: (ڭ ڭ ۇ ۇۆ ۆ ۈ ۈ ٷ) [الكهف: ٣١].
ومعنى الاتكاء: جلسة الراحة والترف، قيل: الاضطجاع، وقيل: التربع في الجلوس125.
الأرائك: جمع أريكة، وهي سرير في حجلة، أما للسرير وحده فلا يسمى أريكة، والحجلة: قبة من ثياب تكون في البيت تجلس فيها المرأة أو تنام فيها، ولذلك يقال للنساء: ربات الحجال، فإذا وضع فيها سرير للاتكاء أو الاضطجاع فهي أريكة، ويجلس فيها الرجل وينام مع المرأة، وذلك من شعار أهل الترف126.
وقوله: (ۆ ۈ ۈ ٷ)، أي: نعمت الجنة ثوابًا على أعمالهم، (ۈ ٷ)، أي: حسنت منزلًا ومقيلًا ومقامًا127.
٥. الأكواب.
وصف الله تعالى أكواب أهل الجنة، فقال تعالى: (ں ں ڻ ڻ ڻ ڻ ۀ ۀ ہ) [الإنسان: ١٥].
وقال تعالى: (ں ڻ ڻ) [الغاشية: ١٤].
ثم أخبر أن تلك الأكواب قوارير من فضة، قيل: هي من فضة، ولها صفاء القوارير، يرى ما فيها من الشراب من خارجها؛ لصفائها128.
أي: يطوف عليهم خدم الجنة بأواني الطعام، وهي من فضة خالصة، وبأكواب الشراب، وهي أيضًا من فضة، وقد جعلت هذه الأكواب جامعة بياض الفضة، وصفاء الزجاج وشفافيته.
وعني بقوله: (ں ڻ): أنها موضوعة على حافة العين الجارية، كلما أرادوا الشرب وجدوها ملأى من الشراب129.
٦. الزرابي.
قال تعالى: (ۀ ہ ہ) [الغاشية: ١٦].
والزرابي: جمع زربٍ، وهو ضرب من الثياب محبّر منسوب إلى موضع، وعلى طريق التشبيه والاستعارة قال: (ۀ ہ)130.
قال ابن كثير: «وقوله تعالى: (ۀ ہ)، قال ابن عباس: الزرابي: البسط، وكذا قال الضحاك، وغير واحد، ومعنى مبثوثة، أي: هاهنا وهاهنا لمن أراد الجلوس عليها»131.
وعلى هذا فإن الزرابي نوع من أثاث الجنة، وهي: البسط التي يجلس عليها، والتي تكون مبثوثة، أي: مفرقة في المجالس.
٧. العبقري.
قال تعالى: (ڇ ڇ) [الرحمن: ٧٦].
قال الراغب الأصفهاني: عبقرٌ قيل: هو موضعٌ للجنّ ينسب إليه كلّ نادر من إنسان، وحيوان، وثوب، وقوله تعالى: (ڇ ڇ)، وهو ضرب من الفرش فيما قيل، جعله الله مثلًا لفرش الجنّة132.
قال ابن عاشور: «وعبقري وصف لما كان فائقًا في صنفه، عزيز الوجود، وهو نسبة إلى عبقر: اسم بلاد الجن في معتقد العرب فنسبوا إليه كل ما تجاوز العادة في الإتقان والحسن، حتى كأنه ليس من الأصناف المعروفة في أرض البشر، فشاع ذلك فصار العبقري وصفًا للفائق في صنفه»133.
وقيل إن العبقري: هي الزرابي الحسان، أي: البسط، وهو قول ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي وسعيد بن جبير رحمهم الله تعالى134.
ويتضح مما مضى أن في الجنة التي وعد الله تعالى بها عباده المؤمنين أثاثًا لا يشبه أثاث الحياة الدنيا، فأثاث أهل الجنة متعدد الأنواع والأشكال، من سرر وأرائك وفرش وعبقري ونمارق وزرابي وغيرها.
=== أشجار الجنة وثمارها===
لا شك أن الجنة التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين قد خلق الله تعالى فيها الأشجار والثمار متنوعة الأشكال والأحجام دائمة العطاء، ولا تشبه أشجار الدنيا وثمارها وأن تشابهت في الأسماء، وقد ذكر الله تعالى في آياته الكريمة أنواعًا من أشجار وثمار الجنة، منها ما يأتي:
١. النخل.
ذكر النخل في القرآن الكريم في عشرين موضعًا135منها قوله تعالى: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ) [الرحمن: ٦٨].
ووصف الله تعالى نخل الجنة بقوله تعالى: (ڻ ڻ ڻ) [الرحمن: ١١].
والأكمام: جمع كم -بكسر الكاف- وهو وعاء ثمر النخلة، ويقال له: الكفرى، فليست الأكمام مما ينتفع به، فتعين أن ذكرها مع النخل للتحسين، ووصف النخل بذات الأكمام وصف للتحسين فهو اعتبار بأطوار ثمر النخل، وامتنان بجماله وحسنه كقوله تعالى: (ۉ ې ې ې ې ى ى ئا) [النحل: ٦]فامتن بمنافعها وبحسن منظرها136.
قال الحسن البصري: (ڻ ڻ): «أي ذات الليف، فإن النخلة قد تكمم بالليف، وكمامها ليفها الذي في أعناقها»137.
وأفردها بالذكر لكثرتها بالبلاد العربية، وكثرة فوائدها، لأنه ينتفع بثمارها رطبة ويابسة، وينتفع بجميع أجزائها، فيتخذ من خوصها السلال والزنابيل، ومن ليفها الحبال، ومن جريدها سقف البيوت، ويؤكل جمّارها، ومن ثم ذكرها باسمها، وذكر الفاكهة دون أشجارها138.
٢. الرمان.
ورد ذكر الرمان في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع139منها قوله تعالى: (ۓ ڭ ڭ ڭ ڭ) [الأنعام: ٩٩].
ووصف الله تعالى الرمان بأنه من أشجار الجنة، قال تعالى: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ) [الرحمن: ٦٨].
قال القرطبي: «قال بعض العلماء: ليس الرمان والنخل من الفاكهة، لأن الشيء لا يعطف على نفسه إنما يعطف على غيره، وهذا ظاهر الكلام، وقال الجمهور: هما من الفاكهة، وإنما أعاد ذكر النخل والرمان لفضلهما وحسن موقعهما على الفاكهة، كقوله تعالى: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ) [البقرة: ٢٣٨].
وقوله: (ڱ ں ں ڻ ڻ ڻ ڻ ۀ) [البقرة: ٩٨]»140.
وقيل: إنما كررهما لأن النخل والرمان كانا عندهم في ذلك الوقت بمنزلة البر عندنا، لأن النخل عامة قوتهم، والرمان كالثمرات، فكان يكثر غرسهما عندهم لحاجتهم إليهما، وكانت الفواكه عندهم من ألوان الثمار التي يعجبون بها، فإنما ذكر الفاكهة، ثم ذكر النخل والرمان لعمومهما وكثرتهما عندهم من المدينة إلى مكة إلى ما والاها من أرض اليمن، فأخرجهما في الذكر من الفواكه وأفرد الفواكه على حدتها. وقيل: أفردا بالذكر لأن النخل ثمره فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء، فلم يخلصا للتفكه141.
حكي عن ابن عباس أنه قال: الرمان ليس من الفاكهة، وكذلك الرطب؛ لأنهما أفردا بالذكر عن الفاكهة، وذكر الفراء هذا أيضًا142.
وقال الإمام الرازي: ذكر الرمان والرطب لأنهما متقابلان، فأحدهما حلو والآخر غير حلو، وكذلك أحدهما حار والآخر بارد وأحدهما فاكهة وغذاء، والآخر فاكهة، وأحدهما من فواكه البلاد الحارة والآخر من فواكه البلاد الباردة، وأحدهما أشجاره في غاية الطول والآخر أشجاره بالضد وأحدهما ما يؤكل منه بارز ومالا يؤكل كامن، والآخر بالعكس، فهما كالضدين والإشارة إلى الطرفين تتناول الإشارة إلى ما بينهما143.
وعلى أية حال فأن الرمان سواء أكان شجرا أم فاكهة -باعتبار عطف الخاص على العام- فهو من نعم الله تعالى على عباده المؤمنين في الجنة.
٣. السدر.
ومن نعيم الجنة أشجار السدر التي ذكرها الله تعالى في قوله: (ڈ ژ ژ ڑ) [الواقعة: ٢٨].
وقوله: (ڈ ژ ژ): السدر شجر النبق لا شوك فيه، من خضد الشوك إذا قطعه، أو مثني أغصانه من كثرة حمله، من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب»144.
وفي مخضود ثلاثة أقاويل:
«أحدها: أنه اللين الذي لا شوك فيه، قاله عكرمة، وقال غيره لا عجم لنبقه، يقال خضدت الشجرة إذا حذقت شوكها.
الثاني: أنه الموقر حملًا، قاله مجاهد.
الثالث: المدلاة الأغصان، وخص السدر بالذكر لأن ثمره أشهى الثمر إلى النفوس طعمًا وألذه ريحًا»145.
قال الراغب الاصفهاني: «السّدر: شجر قليل الغناء عند الأكل، ولذلك قال تعالى: (ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ) [سبأ: ١٦].
وقد يخضد ويستظلّ به، فجعل ذلك مثلًا لظلّ الجنة ونعيمها في قوله تعالى: (ڈ ژ ژ ڑ) [الواقعة: ٢٨]؛ لكثرة غنائه في الاستظلال»146.
ووصف الله تعالى أن ظلال تلك الأشجار ممتد دائم بقوله تعالى: (ک ک گ) [الواقعة: ٣٠].
أي: دائم باق لا يزول ولا تنسخه الشمس147.
وإما ثمار الجنة فلا تشبه ثمار الحياة الدنيا إلا بالاسماء.
يقول الله تعالى: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ ڀڀ ٺ ٺ ٺ ٺ ٿ ٿٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤڤ ڤ ڤ ڦڦ ڦ ڦ ڄ ڄڄ ڄ ڃ ڃ ڃ) [البقرة: ٢٥].
كلما رزقوا منها: أي أطعموا من الجنة من ثمرة رزقًا طعامًا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل، أي: أطعمنا من الجنة من قبل، قيل: إذا أتي بطعام وثمار في أول النهار فأكلوا منها، ثم إذا أتي بها في آخر النهار، قالوا هذا الذي رزقنا من قبل، يعني الذي أطعمنا في أول النهار، لأن لونه يشبه لون ذلك، فإذا أكلوا منه وجدوا لها طعمًا غير طعم الأول، وقيل: معناه كلما رزقوا منها من ثمرة رزقًا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل أي في الدنيا، لأن لونها يشبه لون ثمار الدنيا، فإذا أكلوا وجدوا طعمها غير ذلك148.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء يعني: أسماء الثمار149.
ومن كمال المتعة واللذه أن هذه الثمار دانية مذللة لا مشقة في التقاطها، بل هي في متناول أيدي أهل الجنة، كما وصفها الله تعالى بقوله: (ۓ ڭ ڭ) [الحاقة: ٢٣].
وقال تعالى: (ڱ ں ں) [الرحمن: ٥٤].
أي: «قريب منهم، لأنهم لا يتعبون بصعود نخلها وشجرها، لاجتناء ثمرها، ولكنهم يجتنونها من قعود بغير عناء»150.
ويتبين مما مضى أن الله تعالى خلق في الجنة أشجارًا كثيرة، منها: النخل والعنب والرمان والسدر والطلح والثمار، وغير ذلك ما لا يحصى، متنوعة ودانية الثمار ما تكمل به متعة أهل الجنة؛ ليتنعموا بها وهي باقية العطاء معهم بدوام نعيم الجنة الذي لا يفنى.
===الطعام والشراب===
إن أهل الجنة يأكلون ويشربون لقوله تعالى: (ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چ چ) [الطور: ١٩].
أي: «يقال لهؤلاء المتقين في الجنات: كلوا أيها القوم مما آتاكم ربكم، واشربوا من شرابها هنيئًا، لا تخافون مما تأكلون وتشربون فيها أذى ولا غائلة بما كنتم تعملون في الدنيا لله من الأعمال»151، ونحو الآية قوله تعالى: (ڭ ڭ ۇ ۇ ۆ ۆ ۈ ۈ ٷ) [الحاقة: ٢٤].
وقوله تعالى: «هنيئًا إشارة إلى خلوهما عما يكون فيها من المفاسد في الدنيا، منها أن الآكل يخاف من المرض فلا يهنأ له الطعام، ومنها أنه يخاف النفاد فلا يسخو بالأكل، والكل منتف في الجنة، فلا مرض ولا انقطاع، فإن كل أحد عنده ما يفضل عنه، ولا إثم ولا تعب في تحصيله، فإن الإنسان في الدنيا ربما يترك لذة الأكل لما فيه من تهيئة المأكول بالطبخ والتحصيل من التعب أو المنة، أو ما فيه من قضاء الحاجة واستقذار ما فيه، فلا يتهنأ، وكل ذلك في الجنة منتف»152، وترك ذكر المأكول والمشروب دلالة على تنوعهما وكثرتهما153.
ووصف الله تعالى أكل الجنة فقال: (ٻ ٻ ٻ ٻ پپ پ پ ڀ ڀڀ ڀ ٺ) [الرعد: ٣٥].
أي ما يؤكل فيها دائم لأهلها، لا ينقطع عنهم، ولا يزول ولا يبيد، ولكنه ثابتٌ إلى غير نهاية154.
وقال تعالى: (ئې ئې ئې ئى ئى) [مريم: ٦٢].
أي: لهم ما يشتهون من المطاعم، قدر وقت البكرة ووقت العشي من نهار الدنيا، إذ لا ليل في الجنة ولا نهار155.
ومن طعام أهل الجنة: الفاكهة واللحم كما قال تعالى: (ڱ ڱ ڱ ڱ ں ں) [الطور: ٢٢].
وقال تعالى: (ٿ ٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ) [الواقعة: ٢٠- ٢١].
أي: «واختار من المأكول أرفع الأنواع وهو الفاكهة واللحم فإنهما طعام المتنعمين، وجمع أوصافًا حسنة في قوله (ٹ ٹ) لأنه لو ذكر نوعًا فربما يكون ذلك النوع غير مشتهى عند بعض الناس، فقال: كل أحد يعطى ما يشتهي، فإن قيل: الاشتهاء كالجوع وفيه نوع ألم، نقول: ليس كذلك، بل الاشتهاء به اللذة، والله تعالى لا يتركه في الاشتهاء بدون المشتهى حتى يتألم، بل المشتهى حاصل مع الشهوة، والإنسان في الدنيا لا يتألم إلا بأحد أمرين، إما باشتهاء صادق وعجزه عن الوصول إلى المشتهى، وإما بحصول أنواع الأطعمة والأشربة عنده وسقوط شهوته وكلاهما منتف في الآخرة»156.
وإن تقديم الفاكهة على اللحم للإشارة إلى أنهم ليسوا بحالة تقتضي تقديم اللحم كما في الجائع؛ فإن حاجته إلى اللحم أشد من حاجته إلى الفاكهة، بل هم بحالة تقتضي تقديم الفاكهة واختيارها، كما في الشبعان فإنه إلى الفاكهة أميل منه إلى اللحم، وجوز أن يكون ذلك لأن عادة أهل الدنيا -لا سيما أهل الشرب منهم- تقديم الفاكهة في الأكل وهو طبًّا مستحسن؛ لأنها ألطف وأسرع انحدارًا وأقل احتياجًا إلى المكث في المعدة للهضم، وقد ذكروا أن أحد أسباب الهيضة إدخال اللطيف من الطعام على الكثيف منه ولأن الفاكهة تحرك الشهوة للأكل واللحم يدفعها غالبا157.
وجاء في الحديث الشريف عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: (إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون) قالوا: فما بال الطعام؟ قال: (جشاء ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد، كما تلهمون النفس)158.
ووصف شراب أهل الجنة بقوله تعالى: (ۆ ۈ ۈ ٷ ۋ ۋ ۅۅ ۉ ۉ ې ې ې ې ى ى ئا) [المطففين: ٢٥-٢٧].
أي: يسقى هؤلاء الأبرار من خمر صرف لا غشّ فيها، لم تمسسه الأيدي159، ومزاجه من تسنيم (عين في الجنة) يشرب منها المقربون.
قال ابن عباس: «أشرف شراب أهل الجنة هو تسنيم، لأنه يشربه المقربون صرفًا، ويمزج لأصحاب اليمين»160.
ويتضح مما تقدم: أن في الجنة التي وعد الله تعالى بها عباده المؤمنين أشهى الطعام والشراب، ولا يكون طعامهم من جوع ولا شرابهم من عطش، بل من كمال نعيمهم ومتعتهم ولذتهم التي أعدها الله تعالى لهم جزاء بما كانوا يعملون.
=== اللباس والحلي===
ذكر الله تعالى في آياته أن الجنة لا عري فيها.
قال تعالى: (ڈ ڈ ژ ژ ڑ ڑ ک ک) [طه: ١١٨].
وإن اللباس والحلي والزينة فيها من الحرير والذهب واللؤلؤ.
قال تعالى: (ڻ ڻ ڻ ڻ ۀ ۀ ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ۓ ۓ ڭ ڭ) [الكهف: ٣١].
أي: لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات عدن تجري من دونهم ومن بين أيديهم الأنهار، ويلبسون فيها من الحلي أساور من ذهب، والسندس وهي ما رقّ من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه وثخن، وقيل: إن الإستبرق هو الحرير161.
ووصف الله تعالى لباس أهل الجنة بقوله تعالى: (ی ئج ئح) [الحج: ٢٣].
أي: وجميع ما يلبسونه من فرشهم ولباسهم وستورهم حرير، وهو أعلى مما في الدنيا بكثير162، وإن كان محظورًا عليهم في الدنيا، فأباحه الله لهم في الدار الآخرة لما صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)163.
ولباس أهل الجنة لا يبلى كما يبلى لباس أهل الحياة الدنيا لقوله صلى الله عليه وسلم: (من يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه)164.
ووصف بعض ثياب أهل الجنة بأنها خضراء اللون، كما قال تعالى: (ے ے ۓ ۓ ڭ ڭ) [الكهف: ٣١].
ونحو ذلك قوله تعالى: (ئە ئو ئو ئۇ ئۇ) [الإنسان: ٢١].
لأن الخضرة أحسن الألوان والنفس تنبسط بها أكثر من غيرها، وقيل: أنها تزيد في ضوء البصر، وقيل: ثلاثة مذهبة للحزن: الماء، والخضرة، والوجه الحسن165.
قال القرطبي: «وخص الأخضر بالذكر لأنه الموافق للبصر، لأن البياض يبدد النظر ويؤلم، والسواد يذم، والخضرة بين البياض والسواد، وذلك يجمع الشعاع»166.
ويمكن القول إن ذكر الخضرة إنما جاء ترغيبًا للعباد في الجنة؛ وذلك أن هذا اللون من أحب الألوان إلى النفس وأكثرها راحة وبهجة للناظر.
ولباسهم غير منحصر فيما ذكر إذ لهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين من اللباس الذي لا يحيط به وصف، ويحلون فيها بأنواع الذهب والفضة واللؤلؤ فقال تعالى: (چ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌڌ ڎ ڎ ڈ ڈ) [فاطر: ٣٣].
كما ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تبلغ الحلية من المؤمن، حيث يبلغ الوضوء)167.
ويتضح مما مضى: أن أهل الجنة ينعمون باللباس الفاخر من الحرير والسندس والإستبرق الذي لا يبلى ولا يتمزق، ولا يقتصر اللباس على ذلك بل لهم فيها ما يشتهون من الثياب ويحلون فيها بالذهب والفضة واللؤلؤ، ما لا تبلى ولا تفنى.
=== نساء أهل الجنة===
تحدث القرآن الكريم في بعض آياته عن نساء أهل الجنة كما يأتي:
١. الحور العين.
وهن زوجات المؤمنين في الجنة غير زوجاتهم في الدنيا لقوله تعالى: (ہ ہ ہ ہ ھ) [الدخان: ٥٤].
أي: أكرمناهم بأن زوجناهم حورًا عينًا، والحور: جمع حوراء، وهي الشديدة بياض مقلة العين في شدة سواد الحدقة، والعين: جمع عيناء، وهي العظيمة العين في حسن وسعة168.
ووصفت الحور العين في قوله تعالى: (ئج ئح ئم ئى ئي بج بح بخ بم) [الصافات: ٤٨- ٤٩].
أي: غاضات الأعين عن غير أزواجهن، وقصرن طرفهن على أزواجهن، وقنعن بهم، ولا يبغين بهم بدلًا، وإنهن أحسن بياضًا من بيض النعام، والعرب تشبه النساء ببيض النعام. يقال: لا يكون لون البياض في شيء أحسن من بيض النعام. وقال قتادة: البيض التي لم تلوثه الأيدي. ويقال: البيض أراد به القشر الداخل من البيض المكنون قد خبأ، وكن من البرد والحر169.
وشبههن في موضع آخر بالياقوت والمرجان: (ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ۓ ۓ ڭ ڭ ڭ ڭ ۇ ۇ ۆ) [الرحمن: ٥٦-٥٨].
وقال تعالى: (ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ) [الرحمن: ٧٢].
أي: «وهؤلاء الخيّرات الحسان واسعات العيون مع صفاء البياض حول السواد، محبوسات فى الحجال، فلسن بطوّافات فى الطرقات، والعرب يمدحون النساء الملازمات للبيوت للدلالة على شدة الصيانة»170.
ونساء الجنة مطهّرات من كل شيء، فلا بول ولا غائط ولا حيض ولا نفاس ولا ولادة، وكلما جاءها زوجها وجدها بكرًا لقوله تعالى: (ڻ ڻ ڻ ۀ ۀ ہ ہ ہ ہ ھ) [الواقعة: ٣٥-٣٧].
ويصف لنا النبي صلى الله عليه وسلم نساء الجنة بقوله صلى الله عليه وسلم: (لو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأته ريحًا، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها)171.
وهذا قليل من كثير في صفات الحور العين لأنها كثيرة ومتنوعة، حيث خلقهن الله تعالى وأنشأنهن إنشاءً وجعلهن أبكارًا وجمالهن كاللؤلؤ المكنون المخفي المصان، قاصرات الطرف لا يتجاوز عن أزواجهن، مطهرات من كل أذى وحيض ونفاس، وبول وغائط، وبصاق ومخاط، ولو أطلت واحدة منهن على الدنيا لأضاءت ما بينهما.
٢. زوجات المؤمنين في الدنيا.
أخبر الله تعالى أن زوجة المؤمن في الدنيا زوجته في الآخرة إذا كانت مؤمنة وصالحة.
قال تعالى: (ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ) [الرعد: ٢٣].
أي: «يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها من الآباء والأهلين والأبناء، ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين؛ لتقر أعينهم بهم، حتى إنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى، من غير تنقيص لذلك الأعلى عن درجته، بل امتنانًا من الله وإحسانًا، كما قال تعالى: (ڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ڳ ڳ ڳ ڳ) [الطور: ٢١]172.
وقال تعالى: (ڭ ڭ ڭ ۇ ۇ ۆ) [الزخرف: ٧٠].
أي: يكرمون إكرامًا على سبيل المبالغة، والحبرة: المبالغة في الإكرام فيما وصف بالجميل173.
ونساء الجنة لسن كنساء الدنيا، فإنهن مطهرات من الحيض والنفاس والبصاق والمخاط والبول والغائط، وهذا مقتضى قوله تعالى: (ڦ ڦ ڄ ڄڄ ڄ ڃ ڃ) [البقرة: ٢٥].
أي: «ولهم في الجنات أزواج تطهرن غاية التطهر، فليس فيهنّ ما يعبن عليه من خبث جسدي مما عليه النساء في الدنيا كالحيض والنفاس، أو نفسىي كالكيد والمكر وسائر مساوى الأخلاق»174.
وتلك نساء أهل الجنة خلقهن الله تعالى لعباده المؤمنين، منهن من كانت زوجاتهم في الحياة الدنيا، ومنهن الحور العين، وكلهن من النعيم الذي يتنعم به أهل الجنة في الآخرة.
=== خدم أهل الجنة===
ذكر الله تعالى أن في الجنة خدما ولدانًا أو غلمانًا خلقهم الله تعالى لخدمة أهل الجنة، يطوفون عليهم بآنية الشراب، كما قال تعالى: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ) [الواقعة: ١٧-١٨].
أي: «يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون، على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد»175.
وهم في غاية الجمال كأنهم اللؤلؤ المكنون كما وصفهم الله تعالى بقوله: (ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ۓ ۓ) [الطور: ٢٤].
ونحو هذه الآية قوله تعالى: (ۆ ۈ ۈ ٷ ۋ ۋ ۅ ۅ ۉ ۉ ې) [الإنسان: ١٩].
قال الإمام الرازي رحمه الله: شبهوا في حسنهم وصفاء ألوانهم وانتشارهم في مجالسهم ومنازلهم عند اشتغالهم بأنواع الخدمة باللؤلؤ المنثور، ولو كان صفًّا لشبهوا باللؤلؤ المنظوم، ألا ترى أنه تعالى قال: (ھ ھ) فإذا كانوا يطوفون كانوا متناثرين، أو أنهم شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا انتثر من صدفه لأنه أحسن وأكثر ماء، أو أن هذا من التشبيه العجيب؛ لأن اللؤلؤ إذا كان متفرقًا يكون أحسن في المنظر؛ لوقوع شعاع بعضه على البعض فيكون مخالفًا للمجتمع منه176.
=== سوق أهل الجنة===
جاء في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن في الجنة لسوقًا يأتونها كل جمعة، فتهب ريح الشمال، فتحثوا في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسنًا وجمالًا، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنًا وجمالًا، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا)177.
والمراد بالسوق: «مجمع لهم يجتمعون كما يجتمع الناس في الدنيا في السوق، ومعنى يأتونها كل جمعة: أي في مقدار كل جمعة أي: أسبوع، وليس هناك حقيقة أسبوع لفقد الشمس والليل والنهار، وقال القاضي: وخص ريح الجنة بالشمال؛ لأنها ريح المطر عند العرب، كانت تهب من جهة الشام، وبها يأتي سحاب المطر، وكانوا يرجون السحابة الشامية، وجاءت في الأحاديث تسمية هذه الريح المثيرة، أي المحركة؛ لأنها تثير في وجوههم ما تثيره من مسك أرض الجنة وغيره من نعيمها»178.
وهذا يعني أن في الجنة سوقًا يلتقي فيه المؤمنون مع بعضهم البعض ويتحدث بعضهم لبعض؛ ويتذاكرون ما كان في الدار الدنيا، ويتجدد هذا اللقاء كل جمعة، وهذا من نعيم الجنة الذي أعده الله تعالى لعباده المؤمنين المتقين.
ومن جملة أحاديثهم ما جاء ذكره في قوله تعالى: (ڭ ڭ ڭ ڭ ۇ ۇ ۆ ۆ ۈ ۈ ٷ ۋ ۋ ۅ ۅ ۉ ۉ ې ې ې ې ى ى ئا ئا ئەئە ئو ئو ئۇ ئۇ ئۆ) [الطور: ٢٥-٢٨].
==المراجع والمصادر==
==المراجع والمصادر==
#
#
٢٦٬٨٢١

تعديل