الجنة عند أهل السنة
التعريف
المعنى اللغوي
الجنة في اللغة: من (جن) الجيم والنون أصل واحد، وهو الستر والتستر، جنّة مفرد وجمعها جنّات وجنان: وهي ما يصير إليه المسلمون في الآخرة، وهو ثواب مستور عنهم اليوم، والجنة البستان؛ لأن الشجر بورقه يستر، والعرب تسمّي النخيل جنّةً، وتأتي من الاجتنان وهو الستر، لتكاثف أشجارها وتظليلها بالتفاف أغصانها، وسميت بالجنة وهي المرة الواحدة من مصدر جنّه جناً إذا ستره، فكأنها سترة واحدة؛ لشدة التفافها وإظلالها، والجنة: الحديقة ذات الشجر والنخل، وفيها تخصيص، ويقال للنخل وغيرها، ويقال: لا تكون الجنة في كلام العرب إلا وفيها نخل وعنب، فإن لم يكن فيها ذلك وكانت ذات شجر فهي حديقة وليست بجنة [١].
وعرفها الراغب الأصفهاني بأنها: «كلّ بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض» [٢].
وسميت البساتين والحدائق التي نراها في الأرض بالجنة لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾[٣].
وعلى هذا فإن لفظ الجنة إذا جاء في القرآن الكريم مرتبطاً بالأرض أو مخصصاً بنخل أو فاكهة فيقصد به الحدائق والبساتين، وإن لم يوجد ما يخصصه فإنما يعني دار النعيم في الآخرة.
ويتضح من المعنى اللغوي للجنة أنها المكان الواسع كثير الأشجار والنخيل ملتف الأغصان ويستر من بداخله، وهو المسمى بالبستان، وسميت الجنة جنةً لاستتار من دخل فيها عمن لم يدخل فيها.[٤]
المعنى الاصطلاحي
الجنة في الاصطلاح: «الاسم العام المتناول لتلك الدار وما اشتملت عليه من أنواع النعيم واللذة والبهجة والسرور وقرة الأعين» [٥].
وقيل: هي دار الثواب، يدخلها المؤمنون ويخلدون فيها أبداً ليس فيها حر ولا برد ولا مرض ولا حاجة ولا موت، أعلاها وأفضلها الفردوس، وفوقها عرش الرحمن، ومنها تنفجر أنهار الجنة، فجنة المأوى، فجنة الخلد، فجنة النعيم، فجنة عدن، فدار السلام، فدار الجلال، وأبوابها الكبار ثمانية: باب الشهادتين، وباب الصلاة، وباب الصيام، وباب الزكاة، وباب الحج، وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وباب الصلة، وباب الجهاد في سبيل الله، ومن داخلها عشرة أبواب صغار، وهي سبع جنان متجاورة أوسطها وأفضلها الفردوس.
ويتضح مما تقدم أن الجنة دار النعيم والثواب ادخره الله تعالى لعباده المؤمنين وأهل طاعته وهو مستور عنهم، جزاء لهم على إيمانهم الصادق وعملهم الصالح، وسميت بأسماء متعددة في القرآن، منها: جنة المأوى، وجنة عدن، ودار الخلد، والفردوس، ولها أبواب ثمانية.[٦]
الجنّة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (جنن) في القرآن(٢٠١) مرة، منها (١٤٧) مرة للجنّة [٧].
والصيغ التي وردت هي:
| الصيغة | عدد المرات | المثال |
|---|---|---|
| المفرد | ٧٠ | ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾[٨] |
| المثنى | ٨ | ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً﴾[٩] |
| الجمع | ٦٩ | ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾[١٠] |
وجاءت لفظة الجنّة في الاستعمال القرآني على وجهين [١١]:
الألفاظ ذات الصلة
النار
النار لغة: «النّون والواو والرّاء، أصلٌ صحيحٌ يدلّ على إضاءةٍ واضطرابٍ وقلّة ثباتٍ، ومنه النّور والنّار، سمّيا بذلك من طريقة الإضاءة؛ ولأنّ ذلك يكون مضطرباً سريع الحركة» [١٥].
النار اصطلاحاً: «الدار التي أعدها الله للكافرين به، المتمردين على شرعه، المكذبين لرسله، وهي عذابه الذي يعذّب به أعداءه، وسجنه الذي يسجن فيه المجرمين، وهي الخزي الأكبر، والخسران العظيم الذي لا خزي فوقه، ولا خسران أعظم منه» [١٦].
وقيل: «هي دار العذاب والإهانة، أعدّها الله لأعدائه الكافرين الذين كفروا به وعصوا رسله» [١٧].
الصلة بين النار والجنة: الجنة دار النعيم المقيم، والنار دار العذاب الأليم.[١٨]
الجنة دار الله أعدها لعباده
لا شك أن القرآن الكريم تحدث عن الجنة وأوصافها وأهلها وأسمائها وأبوابها ودرجاتها وعددها وقصورها وأنهارها وغرفها وخيامها ومساكنها وأشجارها وثمارها وعيونها، وكل ما يتعلق بها، فلا تكاد تخلو سورة من بيان للجنة وذلك لأن كل ما عظم شأنه تعددت صفاته وكثرت أسماؤه فهي دار الخلود والبقاء، وأن الله تعالى قد أعدها ووعد بها عباده المؤمنين، وبشر بها من أطاعه فيما أمر، وانتهى عما نهى عنه وزجر، وقد دل على ثبوتها الكتاب والسنة.
ففي الكتاب وردت آيات كثيرة بشأنها تتحدث عنها تصريحاً أو تلميحاً، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾[١٩].
ومن السنة ما جاء في الحديث القدسي عن أبي هريرة، عن النبي (ص) قال: «قال الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، مصداق ذلك في كتاب الله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[٢٠]» [٢١].
ودلالة الحديث واضحة في بيان ما أعده الله تعالى لعباده الصالحين من النعيم الدائم في الجنة، مما تقصر عقول البشر عن إدراكه أو الإحاطة به.
وهؤلاء العباد الذين يدخلون الجنة هم كل موحد، كما صح عن عبادة بن الصامت، عن النبي (ص)، قال: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» [٢٢].
وعن أبي هريرة، أن رسول الله (ص)، قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى»، قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» [٢٣]..
وذكرت الآيات القرآنية فضلاً عن وجود الجنة بقاءها وأبديتها ودوام نعيمها وخلود أهلها، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾[٢٤].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاا﴾[٢٥].
ودلالة هذه الآيات واضحة بأن المتقين في الجنة خالدون، لا يذوقون فيها الموت، ولا يخرجون منها أبداً.
وفي السنة ما صح عن ابن عمر قال: قال رسول الله (ص): «إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزناً إلى حزنهم» [٢٦].
وما ورد عن أبي هريرة عن النبي (ص)، قال: «من يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه» [٢٧].
وما صح من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ما عن النبي (ص) قال: «ينادي منادٍ: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً فذلك قوله عز وجل: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[٢٨]» [٢٩].
ثم أننا نجد كثيراً من الآيات حثت الناس على المسابقة إلى تلك الجنة ونعيمها والفوز بها؛ وذلك بالإيمان والعمل الصالح.
قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾[٣٠].
والتحقيق أن الجنة لا تنال بالعمل الصالح، وإنما السبب الحقيقي لدخولها هو؛ لقوله (ص): «لن يدخل أحداً عمله الجنة» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «لا، ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة، فسددوا وقاربوا، ولا يتمنين أحدكم الموت: إما محسناً فلعله أن يزداد خيراً، وإما مسيئاً فلعله أن يستعتب» [٣١].
ويتضح مما تقدم أن الجنة دار الله تعالى أعدها لعباده المؤمنين، وجعل فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على بال أحد من النعيم الدائم غير المنقطع، والخلود لأهلها وعدم فنائها، وأن العمل الصالح لا يكفي لدخول الجنة؛ لأن دخولها برحمة الله عز وجل، وكذلك النار وأهلها، لا يدركهم الموت ولا يلحقهم الفناء.[٣٢]
آدم (ع) والجنة
تحدث القرآن الكريم عن الجنة في آيات كثيرة، وكل ما يتعلق بها من صفات وأسماء ودرجات وغير ذلك، وذكر الجنة بصيغ مختلفة، وخصها عن الجنات التي على الأرض وأن تشابهت الأسماء، إلا أن الجنات التي تكلم عنها القرآن الكريم تختلف عن جنات الأرض المتعارف عليها من حدائق وبساتين.
وفي هذا المبحث سنلقي الضوء على ماهية الجنة التي كان فيها آدم وزوجه(ع) من خلال قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾[٣٣].
قال ابن كثير: «يقول الله تعالى إخباراً عما أكرم به آدم (ع): بعد أن أمر الملائكة بالسجود له، فسجدوا إلا إبليس: إنه أباحه الجنة يسكن منها حيث يشاء، ويأكل منها ما شاء رغداً، أي: هنيئاً واسعاً طيباً» [٣٤].
واختلف في قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ﴾[٣٥]، هل هو أمر تكليف أو إباحة؟
قال قتادة في تفسير هذه الآية: «إن الله تعالى ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود؛ وذلك لأنه كلفه بأن يكون في الجنة يأكل منها حيث شاء ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها، فما زالت به البلايا حتى وقع فيما نهي عنه، فبدت سوأته عند ذلك، وأهبط من الجنة وأسكن موضعاً يحصل فيه ما يكون مشتهى له، مع أن منعه من تناوله من أشد التكاليف» [٣٦].
وقيل: «إن ذلك إباحة؛ لأن الاستقرار في المواضع الطيبة النزهة التي يتمتع فيها يدخل تحت التعبد، كما أن أكل الطيبات لا يدخل تحت التعبد ولا يكون قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾[٣٧] أمراً وتكليفاً بل إباحة، والأصح أن ذلك الإسكان مشتمل على ما هو إباحة، وعلى ما هو تكليف، أما الإباحة فهو أنه عليه الصلاة والسلام كان مأذوناً في الانتفاع بجميع نعم الجنة، وأما التكليف فهو أن المنهي عنه كان حاضراً وهو كان ممنوعاً عن تناوله، قال بعضهم: لو قال رجل لغيره: أسكنتك داري، لا تصير الدار ملكاً له، فههنا لم يقل الله تعالى: وهبت منك الجنة، بل قال: أسكنتك الجنة، وإنما لم يقل ذلك لأنه خلقه لخلافة الأرض، فكان إسكان الجنة كالتقدمة على ذلك [٣٨].
واختلف أيضاً في الجنة التي أسكنها آدم، هل كانت في الأرض أو في السماء؟ وهل هي جنة الخلد أو جنة أعدت لهما؟
القول الأول: قال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصفهاني: هذه الجنة كانت في الأرض، وحملا الإهباط على الانتقال من بقعة إلى بقعة، كما في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْراً﴾[٣٩].
واحتجا عليه بوجوه [٤٠]:
أحدها: أن هذه الجنة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنة الخلد، ولو كان آدم في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾[٤١].
ولما صح قوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾[٤٢].
وثانيها: أن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾[٤٣].
وثالثها: أن إبليس لما امتنع عن السجود لعن فما كان يقدر مع غضب الله على أن يصل إلى جنة الخلد.
ورابعها: أن الجنة التي هي دار الثواب لا يفنى نعيمها لقوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾[٤٤].
ولقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾[٤٥] إلى أن قال: ﴿عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾[٤٦] أي: غير مقطوع، فهذه الجنة لو كانت هي التي دخلها آدم (ع) لما فنيت، لكنها تفنى لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾[٤٧].
ولما خرج منها آدم (ع)، لكنه خرج منها وانقطعت تلك الراحات.
وخامسها: أنه لا يجوز في حكمته تعالى أن يبتدئ الخلق في جنة يخلدهم فيها ولا تكليف؛ لأنه تعالى لا يعطي جزاء العاملين من ليس بعامل، ولأنه لا يهمل عباده بل لا بد من ترغيب وترهيب ووعد ووعيد.
وسادسها: لا نزاع في أن الله تعالى خلق آدم (ع) في الأرض، ولم يذكر في هذه القصة أنه نقله إلى السماء، ولو كان تعالى قد نقله إلى السماء لكان ذلك أولى بالذكر؛ لأن نقله من الأرض إلى السماء من أعظم النعم، فدل ذلك على أنه لم يحصل، وذلك يوجب أن المراد من الجنة التي قال الله تعالى له: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾[٤٨] جنة أخرى غير جنة الخلد[٤٩].
وذهب من لم يجعلها جنة الخلد إلى أن من دخل جنة الخلد لا يخرج منها، وهذا لا يمتنع، إلا أن السمع ورد أن من دخلها مثاباً لا يخرج منها، وأما من دخلها ابتداء كآدم فغير مستحيل، ولا ورد سمع بأنه لا يخرج منها [٥٠].
القول الثاني: وهو قول الجبائي: أن تلك الجنة كانت في السماء السابعة والدليل عليه قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾[٥١].
ثم إن الإهباط الأول كان من السماء السابعة إلى السماء الأولى، والإهباط الثاني كان من السماء إلى الأرض [٥٢].
القول الثالث: أن هذه الجنة هي دار الثواب، والدليل عليه: أن الألف واللام في لفظ الجنة لا يفيدان العموم؛ لأن سكنى جميع الجنان محال، فلا بد من صرفها إلى المعهود السابق، والجنة التي هي المعهودة المعلومة بين المسلمين هي دار الثواب، فوجب صرف اللفظ إليها[٥٣].
والقول الرابع: أن الكل ممكن والأدلة النقلية ضعيفة ومتعارضة؛ فوجب التوقف وترك القطع، والله أعلم[٥٤].
وقيل: أن جنة المأوى هي الجنة التي آوى إليها آدم (ع) إلى أن أخرج منها وهي في السماء السابعة [٥٥].
وعلى أية حال؛ فمهما تعددت الأقوال في بيان موضع تلك الجنة وتعيينها يبقى الأمر ظنياً لا قطعياً ولا ينبغي الجزم بكونها في الأرض أو في السماء؛ لأن الله تعالى لم يذكر مكانها فلا يوجد دليل قطعي على ذلك، ثم لا يترتب على معرفتها أو تحديدها حكم ؛ لذلك نؤمن بأنها جنة كان فيها آدم وحواء(ع)، وإن فيها رغد العيش.[٥٦]
أسماء الجنة ودرجاتها
وردت في القرآن الكريم أسماء كثيرة للجنة اقترنت بعدة صفات، ولها درجات يتفاوت بها أهل الجنة على قدر إيمانهم وأعمالهم الصالحة، وذلك من وتوفيقه لعباده المؤمنين، وفضله من إنعامه وتفضله، لذا سنبين في هذا المبحث بعض أسماء الجنة ومعانيها ودرجاتها من خلال ما يأتي:
أسماء الجنة
ذكر الله تعالى في القرآن الكريم الجنة بعدة أسماء، منها:
- دار السلام: وهي دار الله التي أعدّها لأوليائه في الآخرة، جزاءً لهم على ما أبلوا في الدنيا في ذات الله، وهي جنته، والسلام: اسم من اسماء الله تعالى، وسميت الجنة بهذا الاسم لأن أنواع السلامة حاصلة فيها بأسرها [٥٧]. ووصف الله تعالى الجنة بأنها دار السلام في موضعين هما:
- قال تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[٥٨]. وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ﴾ وهي: الجنة، أي يوم القيامة. وإنما وصف الله الجنة هاهنا بدار السلام لسلامتهم فيما سلكوه من الصراط المستقيم، المقتفي أثر الأنبياء وطرائقهم، فكما سلموا من آفات الاعوجاج أفضوا إلى دار السلام، ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ أي: والسلام - وهو الله - وليهم، أي: حافظهم وناصرهم ومؤيدهم، ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: جزاء على أعمالهم الصالحة تولاهم وأثابهم الجنة، بمنه وكرمه [٥٩].
- قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[٦٠]. ودار السلام في الآية الكريمة: «هي الجنة، أضافها إلى اسمه تعظيماً لها، أو السلام والسلامة: لأن أهلها سالمون من كل مكروه، وقيل: لفشوّ السلام بينهم، وتسليم الملائكة عليهم ﴿إِلَّا قِيلاً سَلَاماً سَلَاماً﴾[٦١]»[٦٢]. ولا تعارض بين اسم الله تعالى السلام والجنة التي سميت بدار السلام؛ لقول قتادة: «الله هو السلام، والدار الجنة» [٦٣]. ويتضح مما تقدم أن الله تعالى قد بشّر عباده المؤمنين بدار السلام وهي الجنة والدعوة على وجه العموم، والسلام اسم من أسماء الله الحسنى، وفي هذه الدار لا يوجد إلا الأمن والأمان، والسلامة من كل مكروه، من الآفات والبلايا والهموم، ومشاق الحياة الدنيا، لذلك وعد الله تعالى بها عباده المؤمنين والصالحين.
- جنة الخلد: وهي الجنة التي لا ينقطع نعيمها، التي وعدها الله المتقين من عباده، التي أعدها لهم، وجعلها لهم جزاء على ما أطاعوه في الدنيا، وجعل مآلهم إليها [٦٤]. قال تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيراً﴾[٦٥]. أي: «قل لهؤلاء المكذبين تهكماً بهم وتحسيراً لهم على مافاتهم: أهذه النار التي وصفت لكم خير أم جنة الخلد التي يدوم نعيمها ولا يبيد، وقد وعدها من اتقاه فى الدنيا بطاعته فيما به أمره ونهاه، ثم حقق أمرها تأكيداً للبشارة بقوله: ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيراً﴾ أي: كانت هذه الجنة لهم جزاء أعمالهم فى الدنيا بطاعته، وثواباً لهم على تقواه، ومرجعاً لهم ينتقلون إليه فى الآخرة» [٦٦]. والآية الكريمة تبين وعد الله تعالى وبشارته لعباده المؤمنين بجنة الخلد التي لهم فيها ما يشتهون، وهم فيها خالدون أبداً بلا انقطاع ولا زوال.
- دار المقامة: هي دار الإقامة وهي الجنة. قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾[٦٧]. أي: دار الإقامة، لما ذكر الله تعالى سرورهم وكرامتهم بتحليتهم وإدخالهم الجنات؛ بين سرورهم ببقائهم فيها، وأعلمهم بدوامها، حيث قالوا: الذي أحلنا دار المقامة أي: الإقامة، وفي قوله: دار المقامة إشارة إلى أن الدنيا منزلة ينزلها المكلف ويرتحل عنها إلى منزلة القبور، ومنها إلى منزلة العرصة التي فيها الجمع ومنها التفريق، والجنة دار المقامة، وكذلك النار لأهلها، وقولهم من فضله أي: بحكم وعده، لا بإيجاب من عنده [٦٨]. وقوله تعالى: «لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ»، أي: لا يمسنا فيها عناء ولا إعياء، والنصب واللغوب: كل منهما يستعمل في التعب، وكأن المراد ينفي هذا وهذا عنهم: أنهم لا تعب على أبدانهم ولا أرواحهم، فمن ذلك أنهم كانوا يدئبون أنفسهم في العبادة في الدنيا، فسقط عنهم التكليف بدخولها، وصاروا في راحة دائمة مستمرة [٦٩]. ويتضح مما تقدم أن دار المقامة هي الجنة التي وعدها الله تعالى لعباده المؤمنين، ولم تذكر هذه التسمية للجنة في القرآن الكريم إلا مرة واحدة في الآية المتقدمة.
- جنات عدن: العدن: «الإقامة، يقال: عدن بالمكان، إذا أقام به»[٧٠]، وقيل: العدن: الاستقرار [٧١]. قال البيضاوي: «والعدن: الإقامة، أي: جنات يقيمون فيها، وقيل: هو بطنان الجنة» [٧٢]. وذكر الله تعالى جنات عدن في أحد عشر موضعاً في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾[٧٣]. وقوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾[٧٤]. حيث يخبر الله تعالى في هذه الآيات وغيرها: أن مأوى هؤلاء المصطفين من عباده، الذين أورثوا الكتاب المنزل من رب العالمين يوم القيامة ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾، أي: جنات الإقامة يدخلونها يوم معادهم وقدومهم على ربهم، عز وجل [٧٥]. وذكر ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾، لاستحضار الحالة البهيجة، وذلك زيادة الإكرام بأن جعل أصولهم وفروعهم وأزواجهم المتأهلين لدخول الجنة لصلاحهم؛ في الدرجة التي هم فيها، فمن كانت مرتبته دون مراتبهم لحق بهم، ومن كانت مرتبته فوق مراتبهم لحقوا هم به، فلهم الفضل في الحالين [٧٦].. ويذكر الإمام الماوردي في تفسيره خمسة آراء مختلفة للعلماء في جنات عدن:
- أنها جنات خلود وإقامة، ومنه سمي المعدن لإقامة جوهره فيه، وهذا مروي عن ابن عباس [٧٧].
- أن جنات عدن هي جنات كروم وأعناب بالسريانية، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً[٧٨].
- أن عدن اسم لبطنان الجنة، أي: وسطها، قاله عبد الله بن مسعود.
- أن عدن اسم قصر في الجنة، قاله عبد الله بن عمرو بن العاص والحسن.
- أن جنة عدن في السماء العليا لا يدخلها إلا نبيّ أو صديق أو شهيد أو إمام عدل. وجنة المأوى في السماء الدنيا تأوي إليها أرواح المؤمنين، رواه معاذ بن جبل مرفوعاً. وعلى الرغم من تعدد الأقوال في جنات عدن إلا أنها لا دليل عليها من الأدلة النقلية والعقلية، وأن جنات عدن اسم يدل على الجنة ذكر في القرآن الكريم وهي دار الإقامة والخلود أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين، ولا يوجد دليل قطعي يؤكد أن جنات عدن هي قصر أو نهر في الجنة، وأما القول بأنها لفظ سرياني فهذا يخالف قوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾[٧٩].
- دار الحيوان: هي الجنة دار الحياة؛ أي لا موت فيها، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾[٨٠]. أي: ليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة خالدة لا موت فيها، فكأنها في ذاتها حياة، والحيوان: مصدر حي، وقياسه حييان، فقلبت الياء الثانية واواً، وهو أبلغ من الحياة لما في بناء فعلان من الحركة والاضطراب اللازم للحياة، ولذلك اختير عليها ها هنا، وبه سمي ما فيه حياة: حيواناً [٨١]. قال الراغب الأصفهاني: «وقد نبه بقوله تعالى: ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ أن الحيوان الحقيقي السرمدي الذي لا يفنى، لا ما يبقى مدة ثم يفنى، وقال بعض أهل اللغة: الحيوان والحياة واحد، وقيل: الحيوان: ما فيه الحياة، والموتان ما ليس فيه الحياة، والحيا: المطر، لأنه يحيي الأرض بعد موتها، وإلى هذا أشار بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾[٨٢].[٨٣]، وقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾[٨٤] أي: «لآثروا ما يبقى على ما يفنى» [٨٥]. ويتضح مما تقدم أن دار الحيوان هي دار الجنة التي لا تفنى ولا تزول، ولا يقع فيها موت لأحد. ولم تذكر تسمية دار الحيوان إلا في هذه الآية المتقدمة.
- جنة المأوى: هي نوع من الجنان، وأضيفت الجنان إلى المأوى لأنها المأوى والمسكن الحقيقي والدنيا منزل مرتحل عنه لا محالة. وقيل: المأوى علم لمكان مخصوص من الجنان كعدن، وقيل: جنة المأوى لما روي عن ابن عباس، أنها تأوي إليها أرواح الشهداء، وروي أنها عن يمين العرش ولا يخفى ما في جعله علماً من البعد وأياً ما كان فلا يبعد أن يكون فيه رمز إلى ما ذكر من تجافيهم عن مضاجعهم التي هي مأواهم في الدنيا [٨٦]. وورد ذكر هذه الجنة في القرآن الكريم في موضعين: في قوله تعالى: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[٨٧]. وقوله تعالى: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾[٨٨]. ووصف الجنة في آية أخرى بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾[٨٩]. والمأوى: اسم مكان [٩٠] تدل على الاستقرار في مكان، سواء كان في الجنة أو غيرها. قال الإمام السيوطي: «هي اسم لجميع الجنان، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[٩١]. والجنة اسم الجنس، فمرة يقال جنة، ومرة يقال جنات، فكذلك جنات عدن، وجنة عدن» [٩٢].
- الفردوس: وردت كلمة الفردوس مرتين في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾[٩٣]. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[٩٤]. يخبر تعالى في الآيتين الكريمتين عن عباده السعداء، وهم الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدقوهم فيما جاؤوا به بأن لهم جنات الفردوس، أما أصل كلمة الفردوس فقد اختلف في لفظه على أربعة أقاويل:
- أنه عربي، وقد ذكرته العرب في شعرها، قاله ثعلب [٩٥].
- أنه بالرومية، قاله مجاهد [٩٦].
- أنه بالنبطية، فرداساً، قاله السدي [٩٧].
- بالسريانية، قاله أبو صالح[٩٨]. وقيل في أصل كلمة الفردوس: أنه رومي أعرب، وهو البستان، والعرب تعرفه وتسمي الموضع الذي فيه كرم (فردوساً)، قال الزجاج: وقيل الفردوس الأودية التي تنبت ضروباً من النبت، وقيل: هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية [٩٩]. ويرجح بعض الباحثين أن تكون كلمة الفردوس معربة عن الرومية، أي اليونانية، وعزا سبب ذلك إلى انتشارها على لسان أهل الشام أكثر من غيرهم [١٠٠]، وللعلماء آراء في معنى كلمة الفردوس، منها:
- أن الفردوس وسط الجنة وأطيب موضع فيها، قاله قتادة [١٠١].
- أنه أعلى الجنة وأحسنها، رواه سمرة بن جندب مرفوعاً [١٠٢].
- أنه البستان بالرومية، قاله مجاهد [١٠٣].
- أنه البستان الذي جمع محاسن كل بستان، قاله الزجاج [١٠٤].
- أنه البستان الذي فيه الأعناب، وليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس، وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، قاله كعب [١٠٥].
والصواب من القول في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله (ص) في قوله: «فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة»[١٠٦]
ويتضح مما تقدم أن للجنة أسماء متعددة ذكرها القرآن الكريم لتنوع صفاتها، وكلها تدل على النعيم، لذا يرى ابن القيم أن هذه الأسماء متعددة باعتبار صفاتها ومسماها واحد باعتبار الذات، فهي مترادفة من هذا الوجه وتختلف باعتبار الصفات فهي متباينة من هذا الوجه [١٠٧].[١٠٨]
درجات الجنة
لا شك أن الجنة التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين لها درجات متفاوتة بحسب الإيمان والأعمال الصالحة، لذلك بيّن الله تعالى هذه الدرجات التي يرتقي فيها المؤمن ليصل إلى تلك المراتب الرفيعة في الجنة.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾[١٠٩].
ولا تنال تلك الدرجات العلى إلا بالإيمان والعمل الصالح الموصلين إلى الجنة.
والدرجات: مفرده الدرجة نحو المنزلة، يقال للمنزلة: درجة إذا اعتبرت بالصعود دون الامتداد على البسيطة، كدرجة السطح والسلم، ويعبر بها عن المنزلة الرفيعة: قال تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾[١١٠].
تنبيهاً لرفعة منزلة الرجال عليهن في العقل والسياسة، ونحو ذلك من المشار إليه بقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾[١١١].
وقال: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾[١١٢].
وقال: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾[١١٣]. أي: هم ذوو درجات عند الله، ودرجات النجوم تشبيهاً بما تقدم [١١٤].
وتحدث القرآن الكريم عن هذه الدرجات في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾[١١٥]. أي: «ليس من اتبع رضوان الله كمن باء بسخط منه، قيل: هم درجات متفاوتة، أي هم مختلفو المنازل عند الله، فلمن ابتغى رضوانه الكرامة والثواب العظيم، ولمن باء بسخط منه المهانة والعذاب الأليم، ومعنى ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾، أي: ذوو درجات، أو على درجات، أو في درجات، أو لهم درجات، وأهل النار أيضاً ذوو درجات، فالمؤمن والكافر لا يستويان في الدرجة، ثم المؤمنون يختلفون أيضاً، فبعضهم أرفع درجة من بعض، وكذلك الكفار» [١١٦].
وقال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾[١١٧].
قال الإمام الرازي: «إن تفاضل الخلق في درجات منافع الدنيا محسوس، فتفاضلهم في درجات منافع الآخرة أكبر وأعظم، فإن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا، فإذا كان الإنسان تشتد رغبته في طلب فضيلة الدنيا فبأن تقوى رغبته في طلب فضيلة الآخرة أولى» [١١٨].
ودلالة الآيتين الكريمتين واضحة في بيان تفاوت وتفاضل الخلق في الدرجات من حيث الأجر والثواب بحسب أعمال الناس، لذلك بين الله تعالى أن أهل الدرجات العلى من المتقين الذين يخافون الله تعالى في نعيم أرقى من الذين دونهم فأعد الله تعالى لهم جنتين.
قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾[١١٩].
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾[١٢٠].
وإن أعلى درجات الجنة هي الفردوس الأعلى، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[١٢١].
وتؤكد السنة النبوية أيضاً أن للجنة درجات، وأن أهل الجنة متفاضلون في الجنة بحسب منازلهم، وذلك بما صح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (ص): «إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، أراه قال: فوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة» [١٢٢].
وفي الحديث دلالة على أن الجنة درجات بعضها أعلى من بعض، وهذا لا يعني حصر درجات الجنة بمائة درجة، إذ المراد منه الإخبار بأن هذه الدرجات المائة هي للمجاهدين في سبيل الله تعالى، لا الإخبار بحصر درجات الجنة، ويؤيد ذلك أن منزلة النبي (ص) فوق هذا كله، فهو في درجة ليس فوقها درجة، أمّا هذه الدرجات المائة فنالها آحاد أمته بالجهاد.
وصح عن أبي سعيد الخدري عن النبي (ص) قال: «إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» [١٢٣].
قال القاضي عياض: «يحتمل أنه على ظاهره، وأن الدرجة هنا المنازل التي بعضها أرفع من بعض في الظاهر، وكذلك منازل الجنة كما جاء في أهل الغرف: «يتراءون كالكوكب الدري»، ويحتمل أن المراد الرفعة بالمعنى من كثرة النعم وعظيم الإحسان مما لا يخطر على قلب بشر، ولا بصفة واصف، وأن أنواع ما أنعم الله به عليه من البر والكرامة يتفاضل تفاضلاً كثيراً، وينسي بعضه بعضاً، ومثل تفاضله في البعد بما بين السماء والأرض، والأول أظهر» [١٢٤].
ومعنى ذلك أن الجنة مائة درجة جعلها الله تعالى لعباده المؤمنين على قدر أعمالهم في حياتهم الدنيا، وأن أهل الجنة تتفاوت منازلهم بحسب درجاتهم في الفضل حتى إنّ أهل الدرجات العلى ليراهم من هو أسفل منهم كالنجوم.
وبما أن للجنة درجات متفاوتة يختلف بعضها عن بعض فإن أعلى منزلة فيها الوسيلة، ليس فوقها درجة، لا ينالها غير النبي محمد (ص)، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾[١٢٥].
قال الزمخشري: «أي: ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء، فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم درجات كثيرة، والظاهر أنه أراد محمداً (ص)، لأنه هو المفضل عليهم، حيث أوتي ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ألف آية أو أكثر، وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى، لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس» [١٢٦].
ولا أحد أفضل ولا أكرم عند الله تعالى من صفوة الخلق، صاحب الحوض المورود والمقام المحمود، نبينا محمد (ص)، فهو في الدرجة العالية الرفيعة في جنات النعيم، أعلى درجة في الجنة، ليس فوقها درجة، اختص بها (ص) دون غيره من أنبياء الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام.
فقد ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص ما، أنه سمع النبي (ص) يقول: «إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة» [١٢٧].
وسمّيت درجة النبي (ص) الوسيلة؛ لأنها أقرب الدرجات إلى العرش، وأصل الوسيلة القرب، من وسل إليه إذا تقرب إليه، ومعناها الوصلة، ولهذا كانت أفضل الجنة وأشرفها وأعظمها نوراً ولما كان النبي (ص) أعظم الخلق عبودية لربه وأشدهم له خشية كانت منزلته أقرب المنازل لعرشه [١٢٨].
لذا نرى أن النبي (ص) حث أمته وأمرها أن يسألوا الله تعالى له الوسيلة لينالوا بهذا الدعاء شفاعته (ص) في الآخرة.
وكما أن درجة الوسيلة أعلى درجة في الجنة لا تكون إلا لنبينا محمد (ص)، فهناك أيضاً أدنى أهل الجنة منزلة، فعن المغيرة بن شعبة أن الرسول (ص) قال: (سأل موسى ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة، قال: هو رجل يجيء بعد ما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي رب، كيف، وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم، فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا، فيقول: رضيت رب، فيقول: لك ذلك، ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولذت عينك، فيقول: رضيت رب، قال: رب، فأعلاهم منزلة، قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر، قال: ومصداقه في كتاب الله عز وجل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[١٢٩]. [١٣٠]
فهذه درجات الجنة ومنازلها العالية متفاوته بعضها فوق بعض، أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين من أهل الجنة على قدر إيمانهم وأعمالهم وتوفيق الله تعالى لهم، وأعلى تلك الدرجات الفردوس، ولا تنال تلك الدرجات العلى إلا بالطاعة والإيمان والعمل الصالح، والتنافس والتسابق في الخيرات.[١٣١]
صفة الجنة ونعيمها
تحدث القرآن كثيراً عن الجنة وصفاتها وما فيها من النعيم المقيم الذي أعده الله تعالى لعباده المؤمنين، وسوف نستعرض في هذا المبحث بعض ما جاء فيها من خلال النقاط الآتية:
أبواب الجنة
ذكر القرآن الكريم في آياته أن للجنة أبواباً يدخل منها المؤمنون إلى جنات الخلد.
وفي معنى الباب يقول الراغب الاصفهاني: «الباب يقال لمدخل الشيء، وأصل ذلك: مداخل الأمكنة، كباب المدينة والدار والبيت، وجمعه: أبواب، قال تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾[١٣٢].
وقال تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾[١٣٣].
ومنه يقال في العلم: باب كذا، وهذا العلم باب إلى علم كذا، أي: به يتوصل إليه، وقد يقال: أبواب الجنة وأبواب جهنم للأشياء التي بها يتوصل إليهما» [١٣٤].
أما أبواب الجنة قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾[١٣٥].
قال ابن كثير: «وهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين حين يساقون على النجائب وفداً إلى الجنة ﴿زُمَراً﴾، أي: جماعة بعد جماعة: المقربون، ثم الأبرار، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم كل طائفة مع من يناسبهم: الأنبياء مع الأنبياء والصديقون مع أشكالهم، والشهداء مع أضرابهم، والعلماء مع أقرانهم، وكل صنف مع صنف، كل زمرة تناسب بعضها بعضاً» [١٣٦].
وتصف هذه الآية الكريمة المشهد العظيم للمؤمنين الوافدين إلى جنات الخلد التي أعدها الله تعالى لهم، حيث تتلقاهم الملائكة وتحييهم وتهنيهم بسلامة وصولهم ودخولهم الجنة والخلود فيها، ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾.
وقال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾[١٣٧]. أي: جنات إقامة مفتحة لهم الأبواب[١٣٨]، وإنما قال: «مفتحة» ولم يقل مفتوحة، لأنها تفتح لهم بالأمر لا بالمس، كما قال الحسن البصري: تكلم: انفتحي، فتنفح. انغلقي، فتنغلق. وقيل: تفتح لهم الملائكة الأبواب [١٣٩].
يقول ابن القيم: «وإن في تفتيح الأبواب لهم إشارة إلى تصرفهم وذهابهم وإيابهم وتبوءهم في الجنة حيث شاؤوا، ودخول الملائكة عليهم كل وقت بالتحف والألطاف من ربهم، ودخول ما يسرهم عليهم كل وقت، وأيضاً إشارة إلى أنها دار أمن لا يحتاجون فيها إلى غلق الأبواب كما كانوا يحتاجون إلى ذلك في الدنيا» [١٤٠].
وجاء في الحديث الصحيح عن سهل بن سعد، عن النبي (ص) قال: «في الجنة ثمانية أبواب، فيها باب يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون»[١٤١].
وعن أبي هريرة، أن رسول الله (ص) قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله، نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة»، فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها، قال: «نعم وأرجو أن تكون منهم» [١٤٢].
وهذه الأدلة تثبت أن للجنة أبواباً كثيرة ذكرت في القرآن الكريم بشكل عام دون تفصيل أو مسميات، إلا أن السنة النبوية المطهرة بينت شأن تلك الأبواب وعددها وسمّت بعض أبوابها وذكرت سعتها.
قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي: «وقد أبهم الباري سبحانه أبواب الجنة في الطاعات ليلتزم الراجي لدخولها جميعها» [١٤٣].
وأما عدد أبواب الجنة فقد ورد في الحديث الصحيح عن عبادة بن الصامت عن رسول الله (ص) قال: «من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله، وابن أمته، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء» [١٤٤].
وأما سعة أبواب الجنة، فقد ورد عن أبي هريرة عن رسول الله (ص) قال: «إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى» [١٤٥].
قال الإمام النووي: المصراعان جانبا الباب، وهجر مدينة عظيمة هي قاعدة بلاد البحرين، وأما بصرى وهي مدينة معروفة، بينها وبين دمشق نحو ثلاث مراحل وهي مدينة حوران، وبينها وبين مكة شهر [١٤٦].
ولعلو شأن الجنة وأبوابها فأن أول من يقرع بابها سيدنا النبي محمد (ص)، ولا تفتح أبواب الجنة لأحد قبل رسول الله (ص)، حيث ورد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (ص): «آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك» [١٤٧].
ويتبين مما مضى أن الجنة ذات أبواب واسعة عظيمة تليق بسعتها، وتدل على علو شأنها ومنزلتها وقدرها، يدخل منها المؤمنون الجنة، وأن أول من يقرع تلك الأبواب هو سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.[١٤٨]
الأنهار
بشّر الله تعالى عباده المؤمنين بأنه أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار في آيات عديدة، منها قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾[١٤٩].
وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾[١٥٠].
وسياق هذه الآيات يدل على أن تلك الأنهار جارية وموجودة في الجنة، أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين، وتكرر ذكرها في آيات كثيرة، وكلها مقترنة بحرف «من» ما عدا آية واحدة في قوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾[١٥١].
ويشير ابن القيم لدلالة هذا التكرار بأمور: «أحدها: وجود الأنهار فيها حقيقية، والثاني: أنهار جارية لا واقفة، والثالث: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا، وقد ظن بعض المفسرين أن معنى ذلك جريانها بأمرهم وتصريفهم لها كيف شاؤوا، كأن الذي حملهم على ذلك أنه لما سمعوا أن أنهارها تجري في غير أخدود فهي جارية على وجه الأرض؛ حملوا قوله تجري من تحتها الأنهار على أنها تجري بأمرهم؛ إذ لا يكون فوق المكان تحته، وهؤلاء أتوا من ضعف الفهم، فإن أنهار الجنة وإن جرت في غير أخدود فهي تحت القصور والمنازل والغرف وتحت الأشجار، وهو سبحانه لم يقل من تحت أرضها» [١٥٢].
«وقد أخبر سبحانه عن جريان الأنهار تحت الناس في الدنيا فقال ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾[١٥٣]. فهذا على ما هو المعهود والمتعارف وكذلك ما حكاه من قول فرعون ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾[١٥٤]»[١٥٥].
ومن نعم الجنة كثرة الأنهار الجارية فيها، وهي أنهار متنوّعة تحدثت بعض الآيات الكريمة عن أصنافها وأوصافها، فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾[١٥٦]. أي: صفة الجنة العجيبة العظيمة الشأن التي وعد المتقون الشرك والمعاصي، ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ غير متغير الطعم واللون والرائحة، ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ كما تتغير ألبان الدنيا بالحموضة وغيرها، إذ فيها ما تشتهيه الأنفس، ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ أي: لذيذة، ليس فيها كراهة طعم وريح، ولا غائلة سكر، وإنما هي تلذذ محض، ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ لم يخرج من بطون النحل فيخالطه شمع أو غيره [١٥٧].
قيل: بدأ من هذه الأنهار بالماء لأنه لا يستغنى عنه قط، ثم باللبن لأنه يجري مجرى المطعوم والمشروب في كثير من الأوقات، ثم بالخمر؛ لأنه إذا حصل الري والمطعوم تشوقت النفس إلى ما يلتذ به، ثم بالعسل لأنه فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض من المشروب والمطعوم فهو متأخر فى الرتبة[١٥٨].
وجاء هذا التنويع في الشراب ليلبي رغبات البشر، ويستثير فيهم شوقهم إلى الجنة، فالمشهد في الآية كله أشربة وهي أنهار أيضا لتوحي بالكثرة والوفرة، والديمومة وعدم الانقطاع، وإن كانت هذه الأشربة معروفة لدى الناس في الدنيا، إلا أن طعمها مختلف، ونوعها أجود [١٥٩].
وذكرت الأحاديث الشريفة أن في الجنة أربعة أنهار، كما ورد عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله (ص): «رفعت إلى السدرة، فإذا أربعة أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان، فأما الظاهران: النيل والفرات، وأما الباطنان: فنهران في الجنة...»[١٦٠].
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): ﴿سيحان وجيحان، والفرات والنيل كل من أنهار الجنة﴾ [١٦١].
قال الإمام ملا علي القاري: «إنما جعل الأنهار الأربعة من أنهار الجنة، لما فيها من العذوبة والهضم، ولتضمنها البركة الإلهية، وتشرفها بورود الأنبياء إليها وشربهم منها» [١٦٢].
ولا يمكن القول بأن أنهار الجنة تنحصر في هذه الأربعة التي ذكرت في الأحاديث السابقة؛ وذلك لأن تلك الأحاديث ذكرت أسماء بعض أنهار الجنة، ولم تذكر أنواعها بالتحديد التي قال تعالى عنها: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾[١٦٣].
فالماء واللبن والخمر والعسل كلها أنهار من كل الأصناف التي ذكرت.
قال الزركشي: «فأعاد ذكر الأنهار مع كل صنف، وكان يكفي أن يقال فيها: أنهار من ماء، ومن لبن، ومن خمر، ومن عسل، لكن لما كانت الأنهار من الماء حقيقة وفيما عدا الماء مجازاً للتشبيه، فلو اقتصر على ذكرها مع الماء وعطف الباقي عليه لجمع بين الحقيقة والمجاز، فإن قلت: فهلا أفرد ذكر الماء وجمع الباقي صيغة واحدة؟ قيل: لو فعل ذلك لجمع بين محامل من المجاز مختلفة في صيغة واحدة، وهو قريب في المنع من الذي قبله» [١٦٤].
وعلى ذلك يتبين أن في الجنة أنهاراً كثيرة، جعلها الله تعالى نعيماً لعباده المؤمنين وأوليائه الصالحين، وهي متنوعة الأشكال والألوان والمذاق بين ماء عذب، ولبن سائغ، وخمر شهي، وعسل صافٍ، ومختلفة الأسماء والعدد كما مرّ في الآيات والأحاديث المتقدمة، ومن الأنهار التي ذكرت في القرآن الكريم ما يأتي:
- أنهار من ماء: قال تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾. أي: أنهار من ماء غير متغير الريح، يقال منه: قد أسن ماء هذه البئر: إذا تغيرت ريح مائها فأنتنت، فهو يأسن أسنا، وأما إذا أجن الماء وتغير، فإنه يقال له: أسن فهو يأسن، ويأسن أسونا، وماء أسن، وهذه المياه ليست كالتي في الدنيا؛ لأن المياه في الدنيا تتغير بأحد وجهين: إما النجاسة وآفة تصيبها، أو لطول الزمان والمكث، فيخبر أن ليس في الجنة شيء يغير مياهها[١٦٥] . ولم ترد كلمة (تجري) للأنهار في هذه الآية، لأن الماء الآسن لا يكون إلا بركود الماء، فلم يتطلب السياق ذكر كلمة (تجري)، أما في قوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾[١٦٦]، لم يكن هناك من داع لتحديد ﴿غَيْرِ آسِنٍ﴾ لأنه جاء وصف الأنهار بالجريان، الأمر الذي لا يؤدي إلى أن تأسن الماء [١٦٧]. وتؤكد الآية الكريمة حقيقة علمية: «قبل أن يكشف العلم بوسائله وأدواته عالم الميكروبات أي الجراثيم التي توجد في الماء الراكد، الذي يصير مستودعاً لملايين البكتيريا والطفيليات الضارة التي تصيب الإنسان والحيوان بالأمراض، فأنه لما اخترع الإنسان المناظير المكبرة رأى بواسطتها كيف أن الماء الراكد يموج بملايين الكائنات الدقيقة التي لا ترى بالعين المجردة، وتتكاثر بسرعة هائلة؛ فتفسد الماء وتجعله متغير الرائحة والطعم، وسبباً في الأمراض والأوبئة التي ما كان أحد يعرف مصدرها قبل اكتشافها بواسطة المجهر (الميكروسكوب) أي: مكبر الصور إلى درجة كبيرة» [١٦٨].
- أنهار من اللبن: اللبن جمعه: ألبان، قال تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ﴾[١٦٩]. أي: «لم يحمض ولم يصر قارصاً ولا حازراً كألبان الدنيا، وتغير الريح لا يفارق تغير الطعم» [١٧٠]. قال الطبري: «لم يتغير طعمه لأنه لم يحلب من حيوان فيتغير طعمه بالخروج من الضروع، ولكنه خلقه الله ابتداء في الأنهار، فهو بهيئته لم يتغير عما خلقه عليه» [١٧١].
- أنهار من خمر: قال تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾[١٧٢]. أي: «وفيها أنهار من خمر لذيذة لهم، إذ لم تدنسها الأرجل، ولم ترنّقها (تكدرها) الأيدى كخمر الدنيا، وليس فيها كراهة طعم وريح، ولا غائلة سكر وخمار كخمور الدنيا، فلا يتكرّهها الشاربون» [١٧٣]. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: «في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول، وقد ذكر الله خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال» [١٧٤]. وهذا من فضل الله تعالى على عباده المتقين أن جعلهم يتلذذون بالخمر الذي حرموا منه في الحياة الدنيا؛ جزاء لهم على طاعتهم وانقيادهم لأمر الله تعالى، فخمر الدنيا كريهة الرائحة تسلب عقل من شربها، خلاف خمر الجنة التي وصفت باللذة الكاملة.
- أنهار من عسل: قال تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾[١٧٥]. أي: «وفيها أنهار من عسل قد صفّى من القذى وما يكون فى عسل أهل الدنيا قبل التصفية من الشمع وفضالات النحل وغيرها»[١٧٦].
- الكوثر: قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾[١٧٧]. واختلف أهل التأويل في معنى الكوثر على أقوال، منها:
- أنه نهر في الجنة، وهو المشهور والمستفيض عند السلف والخلف [١٧٨]، واستدلوا على ذلك بما ورد عن أنس، عن النبي (ص) قال: (بينما أنا أسير في الجنة، إذا أنا بنهر، حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر، الذي أعطاك ربك، فإذا طينه - أو طيبه - مسك أذفر) [١٧٩]. وعن ابن عباس، قال: «الكوثر: نهر في الجنة حافتاه من ذهب وفضة، يجري على الياقوت والدر، ماؤه أبيض من الثلج، وأحلى من العسل» [١٨٠]، وقال أيضاً: نهر أعطاه الله محمداً (ص) في الجنة [١٨١].
- أنه حوض، والأخبار فيه مشهورة، ووجه التوفيق بين هذا القول والقول الأول أن يقال: لعل النهر ينصب في الحوض، أو لعل الأنهار إنما تسيل من ذلك الحوض، فيكون ذلك الحوض كالمنبع [١٨٢]. قال عطاء: «حوض في الجنة أعطيه رسول الله (ص)» [١٨٣].
- عني بالكوثر الخير الكثير، وهو قول ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة[١٨٤]. قال الراغب الاصفهاني: «قيل: هو نهر في الجنة يتشعب عنه الأنهار، وقيل: بل هو الخير العظيم الذي أعطاه النبي (ص)، وقد يقال للرجل السخي: كوثر، ويقال: تكوثر الشيء: كثر كثرة متناهية» [١٨٥]. والأقوال كثيرة ومتعددة في تأويل معنى الكوثر، وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: هو اسم النهر الذي أعطيه رسول الله (ص) في الجنة، لتتابع الأخبار عن رسول الله (ص) بذلك. قال الحافظ ابن حجر: «ثبت تخصيصه بالنهر من لفظ النبي (ص) فلا معدل عنه» [١٨٦].
ويتضح مما تقدم أن من نعم الجنة التي لا تنقطع ولا تفنى أن جعل الله تعالى فيها أنهاراً جارية من الماء واللبن والخمر والعسل، والكوثر الذي أعطاه الله تعالى لنبينا محمد (ص)، ترده أمته يوم القيامة، ثبث بالآيات والأحاديث المتقدمة.[١٨٧]
العيون
لم يكتف القرآن بذكر الأنهار الجارية في الجنة، بل تحدث عن العيون المتفجرة والمتنوعة في أرجائها، أعطاها الله تعالى لعباده المتقين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾[١٨٨].
وذكرت عيون الجنة في آيات كثيرة، حيث بينت أسماء بعضها وميزتها، وهذا من فضل الله تعالى الذي أعده لعباده المتقين بحسب مراتبهم في الجنة، ومن تلك العيون ما يأتي:
- تسنيم: أخبر الله تعالى عن العين التي يشرب منها المقربون في الجنة فقال تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾[١٨٩]. قال الإمام الرازي: «تسنيم: علم لعين بعينها في الجنة، سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه، إما لأنها أرفع شراب في الجنة، وإما لأنها تأتيهم من فوق، على ما روي أنها تجري في الهواء مسنمة فتنصب في أوانيهم، وإما لأنها لأجل كثرة ملئها وسرعته تعلو على كل شيء تمر به وهو تسنيمه، أو لأنه عند الجري يرى فيه ارتفاع وانخفاض، فهو التسنيم أيضاً، وذلك لأن أصل هذه الكلمة للعلو والارتفاع» [١٩٠]. وقوله تعالى: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾[١٩١]، أي: يشربها المقربون صرفاً، وتمزج لأصحاب اليمين مزجاً، قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومسروق، وقتادة، وغيرهم [١٩٢].
- الكافور: قال تعالى واصفاً عين الكافور: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾[١٩٣]. أي: «إن الذين بروا بطاعتهم ربهم فأدّوا فرائضه واجتنبوا معاصيه يشربون من خمر كان مزاج ما فيها من الشراب كالكافور طيب رائحة وبرداً وبياضاً، وهذا المزاج من عين يشرب منها عباد الله المتقون وهم في غرف الجنات، يسوقونها إليهم سوقاً سهلاً إلى حيث يريدون، وينتفعون بها كما يشاءون، ويتبعهم ماؤها إلى كل مكان يحبون وصوله إليه» [١٩٤]. وقوله تعالى: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾[١٩٥]، أي: «يفجرون تلك العين التي يشربون بها كيف شاءوا وحيث شاءوا من منازلهم وقصورهم تفجيراً، ويعني بالتفجير: الإسالة والإجراء» [١٩٦].
- سلسبيل: ذكر الله تعالى أن في الجنة عيناً تسمى السلسبيل. قال تعالى: ﴿عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً﴾[١٩٧]. واختلف أهل التأويل في معنى ﴿سَلْسَبِيلاً﴾ على ستة أقوال:
قيل: عني بقوله سلسبيلا سلسة منقاداً ماؤها، وهو قول قتادة.
وقال آخرون: عني بذلك أنها شديدة الجرية، قاله مجاهد.
وقال بعضهم: إن سلسبيل صفة للعين بالتسلسل، وقيل: إنما أراد عيناً تسمى سلسبيلا، أي: تسمى من طيبها السلسبيل، أي: توصف للناس [١٩٩].
قال الطبري: «والصواب من القول في ذلك أن قوله: ﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً﴾[٢٠٠] صفة للعين، وصفت بالسلاسة في الحلق، وفي حال الجري، وانقيادها لأهل الجنة يصرفونها حيث شاءوا، كما قال مجاهد وقتادة؛ وإنما عني بقوله ﴿تُسَمَّىا﴾: أي توصف»[٢٠١].
وهذه من النعم التي أعدها الله تعالى لعباده المتقين، فتلك العيون التي يفجرها الله تعالى لهم زيادة في المتعة والتلذذ وهم في الجنات يتصرفون فيها كيف شاؤوا، وحيث أرادوا من دورهم ومنازلهم ومجالسهم، بحسب مراتبهم في الجنة؛ جزاء بما كانوا يعملون.[٢٠٢]
القصور
إن من نعيم الجنة الذي وعد الله عز وجل به عباده من المؤمنين والمؤمنات أن جعل لهم قصوراً في الجنة.
قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً﴾[٢٠٣].
ويخبر القرآن الكريم في آيات أخرى أن الجنّة ليست مجرد أشجار وثمار تجري من تحتها الأنهار الجارية وتتفجر منها العيون، بل فيها قصور ومساكن وبيوت وخيام يسكن داخلها المؤمنون في حياتهم الخالدة في الجنّة، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾[٢٠٤].
وقد سمى الله تعالى في آيات أخرى هذه المساكن بالغرفات، قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾[٢٠٥].
والغرف في الجنة هي القصور الشاهقة، طباق فوق طباق، مبنيات محكمات مزخرفات عاليات [٢٠٦].
ووصف الإمام القرطبي تلك القصور بقوله: «قصور من الزبرجد والدر والياقوت يفوح طيبها من مسيرة خمسمائة عام» [٢٠٧].
وذكرت السنة النبوية المطهرة بأن الله تعالى أعد قصوراً في الجنة لعباده المؤمنين، حيث وصف لنا النبي (ص) بعض القصور التي شاهدها في الجنة وذلك، كما ورد عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله (ص): (دخلت الجنة، فإذا أنا بقصر من ذهب، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لرجل من قريش، فما منعني أن أدخله يا ابن الخطاب، إلا ما أعلم من غيرتك)، قال: وعليك أغار يا رسول الله [٢٠٨].
ومن كمال النعم أن أهل الجنة يعرفون مساكنهم وقصورهم التي أعدت لهم في الجنة كما قال تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾[٢٠٩]. أي: «عرّفها وبيّنها لهم، حتى إن الرجل ليأتي منزله منها إذا دخلها كما كان يأتي منزله في الدنيا، لا يشكل عليه ذلك» [٢١٠].
ويؤكد ذلك قوله (ص): «يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا» [٢١١].[٢١٢]
الأثاث
ذكر القرآن الكريم في بعض آياته أثاث أهل الجنة، ومنه ما يأتي:
- السرر: وصف الله تعالى سرر أهل الجنة فقال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾[٢١٣]. وقال تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾[٢١٤]. وقال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾[٢١٥]. وهذه السرر قد صفّ بعضها إلى بعض، وقوبل بعضها ببعض، مرمولة بالذهب، مشبكة بالدر والياقوت، عالية في الهواء وذلك لأجل أن يرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما أعطاه ربه في الجنة من النعيم والملك [٢١٦]. والسرر قد تكون في الدنيا مصفوفة، ولكن لا تكون موضونة؛ أي: منسوجة؛ والوضن: لا يكون بين السرر في الآخرة انفصال ولا فروج، كما يكون في الدنيا، لكن موصولة بعضها ببعض [٢١٧].
- الفرش: قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾[٢١٨]. وقال تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾[٢١٩]. فوصف الفرش بكونها مبطنة بالإستبرق وهذا يدل على أمرين، أحدهما: أن ظهائرها أعلى وأحسن من بطائنها، لأن بطائنها للأرض، وظهائرها للجمال والزينة والمباشرة، والثاني: يدل على أنها فرش عالية، لها سمك وحشو بين البطانة والظهارة.
- النمارق: قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾[٢٢٠]. والنمارق: «جمع نمرقة، وهي: الوسادة التي يتكىء عليها الجالس والمضطجع، ومصفوفة: أي جعل بعضها قريباً من بعض صفاً، أي أينما أراد الجالس أن يجلس وجدها» [٢٢١]. قال ابن عباس: النمارق: الوسائد، وكذا قال عكرمة، وقتادة، والضحاك، والسدي، والثوري، وغيرهم [٢٢٢]. فمعنى الآية: ووسائد مصفوف بعضها إلى جوانب بعض، فإن شاءوا جلسوا عليها، وإن أرادوا استندوا إليها، وإن أحبوا أن يجلسوا على بعضها ويستندوا إلى بعض فعلوا [٢٢٣].
- الأرائك: قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾[٢٢٤]. ومعنى الاتكاء: جلسة الراحة والترف، قيل: الاضطجاع، وقيل: التربع في الجلوس [٢٢٥]. الأرائك: جمع أريكة، وهي سرير في حجلة، أما للسرير وحده فلا يسمى أريكة، والحجلة: قبة من ثياب تكون في البيت تجلس فيها المرأة أو تنام فيها، ولذلك يقال للنساء: ربات الحجال، فإذا وضع فيها سرير للاتكاء أو الاضطجاع فهي أريكة، ويجلس فيها الرجل وينام مع المرأة، وذلك من شعار أهل الترف [٢٢٦]. وقوله: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾، أي: نعمت الجنة ثواباً على أعمالهم، ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾، أي: حسنت منزلاً ومقيلاً ومقاماً [٢٢٧].
- الأكواب: وصف الله تعالى أكواب أهل الجنة، فقال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا﴾[٢٢٨]. وقال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾[٢٢٩]. ثم أخبر أن تلك الأكواب قوارير من فضة، قيل: هي من فضة، ولها صفاء القوارير، يرى ما فيها من الشراب من خارجها؛ لصفائها [٢٣٠]. أي: يطوف عليهم خدم الجنة بأواني الطعام، وهي من فضة خالصة، وبأكواب الشراب، وهي أيضاً من فضة، وقد جعلت هذه الأكواب جامعة بياض الفضة، وصفاء الزجاج وشفافيته. وعني بقوله: ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾: أنها موضوعة على حافة العين الجارية، كلما أرادوا الشرب وجدوها ملأى من الشراب [٢٣١].
- الزرابي: قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾[٢٣٢]. والزرابي: جمع زربٍ، وهو ضرب من الثياب محبّر منسوب إلى موضع، وعلى طريق التشبيه والاستعارة قال: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.[٢٣٣] قال ابن كثير: «وقوله تعالى: (ۀ ہ)، قال ابن عباس: الزرابي: البسط، وكذا قال الضحاك، وغير واحد، ومعنى مبثوثة، أي: هاهنا وهاهنا لمن أراد الجلوس عليها» [٢٣٤]. وعلى هذا فإن الزرابي نوع من أثاث الجنة، وهي: البسط التي يجلس عليها، والتي تكون مبثوثة، أي: مفرقة في المجالس.
- العبقري: قال تعالى: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾[٢٣٥]. قال الراغب الأصفهاني: عبقرٌ قيل: هو موضعٌ للجنّ ينسب إليه كلّ نادر من إنسان، وحيوان، وثوب، وقوله تعالى: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾، وهو ضرب من الفرش فيما قيل، جعله الله مثلاً لفرش الجنّة [٢٣٦]. قال ابن عاشور: «وعبقري وصف لما كان فائقاً في صنفه، عزيز الوجود، وهو نسبة إلى عبقر: اسم بلاد الجن في معتقد العرب فنسبوا إليه كل ما تجاوز العادة في الإتقان والحسن، حتى كأنه ليس من الأصناف المعروفة في أرض البشر، فشاع ذلك فصار العبقري وصفاً للفائق في صنفه» [٢٣٧]. وقيل إن العبقري: هي الزرابي الحسان، أي: البسط، وهو قول ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي وسعيد بن جبير تعالى [٢٣٨].
ويتضح مما مضى أن في الجنة التي وعد الله تعالى بها عباده المؤمنين أثاثاً لا يشبه أثاث الحياة الدنيا، فأثاث أهل الجنة متعدد الأنواع والأشكال، من سرر وأرائك وفرش وعبقري ونمارق وزرابي وغيرها.[٢٣٩]
أشجار الجنة وثمارها
لا شك أن الجنة التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين قد خلق الله تعالى فيها الأشجار والثمار متنوعة الأشكال والأحجام دائمة العطاء، ولا تشبه أشجار الدنيا وثمارها وأن تشابهت في الأسماء، وقد ذكر الله تعالى في آياته الكريمة أنواعاً من أشجار وثمار الجنة، منها ما يأتي:
- النخل: ذكر النخل في القرآن الكريم في عشرين موضعاً [٢٤٠] منها قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾[٢٤١]. ووصف الله تعالى نخل الجنة بقوله تعالى: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾[٢٤٢]. والأكمام: جمع كم -بكسر الكاف- وهو وعاء ثمر النخلة، ويقال له: الكفرى، فليست الأكمام مما ينتفع به، فتعين أن ذكرها مع النخل للتحسين، ووصف النخل بذات الأكمام وصف للتحسين فهو اعتبار بأطوار ثمر النخل، وامتنان بجماله وحسنه كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾[٢٤٣] فامتن بمنافعها وبحسن منظرها [٢٤٤]. قال الحسن البصري: ﴿ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾[٢٤٥]: «أي ذات الليف، فإن النخلة قد تكمم بالليف، وكمامها ليفها الذي في أعناقها» [٢٤٦]. وأفردها بالذكر لكثرتها بالبلاد العربية، وكثرة فوائدها، لأنه ينتفع بثمارها رطبة ويابسة، وينتفع بجميع أجزائها، فيتخذ من خوصها السلال والزنابيل، ومن ليفها الحبال، ومن جريدها سقف البيوت، ويؤكل جمّارها، ومن ثم ذكرها باسمها، وذكر الفاكهة دون أشجارها [٢٤٧]..
- الرمان: ورد ذكر الرمان في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع[٢٤٨] منها قوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾[٢٤٩]. ووصف الله تعالى الرمان بأنه من أشجار الجنة، قال تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾[٢٥٠]. قال القرطبي: «قال بعض العلماء: ليس الرمان والنخل من الفاكهة، لأن الشيء لا يعطف على نفسه إنما يعطف على غيره، وهذا ظاهر الكلام، وقال الجمهور: هما من الفاكهة، وإنما أعاد ذكر النخل والرمان لفضلهما وحسن موقعهما على الفاكهة، كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾[٢٥١]. وقوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُواً لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾[٢٥٢]. [٢٥٣] وقيل: إنما كررهما لأن النخل والرمان كانا عندهم في ذلك الوقت بمنزلة البر عندنا، لأن النخل عامة قوتهم، والرمان كالثمرات، فكان يكثر غرسهما عندهم لحاجتهم إليهما، وكانت الفواكه عندهم من ألوان الثمار التي يعجبون بها، فإنما ذكر الفاكهة، ثم ذكر النخل والرمان لعمومهما وكثرتهما عندهم من المدينة إلى مكة إلى ما والاها من أرض اليمن، فأخرجهما في الذكر من الفواكه وأفرد الفواكه على حدتها. وقيل: أفردا بالذكر لأن النخل ثمره فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء، فلم يخلصا للتفكه [٢٥٤]. حكي عن ابن عباس أنه قال: الرمان ليس من الفاكهة، وكذلك الرطب؛ لأنهما أفردا بالذكر عن الفاكهة، وذكر الفراء هذا أيضاً [٢٥٥]. وقال الإمام الرازي: ذكر الرمان والرطب لأنهما متقابلان، فأحدهما حلو والآخر غير حلو، وكذلك أحدهما حار والآخر بارد وأحدهما فاكهة وغذاء، والآخر فاكهة، وأحدهما من فواكه البلاد الحارة والآخر من فواكه البلاد الباردة، وأحدهما أشجاره في غاية الطول والآخر أشجاره بالضد وأحدهما ما يؤكل منه بارز ومالا يؤكل كامن، والآخر بالعكس، فهما كالضدين والإشارة إلى الطرفين تتناول الإشارة إلى ما بينهما [٢٥٦]. وعلى أية حال فأن الرمان سواء أكان شجرا أم فاكهة -باعتبار عطف الخاص على العام- فهو من نعم الله تعالى على عباده المؤمنين في الجنة.
- السدر: ومن نعيم الجنة أشجار السدر التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾[٢٥٧]. وقوله: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾: السدر شجر النبق لا شوك فيه، من خضد الشوك إذا قطعه، أو مثني أغصانه من كثرة حمله، من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب» [٢٥٨]. وفي مخضود ثلاثة أقاويل:
- أنه اللين الذي لا شوك فيه، قاله عكرمة، وقال غيره لا عجم لنبقه، يقال خضدت الشجرة إذا حذقت شوكها.
- أنه الموقر حملاً، قاله مجاهد.
- المدلاة الأغصان، وخص السدر بالذكر لأن ثمره أشهى الثمر إلى النفوس طعماً وألذه ريحاً» [٢٥٩].
قال الراغب الاصفهاني: «السّدر: شجر قليل الغناء عند الأكل، ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾[٢٦٠].
وقد يخضد ويستظلّ به، فجعل ذلك مثلاً لظلّ الجنة ونعيمها في قوله تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾[٢٦١]؛ لكثرة غنائه في الاستظلال» [٢٦٢].
ووصف الله تعالى أن ظلال تلك الأشجار ممتد دائم بقوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾[٢٦٣]. أي: دائم باق لا يزول ولا تنسخه الشمس [٢٦٤].
وإما ثمار الجنة فلا تشبه ثمار الحياة الدنيا إلا بالاسماء.
يقول الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[٢٦٥].
كلما رزقوا منها: أي أطعموا من الجنة من ثمرة رزقاً طعاماً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل، أي: أطعمنا من الجنة من قبل، قيل: إذا أتي بطعام وثمار في أول النهار فأكلوا منها، ثم إذا أتي بها في آخر النهار، قالوا هذا الذي رزقنا من قبل، يعني الذي أطعمنا في أول النهار، لأن لونه يشبه لون ذلك، فإذا أكلوا منه وجدوا لها طعماً غير طعم الأول، وقيل: معناه كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل أي في الدنيا، لأن لونها يشبه لون ثمار الدنيا، فإذا أكلوا وجدوا طعمها غير ذلك [٢٦٦].
قال ابن عباس ما: «ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء يعني: أسماء الثمار[٢٦٧].
ومن كمال المتعة واللذه أن هذه الثمار دانية مذللة لا مشقة في التقاطها، بل هي في متناول أيدي أهل الجنة، كما وصفها الله تعالى بقوله: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾[٢٦٨].
وقال تعالى: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾[٢٦٩]. أي: «قريب منهم، لأنهم لا يتعبون بصعود نخلها وشجرها، لاجتناء ثمرها، ولكنهم يجتنونها من قعود بغير عناء» [٢٧٠].
ويتبين مما مضى أن الله تعالى خلق في الجنة أشجاراً كثيرة، منها: النخل والعنب والرمان والسدر والطلح والثمار، وغير ذلك ما لا يحصى، متنوعة ودانية الثمار ما تكمل به متعة أهل الجنة؛ ليتنعموا بها وهي باقية العطاء معهم بدوام نعيم الجنة الذي لا يفنى.[٢٧١]
الطعام والشراب
إن أهل الجنة يأكلون ويشربون لقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[٢٧٢]. أي: «يقال لهؤلاء المتقين في الجنات: كلوا أيها القوم مما آتاكم ربكم، واشربوا من شرابها هنيئاً، لا تخافون مما تأكلون وتشربون فيها أذى ولا غائلة بما كنتم تعملون في الدنيا لله من الأعمال» [٢٧٣]، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾[٢٧٤].
وقوله تعالى: «هنيئاً إشارة إلى خلوهما عما يكون فيها من المفاسد في الدنيا، منها أن الآكل يخاف من المرض فلا يهنأ له الطعام، ومنها أنه يخاف النفاد فلا يسخو بالأكل، والكل منتف في الجنة، فلا مرض ولا انقطاع، فإن كل أحد عنده ما يفضل عنه، ولا إثم ولا تعب في تحصيله، فإن الإنسان في الدنيا ربما يترك لذة الأكل لما فيه من تهيئة المأكول بالطبخ والتحصيل من التعب أو المنة، أو ما فيه من قضاء الحاجة واستقذار ما فيه، فلا يتهنأ، وكل ذلك في الجنة منتف» [٢٧٥]، وترك ذكر المأكول والمشروب دلالة على تنوعهما وكثرتهما [٢٧٦] .
ووصف الله تعالى أكل الجنة فقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾[٢٧٧]. أي ما يؤكل فيها دائم لأهلها، لا ينقطع عنهم، ولا يزول ولا يبيد، ولكنه ثابتٌ إلى غير نهاية [٢٧٨].
وقال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلَاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِياً﴾[٢٧٩]. أي: لهم ما يشتهون من المطاعم، قدر وقت البكرة ووقت العشي من نهار الدنيا، إذ لا ليل في الجنة ولا نهار [٢٨٠].
ومن طعام أهل الجنة: الفاكهة واللحم كما قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾[٢٨١].
وقال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾[٢٨٢]. أي: «واختار من المأكول أرفع الأنواع وهو الفاكهة واللحم فإنهما طعام المتنعمين، وجمع أوصافاً حسنة في قوله ﴿مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ لأنه لو ذكر نوعاً فربما يكون ذلك النوع غير مشتهى عند بعض الناس، فقال: كل أحد يعطى ما يشتهي، فإن قيل: الاشتهاء كالجوع وفيه نوع ألم، نقول: ليس كذلك، بل الاشتهاء به اللذة، والله تعالى لا يتركه في الاشتهاء بدون المشتهى حتى يتألم، بل المشتهى حاصل مع الشهوة، والإنسان في الدنيا لا يتألم إلا بأحد أمرين، إما باشتهاء صادق وعجزه عن الوصول إلى المشتهى، وإما بحصول أنواع الأطعمة والأشربة عنده وسقوط شهوته وكلاهما منتف في الآخرة» [٢٨٣].
وإن تقديم الفاكهة على اللحم للإشارة إلى أنهم ليسوا بحالة تقتضي تقديم اللحم كما في الجائع؛ فإن حاجته إلى اللحم أشد من حاجته إلى الفاكهة، بل هم بحالة تقتضي تقديم الفاكهة واختيارها، كما في الشبعان فإنه إلى الفاكهة أميل منه إلى اللحم، وجوز أن يكون ذلك لأن عادة أهل الدنيا -لا سيما أهل الشرب منهم- تقديم الفاكهة في الأكل وهو طباً مستحسن؛ لأنها ألطف وأسرع انحداراً وأقل احتياجاً إلى المكث في المعدة للهضم، وقد ذكروا أن أحد أسباب الهيضة إدخال اللطيف من الطعام على الكثيف منه ولأن الفاكهة تحرك الشهوة للأكل واللحم يدفعها غالبا [٢٨٤].
وجاء في الحديث الشريف عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي (ص)، يقول: «إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون» قالوا: فما بال الطعام؟ قال: «جشاء ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد، كما تلهمون النفس» [٢٨٥].
ووصف شراب أهل الجنة بقوله تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾[٢٨٦]. أي: يسقى هؤلاء الأبرار من خمر صرف لا غشّ فيها، لم تمسسه الأيدي [٢٨٧]، ومزاجه من تسنيم (عين في الجنة) يشرب منها المقربون.
قال ابن عباس: «أشرف شراب أهل الجنة هو تسنيم، لأنه يشربه المقربون صرفاً، ويمزج لأصحاب اليمين» [٢٨٨].
ويتضح مما تقدم: أن في الجنة التي وعد الله تعالى بها عباده المؤمنين أشهى الطعام والشراب، ولا يكون طعامهم من جوع ولا شرابهم من عطش، بل من كمال نعيمهم ومتعتهم ولذتهم التي أعدها الله تعالى لهم جزاء بما كانوا يعملون.[٢٨٩]
اللباس والحلي
ذكر الله تعالى في آياته أن الجنة لا عري فيها.
قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾[٢٩٠]. وإن اللباس والحلي والزينة فيها من الحرير والذهب واللؤلؤ.
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾[٢٩١]. أي: لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات عدن تجري من دونهم ومن بين أيديهم الأنهار، ويلبسون فيها من الحلي أساور من ذهب، والسندس وهي ما رقّ من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه وثخن، وقيل: إن الإستبرق هو الحرير [٢٩٢].
ووصف الله تعالى لباس أهل الجنة بقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾[٢٩٣]. أي: وجميع ما يلبسونه من فرشهم ولباسهم وستورهم حرير، وهو أعلى مما في الدنيا بكثير [٢٩٤]، وإن كان محظوراً عليهم في الدنيا، فأباحه الله لهم في الدار الآخرة لما صح عن عمر بن الخطاب عن النبي (ص) قال: (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) [٢٩٥].
ولباس أهل الجنة لا يبلى كما يبلى لباس أهل الحياة الدنيا لقوله (ص): «من يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه» [٢٩٦]..
ووصف بعض ثياب أهل الجنة بأنها خضراء اللون، كما قال تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾[٢٩٧].
ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾[٢٩٨] .
لأن الخضرة أحسن الألوان والنفس تنبسط بها أكثر من غيرها، وقيل: أنها تزيد في ضوء البصر، وقيل: ثلاثة مذهبة للحزن: الماء، والخضرة، والوجه الحسن [٢٩٩].
قال القرطبي: «وخص الأخضر بالذكر لأنه الموافق للبصر، لأن البياض يبدد النظر ويؤلم، والسواد يذم، والخضرة بين البياض والسواد، وذلك يجمع الشعاع» [٣٠٠].
ويمكن القول إن ذكر الخضرة إنما جاء ترغيباً للعباد في الجنة؛ وذلك أن هذا اللون من أحب الألوان إلى النفس وأكثرها راحة وبهجة للناظر.
ولباسهم غير منحصر فيما ذكر إذ لهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين من اللباس الذي لا يحيط به وصف، ويحلون فيها بأنواع الذهب والفضة واللؤلؤ فقال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾[٣٠١].
كما ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة، عن رسول الله (ص) أنه قال: «تبلغ الحلية من المؤمن، حيث يبلغ الوضوء» [٣٠٢].
ويتضح مما مضى: أن أهل الجنة ينعمون باللباس الفاخر من الحرير والسندس والإستبرق الذي لا يبلى ولا يتمزق، ولا يقتصر اللباس على ذلك بل لهم فيها ما يشتهون من الثياب ويحلون فيها بالذهب والفضة واللؤلؤ، ما لا تبلى ولا تفنى.[٣٠٣]
نساء أهل الجنة
تحدث القرآن الكريم في بعض آياته عن نساء أهل الجنة كما يأتي:
الحور العين
وهن زوجات المؤمنين في الجنة غير زوجاتهم في الدنيا لقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾[٣٠٤]. أي: أكرمناهم بأن زوجناهم حوراً عيناً، والحور: جمع حوراء، وهي الشديدة بياض مقلة العين في شدة سواد الحدقة، والعين: جمع عيناء، وهي العظيمة العين في حسن وسعة [٣٠٥].
ووصفت الحور العين في قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾[٣٠٦]. أي: غاضات الأعين عن غير أزواجهن، وقصرن طرفهن على أزواجهن، وقنعن بهم، ولا يبغين بهم بدلاً، وإنهن أحسن بياضاً من بيض النعام، والعرب تشبه النساء ببيض النعام. يقال: لا يكون لون البياض في شيء أحسن من بيض النعام. وقال قتادة: البيض التي لم تلوثه الأيدي. ويقال: البيض أراد به القشر الداخل من البيض المكنون قد خبأ، وكن من البرد والحر [٣٠٧].
وشبههن في موضع آخر بالياقوت والمرجان: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾[٣٠٨].
وقال تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾[٣٠٩]. أي: «وهؤلاء الخيّرات الحسان واسعات العيون مع صفاء البياض حول السواد، محبوسات فى الحجال، فلسن بطوّافات فى الطرقات، والعرب يمدحون النساء الملازمات للبيوت للدلالة على شدة الصيانة» [٣١٠].
ونساء الجنة مطهّرات من كل شيء، فلا بول ولا غائط ولا حيض ولا نفاس ولا ولادة، وكلما جاءها زوجها وجدها بكراً لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾[٣١١].
ويصف لنا النبي (ص) نساء الجنة بقوله (ص): «لو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأته ريحاً، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها» [٣١٢].
وهذا قليل من كثير في صفات الحور العين لأنها كثيرة ومتنوعة، حيث خلقهن الله تعالى وأنشأنهن إنشاءً وجعلهن أبكاراً وجمالهن كاللؤلؤ المكنون المخفي المصان، قاصرات الطرف لا يتجاوز عن أزواجهن، مطهرات من كل أذى وحيض ونفاس، وبول وغائط، وبصاق ومخاط، ولو أطلت واحدة منهن على الدنيا لأضاءت ما بينهما.[٣١٣]
زوجات المؤمنين في الدنيا
أخبر الله تعالى أن زوجة المؤمن في الدنيا زوجته في الآخرة إذا كانت مؤمنة وصالحة. قال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾[٣١٤]. أي: «يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها من الآباء والأهلين والأبناء، ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين؛ لتقر أعينهم بهم، حتى إنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى، من غير تنقيص لذلك الأعلى عن درجته، بل امتناناً من الله وإحساناً، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾[٣١٥].[٣١٦]
وقال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾[٣١٧]. أي: يكرمون إكراماً على سبيل المبالغة، والحبرة: المبالغة في الإكرام فيما وصف بالجميل [٣١٨]. ونساء الجنة لسن كنساء الدنيا، فإنهن مطهرات من الحيض والنفاس والبصاق والمخاط والبول والغائط، وهذا مقتضى قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[٣١٩]. أي: «ولهم في الجنات أزواج تطهرن غاية التطهر، فليس فيهنّ ما يعبن عليه من خبث جسدي مما عليه النساء في الدنيا كالحيض والنفاس، أو نفسىي كالكيد والمكر وسائر مساوى الأخلاق» [٣٢٠].
وتلك نساء أهل الجنة خلقهن الله تعالى لعباده المؤمنين، منهن من كانت زوجاتهم في الحياة الدنيا، ومنهن الحور العين، وكلهن من النعيم الذي يتنعم به أهل الجنة في الآخرة.[٣٢١]
خدم أهل الجنة
ذكر الله تعالى أن في الجنة خدما ولداناً أو غلماناً خلقهم الله تعالى لخدمة أهل الجنة، يطوفون عليهم بآنية الشراب، كما قال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾[٣٢٢]. أي: «يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون، على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد» [٣٢٣].
وهم في غاية الجمال كأنهم اللؤلؤ المكنون كما وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾[٣٢٤].
ونحو هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً﴾[٣٢٥].
قال الإمام الرازي: شبهوا في حسنهم وصفاء ألوانهم وانتشارهم في مجالسهم ومنازلهم عند اشتغالهم بأنواع الخدمة باللؤلؤ المنثور، ولو كان صفاً لشبهوا باللؤلؤ المنظوم، ألا ترى أنه تعالى قال: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ فإذا كانوا يطوفون كانوا متناثرين، أو أنهم شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا انتثر من صدفه لأنه أحسن وأكثر ماء، أو أن هذا من التشبيه العجيب؛ لأن اللؤلؤ إذا كان متفرقاً يكون أحسن في المنظر؛ لوقوع شعاع بعضه على البعض فيكون مخالفاً للمجتمع منه [٣٢٦].[٣٢٧]
سوق أهل الجنة
جاء في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك أن رسول الله (ص) قال: «إن في الجنة لسوقاً يأتونها كل جمعة، فتهب ريح الشمال، فتحثوا في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسناً وجمالاً، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسناً وجمالاً، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً» [٣٢٨].
والمراد بالسوق: «مجمع لهم يجتمعون كما يجتمع الناس في الدنيا في السوق، ومعنى يأتونها كل جمعة: أي في مقدار كل جمعة أي: أسبوع، وليس هناك حقيقة أسبوع لفقد الشمس والليل والنهار، وقال القاضي: وخص ريح الجنة بالشمال؛ لأنها ريح المطر عند العرب، كانت تهب من جهة الشام، وبها يأتي سحاب المطر، وكانوا يرجون السحابة الشامية، وجاءت في الأحاديث تسمية هذه الريح المثيرة، أي المحركة؛ لأنها تثير في وجوههم ما تثيره من مسك أرض الجنة وغيره من نعيمها» [٣٢٩].
وهذا يعني أن في الجنة سوقاً يلتقي فيه المؤمنون مع بعضهم البعض ويتحدث بعضهم لبعض؛ ويتذاكرون ما كان في الدار الدنيا، ويتجدد هذا اللقاء كل جمعة، وهذا من نعيم الجنة الذي أعده الله تعالى لعباده المؤمنين المتقين.
ومن جملة أحاديثهم ما جاء ذكره في قوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾[٣٣٠].[٣٣١]
صفة أهل الجنة وأخلاقهم
لم يتحدث القرآن الكريم عن صفة أهل الجنة في أعمارهم وأشكالهم وطولهم، وتكفلت السنة النبوية بذكر ذلك من خلال الأحاديث الصحيحة الواردة في صفة أهل الجنة، منها: ما ورد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): «إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أشد كوكب دُرِّيّ في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يتفلون، أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء» [٣٣٢].
وعن أبي هريرة عن النبي (ص) قال: «أول زمرة تلج الجنة، صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يمتخطون، ولا يتغوطون فيها، آنيتهم وأمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم من الألوة، ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقهما من وراء اللحم، من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشياً» [٣٣٣].
وأما عن أعمارهم فعن معاذ بن جبل أن النبي (ص) قال: «يدخل أهل الجنَّةِ الجَنَّةَ جُرْداً مرداً مكحلين، أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين سنة» [٣٣٤]
وجُرْد: جمع أجرد وهو الذي لا شعر على جسده، مُرْد: جمع أمرد وهو غلام لا شعر على ذقنه، وقد يراد به الحسن بناء على الغالب،كُحْل: أي مكحول، وهو عين في أجفانها سواد خلقة [٣٣٥].
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (ص): «أهل الجنة جرد مرد كحل، لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم»[٣٣٦].
وأما أخلاق أهل الجنة فتتمثل في محبة بعضهم بعضاً كما وصفهم الله تعالى في قوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾[٣٣٧].
وقال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾[٣٣٨]. أي: «وأذهبنا من صدور هؤلاء الذين وصف صفتهم، وأخبر أنهم أصحاب الجنة، ما فيها من حقد وغلّ وعداوة كان من بعضهم في الدنيا على بعض، فجعلهم في الجنة إذا أدخلهموها على سرر متقابلين، لا يحسد بعضهم بعضاً على شيء خصّ الله به بعضهم وفضّله من كرامته عليه» [٣٣٩].
والمتأمل في الأدلة الماضية يرى أن أهل الجنة يدخلون الجنة على صور مختلفة، فمنهم من يكون على صورة القمر ليلة البدر، ومنهم من يكون على أشد كوكب دري إضاءة في السماء، وفي هذا دليل على تفاوت درجاتهم على قدر أعمالهم في الحياة الدنيا، وأزواجهم الحور العين، وقلوبهم مجتمعة على قلب واحد، منزوع منها الحقد والعداوة، وصورهم على صورة آدم (ع) ستون ذراعاً في السماء، أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين سنة، وهم جرد مرد كحل، لا تبلى ثيابهم، ولا يموتون.[٣٤٠]
رؤية الله تعالى
أخبر الله تعالى في آياته الكريمة برؤية أهل الجنة له في الآخرة، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾[٣٤١]. أي: فوجوه المؤمنين المخلصين حين تقوم القيامة مضيئة مشرقة، تشاهد عليها نضرة النعيم، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، أي: تنظر إلى ربها عياناً بلا حجاب [٣٤٢].
وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾[٣٤٣]. أي: للذين أحسنوا عبادة الله في الدنيا من خلقه، فأطاعوه فيما أمر ونهى، أو أن للذين أحسنوا أعمالهم في الدنيا المثوبة الحسنى أي: التي تزيد في الحسن على إحسانهم، وهي مضاعفتها بعشرة أمثالها أو أكثر، وجاء هذا المعنى في قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾[٣٤٤]. أي: ولهم زيادة على هذه الحسنى فوق ما يستحقون على أعمالهم بعد مضاعفتها [٣٤٥].
وقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم عن أبي بكر الصديق، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وأبو موسى وعبادة بن الصامت، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن سابط، ومجاهد، وعكرمة، وعامر بن سعد، وعطاء، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم من السلف والخلف [٣٤٦].
لذلك قال ابن القيم: «فلما نقلت رؤية الله سبحانه وتعالى بالأبصار في الآخرة عنهم ولم ينقل عنهم في ذلك اختلاف كما نقل عنهم فيها اختلاف في الدنيا؛ علمنا أنهم كانوا على القول برؤية الله بالأبصار في الآخرة متفقين ومجتمعين» [٣٤٧].
وورد عن النبي (ص) قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾[٣٤٨]» [٣٤٩].
ودلالة الآيات المتقدمة أن الرؤية خاصة بالمؤمنين دون غيرهم من الكفار والمنافقين لذلك قال تعالى في شأن الكافرين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾[٣٥٠].
وثبت جواز رؤية المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث، منها ما صح عن أبي هريرة قال: أن ناساً قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: (هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟)، قالوا: لا يا رسول الله، قال: (فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟) قالوا: لا، قال: (فإنكم ترونه كذلك..) [٣٥١].
وفي الحديث: دلالة على رؤية المؤمنين ربهم عز وجل في الدار الآخرة، رؤية بالأبصار في عرصات القيامة، وفي روضات الجنان الفاخرة.
ويتضح مما تقدم: أن أفضل ما يعطاه أهل الجنة يوم القيامة رؤية الله تعالى وهو أعلى نعيم أهل الجنة، وأنها الزيادة التي وعد الله تبارك وتعالى بها المؤمنين من أهل الجنة وبشرهم بها، وهي واقعة لهم دون الكافرين كما ثبت بالكتاب والسنة.[٣٥٢]
الأسباب الموجبة لدخول الجنة
إن دخول الجنة فوز عظيم لا يمكن أن ينال بالأعمال الصالحة فقط، وإنما ينال برحمة الله تعالى على عباده المؤمنين وفضله، لا من حيث الواجب لأنه لا واجب على الله تعالى، ويؤكد ذلك قوله (ص): (ما من أحد يدخله عمله الجنة) فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني ربي برحمة) [٣٥٣].
ولا يتعارض هذا مع الأخذ بالأسباب لقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[٣٥٤].
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[٣٥٥].
لذلك لا بد لدخول الجنة من أعمال صالحة.
وتتفاوت درجات الجنة بحسب الأعمال، ويتنافس العباد في ذلك على قدر سعيهم وهمتهم للوصول إلى جنات الخلد، وتحدث القرآن الكريم عن ذلك في آيات كثيرة، وهذا ما سوف نوضحه من خلال النقاط الآتية:
الإيمان والعمل الصالح
إن دوام الإيمان والعمل الصالح سبب لدخول الجنة، والله قدر لعبده المؤمن وجوب الجنة بما ييسره له من ذلك وبشره بها كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[٣٥٦]. أي: «وأما الذين صدقوا الله ورسله، وآمنوا باليوم الآخر، وعملوا صالح الأعمال فأدّوا الواجبات، وانتهوا عن المعاصي فأولئك جديرون بدخول الجنة جزاء وفاقاً على إخباتهم لربهم وإنابتهم إليه وإخلاصهم له في السرّ والعلن، وفي هذا دليل على أن دخول الجنة منوط بالإيمان الصحيح والعمل الصالح معاً» [٣٥٧].
كما روي (أن النبي (ص) قال لسفيان بن عبد الله الثقفي، وقد قال له يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك، قال: قل آمنت بالله، ثم استقم) [٣٥٨].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾[٣٥٩]. أي: إن الذين صدقوا الله ورسوله، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وذلك العمل بطاعة الله والانتهاء إلى أمره، ﴿يَهْدِيهِمْ﴾، يرشدهم ربهم بإيمانهم به إلى الجنة [٣٦٠].
وقوله تعالى: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾، فيه وجوه منها:
- أنه تعالى يهديهم إلى الجنة ثواباً لهم على إيمانهم وأعمالهم الصالحة، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾[٣٦١].
- إنّ المؤمنين يكون لهم نور يمشي بهم إلى الجنة، والثالث: أنه وصفهم بالهداية على طريق المدح لهم [٣٦٢].
قال الإمام الرازي: فإن قيل: كيف يقال: إن العبد يحكم بكونه من أهل الجنة بمجرد الإيمان، والله سبحانه وتعالى شرط لذلك العمل الصالح بظاهر قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾[٣٦٣].
وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾[٣٦٤].
وإلا لما كان للتقييد فائدة؟ قلنا: إن المراد بالعمل الصالح الإخلاص في الايمان، وقيل الثبات عليه إلى الموت، وكلاهما شرط في كون الإيمان سبباً لدخول الجنة [٣٦٥].
ويتضح مما تقدم: أن الإيمان والعمل الصالح من أسباب دخول الجنة، فبعض الآيات الكريمة تربط بين الإيمان والعمل الصالح وبين دخول الجنة، فكانت لهم جنات النعيم.[٣٦٦]
طاعة الله تعالى ورسوله (ص)
إن من موجبات دخول الجنة طاعة الله تعالى ورسوله الكريم (ص) لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾[٣٦٧].
«وطاعة الله: هي ما شرعه من الدين على لسان رسوله (ص)، وطاعة الرسول: هي اتباع ما جاء به من الدين عن ربه، فطاعته هي بعينها طاعة الله، كما قال في هذه السورة: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾[٣٦٨].
فهو إنما يأمرنا بما يوحيه إليه الله بما فيه منافع لنا في الدنيا والآخرة، وإنما ذكرها مع طاعة الله للإشارة إلى أن الإنسان لا يستغني بعقله وعلمه عن الوحي، وأنه لا بد له من هداية الدين؛ إذ لم يكن العقل وحده في عصر من العصور كافياً لهداية أمة ولا مرقِّياً لها بدون معونة الدين، فاتباع الرسل والعمل بهديهم هو أساس كل مدنية، والارتقاء المعنوي هو الذي يبعث على الارتقاء المادي، فالآداب والفضائل التي هي أسس المدنيات تستند كلها إلى الدين، ولا يكفي فيها بناؤها على العلم والعقل» [٣٦٩].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾[٣٧٠]. أي: «من عمل بما أمره الله ورسوله، وترك ما نهاه الله عنه ورسوله، فإن الله عز وجل يسكنه دار كرامته، ويجعله مرافقاً للأنبياء ثم لمن بعدهم في الرتبة، وهم الصديقون، ثم الشهداء، ثم عموم المؤمنين وهم الصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم، ثم أثنى عليهم تعالى فقال: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾» [٣٧١].
وعلى ذلك يترتب على طاعة الله تعالى ورسوله (ص) دخول الجنة والخلود فيها، كما يترتب على معصية الله تعالى ورسوله (ص) دخول النار والعذاب المهين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾[٣٧٢].[٣٧٣]
التقوى
إن التقوى سبب من أسباب دخول الجنة وشرط لحصول الرحمة من الله تعالى لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[٣٧٤].
فالمتقين هم أحق الناس بالجنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾[٣٧٥]. أي: «إن للمتقين في الآخرة جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص، لا يشوبه ما ينغصه كما يشوب جنات الدنيا» [٣٧٦].
وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِياً﴾[٣٧٧].
قال ابن كثير: «أي هذه الجنة التي وصفنا بهذه الصفات العظيمة هي التي نورثها عبادنا المتقين، وهم المطيعون لله عز وجل في السراء والضراء، والكاظمون الغيظ والعافون عن الناس، وكما قال تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[٣٧٨]. [٣٧٩]
وتصف الآيات الكريمة كيف يدخل المتقين إلى الجنة وفداً كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً﴾[٣٨٠]. «أي اليوم الذي يجتمع فيه من اتقى الله في الدنيا بطاعته إلى جنته وفداً أي جماعات، قال ابن عباس: ركباناً، وقال أبو هريرة: على الإبل، وقال علي بن أبي طالب: ما يحشرون-والله- على أرجلهم، ولكن على نوقٍ، رحالها من الذهب، ونجائب، سروجها يواقيت، إن هموا بها سارت، وإن هموا بها طارت» [٣٨١].
ويقرب الله تعالى إليهم الجنة إكراماً لهم كما قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾[٣٨٢]. أي: وأدنيت الجنة وقرّبت للذين اتقوا ربهم، فخافوا عقوبته بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، ثم قال عز وجل: غير بعيد أي ينظرون إليها قبل دخولها، ويقال غير بعيد، يعني: دخولهم غير بعيد [٣٨٣].
ثم يصف الله تعالى في آياته الكريمة ما أعده لعباده المتقين من نعيم وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً وَكَأْساً دِهَاقاً لّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا كِذَّاباً جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَاباً﴾[٣٨٤].
وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾[٣٨٥].
ويشير النبي (ص) إلى منزلة التقوى وأن محلها القلوب بقوله (ص): «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا» ويشير إلى صدره ثلاث مرات [٣٨٦].
ومما تقدم يتبين أن التقوى سبب من أسباب دخول الجنة وشرط لحصول الرحمة، ولا يمكن أن يكون المؤمن تقياً إلا إذا اتبع أوامر الله تعالى واجتنب كل نواهيه، عندها ينال رحمة الله تعالى الموجبة لدخول الجنة.[٣٨٧]
الاستقامة على دين الله
إن من استقام على دين الله فإن الملائكة تنزل عليه وتبشره بالجنة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾[٣٨٨].
وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[٣٨٩].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾، اعترافاً بربوبيته وإقراراً بوحدانيته، ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ في العمل وثمّ لتراخيه عن الإقرار في الرتبة من حيث أنه مبدأ الاستقامة، أو لأنها عسر قلما تتبع الإقرار، وما روي عن الخلفاء الراشدين في معنى الاستقامة من الثبات على الإيمان وإخلاص العمل وأداء الفرائض فجزئياتها، ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ فيما يعن لهم بما يشرح صدورهم ويدفع عنهم الخوف والحزن، أو عند الموت، أو الخروج من القبر، ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾ ما تقدمون عليه. ولا تحزنوا على ما خلفتم، ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ في الدنيا على لسان الرسل [٣٩٠].
وعلى ذلك فالاستقامة على دين الله تعالى تعني: الالتزام بطاعته والائتمار بأوامره والبعد عن معصيته، وهي سبب من أسباب دخول الجنة والنجاة من عذاب الله تعالى وغضبه في الآخرة، فمن استقام على دين الله تعالى نجى وفاز بالجنة، وللاستقامة أسباب منها: الصبر، وإقامة الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك.[٣٩١]
الإحسان في العبادة
إن الإحسان هو مراقبة الله تعالى في العبادة، وأن يعبد المرء الله تعالى كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله تعالى يراه، وعظم الله تعالى ثواب أهل الإحسان، فقال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾[٣٩٢].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾[٣٩٣].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾[٣٩٤].
وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾[٣٩٥].
والإحسان من أفضل مراتب العبودية وكمالها لذلك قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾[٣٩٦]. أي: «ما جزاء من أحسن في الدنيا بطاعة الله تعالى إلا الإحسان إليه في الآخرة بالجنة ونعيمها» [٣٩٧].
وفسره النبي (ص) في حديث سؤال جبريل لما قال له: (فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) [٣٩٨].
قال القاضي عياض: «وقوله: (ما الإحسان)، وفسره فى الحديث بما معناه الإخلاص ومراقبة الله فى السر والإعلان، وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة، من عقود الإيمان، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه» [٣٩٩].
وإن من موجبات دخول الجنة أن يكون المؤمن محسناً لذلك وصف الله تعالى المحسنين بقوله تعالى: ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾[٤٠٠].
«أي إنهم كانوا فى دار الدنيا يفعلون صالح الأعمال، خشية من ربهم وطلباً لرضاه، ومن ثم نالوا هذا الفوز العظيم، والمكرمة التي فاقت ما كانوا يؤملون ويرجون» [٤٠١].
ثم فصل ما أحسنوا فيه فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾، أي كانوا ينامون القليل من الليل ويتهجدون في معظمه، قال ابن عباس: ما تأتى عليهم ليلة ينامون حتى يصبحوا؛ إلا يصلون فيها شيئاً إما من أولها أو من وسطها، وقال الحسن البصري: كابدوا قيام الليل، فلا ينامون من الليل إلا أقله، وربما نشطوا فجدّوا إلى السحر. وعن أنس قال: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء، (گ گ گ)، أي فهم يحيون الليل متهجدين، فإذا أسحروا أخذوا فى الاستغفار، كأنهم أسلفوا فى ليلهم الجرائم، ولما ذكر أنهم يقيمون الصلاة ثنى بوصفهم بأداء الزكاة والبر بالفقراء فقال: (ڳ ڳ ڳ ڱ ڱ)، أي وجعلوا فى أموالهم جزءاً معيناً ميزوه وعزلوه للطالب المحتاج، والمتعفف الذي لا يجد ما يغنيه، ولا يسأل الناس، ولا يفطنون إليه ليتصدقوا عليه[٤٠٢].[٤٠٣]
الجهاد في سبيل الله تعالى
جعل الله تعالى الجنة ثمناً لمن جاهد في سبيله بنفسه وأمواله جزاءً له على إيمانه وإخلاصه في طاعة الله ورسوله؛ لذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾[٤٠٤].
قال ابن كثير: «يخبر تعالى أنه عاوض عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذ بذلوها في سبيله بالجنة، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه، فإنه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به على عباده المطيعين له؛ ولهذا قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم والله فأغلى ثمنهم» [٤٠٥].
وفي الآية: ترغيب للمؤمنين في الجهاد ببيان حال المتخلفين عنه، ولا ترى ترغيباً في الجهاد أحسن ولا أبلغ مما في هذه الآية لأنه أبرز في صورة عقد، عاقده رب العزة جل جلاله، وثمنه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولم يجعل المعقود عليه كونهم مقتولين فقط، بل كونهم قاتلين أيضاً لإعلاء كلمة الله تعالى ونصرة دينه سبحانه، وجعله مسجلاً في الكتب السماوية، وناهيك به من صك، وجعل وعده حقاً ولا أحد أوفى من واعده، فنسيئته أقوى من نقد غيره، وأشار إلى ما فيه من الرحب والفوز العظيم، وهو استعارة تمثيلة، صور جهاد المؤمنين وبذل أموالهم وأنفسهم فيه وإثابة الله تعالى لهم على ذلك الجنة بالبيع والشراء، وأتى بقوله سبحانه: يقاتلون إلخ بيانا لمكان التسليم وهو المعركة، وإليه الإشارة بقوله(ص): «الجنة تحت ظلال السيوف»[٤٠٦].
قال الجصاص: «أطلق الشرى فيه على طريق المجاز؛ لأن المشتري في الحقيقة هو الذي يشترى مالا يملك، والله تعالى مالك أنفسنا وأموالنا ولكنه كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾[٤٠٧].
فسماه شرى كما سمى الصدقة قرضاً لضمان الثواب فيهما به، فأجرى لفظه مجرى ما لا يملكه العامل فيه استدعاء إليه وترغيباً فيه» [٤٠٨].
وتصور الآية الكريمة كل أطراف البيع والشراء، والبائع والمشتري، والثمن، فالبائع هو المؤمن، والمشتري هو الله، والثمن الجنة، ومن رحمة الله أن جعل الله الإنسان مالكاً لنفسه وماله، يتصرف فيهما بحرية واختيار وإرادة، ليقبض الثمن وهو الجنة، وإن كان الله هو المالك الحقيقي للأنفس والأموال، ولكن القرآن الكريم يصوّر الإنسان مالكاً وبائعاً وقابضاً للثمن، لتكون الصورة ملائمة للواقع المنظور في الحياة، بدلاً من تصوير الغيب المستور [٤٠٩].
ويتبين مما مضى أن الجهاد في سبيل الله تعالى سبب من أسباب دخول الجنة، وأن من جاهد في سبيل الله تعالى فجزاؤه الجنة التي وعده الله تعالى بها؛ لأنه باع نفسه وماله ليقاتل في سبيل الله تعالى.[٤١٠]
الصبر على الابتلاء
إن طلب الجنة ودخولها لا يتم ولا يكمل إلا بالصبر على الابتلاء واحتمال الشدائد في التكليف وإقامة الحق؛ لذلك قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾[٤١١]. أي: أم حسبتم أنكم أيها المؤمنون بالله ورسله تدخلون الجنة، ولم يصبكم مثل ما أصاب من قبلكم من أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والاختبار، فتبتلوا بما ابتلوا واختبروا به من البأساء وهو شدة الحاجة والفاقة، والضراء وهي العلل والأوصاب، ولم تزلزلوا زلزالهم أي ولم يصبهم من أعدائهم من الخوف والرعب شدة وجهدٌ، حتى يستبطئ القوم نصر الله إياهم، فيقولون: متى الله ناصرنا؟ ثم أخبرهم الله أن نصره منهم قريبٌ، وأنه معليهم على عدوّهم، ومظهرهم عليه، فنجّز لهم ما وعدهم، وأعلى كلمتهم، وأطفأ نار حرب الذين كفروا [٤١٢].
وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾[٤١٣].
وقوله: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾}}: «يعني الصابرين عند البأس على ما ينالهم في ذات الله من جرح وألم ومكروه» [٤١٤]..
وتحث هذه الآيات الكريمة المؤمنين على الصبر عند الابتلاء، وتدعوهم إلى الثبات والتحمل بذكر قصص الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام والسابقين، وما يلقّى الأعمال الصالحة وجزاءها إلا أهل الصبر، قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾[٤١٥].
وبشر الله تعالى الصابرين بمضاعفة الأجر بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾[٤١٦].
وزاد على ذلك بأجر لا حد له بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾[٤١٧].
وورد الصبر في السنة أيضاً في أحاديث متعددة، منها: ما روي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله (ص) قال: «ولن تعطوا عطاء خيراً وأوسع من الصبر»[٤١٨].
وبشر النبي (ص) الذي يصبر على فقد عينيه بالجنة بقوله (ص): «إن الله تعالى قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه ثم صبر عوضته منهما الجنة»[٤١٩].
فالصبر عند الابتلاء سبب من أسباب دخول الجنة، فلا يمكن دخول الجنة إلا بالصبر على المكاره وعند الشدائد والمصائب، وحبس النفس عن الذنوب والمعاصي، والصبر على طاعة الله تعالى فكل ذلك يؤدي إلى الجنة.[٤٢٠]
الإخبات
ذكر الله تعالى في آياته الكريم صفة من صفات أهل الجنة وهي الإخبات فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[٤٢١].
أي إن الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا فى الدنيا الأعمال الصالحة، فأتوا بالطاعات وتركوا المنكرات، وخشعت نفوسهم واطمأنت إلى ربهم أولئك هم قطّان [٤٢٢] الجنة الذين لا يخرجون منها ولا يموتون، بل هم ما كثون فيها أبداً [٤٢٣].
وقوله تعالى: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: يعني خافوا ربهم، وهو قول ابن عباس، الثاني: يعني اطمأنوا، قاله مجاهد، الثالث: أنابوا، وهو قول قتادة، الرابع: خشعوا وتواضعوا لربهم، رواه معمر، الخامس: أخلصوا إلى ربهم، قاله مقاتل [٤٢٤].
وقال الراغب الاصفهاني: الخبت: المطمئن من الأرض، وأخبت الرّجل: قصد الخبت، أو نزله، نحو: أسهل وأنجد، ثمّ استعمل الإخبات استعمال اللّين والتّواضع، قال الله تعالى: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾[٤٢٥]. أي: المتواضعين، نحو: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾[٤٢٦].
وقوله تعالى: ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾[٤٢٧]، أي: تلين وتخشع٢٢١.
وعلى ذلك فمعنى الإخبات هو الاطمئنان والتواضع والخشوع والخضوع لله عز وجل في طاعته وعبادته والانقطاع إليه.
وقد بشر الله تعالى المخبتين من عباده ووصفهم بقوله عز وجل: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾[٤٢٨].
أي وبشر أيها الرسول الخاضعين لله بالطاعة، المذعنين له بالعبودية، المنيبين إليه بالتوبة، بما أعدّ لهم من جزيل ثوابه، وجليل عطائه، ثم بين سبحانه علاماتهم فقال:
- ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، أي إنهم إذا ذكر الله عرتهم رهبة من خشيته، وخوف من عقابه.
- ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾، من النوائب والمحن فى طاعة الله.
- ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾، أي والمؤدين حقه تعالى فيما أوجبه عليهم من فريضة الصلاة فى الأوقات التي حددها لهم.
- ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾، أي وينفقون بعض ما آتاهم الله من طيب الرزق فى وجوه البر وعلى أهليهم وأقاربهم وعلى الخلق كافة، ومن ذلك إهداء الهدايا التي يغالون فى أثمانها [٤٢٩].
وكل هذا من آثار الإخبات على نفوس المؤمنين حيث وجلت قلوبهم لذكر الله تعالى، والصبر على أقداره، والإخلاص في عبوديته، والإحسان إلى خلقه، كما مضى في الآية الكريمة.[٤٣٠]
من حرّم عليه الجنة
لقد ذكر القرآن الكريم الذين يدخلون الجنة وصفاتهم، وكذلك ذكر أن هناك أصنافاً حرمت من الجنة وهم كثير، وجاءت النصوص بشأنهم من الكتاب والسنة، منها ما يأتي:
إبليس
وهو اسم أعجمي، وقيل عربى واشتقاقه من الإبلاس؛ لأن الله تعالى أبلسه من رحمته، وآيسه من مغفرته [٤٣١]، وهو أول من حرم من الجنة وطرد منها ولا يمكن له أبداً دخولها، وسبب حرمانه منها، عصيانه لأمر الله تعالى حين أمره بالسجود لآدم فأبى واستكبر، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾[٤٣٢]. أي: «امتنع عما أمر به، استكباراً من أن يتخذه وصلة في عبادة ربه، أو يعظمه ويتلقاه بالتحية، أو يخدمه ويسعى فيما فيه خيره وصلاحه» [٤٣٣].
فأمر الله تعالى إبليس بأن يهبط من الجنة إلى الأرض في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾[٤٣٤].
لعصيانه أمر ربه، وخروجه عن طاعته، فما ينبغي له أن يتكبر فيها ثم أمره تعالى بالخروج من الجنة ذليلاً حقيراً كما قال تعالى: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾[٤٣٥].[٤٣٦]
الكافرون
وهم الذين حرموا من الجنة بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[٤٣٧].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾[٤٣٨]. أي: «الذين جحدوا نبوة محمد (ص) وكذبوا به وبما جاءهم به من عند الله لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً، يعني: لن تدفع أمواله التي جمعها في الدنيا، وأولاده الذين ربّاهم فيها، شيئاً من عقوبة الله يوم القيامة إن أخرها لهم إلى يوم القيامة، ولا في الدنيا إن عجّلها لهم فيها» [٤٣٩].
وهذا وعيدٌ من الله تعالى للأمم الأخرى الفاسقة من أهل الكتاب، الذين أخبر عنهم بأنهم فاسقون، وأنهم قد باؤوا بغضب منه، ولمن كان من نظرائهم من أهل الكفر بالله ورسوله وما جاء به محمد (ص) من عند الله.[٤٤٠]
المبتغون غير الإسلام ديناً
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[٤٤١]. أي: ومن يطلب ديناً غير دين الإسلام ليدين به، فلن يقبل الله منه وهو في الآخرة من الخاسرين، أي: من الباخسين أنفسهم حظوظها من رحمة الله عز وجل، بإبطال الفطرة السليمة التى فطر الناس عليها، وترك منزله في الجنة، واختار منزله في النار [٤٤٢].[٤٤٣]
المنافقون
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾[٤٤٤].
«أي وعد الله هؤلاء جميعاً نار جهنم يصلونها ماكثين فيها أبداً، وقدم المنافقين في الوعيد على الكفار للإيذان بأنهم وإن أظهروا الإيمان وعملوا أعمال الإسلام شر من الكفار، ولا سيما المتدينين منهم بأديان محرّفة أو منسوخة كأهل الكتاب» [٤٤٥].
وقال تعالى: ﴿شِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾[٤٤٦].
وبعد ما وعدهم الله تعالى بنار جهنم وبشرهم بالعذاب الأليم بين الله تعالى مكانهم من تلك النار فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾[٤٤٧]. أي: «في الطّبق الأسفل من أطباق جهنم» [٤٤٨].
قال الزمخشري: «الدرك الأسفل: الطبق الذي في قعر جهنم، والنار سبع دركات، سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض، فإن قلت: لم كان المنافق أشد عذابا من الكافر؟ قلت: لأنه مثله في الكفر، وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله ومداجاتهم»[٤٤٩].[٤٥٠]
أكلة أموال اليتامى
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾[٤٥١].
قال الإمام الرازي: «إنه تعالى أكد الوعيد في أكل مال اليتيم ظلماً، وقد كثر الوعيد في هذه الآيات مرة بعد أخرى على من يفعل ذلك، كقوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾[٤٥٢].
﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾[٤٥٣].
ثم ذكر بعدها هذه الآية مفردة في وعيد من يأكل أموالهم، وذلك كله رحمة من الله تعالى باليتامى؛ لأنهم لكمال ضعفهم وعجزهم استحقوا من الله مزيد العناية والكرامة، وما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته وكثرة عفوه وفضله، لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى بلغت عناية الله بهم إلى الغاية القصوى» [٤٥٤].[٤٥٥]
المتكبرون
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[٤٥٦]. أي: «إن الذين كذبوا بآياتنا المنزلة على أحد من رسلنا واستكبروا عن اتباع من جاء بها حسداً له على الرياسة وتفضيلاً لأنفسهم عليه، أو لقومهم على قومه فأولئك أصحاب النار يخلدون فيها أبداً» [٤٥٧].
وإنما ذكر الاستكبار؛ لأن كل مكذب وكل كافر مستكبر، إنما كذب وكفر تكبراً، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾[٤٥٨]. أي: استكبروا عن الإقرار بالوحدانية أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [٤٥٩].
والاستكبار في الآية الكريمة عن قبول الآيات ورفضها كبراً وعناداً لمن جاء بها كما حدث من رؤساء قريش حين استكبروا أن يكون النبي محمد (ص) إماماً لهم، إذ رأوا أنفسهم أحق بالرياسة منه، لأنهم أكثر منه مالاً وأعز نفراً.
وجاء في الحديث الصحيح عن حارثة بن وهب الخزاعي، قال: سمعت النبي (ص) يقول: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار: كل عُتُلٍّ، جَوَّاظٍ مستكبر»، وفي رواية لمسلم: (كل جواظ زنيم متكبر) [٤٦٠].
قال الإمام النووي: أما العتل: فهو الجافي الشديد الخصومة بالباطل، وقيل الجافي الفظ الغليظ، وأما الجوّاظ: فهو الجموع المنوع، وقيل: كثير اللحم المختال في مشيته، وقيل: القصير البطين، وقيل: الفاخر، وأما الزنيم فهو الدعي في النسب الملصق بالقوم وليس منهم، شبه بزنمة الشاة، وأما المتكبر والمستكبر فهو صاحب الكبر وهو بطر الحق وغمط الناس [٤٦١].
والمتأمل في القرآن الكريم والسنة والنبوية يجد كثيراً من أصناف الناس من حرم الجنة، وما ذكرناه ما هو إلا بعضاً منها، والنصوص كثيرة في صفات أهل النار، وقد ذكر القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة أشخاصاً بأعيانهم في النار، منهم على وجه الإيجاز: قارون وفرعون وهامان، وامرأة نوح وامرأة لوط عليهما الصلاة والسلام، وأبو لهب وامرأته، وغيرهم.[٤٦٢]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ انظر: الصحاح، الجوهري، ٥/٢٠٩٤، مقاييس اللغة، ابن فارس، ١/ ٤٢١، لسان العرب، ابن منظور، ١٣/١٠٠، القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص١١٨٧.
- ↑ المفردات، الراغب الأصفهاني، ١/٢٠٤.
- ↑ سورة سبأ، الآية ١٥.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ حادي الأرواح، ابن القيم ١/٩٤.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص ١٧٩- ١٨٢.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٣٥.
- ↑ سورة الكهف، الآية ٣٣.
- ↑ سورة التوبة، الآية ٧٢.
- ↑ انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ١٥٣.
- ↑ سورة القلم، الآية ١٧.
- ↑ سورة الشعراء، الآية ٩٠.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ مقاييس اللغة، ابن فارس ٥/٣٦٨.
- ↑ الجنة والنار، عمر الأشقر ص١١.
- ↑ رسالة في أسس العقيدة، محمد السعوي ص٧٤.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ سورة النساء، الآية ٥٧.
- ↑ سورة السجدة، الآية ١٧.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: (يريدون أن يبدلوا كلام الله)، ٩/١٤٤، رقم ٧٤٩٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ٤/٢١٧٤، رقم ٢٨٢٤.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم)، ٤/١٦٥، رقم ٣٤٣٥.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله (ص)، ٩/٩٢، رقم ٧٢٨٠
- ↑ سورة النساء، الآية ٥٧.
- ↑ سورة الكهف، الآية ١٠٧-١٠٨.
- ↑ أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، ٨/١١٣، رقم ٦٥٤٨.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في دوام نعيم أهل الجنة، ٤/١٢٨١، رقم ٢٨٣٦.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٤٣.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في دوام نعيم أهل الجنة، رقم ٢٨٣٧، ٤/٢١٨٢.
- ↑ سورة الحديد، الآية ٢١.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، ٧/١٢١، رقم ٥٦٧٣.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ سورة البقرة، الآية ٣١.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١/٢٣٣.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٣٥.
- ↑ مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/٤٥١.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٥٧.
- ↑ مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/٤٥١.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٦١.
- ↑ مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/٤٥٢.
- ↑ سورة طه، الآية ١٢٠.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٢٠.
- ↑ سورة الحجر، الآية ٤٨.
- ↑ سورة الرعد، الآية ٣٥.
- ↑ سورة هود، الآية ١٠٨.
- ↑ سورة هود، الآية ١٠٨.
- ↑ سورة القصص، الآية ٨٨.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٣٥.
- ↑ مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/٤٥٢.
- ↑ المحرر الوجيز، ابن عطية، ١/١٢٦.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٣٨.
- ↑ مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/٤٥٢.
- ↑ مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/٤٥٢.
- ↑ مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/٤٥٢.
- ↑ انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٧/٩٦.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري، ١٢/١١٤، مفاتيح الغيب، الرازي، ١٣/١٤٦.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٢٧.
- ↑ انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣/٣٣٨.
- ↑ سورة يونس، الآية ٢٥.
- ↑ سورة الواقعة، الآية ٢٦.
- ↑ مدارك التنزيل، النسفي، ٢/١٧.
- ↑ تفسير عبد الرزاق، ٢/١٧٣.
- ↑ انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/٩٨، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الحنبلي ١٤/٤٩١.
- ↑ سورة الفرقان، الآية ١٥.
- ↑ تفسير المراغي، ١٨/١٥٨.
- ↑ سورة فاطر، الآية ٣٥.
- ↑ انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٦/٢٤١.
- ↑ انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/٥٥٢.
- ↑ التبيان في تفسير غريب القرآن، ابن الهائم، ١/١٨٣.
- ↑ انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٣/١٣١.
- ↑ أنوار التنزيل، البيضاوي، ٣/١٨٦.
- ↑ سورة الرعد، الآية ٢٣.
- ↑ سورة النحل، الآية ٣١.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/٥٥١.
- ↑ انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٣/١٣١
- ↑ النكت والعيون، الماوردي، ٢/٣٨١.
- ↑ النكت والعيون، الماوردي، ٢/٣٨١.
- ↑ سورة الشعراء، الآية ١٩٥.
- ↑ سورة العنكبوت، الآية ٦٤.
- ↑ انظر: الكشاف، الزمخشري، ٣/ ٤٦٣، أنوار التنزيل، البيضاوي، ٤/١٩٩.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ٣٠.
- ↑ المفردات ١/٢٦٩.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٠٢.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/٢٩٤.
- ↑ انظر: مدارك التنزيل، النسفي، ٣/١٠، روح المعاني، الألوسي، ١١/١٣١.
- ↑ سورة السجدة، الآية ١٩.
- ↑ سورة النجم، الآية ١٥.
- ↑ سورة النازعات، الآية ٤١.
- ↑ روح المعاني، الألوسي، ١١/١٣١.
- ↑ سورة السجدة، الآية ١٩.
- ↑ معترك الأقران، السيوطي، ٣/٣٥١.
- ↑ سورة الكهف، الآية ١٠٧.
- ↑ سورة المؤمنون، الآية ١١.
- ↑ انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣/٣٤٨.
- ↑ انظر: زاد المسير في علم التفسير، ٣/١١٣.
- ↑ انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣/٣٤٨.
- ↑ انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣/٣٤٨.
- ↑ انظر: المعرب، الجواليقي، ص٢٨٨.
- ↑ انظر: التطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القرآن، عودة خليل أبو عودة، ص٤٠٥.
- ↑ انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣/٣٤٨، مفاتيح الغيب، الرازي، ٢١/٥٠٢، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١١/٦٨.
- ↑ انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣/٣٤٨.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري، ١٨/١٣١، النكت والعيون، الماوردي، ٣/٣٤٨، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١١/٦٨.
- ↑ انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣/٣٤٨.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري، ١٨/١٣١، زاد المسير في علم التفسير، ٣/١١٣، مفاتيح الغيب، الرازي، ٢١/٥٠٢.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب (وكان عرشه على الماء)، ٩/١٢٥، رقم ٧٤٢٣.
- ↑ انظر: حادي الأرواح، ١/٩٤.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ سورة طه، الآية ٧٥.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٢٨.
- ↑ سورة النساء، الآية ٣٤.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٤.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٦٣.
- ↑ انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣١١.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٦٣.
- ↑ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٤/٢٦٣.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ٢١.
- ↑ مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٠/٣١٩.
- ↑ سورة الرحمن، الآية ٤٦.
- ↑ سورة الرحمن، الآية ٦٢.
- ↑ سورة المؤمنون، الآية ١٠-١١.
- ↑ أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب درجات المجاهدين في سبيل الله، ٤/١٦، رقم ٢٧٩٠.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، ٤/١١٩، رقم ٣٢٥٦.
- ↑ انظر: إكمال المعلم، القاضي عياض، ٦/٣٠٤.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٥٣.
- ↑ الكشاف، الزمخشري، ١/ ٢٩٧.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه، ثم يصلي على النبي (ص) ثم يسأل له الوسيلة، ١/٢٨٨، رقم ٣٨٤.
- ↑ انظر: فيض القدير، المناوي، ٤/١٠٨.
- ↑ سورة السجدة، الآية ١٧.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، ١/١٧٦، رقم ١٨٩.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ سورة يوسف، الآية ٢٥.
- ↑ سورة يوسف، الآية ٦٧.
- ↑ المفردات ص١٥٠.
- ↑ سورة الزمر، الآية ٧٣.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ٧/١١٩.
- ↑ سورة ص، الآية ٥٠.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ٧/٧٧.
- ↑ انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٥/٢١٩.
- ↑ حادي الأرواح، ابن القيم ١/٥٤.
- ↑ أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة أبواب الجنة، ٤/١١٩، رقم ٣٢٥٧.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب الريان للصائمين، ٣/٢٥، رقم ١٨٩٧.
- ↑ قانون التأويل، أبو بكر بن العربي، ١/٥٤٩.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار، ١/٥٧، رقم ٢٨.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، ١/١٨٤، رقم ١٩٤.
- ↑ انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم، ٣/٦٩.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب في قول النبي (ص): «أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعا»، ١/١٨٨، رقم ١٩٧.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٥.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٣٦.
- ↑ سورة التوبة، الآية ١٠٠.
- ↑ حادي الارواح، ١/١٧٨.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٦.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٥١.
- ↑ حادي الارواح، ١/١٧٨.
- ↑ سورة محمد، الآية ١٥.
- ↑ انظر: البحر المديد، ابن عجيبة، ٥/٣٦٣.
- ↑ انظر: البحر المديد، ابن عجيبة، ٥/٣٦٣.
- ↑ وظيفة الصورة الفنية في القرآن، عبد السلام الراغب، ص٣٦٥.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأشربة، باب شرب اللبن، ٧/١٠٩، رقم ٥٦١٠.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب ما في الدنيا من أنهار الجنة، ٤/٢١٨٣، رقم ٢٨٣٩.
- ↑ مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري، ٩/٣٥٨٦.
- ↑ سورة محمد، الآية ١٥.
- ↑ البرهان، الزركشي، ٣/٣٣.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٢/١٦٧، تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٩/٢٧٢.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٥.
- ↑ انظر: لمسات بيانية، فاضل السامرائي ص٦٢٦.
- ↑ القرآن وإعجازه العلمي، محمد إسماعيل ص١١٧.
- ↑ سورة محمد، الآية ١٥.
- ↑ تفسير المراغي، ٢٦/٥٨.
- ↑ جامع البيان، الطبري، ٢٢/١٦٧.
- ↑ سورة محمد، الآية ١٥.
- ↑ تفسير المراغي، ٢٦/٥٨.
- ↑ النكت والعيون، الماوردي، ٥/٤٥٢.
- ↑ سورة محمد، الآية ١٥.
- ↑ النكت والعيون، الماوردي، ٥/٤٥٢.
- ↑ سورة الكوثر، الآية ١.
- ↑ انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٢/٣١٣.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب في الحوض، ٨/١٢٠، رقم ٦٥٨١.
- ↑ جامع البيان، الطبري ٢٤/٦٤٥.
- ↑ جامع البيان، الطبري، ٢٤/٦٤٦.
- ↑ انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٢/٣١٣.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٤/ ٦٤٨.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٤/ ٦٤٨.
- ↑ المفردات ص٧٠٣.
- ↑ فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، ٨/٧٣٢.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ سورة الحجر، الآية ٤٥.
- ↑ سورة المطففين، الآية ٢٧-٢٨.
- ↑ مفاتيح الغيب، الرازي، ٣١/٩٣.
- ↑ سورة المطففين، الآية ٢٨.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٨/٣٥٣.
- ↑ سورة الناس، الآية ٥-٦.
- ↑ تفسير المراغي، ٢٩/١٦٤.
- ↑ سورة الإنسان، الآية ٦.
- ↑ جامع البيان، الطبري، ٢٤/٩٤.
- ↑ سورة الإنسان، الآية ١٨.
- ↑ انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٦/١٧١.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٤/١٠٧.
- ↑ سورة الإنسان، الآية ١٨.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٤/١٠٩.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ سورة الفرقان، الآية ١٠.
- ↑ سورة التوبة، الآية ٧٢.
- ↑ سورة الزمر، الآية ٢٠.
- ↑ انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧/٩١.
- ↑ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٨/٢٠٤.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التعبير، باب القصر في المنام، ٩/٣٩، رقم ٧٠٢٤.
- ↑ سورة محمد، الآية ٦.
- ↑ جامع البيان، الطبري، ٢٢/١٦٠.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب القصاص يوم الجمعة، ٨/١١١، رقم ٦٥٣٥.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ سورة الطور، الآية ٢٠.
- ↑ سورة الواقعة، الآية ١٥.
- ↑ سورة الغاشية، الآية ١٣.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٣/٩٩، النكت والعيون، الثعلبي، ٩/١٢٧، مفاتيح الغيب، الرازي، ٣١/١٤٣.
- ↑ تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٩/٤٩٠.
- ↑ سورة الرحمن، الآية ٥٤.
- ↑ سورة الواقعة، الآية ٣٤.
- ↑ سورة الغاشية، الآية ١٥.
- ↑ التحرير والتنوير، ٣٠/٣٠٢.
- ↑ انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٨/٣٨٦.
- ↑ تفسير المراغي، ٣٠/١٣٥.
- ↑ سورة الكهف، الآية ٣١.
- ↑ انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٥/١٥٦، التحرير والتنوير، ١٥/٣١٤.
- ↑ انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢١/٤٦١، التحرير والتنوير، ١٥/٣١٤.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٥/١٥٦.
- ↑ سورة الإنسان، الآية ١٥.
- ↑ سورة الغاشية، الآية ١٤.
- ↑ تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ١٠/٣٦٦.
- ↑ جامع البيان، الطبري، ٢٤/٣٨٧.
- ↑ سورة الغاشية، الآية ١٦.
- ↑ انظر: المفردات، ص٣٧٩.
- ↑ انظر: تفسير القرآن العظيم، ٨/٣٨٦.
- ↑ سورة الرحمن، الآية ٧٦.
- ↑ انظر: المفردات، ص٥٤٤.
- ↑ التحرير والتنوير، ٢٧/٢٧٥.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٣/٨٥، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧/٥٠٩.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد ص٧٨٥.
- ↑ سورة الرحمن، الآية ٦٨.
- ↑ سورة الرحمن، الآية ١١.
- ↑ سورة النحل، الآية ٦.
- ↑ انظر: التحرير والتنوير، ٢٧/٢٤٢.
- ↑ سورة الرحمن، الآية ١١.
- ↑ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٧/١٥٦.
- ↑ انظر: تفسير المراغي، ٢٧/١٠٨
- ↑ انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد ص٣٩٩.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٩٩.
- ↑ سورة الرحمن، الآية ٦٨.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٣٨.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٩٨.
- ↑ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٧/١٨٥.
- ↑ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٧/١٨٦.
- ↑ انظر: تفسير السمعاني، ٥/٣٣٧.
- ↑ انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٩/٣٨٠.
- ↑ سورة الواقعة، الآية ٢٨.
- ↑ انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ٥/١٧٩، مدارك التنزيل، النسفي، ٣/٤٢٢.
- ↑ النكت والعيون، الماوردي، ٥/٤٥٣.
- ↑ سورة سبأ، الآية ١٦.
- ↑ سورة الواقعة، الآية ٢٨.
- ↑ المفردات، ص٤٠٣.
- ↑ سورة الواقعة، الآية ٣٠.
- ↑ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٧/٢٠٩.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٥.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري، ١/٣٦.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري، ١/٣٦.
- ↑ سورة الحاقة، الآية ٢٣.
- ↑ سورة الرحمن، الآية ٥٤.
- ↑ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٣/٦٢.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ سورة الطور، الآية ١٩.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٢/٤٦٦.
- ↑ سورة الحاقة، الآية ٢٤.
- ↑ مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٨/٢٠٦.
- ↑ اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٨/١٢٦.
- ↑ سورة الرعد، الآية ٣٥.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري، ١٦/٤٦٩.
- ↑ سورة مريم، الآية ٦٢.
- ↑ انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٧/٤٥٦٤.
- ↑ سورة الطور، الآية ٢٢.
- ↑ سورة الواقعة، الآية ٢٠-٢١.
- ↑ مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٨/٢١٠.
- ↑ انظر: روح المعاني، الألوسي، ١٤/١٣٧.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب في صفات الجنة وأهلها ٤/٢١٨٠، رقم ٢٨٣٥.
- ↑ سورة المطففين، الآية ٢٥-٢٧.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٤/٢٩٥، تفسير القرآن، السمعاني، ٦/١٨٣.
- ↑ انظر: المختارة الضياء المقدسي، ١٠/٣٠٠، حلية الأولياء، أبو نعيم الأصفهاني، ١/ ٣٤٣.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ سورة طه، الآية ١١٨.
- ↑ سورة الكهف، الآية ٣١.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري، ١٨/١٨.
- ↑ سورة الحج، الآية ٢٣.
- ↑ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٢/٢٩.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب اللباس، باب لبس الحرير وافتراشه للرجال، وقدر ما يجوز منه، ٧/١٥٠، رقم ٥٨٣٤.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في دوام نعيم أهل الجنة، ٤/٢١٨١، رقم ٢٨٣٦
- ↑ سورة الكهف، الآية ٣١.
- ↑ سورة الإنسان، الآية ٢١.
- ↑ انظر: روح المعاني، الألوسي، ٨/٢٥٨.
- ↑ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٠/٣٩٧.
- ↑ سورة فاطر، الآية ٣٣.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء، ١/٢١٩، رقم ٢٥٠.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ سورة الدخان، الآية ٥٤.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٢/٤٦٧، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٦/١٥٢.
- ↑ سورة الصافات، الآية ٤٨-٤٩.
- ↑ تفسير السمرقندي، ٣/١٤١.
- ↑ سورة الرحمن، الآية ٥٦-٥٨.
- ↑ سورة الرحمن، الآية ٧٢.
- ↑ تفسير المراغي، ٢٧/١٢٩.
- ↑ سورة الواقعة، الآية ٣٥-٣٧.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب الحور العين، وصفتهن يحار فيها الطرف، شديدة سواد العين، شديدة بياض العين، ٤/١٧، رقم ٢٧٩٦.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ سورة الرعد، الآية ٢٣.
- ↑ سورة الطور، الآية ٢١.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤/٤٥١.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٧٠.
- ↑ انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٧/٦٤٢.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٥.
- ↑ تفسير المراغي، ١/٦٩.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ سورة الواقعة، الآية ١٧-١٨.
- ↑ الهداية الى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ١١/٧٢٦٢.
- ↑ سورة الطور، الآية ٢٤.
- ↑ سورة الإنسان، الآية ١٩.
- ↑ انظر: مفاتيح الغيب، ٣٠/٧٥٣.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في سوق الجنة وما ينالون فيها من النعيم والجمال، ٤/٢١٧٨، رقم ٢٨٣٣.
- ↑ انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي ١٧/١٧١.
- ↑ سورة الطور، الآية ٢٥-٢٨.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر وصفاتهم وأزواجهم، ٤/٢١٧٩، رقم ٢٨٣٤.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في صفات الجنة وأهلها وتسبيحهم فيها بكرة وعشياً، ٤/٢١٨٠، رقم ٢٨٣٤.
- ↑ أخرجه أحمد في مسنده، ٣٦/٣٥٣، رقم ٢٢٠٢٤، والترمذي في سننه، أبواب صفة الجنة، باب ما جاء في سن أهل الجنة، ٤/٦٨٢، رقم ٢٥٤٥. قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب وبعض أصحاب قتادة رووا هذا عن قتادة، مرسلاً ولم يسندوه». وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢/١٣٤١، رقم ٨٠٧٢.
- ↑ انظر: مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري، ٩/٣٥٩٠.
- ↑ أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة ثياب أهل الجنة، ٤/٦٧٩، رقم ٢٥٣٩ . قال الترمذي: «هذا حديث غريب». وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١/٤٩٥، رقم ٢٥٢٥.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٤٣.
- ↑ سورة الحجر، الآية ٤٧.
- ↑ جامع البيان، الطبري، ١٢/٤٣٧.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ سورة القيامة، الآية ٢٢-٢٣.
- ↑ انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٨/٢٧٩، تفسير المراغي، ٢٨/١٥.
- ↑ سورة يونس، الآية ٢٦.
- ↑ سورة النجم، الآية ٣١.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري، ١٥/ ٦٢، تفسير المراغي، ١١/٩٥.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤/٢٦٢.
- ↑ حادي الأرواح، ١/٣٣٢.
- ↑ سورة يونس، الآية ٢٦.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى، ١/١٦٣، رقم ١٨١.
- ↑ سورة المطففين، الآية ١٥.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب فضل السجود، ١/١٦٠، رقم ٨٠٦.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى، ٤/٢١٦٩، رقم ٢٨١٦.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٧٢.
- ↑ سورة الأحقاف، الآية ١٤.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٨٢.
- ↑ تفسير المراغي، ١/١٥٤.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب جامع أوصاف الإسلام، ١/٦٥، رقم ٣٨.
- ↑ سورة يونس، الآية ٩.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري، ١٥/ ٢٧.
- ↑ سورة الحديد، الآية ١٢.
- ↑ انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٢/٤٢٤، مفاتيح الغيب، الرازي، ١٧/٢١٣.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٢٢.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٢٤.
- ↑ انظر: أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل، زين الدين الرازي، ص٨٦.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ سورة النساء، الآية ١٣.
- ↑ سورة النساء، الآية ٨٠.
- ↑ تفسير المراغي، ٤/٢٠٢.
- ↑ سورة النساء، الآية ٦٩.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢/٣٥٣.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٤.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ سورة يس، الآية ٤٥.
- ↑ سورة القلم، الآية ٣٤.
- ↑ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٨/٢٤٦.
- ↑ سورة مريم، الآية ٦٣.
- ↑ سورة المؤمنون، الآية ١-١١.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ٥/٢٤٨.
- ↑ سورة مريم، الآية ٨٥.
- ↑ لباب التأويل، الخازن، ٣/١٩٧.
- ↑ سورة ق، الآية ٣١.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٢/٣٦٣، تفسير السمرقندي، ٣/٣٣٧.
- ↑ سورة النبأ، الآية ٣١-٣٦.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٣٣.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم، وخذله، واحتقاره ودمه، وعرضه، وماله، ٤/١٩٨٦، رقم ٢٥٦٤.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ سورة فصلت، الآية ٣٠.
- ↑ سورة الأحقاف، الآية ١٤.
- ↑ انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ٥/٧١.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٩٥.
- ↑ سورة النحل، الآية ١٢٨.
- ↑ سورة لقمان، الآية ٢٢.
- ↑ سورة يونس، الآية ٢٦.
- ↑ سورة الرحمن، الآية ٦٠.
- ↑ الوجيز، الواحدي، ص١٠٥٦.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان والإسلام، رقم ٨، ١/٣٦.
- ↑ إكمال المعلم بفوائد مسلم، ١/٢٠٥.
- ↑ سورة الذاريات، الآية ١٦-١٩.
- ↑ تفسير المراغي، ٢٦/١٧٩.
- ↑ تفسير المراغي، ٢٦/١٧٩.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ سورة التوبة، الآية ١١١.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ٤/٢١٨.
- ↑ انظر: روح المعاني، الألوسي، ٦/٢٧.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٤٥.
- ↑ أحكام القرآن، الجصاص، ٢/٢٦٨.
- ↑ انظر: وظيفة الصورة الفنية في القرآن، ١/١١٣.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢١٤.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري، ٤/٢٨٨.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٤٢.
- ↑ جامع البيان، الطبري، ٧/٢٤٦
- ↑ سورة فصلت، الآية ٣٥.
- ↑ سورة القصص، الآية ٥٤.
- ↑ سورة الزمر، الآية ١٠.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب الصبر عن محارم الله تعالى، ٨/٩٩، رقم ٦٤٧٠.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المرضى، باب فضل من ذهب بصره، ٧/١١٦، رقم ٥٦٥٣.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ سورة هود، الآية ٢٣.
- ↑ قطن بالمكان يقطن: أي أقام به وتوطنه، فهو قاطن، والجمع قطان. انظر: الصحاح، الجوهري، ٦/٢١٨٢.
- ↑ تفسير المراغي، ١٢/٢٣.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري، ١٥/ ٢٨٩، ٢٩٠، النكت والعيون، الماوردي، ٢/٤٦٥.
- ↑ سورة الحج، الآية ٣٤.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٢٠٦.
- ↑ سورة الحج، الآية ٥٤.
- ↑ سورة الحج، الآية ٣٤-٣٥.
- ↑ انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢٧٢، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٢/٥٢١.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٦/١٠٣.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٣٤.
- ↑ أنوار التنزيل، البيضاوي، ١/٧١.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٣.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٨.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١١٦.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٦٨-١٦٩.
- ↑ جامع البيان، الطبري، ٧/١٣٣.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ سورة آل عمران، الآية ٨٥.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري، ٦/٥٧٠، تفسير السمرقندي، ١/٢٢٨، أنوار التنزيل، البيضاوي، ٢/٢٦.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ سورة التوبة، الآية ٦٨.
- ↑ تفسير المراغي، ١٠/١٥٧.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٣٨.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٤٥.
- ↑ جامع البيان، الطبري، ٩/٣٣٧.
- ↑ الكشاف، الزمخشري، ١/٥٨١.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ سورة النساء، الآية ١٠.
- ↑ سورة النساء، الآية ٢.
- ↑ سورة النساء، الآية ٩.
- ↑ مفاتيح الغيب، الرازي، ٩/٥٠٦.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٣٦.
- ↑ تفسير المراغي، ٨/١٤٦.
- ↑ سورة الصافات، الآية ٣٥.
- ↑ تفسير القرآن، السمعاني، ٢/١٧٩.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب الكبر، ٨/٢٠، رقم ٦٠٧١، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، ٤/٢١٩٠، رقم ٢٨٥٣.
- ↑ انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم ١٧/١٨٨.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)