الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الجنة عند أهل السنة»
لا يوجد ملخص تحرير
(←إبليس) |
لا ملخص تعديل |
||
| سطر ١: | سطر ١: | ||
{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = الجنة| عنوان المدخل | {{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = الجنة| عنوان المدخل = الجنة| المداخل ذات الصلة =[[الجنة عند أهل السنة]]| سؤال ذو صلة = }} | ||
==التعريف== | ==التعريف== | ||
===المعنى اللغوي=== | ===المعنى اللغوي=== | ||
الجنة في اللغة: من (جن) الجيم والنون أصل واحد، وهو الستر والتستر، جنّة مفرد وجمعها جنّات وجنان: وهي ما يصير إليه المسلمون في | '''[[الجنة]] في [[اللغة]]: ''' من ([[جن]]) الجيم والنون أصل واحد، وهو الستر والتستر، جنّة مفرد وجمعها جنّات وجنان: وهي ما يصير إليه [[المسلمون]] في [[الآخرة]]، وهو [[ثواب]] مستور عنهم اليوم، والجنة البستان؛ لأن الشجر بورقه يستر، والعرب تسمّي النخيل جنّةً، وتأتي من الاجتنان وهو الستر، لتكاثف أشجارها وتظليلها بالتفاف أغصانها، وسميت بالجنة وهي المرة الواحدة من مصدر جنّه جناً إذا ستره، فكأنها سترة واحدة؛ لشدة التفافها وإظلالها، والجنة: الحديقة ذات الشجر والنخل، وفيها تخصيص، ويقال للنخل وغيرها، ويقال: لا تكون الجنة في [[كلام]] [[العرب]] إلا وفيها نخل وعنب، فإن لم يكن فيها ذلك وكانت ذات شجر فهي حديقة وليست بجنة <ref>انظر: الصحاح، الجوهري، ٥/٢٠٩٤، مقاييس اللغة، ابن فارس، ١/ ٤٢١، لسان العرب، ابن منظور، ١٣/١٠٠، القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص١١٨٧.</ref>. | ||
وعرفها الراغب الأصفهاني بأنها: «كلّ بستان ذي شجر يستر بأشجاره | وعرفها [[الراغب الأصفهاني]] بأنها: «كلّ بستان ذي شجر يستر بأشجاره [[الأرض]]» <ref>المفردات، الراغب الأصفهاني، ١/٢٠٤.</ref>. | ||
وسميت البساتين والحدائق التي نراها في الأرض بالجنة لقوله تعالى: {{ نص قرآني |لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ }}<ref> | وسميت البساتين والحدائق التي نراها في الأرض بالجنة لقوله تعالى: {{نص قرآني|لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ}}<ref> سورة سبأ، الآية ١٥.</ref>. | ||
وعلى هذا فإن لفظ الجنة إذا جاء في القرآن الكريم | وعلى هذا فإن لفظ الجنة إذا جاء في [[القرآن الكريم]] مرتبطاً بالأرض أو مخصصاً بنخل أو فاكهة فيقصد به الحدائق والبساتين، وإن لم يوجد ما يخصصه فإنما يعني دار [[النعيم]] في الآخرة. | ||
ويتضح من المعنى اللغوي للجنة أنها المكان الواسع كثير الأشجار والنخيل ملتف الأغصان ويستر من بداخله، وهو المسمى بالبستان، وسميت الجنة جنةً لاستتار من دخل فيها عمن لم يدخل فيها. | ويتضح من المعنى اللغوي للجنة أنها المكان الواسع كثير الأشجار والنخيل ملتف الأغصان ويستر من بداخله، وهو المسمى بالبستان، وسميت الجنة جنةً لاستتار من دخل فيها عمن لم يدخل فيها.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | ||
===المعنى الاصطلاحي=== | ===المعنى الاصطلاحي=== | ||
'''الجنة في الاصطلاح: ''' «[[الاسم]] العام المتناول لتلك الدار وما اشتملت عليه من أنواع النعيم واللذة والبهجة والسرور وقرة الأعين» <ref>حادي الأرواح، ابن القيم ١/٩٤.</ref>. | |||
وقيل: هي دار [[الثواب]]، يدخلها [[المؤمنون]] ويخلدون فيها أبداً ليس فيها حر ولا برد ولا مرض ولا حاجة ولا [[موت]]، أعلاها وأفضلها [[الفردوس]]، وفوقها [[عرش]] [[الرحمن]]، ومنها تنفجر أنهار الجنة، فجنة المأوى، فجنة الخلد، فجنة النعيم، فجنة عدن، فدار [[السلام]]، فدار [[الجلال]]، وأبوابها الكبار ثمانية: باب الشهادتين، وباب [[الصلاة]]، وباب [[الصيام]]، وباب [[الزكاة]]، وباب [[الحج]]، وباب [[الأمر بالمعروف]] والنهي عن [[المنكر]]، وباب الصلة، وباب [[الجهاد]] في سبيل [[الله]]، ومن داخلها عشرة أبواب صغار، وهي سبع جنان متجاورة أوسطها وأفضلها [[الفردوس]]. | |||
ويتضح مما تقدم أن [[الجنة]] دار [[النعيم]] والثواب ادخره [[الله تعالى]] لعباده المؤمنين وأهل طاعته وهو مستور عنهم، جزاء لهم على إيمانهم [[الصادق]] وعملهم [[الصالح]]، وسميت بأسماء متعددة في [[القرآن]]، منها: [[جنة المأوى]]، وجنة عدن، ودار الخلد، والفردوس، ولها أبواب ثمانية.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | |||
ويتضح مما تقدم أن الجنة دار النعيم والثواب ادخره الله تعالى لعباده المؤمنين وأهل طاعته وهو مستور عنهم، جزاء لهم على إيمانهم الصادق وعملهم | |||
==الجنّة في الاستعمال القرآني== | ==الجنّة في الاستعمال القرآني== | ||
وردت مادة (جنن) في القرآن(٢٠١) مرة، منها (١٤٧) مرة للجنّة <ref>انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص ١٧٩- ١٨٢.</ref>. | وردت مادة (جنن) في القرآن(٢٠١) مرة، منها (١٤٧) مرة للجنّة <ref>انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص ١٧٩- ١٨٢.</ref>. | ||
والصيغ التي وردت هي: | والصيغ التي وردت هي: | ||
{| class="wikitable" | {|class="wikitable" | ||
|- | |- | ||
! الصيغة !! عدد المرات !! المثال | ! الصيغة !! عدد المرات !! المثال | ||
|- | |- | ||
| المفرد || | |المفرد||٧٠||{{نص قرآني|وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٣٥.</ref> | ||
|- | |- | ||
| المثنى || | |المثنى||٨||{{نص قرآني|كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً}}<ref> سورة الكهف، الآية ٣٣.</ref> | ||
|- | |- | ||
| الجمع || | |الجمع||٦٩||{{نص قرآني|وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}}<ref> سورة التوبة، الآية ٧٢.</ref> | ||
|} | |} | ||
وجاءت لفظة الجنّة في الاستعمال القرآني على وجهين <ref>انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ١٥٣.</ref>: | وجاءت لفظة الجنّة في الاستعمال القرآني على وجهين <ref>انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ١٥٣.</ref>: | ||
#'''البستان في الدنيا:''' ومنه قوله تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ}}<ref> | #'''البستان في [[الدنيا]]: ''' ومنه قوله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ}}<ref> سورة القلم، الآية ١٧.</ref>، أي: أصحاب البستان. | ||
#'''دار الثواب:''' ومنه قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ}}<ref> | #'''دار [[الثواب]]: ''' ومنه قوله تعالى: {{نص قرآني|وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ}}<ref> سورة الشعراء، الآية ٩٠.</ref>.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | ||
==الألفاظ ذات الصلة== | ==الألفاظ ذات الصلة== | ||
===النار=== | ===[[النار]]=== | ||
النار لغة: «النّون والواو والرّاء، أصلٌ صحيحٌ يدلّ على إضاءةٍ واضطرابٍ وقلّة ثباتٍ، ومنه النّور والنّار، سمّيا بذلك من طريقة الإضاءة؛ ولأنّ ذلك يكون | '''النار لغة: ''' «النّون والواو والرّاء، أصلٌ صحيحٌ يدلّ على إضاءةٍ واضطرابٍ وقلّة ثباتٍ، ومنه النّور والنّار، سمّيا بذلك من طريقة الإضاءة؛ ولأنّ ذلك يكون مضطرباً سريع [[الحركة]]» <ref>مقاييس اللغة، ابن فارس ٥/٣٦٨.</ref>. | ||
النار | '''النار اصطلاحاً: ''' «الدار التي أعدها الله للكافرين به، المتمردين على شرعه، المكذبين لرسله، وهي عذابه الذي يعذّب به أعداءه، وسجنه الذي يسجن فيه المجرمين، وهي الخزي الأكبر، والخسران [[العظيم]] الذي لا خزي فوقه، ولا خسران أعظم منه» <ref>الجنة والنار، عمر الأشقر ص١١.</ref>. | ||
وقيل: «هي دار العذاب والإهانة، أعدّها الله لأعدائه الكافرين الذين كفروا به وعصوا رسله» <ref>رسالة في أسس العقيدة، محمد السعوي ص٧٤.</ref>. | وقيل: «هي دار [[العذاب]] والإهانة، أعدّها الله لأعدائه الكافرين الذين كفروا به وعصوا رسله» <ref>رسالة في أسس العقيدة، محمد السعوي ص٧٤.</ref>. | ||
الصلة بين النار والجنة: الجنة دار النعيم المقيم، والنار دار العذاب الأليم. | '''الصلة بين النار والجنة: ''' [[الجنة]] دار [[النعيم]] المقيم، والنار دار [[العذاب]] الأليم.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | ||
==الجنة دار الله أعدها لعباده== | ==الجنة دار [[الله]] أعدها لعباده== | ||
لا شك أن القرآن الكريم تحدث عن الجنة وأوصافها وأهلها وأسمائها وأبوابها ودرجاتها وعددها وقصورها وأنهارها وغرفها وخيامها ومساكنها وأشجارها وثمارها وعيونها، وكل ما يتعلق بها، فلا تكاد تخلو سورة من بيان للجنة وذلك لأن كل ما عظم شأنه تعددت صفاته وكثرت أسماؤه فهي دار الخلود والبقاء، وأن الله تعالى قد أعدها ووعد بها عباده المؤمنين، وبشر بها من أطاعه فيما أمر، وانتهى عما نهى عنه وزجر، وقد دل على ثبوتها الكتاب والسنة. | لا شك أن [[القرآن الكريم]] تحدث عن الجنة وأوصافها وأهلها وأسمائها وأبوابها ودرجاتها وعددها وقصورها وأنهارها وغرفها وخيامها ومساكنها وأشجارها وثمارها وعيونها، وكل ما يتعلق بها، فلا تكاد تخلو سورة من بيان للجنة وذلك لأن كل ما عظم شأنه تعددت صفاته وكثرت أسماؤه فهي دار [[الخلود]] والبقاء، وأن [[الله تعالى]] قد أعدها ووعد بها عباده المؤمنين، وبشر بها من أطاعه فيما أمر، وانتهى عما نهى عنه وزجر، وقد دل على ثبوتها الكتاب والسنة. | ||
ففي الكتاب وردت آيات كثيرة بشأنها تتحدث عنها | ففي الكتاب وردت آيات كثيرة بشأنها تتحدث عنها تصريحاً أو تلميحاً، قال تعالى: {{نص قرآني|وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً}}<ref> سورة النساء، الآية ٥٧.</ref>. | ||
ومن السنة ما جاء في الحديث القدسي عن أبي | ومن [[السنة]] ما جاء في [[الحديث القدسي]] عن أبي هريرة، عن [[النبي]] {{صل}} قال: {{نص حديث|قال الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، مصداق ذلك في كتاب الله: {{نص قرآني|فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}}<ref> سورة السجدة، الآية ١٧.</ref>}} <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: (يريدون أن يبدلوا كلام الله)، ٩/١٤٤، رقم ٧٤٩٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ٤/٢١٧٤، رقم ٢٨٢٤.</ref>. | ||
ودلالة الحديث واضحة في بيان ما أعده الله تعالى لعباده الصالحين من النعيم الدائم في الجنة، مما تقصر عقول البشر عن إدراكه أو الإحاطة به. | ودلالة الحديث واضحة في بيان ما أعده الله تعالى لعباده الصالحين من النعيم [[الدائم]] في الجنة، مما تقصر [[عقول]] [[البشر]] عن إدراكه أو [[الإحاطة]] به. | ||
وهؤلاء العباد الذين يدخلون الجنة هم كل | وهؤلاء العباد الذين يدخلون الجنة هم كل [[موحد]]، كما صح عن [[عبادة]] بن الصامت، عن النبي {{صل}}، قال: {{نص حديث|من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل}} <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم)، ٤/١٦٥، رقم ٣٤٣٥.</ref>. | ||
وعن أبي هريرة ، أن رسول الله {{صل}}، قال: {{نص حديث|كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى}}، قالوا: يا رسول | وعن [[أبي هريرة]]، أن [[رسول الله]] {{صل}}، قال: {{نص حديث|كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى}}، قالوا: يا [[رسول الله]]، ومن يأبى؟ قال: {{نص حديث|من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى}} <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله {{صل}}، ٩/٩٢، رقم ٧٢٨٠</ref>.. | ||
وذكرت الآيات القرآنية | وذكرت [[الآيات القرآنية]] فضلاً عن وجود [[الجنة]] بقاءها وأبديتها ودوام نعيمها وخلود أهلها، كما في قوله تعالى: {{نص قرآني|وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً}}<ref> سورة النساء، الآية ٥٧.</ref>. | ||
وقوله تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاا}}<ref> | وقوله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاا}}<ref> سورة الكهف، الآية ١٠٧-١٠٨.</ref>. | ||
ودلالة هذه الآيات واضحة بأن المتقين في الجنة خالدون، لا يذوقون فيها | ودلالة هذه [[الآيات]] واضحة بأن المتقين في الجنة خالدون، لا يذوقون فيها [[الموت]]، ولا يخرجون منها أبداً. | ||
وفي السنة ما صح عن ابن عمر | وفي [[السنة]] ما صح عن [[ابن عمر]] قال: قال رسول الله {{صل}}: {{نص حديث|إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزناً إلى حزنهم}} <ref>أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، ٨/١١٣، رقم ٦٥٤٨.</ref>. | ||
وما ورد عن أبي هريرة | وما ورد عن أبي هريرة عن [[النبي]] {{صل}}، قال: {{نص حديث|من يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في دوام نعيم أهل الجنة، ٤/١٢٨١، رقم ٢٨٣٦.</ref>. | ||
وما صح من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ما عن النبي {{صل}} قال: {{نص حديث|ينادي منادٍ: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا | وما صح من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ما عن النبي {{صل}} قال: {{نص حديث|ينادي منادٍ: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً فذلك قوله عز وجل: {{نص قرآني|وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ٤٣.</ref>}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في دوام نعيم أهل الجنة، رقم ٢٨٣٧، ٤/٢١٨٢.</ref>. | ||
ثم أننا نجد | ثم أننا نجد كثيراً من [[الآيات]] حثت [[الناس]] على المسابقة إلى تلك [[الجنة]] ونعيمها والفوز بها؛ وذلك بالإيمان والعمل [[الصالح]]. | ||
قال تعالى: {{ نص قرآني |سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}}<ref> | قال تعالى: {{نص قرآني|سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}}<ref> سورة الحديد، الآية ٢١.</ref>. | ||
والتحقيق أن الجنة لا تنال بالعمل الصالح، وإنما السبب الحقيقي لدخولها | والتحقيق أن الجنة لا تنال بالعمل الصالح، وإنما [[السبب]] الحقيقي لدخولها هو؛ لقوله {{صل}}: {{نص حديث|لن يدخل أحداً عمله الجنة}} قالوا: ولا أنت يا [[رسول الله]]؟ قال: {{نص حديث|لا، ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة، فسددوا وقاربوا، ولا يتمنين أحدكم الموت: إما محسناً فلعله أن يزداد خيراً، وإما مسيئاً فلعله أن يستعتب}} <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، ٧/١٢١، رقم ٥٦٧٣.</ref>. | ||
ويتضح مما تقدم أن الجنة دار الله تعالى أعدها لعباده المؤمنين، وجعل فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على بال أحد من النعيم الدائم غير المنقطع، والخلود لأهلها وعدم فنائها، وأن العمل الصالح لا يكفي لدخول الجنة؛ لأن دخولها برحمة الله عز وجل، وكذلك النار وأهلها، لا يدركهم الموت ولا يلحقهم الفناء. | ويتضح مما تقدم أن الجنة دار [[الله تعالى]] أعدها لعباده المؤمنين، وجعل فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على بال أحد من [[النعيم]] [[الدائم]] غير المنقطع، والخلود لأهلها وعدم فنائها، وأن [[العمل الصالح]] لا يكفي لدخول الجنة؛ لأن دخولها برحمة [[الله]] عز وجل، وكذلك [[النار]] وأهلها، لا يدركهم [[الموت]] ولا يلحقهم [[الفناء]].<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | ||
==آدم | ==[[آدم]] {{ع}} والجنة== | ||
تحدث [[القرآن الكريم]] عن الجنة في آيات كثيرة، وكل ما يتعلق بها من صفات وأسماء ودرجات وغير ذلك، وذكر الجنة بصيغ مختلفة، وخصها عن الجنات التي على [[الأرض]] وأن تشابهت الأسماء، إلا أن الجنات التي [[تكلم]] عنها القرآن الكريم تختلف عن جنات الأرض المتعارف عليها من حدائق وبساتين. | |||
وفي هذا المبحث سنلقي [[الضوء]] على ماهية الجنة التي كان فيها آدم وزوجه{{ع}} من خلال قوله تعالى: {{نص قرآني|وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٣١.</ref>. | |||
قال [[ابن كثير]]: «يقول الله تعالى إخباراً عما أكرم به آدم {{ع}}: بعد أن أمر [[الملائكة]] بالسجود له، فسجدوا إلا [[إبليس]]: إنه أباحه الجنة يسكن منها حيث يشاء، ويأكل منها ما شاء رغداً، أي: هنيئاً واسعاً طيباً» <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١/٢٣٣.</ref>. | |||
واختلف في قوله تعالى: {{نص قرآني|اسْكُنْ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٣٥.</ref>، هل هو أمر [[تكليف]] أو [[إباحة]]؟ | |||
قال قتادة في تفسير هذه [[الآية]]: «إن [[الله تعالى]] ابتلى [[آدم]] بإسكان [[الجنة]] كما ابتلى [[الملائكة]] بالسجود؛ وذلك لأنه كلفه بأن يكون في الجنة يأكل منها حيث شاء ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها، فما زالت به البلايا حتى وقع فيما [[نهي]] عنه، فبدت سوأته عند ذلك، وأهبط من الجنة وأسكن موضعاً يحصل فيه ما يكون مشتهى له، مع أن منعه من تناوله من أشد التكاليف» <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/٤٥١.</ref>. | |||
وقيل: «إن ذلك إباحة؛ لأن الاستقرار في المواضع الطيبة النزهة التي يتمتع فيها يدخل تحت التعبد، كما أن أكل [[الطيبات]] لا يدخل تحت التعبد ولا يكون قوله تعالى: {{نص قرآني|كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٥٧.</ref> أمراً وتكليفاً بل إباحة، والأصح أن ذلك الإسكان مشتمل على ما هو إباحة، وعلى ما هو تكليف، أما [[الإباحة]] فهو أنه عليه [[الصلاة]] والسلام كان مأذوناً في الانتفاع بجميع نعم الجنة، وأما [[التكليف]] فهو أن المنهي عنه كان حاضراً وهو كان ممنوعاً عن تناوله، قال بعضهم: لو قال رجل لغيره: أسكنتك داري، لا تصير الدار ملكاً له، فههنا لم يقل الله تعالى: وهبت منك الجنة، بل قال: أسكنتك الجنة، وإنما لم يقل ذلك لأنه خلقه لخلافة [[الأرض]]، فكان إسكان الجنة كالتقدمة على ذلك <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/٤٥١.</ref>. | |||
واختلف أيضاً في الجنة التي أسكنها آدم، هل كانت في الأرض أو في [[السماء]]؟ وهل هي [[جنة]] الخلد أو جنة أعدت لهما؟ | |||
القول الأول: قال أبو القاسم البلخي وأبو [[مسلم]] الأصفهاني: هذه الجنة كانت في الأرض، وحملا الإهباط على [[الانتقال]] من بقعة إلى بقعة، كما في قوله تعالى: {{نص قرآني|اهْبِطُوا مِصْراً}}<ref> سورة البقرة، الآية ٦١.</ref>. | |||
واحتجا عليه بوجوه <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/٤٥٢.</ref>: | |||
أحدها: أن هذه الجنة لو كانت هي دار [[الثواب]] لكانت جنة الخلد، ولو كان آدم في جنة الخلد لما لحقه [[الغرور]] من [[إبليس]] بقوله: {{نص قرآني|هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى}}<ref> سورة طه، الآية ١٢٠.</ref>. | |||
ولما صح قوله: {{نص قرآني|مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ٢٠.</ref>. | |||
وثانيها: أن من دخل هذه [[الجنة]] لا يخرج منها لقوله تعالى: {{نص قرآني|وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ}}<ref> سورة الحجر، الآية ٤٨.</ref>. | |||
وثالثها: أن [[إبليس]] لما امتنع عن السجود لعن فما كان يقدر مع [[غضب]] [[الله]] على أن يصل إلى [[جنة]] الخلد. | |||
ورابعها: أن الجنة التي هي دار [[الثواب]] لا يفنى نعيمها لقوله تعالى: {{نص قرآني|أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا}}<ref> سورة الرعد، الآية ٣٥.</ref>. | |||
ولقوله تعالى: {{نص قرآني|وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا}}<ref> سورة هود، الآية ١٠٨.</ref> إلى أن قال: {{نص قرآني|عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ}}<ref> سورة هود، الآية ١٠٨.</ref> أي: غير مقطوع، فهذه الجنة لو كانت هي التي دخلها [[آدم]] {{ع}} لما فنيت، لكنها تفنى لقوله تعالى: {{نص قرآني|كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}}<ref> سورة القصص، الآية ٨٨.</ref>. | |||
ولما خرج منها آدم {{ع}}، لكنه خرج منها وانقطعت تلك الراحات. | |||
وخامسها: أنه لا يجوز في حكمته تعالى أن يبتدئ [[الخلق]] في جنة يخلدهم فيها ولا [[تكليف]]؛ لأنه تعالى لا يعطي جزاء العاملين من ليس بعامل، ولأنه لا يهمل عباده بل لا بد من ترغيب وترهيب ووعد ووعيد. | |||
وسادسها: لا نزاع في أن [[الله تعالى]] [[خلق آدم]] {{ع}} في [[الأرض]]، ولم يذكر في هذه القصة أنه نقله إلى [[السماء]]، ولو كان تعالى قد نقله إلى السماء لكان ذلك أولى بالذكر؛ لأن نقله من الأرض إلى السماء من أعظم النعم، فدل ذلك على أنه لم يحصل، وذلك يوجب أن المراد من الجنة التي قال الله تعالى له: {{نص قرآني|اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٣٥.</ref> جنة أخرى غير جنة الخلد<ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/٤٥٢.</ref>. | |||
وذهب من لم يجعلها جنة الخلد إلى أن من دخل جنة الخلد لا يخرج منها، وهذا لا يمتنع، إلا أن [[السمع]] ورد أن من دخلها مثاباً لا يخرج منها، وأما من دخلها ابتداء كآدم فغير مستحيل، ولا ورد سمع بأنه لا يخرج منها <ref>المحرر الوجيز، ابن عطية، ١/١٢٦.</ref>. | |||
القول الثاني: وهو قول الجبائي: أن تلك [[الجنة]] كانت في [[السماء]] السابعة والدليل عليه قوله تعالى: {{نص قرآني|اهْبِطُوا مِنْهَا}}<ref> سورة البقرة، الآية ٣٨.</ref>. | |||
ثم إن الإهباط الأول كان من السماء السابعة إلى السماء الأولى، والإهباط الثاني كان من السماء إلى [[الأرض]] <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/٤٥٢.</ref>. | |||
القول الثالث: أن هذه الجنة هي دار [[الثواب]]، والدليل عليه: أن الألف واللام في لفظ الجنة لا يفيدان العموم؛ لأن سكنى جميع الجنان محال، فلا بد من صرفها إلى المعهود السابق، والجنة التي هي المعهودة المعلومة بين المسلمين هي دار الثواب، فوجب صرف اللفظ إليها<ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/٤٥٢.</ref>. | |||
القول الثالث: أن هذه الجنة هي دار | |||
والقول الرابع: أن الكل ممكن والأدلة النقلية ضعيفة ومتعارضة؛ فوجب التوقف وترك القطع، والله أعلم<ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/٤٥٢.</ref>. | والقول الرابع: أن الكل ممكن والأدلة النقلية ضعيفة ومتعارضة؛ فوجب التوقف وترك القطع، والله أعلم<ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/٤٥٢.</ref>. | ||
وقيل: أن جنة المأوى هي الجنة التي آوى إليها آدم | وقيل: أن [[جنة المأوى]] هي الجنة التي آوى إليها [[آدم]] {{ع}} إلى أن أخرج منها وهي في السماء السابعة <ref>انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٧/٩٦.</ref>. | ||
وعلى أية حال؛ فمهما تعددت الأقوال في بيان موضع تلك الجنة وتعيينها يبقى الأمر | وعلى أية حال؛ فمهما تعددت الأقوال في بيان موضع تلك الجنة وتعيينها يبقى الأمر ظنياً لا قطعياً ولا ينبغي الجزم بكونها في الأرض أو في السماء؛ لأن [[الله تعالى]] لم يذكر مكانها فلا يوجد [[دليل]] قطعي على ذلك، ثم لا يترتب على معرفتها أو تحديدها [[حكم]] ؛ لذلك نؤمن بأنها [[جنة]] كان فيها آدم وحواء{{ع}}، وإن فيها رغد العيش.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | ||
==أسماء الجنة ودرجاتها== | ==أسماء الجنة ودرجاتها== | ||
وردت في القرآن الكريم أسماء كثيرة للجنة اقترنت بعدة صفات، ولها درجات يتفاوت بها أهل الجنة على قدر إيمانهم وأعمالهم الصالحة، وذلك من | وردت في [[القرآن الكريم]] أسماء كثيرة للجنة اقترنت بعدة صفات، ولها درجات يتفاوت بها [[أهل الجنة]] على [[قدر]] إيمانهم وأعمالهم الصالحة، وذلك من وتوفيقه لعباده المؤمنين، وفضله من إنعامه وتفضله، لذا سنبين في هذا المبحث بعض أسماء الجنة ومعانيها ودرجاتها من خلال ما يأتي: | ||
===أسماء الجنة=== | ===أسماء الجنة=== | ||
ذكر الله تعالى في القرآن الكريم الجنة بعدة أسماء، منها: | ذكر الله تعالى في القرآن الكريم الجنة بعدة أسماء، منها: | ||
#دار السلام: وهي دار الله التي أعدّها لأوليائه في | #[[دار السلام]]: وهي دار [[الله]] التي أعدّها لأوليائه في [[الآخرة]]، جزاءً لهم على ما أبلوا في [[الدنيا]] في [[ذات الله]]، وهي جنته، والسلام: [[اسم]] من اسماء الله تعالى، وسميت الجنة بهذا [[الاسم]] لأن أنواع السلامة حاصلة فيها بأسرها <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ١٢/١١٤، مفاتيح الغيب، الرازي، ١٣/١٤٦.</ref>. ووصف الله تعالى الجنة بأنها دار السلام في موضعين هما: | ||
##قال تعالى: {{ نص قرآني |لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}}<ref> | ##قال تعالى: {{نص قرآني|لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ١٢٧.</ref>. وقوله تعالى: {{نص قرآني|لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ}} وهي: [[الجنة]]، أي [[يوم القيامة]]. وإنما وصف [[الله]] الجنة هاهنا بدار [[السلام]] لسلامتهم فيما سلكوه من [[الصراط المستقيم]]، المقتفي أثر [[الأنبياء]] وطرائقهم، فكما سلموا من آفات الاعوجاج أفضوا إلى [[دار السلام]]، {{نص قرآني|وَهُوَ وَلِيُّهُمْ}} أي: والسلام - وهو الله - وليهم، أي: حافظهم وناصرهم ومؤيدهم، {{نص قرآني|بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}} أي: جزاء على أعمالهم الصالحة تولاهم وأثابهم الجنة، بمنه وكرمه <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣/٣٣٨.</ref>. | ||
##قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}}<ref> | ##قوله تعالى: {{نص قرآني|وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}}<ref> سورة يونس، الآية ٢٥.</ref>. ودار السلام في [[الآية]] الكريمة: «هي الجنة، أضافها إلى اسمه تعظيماً لها، أو السلام والسلامة: لأن أهلها سالمون من كل [[مكروه]]، وقيل: لفشوّ السلام بينهم، وتسليم [[الملائكة]] عليهم {{نص قرآني|إِلَّا قِيلاً سَلَاماً سَلَاماً}}<ref> سورة الواقعة، الآية ٢٦.</ref>»<ref>مدارك التنزيل، النسفي، ٢/١٧.</ref>. ولا تعارض بين [[اسم]] [[الله تعالى]] السلام والجنة التي سميت بدار السلام؛ لقول قتادة: «الله هو السلام، والدار الجنة» <ref>تفسير عبد الرزاق، ٢/١٧٣.</ref>. ويتضح مما تقدم أن الله تعالى قد بشّر عباده المؤمنين بدار السلام وهي الجنة والدعوة على وجه العموم، والسلام اسم من [[أسماء الله الحسنى]]، وفي هذه الدار لا يوجد إلا [[الأمن]] والأمان، والسلامة من كل مكروه، من الآفات والبلايا والهموم، ومشاق [[الحياة]] [[الدنيا]]، لذلك [[وعد]] الله تعالى بها عباده المؤمنين والصالحين. | ||
#جنة الخلد: وهي الجنة التي لا ينقطع نعيمها، التي وعدها الله المتقين من عباده، التي أعدها لهم، وجعلها لهم جزاء على ما أطاعوه في الدنيا، وجعل مآلهم إليها | #[[جنة]] الخلد: وهي الجنة التي لا ينقطع نعيمها، التي وعدها الله المتقين من عباده، التي أعدها لهم، وجعلها لهم جزاء على ما أطاعوه في الدنيا، وجعل مآلهم إليها <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/٩٨، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الحنبلي ١٤/٤٩١.</ref>. قال تعالى: {{نص قرآني|قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيراً}}<ref> سورة الفرقان، الآية ١٥.</ref>. أي: «قل لهؤلاء المكذبين تهكماً بهم وتحسيراً لهم على مافاتهم: أهذه [[النار]] التي وصفت لكم [[خير]] أم [[جنة]] الخلد التي يدوم نعيمها ولا يبيد، وقد وعدها من اتقاه فى [[الدنيا]] بطاعته فيما به أمره ونهاه، ثم حقق أمرها تأكيداً للبشارة بقوله: {{نص قرآني|كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيراً}} أي: كانت هذه [[الجنة]] لهم جزاء أعمالهم فى الدنيا بطاعته، وثواباً لهم على تقواه، ومرجعاً لهم ينتقلون إليه فى [[الآخرة]]» <ref>تفسير المراغي، ١٨/١٥٨.</ref>. والآية الكريمة تبين [[وعد]] [[الله تعالى]] وبشارته لعباده المؤمنين بجنة الخلد التي لهم فيها ما يشتهون، وهم فيها خالدون أبداً بلا [[انقطاع]] ولا زوال. | ||
#دار المقامة: هي دار الإقامة وهي الجنة. قال تعالى: {{ نص قرآني |الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ}}<ref> | #دار المقامة: هي دار الإقامة وهي الجنة. قال تعالى: {{نص قرآني|الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ}}<ref> سورة فاطر، الآية ٣٥.</ref>. أي: دار الإقامة، لما ذكر الله تعالى سرورهم وكرامتهم بتحليتهم وإدخالهم الجنات؛ بين سرورهم ببقائهم فيها، وأعلمهم بدوامها، حيث قالوا: الذي أحلنا دار المقامة أي: الإقامة، وفي قوله: دار المقامة إشارة إلى أن الدنيا منزلة ينزلها [[المكلف]] ويرتحل عنها إلى منزلة القبور، ومنها إلى منزلة العرصة التي فيها الجمع ومنها التفريق، والجنة دار المقامة، وكذلك [[النار]] لأهلها، وقولهم من فضله أي: بحكم وعده، لا بإيجاب من عنده <ref>انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٦/٢٤١.</ref>. وقوله تعالى: {{نص حديث|لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ}}، أي: لا يمسنا فيها عناء ولا إعياء، والنصب واللغوب: كل منهما يستعمل في التعب، وكأن المراد ينفي هذا وهذا عنهم: أنهم لا تعب على أبدانهم ولا أرواحهم، فمن ذلك أنهم كانوا يدئبون أنفسهم في [[العبادة]] في الدنيا، فسقط عنهم [[التكليف]] بدخولها، وصاروا في راحة دائمة مستمرة <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/٥٥٢.</ref>. ويتضح مما تقدم أن دار المقامة هي الجنة التي وعدها الله تعالى لعباده المؤمنين، ولم تذكر هذه التسمية للجنة في [[القرآن الكريم]] إلا مرة واحدة في [[الآية]] المتقدمة. | ||
#جنات عدن: العدن: «الإقامة، يقال: عدن بالمكان، إذا أقام به»<ref>التبيان في تفسير غريب القرآن، ابن الهائم، ١/١٨٣.</ref>، وقيل: العدن: الاستقرار <ref>انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٣/١٣١.</ref>. قال البيضاوي : «والعدن: الإقامة، أي: جنات يقيمون فيها، وقيل: هو بطنان | #جنات عدن: العدن: «الإقامة، يقال: عدن بالمكان، إذا أقام به»<ref>التبيان في تفسير غريب القرآن، ابن الهائم، ١/١٨٣.</ref>، وقيل: العدن: الاستقرار <ref>انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٣/١٣١.</ref>. قال البيضاوي: «والعدن: الإقامة، أي: جنات يقيمون فيها، وقيل: هو بطنان [[الجنة]]» <ref>أنوار التنزيل، البيضاوي، ٣/١٨٦.</ref>. وذكر [[الله تعالى]] جنات عدن في أحد عشر موضعاً في [[القرآن الكريم]]، منها قوله تعالى: {{نص قرآني|جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ}}<ref> سورة الرعد، الآية ٢٣.</ref>. وقوله تعالى: {{نص قرآني|جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}}<ref> سورة النحل، الآية ٣١.</ref>. حيث يخبر الله تعالى في هذه [[الآيات]] وغيرها: أن مأوى هؤلاء المصطفين من عباده، الذين أورثوا الكتاب المنزل من [[رب]] العالمين [[يوم القيامة]] {{نص قرآني|جَنَّاتُ عَدْنٍ}}، أي: جنات الإقامة يدخلونها يوم معادهم وقدومهم على ربهم، عز وجل <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/٥٥١.</ref>. وذكر {{نص قرآني|يَدْخُلُونَهَا}}، لاستحضار الحالة البهيجة، وذلك زيادة الإكرام بأن جعل أصولهم وفروعهم وأزواجهم المتأهلين لدخول الجنة لصلاحهم؛ في الدرجة التي هم فيها، فمن كانت مرتبته دون مراتبهم لحق بهم، ومن كانت مرتبته فوق مراتبهم لحقوا هم به، فلهم [[الفضل]] في الحالين <ref>انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٣/١٣١</ref>.. ويذكر [[الإمام]] الماوردي في تفسيره خمسة آراء مختلفة للعلماء في جنات عدن: | ||
##أنها جنات خلود وإقامة، ومنه سمي المعدن لإقامة جوهره فيه، وهذا مروي عن ابن عباس <ref>النكت والعيون، الماوردي، ٢/٣٨١.</ref>. | ##أنها جنات [[خلود]] وإقامة، ومنه سمي المعدن لإقامة جوهره فيه، وهذا مروي عن [[ابن عباس]] <ref>النكت والعيون، الماوردي، ٢/٣٨١.</ref>. | ||
##أن جنات عدن هي جنات كروم وأعناب بالسريانية، وهذا مروي عن ابن عباس | ##أن جنات عدن هي جنات كروم وأعناب بالسريانية، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً<ref>النكت والعيون، الماوردي، ٢/٣٨١.</ref>. | ||
##أن عدن اسم لبطنان الجنة، أي: وسطها، قاله عبد الله بن مسعود. | ##أن عدن [[اسم]] لبطنان الجنة، أي: وسطها، قاله عبد [[الله]] بن مسعود. | ||
##أن عدن اسم قصر في الجنة، قاله عبد الله بن عمرو بن العاص والحسن. | ##أن عدن اسم قصر في الجنة، قاله عبد الله بن عمرو بن العاص والحسن. | ||
## أن جنة عدن في السماء العليا لا يدخلها إلا نبيّ أو صديق أو شهيد أو إمام عدل. وجنة المأوى في السماء الدنيا تأوي إليها أرواح المؤمنين، رواه معاذ بن جبل | ## أن [[جنة عدن]] في [[السماء]] العليا لا يدخلها إلا نبيّ أو صديق أو [[شهيد]] أو [[إمام]] [[عدل]]. وجنة المأوى في السماء [[الدنيا]] تأوي إليها [[أرواح]] المؤمنين، رواه معاذ بن جبل مرفوعاً. وعلى الرغم من تعدد الأقوال في جنات عدن إلا أنها لا [[دليل]] عليها من [[الأدلة النقلية]] والعقلية، وأن جنات عدن اسم يدل على الجنة ذكر في القرآن الكريم وهي دار الإقامة والخلود أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين، ولا يوجد دليل قطعي يؤكد أن جنات عدن هي قصر أو نهر في [[الجنة]]، وأما القول بأنها لفظ سرياني فهذا يخالف قوله تعالى: {{نص قرآني|بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ}}<ref> سورة الشعراء، الآية ١٩٥.</ref>. | ||
#دار الحيوان: هي الجنة دار | #دار الحيوان: هي الجنة دار [[الحياة]]؛ أي لا [[موت]] فيها، قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}}<ref> سورة العنكبوت، الآية ٦٤.</ref>. أي: ليس فيها إلا [[حياة]] مستمرة دائمة خالدة لا موت فيها، فكأنها في ذاتها حياة، والحيوان: مصدر [[حي]]، وقياسه حييان، فقلبت الياء الثانية واواً، وهو أبلغ من الحياة لما في بناء فعلان من [[الحركة]] والاضطراب اللازم للحياة، ولذلك اختير عليها ها هنا، وبه سمي ما فيه حياة: حيواناً <ref>انظر: الكشاف، الزمخشري، ٣/ ٤٦٣، أنوار التنزيل، البيضاوي، ٤/١٩٩.</ref>. قال [[الراغب الأصفهاني]]: «وقد نبه بقوله تعالى: {{نص قرآني|لَهِيَ الْحَيَوَانُ}} أن الحيوان الحقيقي [[السرمدي]] الذي لا يفنى، لا ما يبقى مدة ثم يفنى، وقال بعض أهل [[اللغة]]: الحيوان والحياة واحد، وقيل: الحيوان: ما فيه الحياة، والموتان ما ليس فيه الحياة، والحيا: المطر، لأنه يحيي [[الأرض]] بعد موتها، وإلى هذا أشار بقوله تعالى: {{نص قرآني|أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ}}<ref> سورة الأنبياء، الآية ٣٠.</ref>.<ref>المفردات ١/٢٦٩.</ref>، وقوله: {{نص قرآني|لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ١٠٢.</ref> أي: «لآثروا ما يبقى على ما يفنى» <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/٢٩٤.</ref>. ويتضح مما تقدم أن دار الحيوان هي دار الجنة التي لا تفنى ولا تزول، ولا يقع فيها موت لأحد. ولم تذكر تسمية دار الحيوان إلا في هذه [[الآية]] المتقدمة. | ||
#جنة المأوى: هي نوع من الجنان، وأضيفت الجنان إلى المأوى لأنها المأوى والمسكن الحقيقي والدنيا منزل مرتحل عنه لا محالة. وقيل: المأوى علم لمكان مخصوص من الجنان كعدن، وقيل: جنة المأوى لما روي عن ابن | #[[جنة المأوى]]: هي نوع من الجنان، وأضيفت الجنان إلى المأوى لأنها المأوى والمسكن الحقيقي والدنيا منزل مرتحل عنه لا محالة. وقيل: المأوى علم لمكان مخصوص من الجنان كعدن، وقيل: جنة المأوى لما روي عن [[ابن عباس]]، أنها تأوي إليها [[أرواح]] الشهداء، وروي أنها عن يمين [[العرش]] ولا يخفى ما في جعله علماً من البعد وأياً ما كان فلا يبعد أن يكون فيه رمز إلى ما ذكر من تجافيهم عن مضاجعهم التي هي مأواهم في [[الدنيا]] <ref>انظر: مدارك التنزيل، النسفي، ٣/١٠، روح المعاني، الألوسي، ١١/١٣١.</ref>. وورد ذكر هذه [[الجنة في القرآن]] [[الكريم]] في موضعين: في قوله تعالى: {{نص قرآني|أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}}<ref> سورة السجدة، الآية ١٩.</ref>. وقوله تعالى: {{نص قرآني|عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى}}<ref> سورة النجم، الآية ١٥.</ref>. ووصف [[الجنة]] في آية أخرى بقوله تعالى: {{نص قرآني|فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}}<ref> سورة النازعات، الآية ٤١.</ref>. والمأوى: [[اسم]] مكان <ref>روح المعاني، الألوسي، ١١/١٣١.</ref> تدل على الاستقرار في مكان، سواء كان في الجنة أو غيرها. قال [[الإمام]] [[السيوطي]]: «هي اسم لجميع الجنان، يدلّ عليه قوله تعالى: {{نص قرآني|أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}}<ref> سورة السجدة، الآية ١٩.</ref>. والجنة اسم الجنس، فمرة يقال [[جنة]]، ومرة يقال جنات، فكذلك جنات عدن، وجنة عدن» <ref>معترك الأقران، السيوطي، ٣/٣٥١.</ref>. | ||
#الفردوس: وردت كلمة الفردوس مرتين في القرآن الكريم في قوله تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ | #[[الفردوس]]: وردت كلمة الفردوس مرتين في [[القرآن الكريم]] في قوله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً}}<ref> سورة الكهف، الآية ١٠٧.</ref>. وقوله تعالى: {{نص قرآني|الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}}<ref> سورة المؤمنون، الآية ١١.</ref>. يخبر تعالى في الآيتين الكريمتين عن عباده السعداء، وهم الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدقوهم فيما جاؤوا به بأن لهم جنات الفردوس، أما أصل كلمة الفردوس فقد اختلف في لفظه على أربعة أقاويل: | ||
##أنه عربي، وقد ذكرته العرب في شعرها، قاله ثعلب <ref>انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣/٣٤٨.</ref>. | ##أنه عربي، وقد ذكرته [[العرب]] في شعرها، قاله ثعلب <ref>انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣/٣٤٨.</ref>. | ||
##أنه بالرومية، قاله مجاهد <ref>انظر: زاد المسير في علم التفسير، ٣/١١٣.</ref>. | ##أنه بالرومية، قاله مجاهد <ref>انظر: زاد المسير في علم التفسير، ٣/١١٣.</ref>. | ||
##أنه بالنبطية، | ##أنه بالنبطية، فرداساً، قاله السدي <ref>انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣/٣٤٨.</ref>. | ||
##بالسريانية، قاله أبو صالح<ref>انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣/٣٤٨.</ref>. وقيل في أصل كلمة الفردوس: أنه رومي أعرب، وهو البستان، والعرب تعرفه وتسمي الموضع الذي فيه كرم ( | ##بالسريانية، قاله أبو [[صالح]]<ref>انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣/٣٤٨.</ref>. وقيل في أصل كلمة الفردوس: أنه رومي أعرب، وهو البستان، والعرب تعرفه وتسمي الموضع الذي فيه كرم (فردوساً)، قال الزجاج: وقيل الفردوس الأودية التي تنبت ضروباً من النبت، وقيل: هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية <ref>انظر: المعرب، الجواليقي، ص٢٨٨.</ref>. ويرجح بعض الباحثين أن تكون كلمة الفردوس معربة عن الرومية، أي اليونانية، وعزا سبب ذلك إلى انتشارها على لسان أهل الشام أكثر من غيرهم <ref>انظر: التطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القرآن، عودة خليل أبو عودة، ص٤٠٥.</ref>، وللعلماء آراء في معنى كلمة [[الفردوس]]، منها: | ||
##أن الفردوس وسط الجنة وأطيب موضع فيها، قاله قتادة <ref>انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣/٣٤٨، مفاتيح الغيب، الرازي، ٢١/٥٠٢، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١١/٦٨.</ref>. | ##أن الفردوس وسط [[الجنة]] وأطيب موضع فيها، قاله قتادة <ref>انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣/٣٤٨، مفاتيح الغيب، الرازي، ٢١/٥٠٢، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١١/٦٨.</ref>. | ||
## أنه أعلى الجنة وأحسنها، رواه سمرة بن جندب | ## أنه أعلى الجنة وأحسنها، رواه سمرة بن جندب مرفوعاً <ref>انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣/٣٤٨.</ref>. | ||
##أنه البستان بالرومية، قاله مجاهد <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ١٨/١٣١، النكت والعيون، الماوردي، ٣/٣٤٨، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١١/٦٨.</ref>. | ##أنه البستان بالرومية، قاله مجاهد <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ١٨/١٣١، النكت والعيون، الماوردي، ٣/٣٤٨، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١١/٦٨.</ref>. | ||
##أنه البستان الذي جمع محاسن كل بستان، قاله الزجاج | ##أنه البستان الذي جمع محاسن كل بستان، قاله الزجاج <ref>انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣/٣٤٨.</ref>. | ||
##أنه البستان الذي فيه الأعناب، وليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس، وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن | ##أنه البستان الذي فيه الأعناب، وليس في الجنان أعلى من [[جنة]] الفردوس، وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن [[المنكر]]، قاله كعب <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ١٨/١٣١، زاد المسير في علم التفسير، ٣/١١٣، مفاتيح الغيب، الرازي، ٢١/٥٠٢.</ref>. | ||
والصواب من القول في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله {{صل}} في قوله: {{نص حديث|فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة}}<ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب (وكان عرشه على الماء)، ٩/١٢٥، رقم ٧٤٢٣.</ref> | والصواب من القول في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن [[رسول الله]] {{صل}} في قوله: {{نص حديث|فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة}}<ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب (وكان عرشه على الماء)، ٩/١٢٥، رقم ٧٤٢٣.</ref> | ||
ويتضح مما تقدم أن للجنة أسماء متعددة ذكرها القرآن الكريم لتنوع صفاتها، وكلها تدل على | ويتضح مما تقدم أن للجنة أسماء متعددة ذكرها [[القرآن الكريم]] لتنوع صفاتها، وكلها تدل على [[النعيم]]، لذا يرى [[ابن القيم]] أن هذه الأسماء متعددة باعتبار صفاتها ومسماها واحد باعتبار الذات، فهي مترادفة من هذا الوجه وتختلف باعتبار [[الصفات]] فهي متباينة من هذا الوجه <ref>انظر: حادي الأرواح، ١/٩٤.</ref>.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | ||
=== درجات الجنة=== | === درجات الجنة=== | ||
لا شك أن الجنة التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين لها درجات متفاوتة بحسب الإيمان والأعمال الصالحة، لذلك بيّن الله تعالى هذه الدرجات التي يرتقي فيها المؤمن ليصل إلى تلك المراتب الرفيعة في الجنة. | لا شك أن الجنة التي أعدها [[الله تعالى]] لعباده المؤمنين لها درجات متفاوتة بحسب [[الإيمان]] والأعمال الصالحة، لذلك بيّن الله تعالى هذه الدرجات التي يرتقي فيها [[المؤمن]] ليصل إلى تلك المراتب الرفيعة في الجنة. | ||
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَمَنْ يَأْتِهِ | قال تعالى: {{نص قرآني|وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى}}<ref> سورة طه، الآية ٧٥.</ref>. | ||
ولا تنال تلك الدرجات العلى إلا بالإيمان والعمل الصالح الموصلين إلى الجنة. | ولا تنال تلك الدرجات العلى إلا بالإيمان والعمل [[الصالح]] الموصلين إلى الجنة. | ||
والدرجات: مفرده الدرجة نحو المنزلة، يقال للمنزلة: درجة إذا اعتبرت بالصعود دون الامتداد على البسيطة، كدرجة السطح والسلم، ويعبر بها عن المنزلة الرفيعة: قال تعالى: {{ نص قرآني |وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}}<ref> | والدرجات: مفرده الدرجة نحو المنزلة، يقال للمنزلة: درجة إذا اعتبرت بالصعود دون الامتداد على البسيطة، كدرجة السطح والسلم، ويعبر بها عن المنزلة الرفيعة: قال تعالى: {{نص قرآني|وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٢٢٨.</ref>. | ||
تنبيهاً لرفعة منزلة الرجال عليهن في [[العقل]] والسياسة، ونحو ذلك من المشار إليه بقوله تعالى: {{نص قرآني|الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}}<ref> سورة النساء، الآية ٣٤.</ref>. | |||
وقال: {{ نص قرآني |لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ }}<ref> | وقال: {{نص قرآني|لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ}}<ref> سورة الأنفال، الآية ٤.</ref>. | ||
وقال: {{ نص قرآني |هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ }}<ref> | وقال: {{نص قرآني|هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٦٣.</ref>. أي: هم ذوو درجات عند [[الله]]، ودرجات النجوم تشبيهاً بما تقدم <ref>انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣١١.</ref>. | ||
وتحدث القرآن الكريم عن هذه الدرجات في آيات كثيرة كقوله تعالى: {{ نص قرآني |هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}}<ref> | وتحدث [[القرآن الكريم]] عن هذه الدرجات في آيات كثيرة كقوله تعالى: {{نص قرآني|هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٦٣.</ref>. أي: «ليس من اتبع رضوان الله كمن باء بسخط منه، قيل: هم درجات متفاوتة، أي هم مختلفو المنازل عند الله، فلمن ابتغى رضوانه [[الكرامة]] والثواب [[العظيم]]، ولمن باء بسخط منه المهانة والعذاب الأليم، ومعنى {{نص قرآني|هُمْ دَرَجَاتٌ}}، أي: ذوو درجات، أو على درجات، أو في درجات، أو لهم درجات، وأهل [[النار]] أيضاً ذوو درجات، فالمؤمن والكافر لا يستويان في الدرجة، ثم [[المؤمنون]] يختلفون أيضاً، فبعضهم أرفع درجة من بعض، وكذلك [[الكفار]]» <ref>الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٤/٢٦٣.</ref>. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ | وقال تعالى: {{نص قرآني|انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً}}<ref> سورة الإسراء، الآية ٢١.</ref>. | ||
قال الإمام الرازي : «إن تفاضل الخلق في درجات منافع الدنيا محسوس، فتفاضلهم في درجات منافع الآخرة أكبر وأعظم، فإن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا، فإذا كان الإنسان تشتد رغبته في طلب فضيلة الدنيا فبأن تقوى رغبته في طلب فضيلة الآخرة أولى» <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٠/٣١٩.</ref>. | قال [[الإمام]] [[الرازي]]: «إن تفاضل [[الخلق]] في درجات [[منافع]] [[الدنيا]] محسوس، فتفاضلهم في درجات منافع [[الآخرة]] أكبر وأعظم، فإن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا، فإذا كان [[الإنسان]] تشتد رغبته في طلب فضيلة الدنيا فبأن [[تقوى]] رغبته في طلب فضيلة الآخرة أولى» <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٠/٣١٩.</ref>. | ||
ودلالة الآيتين الكريمتين واضحة في بيان تفاوت وتفاضل الخلق في الدرجات من حيث الأجر والثواب بحسب أعمال | ودلالة الآيتين الكريمتين واضحة في بيان تفاوت وتفاضل الخلق في الدرجات من حيث الأجر والثواب بحسب [[أعمال]] [[الناس]]، لذلك بين [[الله تعالى]] أن أهل الدرجات العلى من المتقين الذين يخافون الله تعالى في نعيم أرقى من الذين دونهم فأعد الله تعالى لهم جنتين. | ||
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}}<ref> | قال تعالى: {{نص قرآني|وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}}<ref> سورة الرحمن، الآية ٤٦.</ref>. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ}}<ref> | وقال تعالى: {{نص قرآني|وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ}}<ref> سورة الرحمن، الآية ٦٢.</ref>. | ||
وإن أعلى درجات الجنة هي الفردوس الأعلى، قال تعالى: {{ نص قرآني | أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}}<ref> | وإن أعلى درجات [[الجنة]] هي [[الفردوس]] الأعلى، قال تعالى: {{نص قرآني|أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}}<ref> سورة المؤمنون، الآية ١٠-١١.</ref>. | ||
وتؤكد السنة النبوية | وتؤكد [[السنة النبوية]] أيضاً أن للجنة درجات، وأن [[أهل الجنة]] متفاضلون في الجنة بحسب منازلهم، وذلك بما صح عن أبي هريرة، قال: قال [[رسول الله]] {{صل}}: {{نص حديث|إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، أراه قال: فوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة}} <ref>أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب درجات المجاهدين في سبيل الله، ٤/١٦، رقم ٢٧٩٠.</ref>. | ||
وفي الحديث دلالة على أن الجنة درجات بعضها أعلى من بعض، وهذا لا يعني حصر درجات الجنة بمائة درجة، إذ المراد منه الإخبار بأن هذه الدرجات المائة هي للمجاهدين في سبيل الله | وفي الحديث [[دلالة]] على أن الجنة درجات بعضها أعلى من بعض، وهذا لا يعني [[حصر]] درجات الجنة بمائة درجة، إذ المراد منه الإخبار بأن هذه الدرجات المائة هي للمجاهدين في سبيل [[الله تعالى]]، لا الإخبار بحصر درجات الجنة، ويؤيد ذلك أن منزلة [[النبي]] {{صل}} فوق هذا كله، فهو في درجة ليس فوقها درجة، أمّا هذه الدرجات المائة فنالها آحاد أمته بالجهاد. | ||
وصح عن أبي سعيد الخدري | وصح عن أبي سعيد الخدري عن النبي {{صل}} قال: {{نص حديث|إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين}} <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، ٤/١١٩، رقم ٣٢٥٦.</ref>. | ||
قال القاضي عياض: «يحتمل أنه على ظاهره، وأن الدرجة هنا المنازل التي بعضها أرفع من بعض في الظاهر، وكذلك منازل الجنة كما جاء في أهل الغرف: «يتراءون كالكوكب الدري»، ويحتمل أن المراد الرفعة بالمعنى من كثرة النعم وعظيم الإحسان مما لا يخطر على قلب | قال [[القاضي عياض]]: «يحتمل أنه على ظاهره، وأن الدرجة هنا المنازل التي بعضها أرفع من بعض في الظاهر، وكذلك منازل الجنة كما جاء في أهل الغرف: «يتراءون كالكوكب الدري»، ويحتمل أن المراد الرفعة بالمعنى من كثرة النعم وعظيم [[الإحسان]] مما لا يخطر على [[قلب]] [[بشر]]، ولا بصفة واصف، وأن أنواع ما [[أنعم الله]] به عليه من [[البر]] والكرامة يتفاضل تفاضلاً كثيراً، وينسي بعضه بعضاً، ومثل تفاضله في البعد بما بين [[السماء]] والأرض، والأول أظهر» <ref>انظر: إكمال المعلم، القاضي عياض، ٦/٣٠٤.</ref>. | ||
ومعنى ذلك أن الجنة مائة درجة جعلها الله تعالى لعباده المؤمنين على قدر أعمالهم في حياتهم | ومعنى ذلك أن [[الجنة]] مائة درجة جعلها [[الله تعالى]] لعباده المؤمنين على [[قدر]] أعمالهم في حياتهم [[الدنيا]]، وأن [[أهل الجنة]] تتفاوت منازلهم بحسب درجاتهم في [[الفضل]] حتى إنّ أهل الدرجات العلى ليراهم من هو أسفل منهم كالنجوم. | ||
وبما أن للجنة درجات متفاوتة يختلف بعضها عن بعض فإن أعلى منزلة فيها الوسيلة، ليس فوقها درجة، لا ينالها غير النبي محمد {{صل}}، قال تعالى: {{ نص قرآني |تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ}}<ref> | وبما أن للجنة درجات متفاوتة يختلف بعضها عن بعض فإن أعلى منزلة فيها الوسيلة، ليس فوقها درجة، لا ينالها غير [[النبي محمد]] {{صل}}، قال تعالى: {{نص قرآني|تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٢٥٣.</ref>. | ||
قال الزمخشري: «أي: ومنهم من رفعه على سائر | قال الزمخشري: «أي: ومنهم من رفعه على سائر [[الأنبياء]]، فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم درجات كثيرة، والظاهر أنه أراد محمداً {{صل}}، لأنه هو المفضل عليهم، حيث أوتي ما لم يؤته أحد من [[الآيات]] المتكاثرة المرتقية إلى ألف آية أو أكثر، وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى، لما فيه من [[الشهادة]] على أنه [[العلم]] الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس» <ref>الكشاف، الزمخشري، ١/ ٢٩٧.</ref>. | ||
ولا أحد أفضل ولا أكرم عند الله تعالى من صفوة | ولا أحد أفضل ولا أكرم عند الله تعالى من صفوة [[الخلق]]، صاحب [[الحوض]] المورود والمقام المحمود، نبينا [[محمد]] {{صل}}، فهو في الدرجة العالية الرفيعة في جنات [[النعيم]]، أعلى درجة في الجنة، ليس فوقها درجة، اختص بها {{صل}} دون غيره من [[أنبياء الله]] تعالى ورسله عليهم [[الصلاة]] والسلام. | ||
فقد ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص ما، أنه سمع النبي {{صل}} يقول: {{نص حديث|إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها | فقد ورد عن عبد [[الله]] بن عمرو بن العاص ما، أنه سمع [[النبي]] {{صل}} يقول: {{نص حديث|إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه، ثم يصلي على النبي {{صل}} ثم يسأل له الوسيلة، ١/٢٨٨، رقم ٣٨٤.</ref>. | ||
وسمّيت درجة النبي {{صل}} الوسيلة؛ لأنها أقرب الدرجات إلى | وسمّيت درجة النبي {{صل}} الوسيلة؛ لأنها أقرب الدرجات إلى [[العرش]]، وأصل الوسيلة [[القرب]]، من وسل إليه إذا [[تقرب]] إليه، ومعناها الوصلة، ولهذا كانت أفضل [[الجنة]] وأشرفها وأعظمها نوراً ولما كان [[النبي]] {{صل}} أعظم [[الخلق]] عبودية لربه وأشدهم له [[خشية]] كانت منزلته أقرب المنازل لعرشه <ref>انظر: فيض القدير، المناوي، ٤/١٠٨.</ref>. | ||
لذا نرى أن النبي {{صل}} حث أمته وأمرها أن يسألوا الله تعالى له الوسيلة لينالوا بهذا الدعاء شفاعته {{صل}} في الآخرة. | لذا نرى أن النبي {{صل}} حث أمته وأمرها أن يسألوا [[الله تعالى]] له الوسيلة لينالوا بهذا [[الدعاء]] شفاعته {{صل}} في [[الآخرة]]. | ||
وكما أن درجة الوسيلة أعلى درجة في الجنة لا تكون إلا لنبينا محمد {{صل}}، فهناك | وكما أن درجة الوسيلة أعلى درجة في الجنة لا تكون إلا لنبينا [[محمد]] {{صل}}، فهناك أيضاً أدنى [[أهل الجنة]] منزلة، فعن المغيرة بن شعبة أن [[الرسول]] {{صل}} قال: (سأل [[موسى]] ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة، قال: هو رجل يجيء بعد ما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي [[رب]]، كيف، وقد نزل [[الناس]] منازلهم وأخذوا أخذاتهم، فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل [[ملك]] من ملوك [[الدنيا]]، فيقول: رضيت رب، فيقول: لك ذلك، ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولذت عينك، فيقول: رضيت رب، قال: رب، فأعلاهم منزلة، قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على [[قلب]] [[بشر]]، قال: ومصداقه في [[كتاب الله]] عز وجل: {{نص قرآني|فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}}<ref> سورة السجدة، الآية ١٧.</ref>. <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، ١/١٧٦، رقم ١٨٩.</ref> | ||
فهذه درجات الجنة ومنازلها العالية متفاوته بعضها فوق بعض، أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين من أهل الجنة على قدر إيمانهم وأعمالهم وتوفيق الله تعالى لهم، وأعلى تلك الدرجات | فهذه درجات الجنة ومنازلها العالية متفاوته بعضها فوق بعض، أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين من أهل الجنة على [[قدر]] إيمانهم وأعمالهم وتوفيق الله تعالى لهم، وأعلى تلك الدرجات [[الفردوس]]، ولا تنال تلك الدرجات العلى إلا بالطاعة والإيمان والعمل [[الصالح]]، والتنافس والتسابق في الخيرات.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | ||
==صفة الجنة ونعيمها== | ==صفة الجنة ونعيمها== | ||
تحدث القرآن | تحدث [[القرآن]] كثيراً عن الجنة وصفاتها وما فيها من [[النعيم]] المقيم الذي أعده الله تعالى لعباده المؤمنين، وسوف نستعرض في هذا المبحث بعض ما جاء فيها من خلال النقاط الآتية: | ||
===أبواب الجنة=== | ===أبواب الجنة=== | ||
ذكر القرآن الكريم في آياته أن للجنة | ذكر [[القرآن الكريم]] في آياته أن للجنة أبواباً يدخل منها [[المؤمنون]] إلى جنات الخلد. | ||
وفي معنى الباب يقول الراغب الاصفهاني: «الباب يقال لمدخل الشيء، وأصل ذلك: مداخل الأمكنة، كباب المدينة والدار والبيت، وجمعه: أبواب، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ}}<ref> | وفي معنى الباب يقول الراغب الاصفهاني: «الباب يقال لمدخل الشيء، وأصل ذلك: مداخل الأمكنة، كباب المدينة والدار والبيت، وجمعه: أبواب، قال تعالى: {{نص قرآني|وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ}}<ref> سورة يوسف، الآية ٢٥.</ref>. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني | لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ}}<ref> | وقال تعالى: {{نص قرآني|لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ}}<ref> سورة يوسف، الآية ٦٧.</ref>. | ||
ومنه يقال في العلم: باب كذا، وهذا العلم باب إلى علم كذا، أي: به يتوصل إليه، وقد يقال: أبواب الجنة وأبواب جهنم للأشياء التي بها يتوصل إليهما» <ref>المفردات ص١٥٠.</ref>. | ومنه يقال في [[العلم]]: باب كذا، وهذا العلم باب إلى علم كذا، أي: به يتوصل إليه، وقد يقال: أبواب [[الجنة]] وأبواب [[جهنم]] للأشياء التي بها يتوصل إليهما» <ref>المفردات ص١٥٠.</ref>. | ||
أما أبواب الجنة قال تعالى: {{ نص قرآني |وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ | أما أبواب الجنة قال تعالى: {{نص قرآني|وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}}<ref> سورة الزمر، الآية ٧٣.</ref>. | ||
قال ابن كثير : «وهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين حين يساقون على النجائب | قال [[ابن كثير]]: «وهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين حين يساقون على النجائب وفداً إلى الجنة {{نص قرآني|زُمَراً}}، أي: جماعة بعد جماعة: المقربون، ثم الأبرار، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم كل طائفة مع من يناسبهم: [[الأنبياء]] مع الأنبياء والصديقون مع أشكالهم، والشهداء مع أضرابهم، والعلماء مع أقرانهم، وكل صنف مع صنف، كل زمرة تناسب بعضها بعضاً» <ref>تفسير القرآن العظيم، ٧/١١٩.</ref>. | ||
وتصف هذه الآية الكريمة المشهد العظيم للمؤمنين الوافدين إلى جنات الخلد التي أعدها الله تعالى لهم، حيث تتلقاهم الملائكة وتحييهم وتهنيهم بسلامة وصولهم ودخولهم الجنة والخلود فيها، {{نص قرآني|سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}}. | وتصف هذه [[الآية]] الكريمة المشهد [[العظيم]] للمؤمنين الوافدين إلى جنات الخلد التي أعدها [[الله تعالى]] لهم، حيث تتلقاهم [[الملائكة]] وتحييهم وتهنيهم بسلامة وصولهم ودخولهم الجنة والخلود فيها، {{نص قرآني|سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}}. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ}}<ref> | وقال تعالى: {{نص قرآني|جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ}}<ref> سورة ص، الآية ٥٠.</ref>. أي: جنات إقامة مفتحة لهم الأبواب<ref>تفسير القرآن العظيم، ٧/٧٧.</ref>، وإنما قال: «مفتحة» ولم يقل مفتوحة، لأنها تفتح لهم بالأمر لا بالمس، كما قال [[الحسن]] البصري: [[تكلم]]: انفتحي، فتنفح. انغلقي، فتنغلق. وقيل: تفتح لهم الملائكة الأبواب <ref>انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٥/٢١٩.</ref>. | ||
يقول ابن القيم : «وإن في تفتيح الأبواب لهم إشارة إلى تصرفهم وذهابهم وإيابهم وتبوءهم في الجنة حيث شاؤوا، ودخول الملائكة عليهم كل وقت بالتحف والألطاف من ربهم، ودخول ما يسرهم عليهم كل وقت، | يقول [[ابن القيم]]: «وإن في تفتيح الأبواب لهم إشارة إلى تصرفهم وذهابهم وإيابهم وتبوءهم في الجنة حيث شاؤوا، ودخول الملائكة عليهم كل وقت بالتحف والألطاف من ربهم، ودخول ما يسرهم عليهم كل وقت، وأيضاً إشارة إلى أنها دار أمن لا يحتاجون فيها إلى غلق الأبواب كما كانوا يحتاجون إلى ذلك في [[الدنيا]]» <ref>حادي الأرواح، ابن القيم ١/٥٤.</ref>. | ||
وجاء في الحديث الصحيح عن سهل بن | وجاء في [[الحديث الصحيح]] عن سهل بن سعد، عن [[النبي]] {{صل}} قال: {{نص حديث|في الجنة ثمانية أبواب، فيها باب يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون}}<ref>أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة أبواب الجنة، ٤/١١٩، رقم ٣٢٥٧.</ref>. | ||
وعن أبي | وعن أبي هريرة، أن [[رسول الله]] {{صل}} قال: {{نص حديث|من أنفق زوجين في سبيل الله، نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة}}، فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على من دعي من تلك الأبواب من [[ضرورة]]، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها، قال: {{نص حديث|نعم وأرجو أن تكون منهم}} <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب الريان للصائمين، ٣/٢٥، رقم ١٨٩٧.</ref>. | ||
وهذه الأدلة تثبت أن للجنة | وهذه [[الأدلة]] تثبت أن للجنة أبواباً كثيرة ذكرت في [[القرآن الكريم]] بشكل عام دون تفصيل أو مسميات، إلا أن [[السنة النبوية]] المطهرة بينت شأن تلك الأبواب وعددها وسمّت بعض أبوابها وذكرت سعتها. | ||
قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي : «وقد أبهم الباري سبحانه أبواب الجنة في الطاعات ليلتزم الراجي لدخولها جميعها» <ref>قانون التأويل، أبو بكر بن العربي، ١/٥٤٩.</ref>. | قال [[الإمام]] الحافظ أبو بكر بن [[العربي]]: «وقد أبهم [[الباري]] سبحانه أبواب [[الجنة]] في الطاعات ليلتزم الراجي لدخولها جميعها» <ref>قانون التأويل، أبو بكر بن العربي، ١/٥٤٩.</ref>. | ||
وأما عدد أبواب الجنة فقد ورد في الحديث الصحيح عن عبادة بن الصامت عن رسول الله {{صل}} قال: {{نص حديث|من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن | وأما عدد أبواب الجنة فقد ورد في الحديث الصحيح عن [[عبادة]] بن الصامت عن رسول الله {{صل}} قال: {{نص حديث|من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله، وابن أمته، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار، ١/٥٧، رقم ٢٨.</ref>. | ||
وأما سعة أبواب الجنة، فقد ورد عن أبي هريرة | وأما سعة أبواب الجنة، فقد ورد عن أبي هريرة عن [[رسول الله]] {{صل}} قال: {{نص حديث|إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، ١/١٨٤، رقم ١٩٤.</ref>. | ||
قال الإمام النووي : المصراعان جانبا الباب، وهجر مدينة عظيمة هي قاعدة بلاد البحرين، وأما بصرى وهي مدينة معروفة، بينها وبين دمشق نحو ثلاث مراحل وهي مدينة حوران، وبينها وبين مكة شهر | قال [[الإمام النووي]]: المصراعان جانبا الباب، وهجر مدينة عظيمة هي قاعدة بلاد البحرين، وأما بصرى وهي مدينة معروفة، بينها وبين دمشق نحو ثلاث مراحل وهي مدينة حوران، وبينها وبين [[مكة]] شهر <ref>انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم، ٣/٦٩.</ref>. | ||
ولعلو شأن الجنة وأبوابها فأن أول من يقرع بابها سيدنا النبي محمد {{صل}}، ولا تفتح أبواب الجنة لأحد قبل رسول الله {{صل}}، حيث ورد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله {{صل}}: {{نص حديث|آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب في قول النبي {{صل}}: «أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعا»، ١/١٨٨، رقم ١٩٧.</ref>. | ولعلو شأن [[الجنة]] وأبوابها فأن أول من يقرع بابها سيدنا [[النبي محمد]] {{صل}}، ولا تفتح أبواب الجنة لأحد قبل رسول الله {{صل}}، حيث ورد عن [[أنس بن مالك]] قال: قال رسول الله {{صل}}: {{نص حديث|آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب في قول النبي {{صل}}: «أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعا»، ١/١٨٨، رقم ١٩٧.</ref>. | ||
ويتبين مما مضى أن الجنة ذات أبواب واسعة عظيمة تليق بسعتها، وتدل على علو شأنها ومنزلتها وقدرها، يدخل منها المؤمنون الجنة، وأن أول من يقرع تلك الأبواب هو سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. | ويتبين مما مضى أن الجنة ذات أبواب واسعة عظيمة تليق بسعتها، وتدل على [[علو]] شأنها ومنزلتها وقدرها، يدخل منها [[المؤمنون]] الجنة، وأن أول من يقرع تلك الأبواب هو سيدنا [[محمد]] عليه [[الصلاة]] والسلام.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | ||
===الأنهار=== | ===الأنهار=== | ||
بشّر الله تعالى عباده المؤمنين بأنه أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار في آيات عديدة، منها قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}}<ref> | بشّر [[الله تعالى]] عباده المؤمنين بأنه أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار في آيات عديدة، منها قوله تعالى: {{نص قرآني|وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٢٥.</ref>. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}}<ref> | وقال تعالى: {{نص قرآني|أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٣٦.</ref>. | ||
وسياق هذه الآيات يدل على أن تلك الأنهار جارية وموجودة في الجنة، أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين، وتكرر ذكرها في آيات كثيرة، وكلها مقترنة بحرف «من» ما عدا آية واحدة في قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ}}<ref> | وسياق هذه [[الآيات]] يدل على أن تلك الأنهار جارية وموجودة في الجنة، أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين، وتكرر ذكرها في آيات كثيرة، وكلها مقترنة بحرف «من» ما عدا آية واحدة في قوله تعالى: {{نص قرآني|وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ}}<ref> سورة التوبة، الآية ١٠٠.</ref>. | ||
ويشير ابن القيم | ويشير [[ابن القيم]] لدلالة هذا التكرار بأمور: «أحدها: وجود الأنهار فيها حقيقية، والثاني: أنهار جارية لا واقفة، والثالث: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار [[الدنيا]]، وقد [[ظن]] بعض المفسرين أن معنى ذلك جريانها بأمرهم وتصريفهم لها كيف شاؤوا، كأن الذي حملهم على ذلك أنه لما سمعوا أن أنهارها تجري في غير أخدود فهي جارية على وجه [[الأرض]]؛ حملوا قوله تجري من تحتها الأنهار على أنها تجري بأمرهم؛ إذ لا يكون فوق المكان تحته، وهؤلاء أتوا من [[ضعف]] [[الفهم]]، فإن أنهار [[الجنة]] وإن جرت في غير أخدود فهي تحت القصور والمنازل والغرف وتحت الأشجار، وهو سبحانه لم يقل من تحت أرضها» <ref>حادي الارواح، ١/١٧٨.</ref>. | ||
«وقد أخبر سبحانه عن جريان الأنهار تحت الناس في الدنيا فقال {{ نص قرآني |أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ | «وقد أخبر سبحانه عن جريان الأنهار تحت [[الناس]] في الدنيا فقال {{نص قرآني|أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٦.</ref>. فهذا على ما هو المعهود والمتعارف وكذلك ما حكاه من قول [[فرعون]] {{نص قرآني|وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي}}<ref> سورة الزخرف، الآية ٥١.</ref>»<ref>حادي الارواح، ١/١٧٨.</ref>. | ||
ومن نعم الجنة كثرة الأنهار الجارية فيها، وهي أنهار متنوّعة تحدثت بعض الآيات الكريمة عن أصنافها وأوصافها، فقال تعالى: {{ نص قرآني |مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ }}<ref> | ومن نعم الجنة كثرة الأنهار الجارية فيها، وهي أنهار متنوّعة تحدثت بعض [[الآيات]] الكريمة عن أصنافها وأوصافها، فقال تعالى: {{نص قرآني|مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ}}<ref> سورة محمد، الآية ١٥.</ref>. أي: صفة الجنة العجيبة العظيمة الشأن التي [[وعد]] المتقون [[الشرك]] والمعاصي، {{نص قرآني|فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ}} غير متغير الطعم واللون والرائحة، {{نص قرآني|وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ}} كما تتغير ألبان الدنيا بالحموضة وغيرها، إذ فيها ما تشتهيه الأنفس، {{نص قرآني|وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ}} أي: لذيذة، ليس فيها [[كراهة]] طعم وريح، ولا غائلة سكر، وإنما هي تلذذ محض، {{نص قرآني|وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى}} لم يخرج من بطون النحل فيخالطه شمع أو غيره <ref>انظر: البحر المديد، ابن عجيبة، ٥/٣٦٣.</ref>. | ||
قيل: بدأ من هذه الأنهار بالماء لأنه لا يستغنى عنه قط، ثم باللبن لأنه يجري مجرى المطعوم والمشروب في كثير من الأوقات، ثم بالخمر؛ لأنه إذا حصل الري والمطعوم تشوقت النفس إلى ما يلتذ به، ثم بالعسل لأنه فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض من المشروب والمطعوم فهو متأخر فى الرتبة<ref>انظر: البحر المديد، ابن عجيبة، ٥/٣٦٣.</ref>. | قيل: بدأ من هذه الأنهار بالماء لأنه لا يستغنى عنه قط، ثم باللبن لأنه يجري مجرى المطعوم والمشروب في كثير من الأوقات، ثم بالخمر؛ لأنه إذا حصل الري والمطعوم تشوقت [[النفس]] إلى ما يلتذ به، ثم بالعسل لأنه فيه الشفاء في [[الدنيا]] مما يعرض من المشروب والمطعوم فهو متأخر فى الرتبة<ref>انظر: البحر المديد، ابن عجيبة، ٥/٣٦٣.</ref>. | ||
وجاء هذا التنويع في الشراب ليلبي رغبات | وجاء هذا التنويع في الشراب ليلبي رغبات [[البشر]]، ويستثير فيهم شوقهم إلى [[الجنة]]، فالمشهد في [[الآية]] كله أشربة وهي أنهار أيضا لتوحي بالكثرة والوفرة، والديمومة وعدم [[الانقطاع]]، وإن كانت هذه الأشربة معروفة لدى [[الناس]] في الدنيا، إلا أن طعمها مختلف، ونوعها أجود <ref>وظيفة الصورة الفنية في القرآن، عبد السلام الراغب، ص٣٦٥.</ref>. | ||
وذكرت الأحاديث الشريفة أن في الجنة أربعة أنهار، كما ورد عن أنس بن | وذكرت [[الأحاديث الشريفة]] أن في الجنة أربعة أنهار، كما ورد عن [[أنس بن مالك]]، قال: قال [[رسول الله]] {{صل}}: {{نص حديث|رفعت إلى السدرة، فإذا أربعة أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان، فأما الظاهران: النيل والفرات، وأما الباطنان: فنهران في الجنة...}}<ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأشربة، باب شرب اللبن، ٧/١٠٩، رقم ٥٦١٠.</ref>. | ||
وعن أبي هريرة | وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله {{صل}}: {{نص قرآني|سيحان وجيحان، والفرات والنيل كل من أنهار الجنة}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب ما في الدنيا من أنهار الجنة، ٤/٢١٨٣، رقم ٢٨٣٩.</ref>. | ||
قال الإمام ملا علي القاري : «إنما جعل الأنهار الأربعة من أنهار الجنة، لما فيها من العذوبة والهضم، ولتضمنها البركة الإلهية، وتشرفها بورود الأنبياء إليها وشربهم منها» <ref>مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري، ٩/٣٥٨٦.</ref>. | قال [[الإمام]] ملا علي القاري: «إنما جعل الأنهار الأربعة من أنهار الجنة، لما فيها من العذوبة والهضم، ولتضمنها البركة الإلهية، وتشرفها بورود [[الأنبياء]] إليها وشربهم منها» <ref>مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري، ٩/٣٥٨٦.</ref>. | ||
ولا يمكن القول بأن أنهار الجنة تنحصر في هذه الأربعة التي ذكرت في الأحاديث السابقة؛ وذلك لأن تلك الأحاديث ذكرت أسماء بعض أنهار الجنة، ولم تذكر أنواعها بالتحديد التي قال تعالى عنها: {{ نص قرآني |مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى}}<ref> | ولا يمكن القول بأن أنهار الجنة تنحصر في هذه الأربعة التي ذكرت في [[الأحاديث]] السابقة؛ وذلك لأن تلك الأحاديث ذكرت أسماء بعض أنهار الجنة، ولم تذكر أنواعها بالتحديد التي قال تعالى عنها: {{نص قرآني|مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى}}<ref> سورة محمد، الآية ١٥.</ref>. | ||
فالماء واللبن والخمر والعسل كلها أنهار من كل الأصناف التي ذكرت. | فالماء واللبن والخمر والعسل كلها أنهار من كل الأصناف التي ذكرت. | ||
قال الزركشي: «فأعاد ذكر الأنهار مع كل صنف، وكان يكفي أن يقال فيها: أنهار من ماء، ومن لبن، ومن خمر، ومن عسل، لكن لما كانت الأنهار من الماء حقيقة وفيما عدا الماء | قال [[الزركشي]]: «فأعاد ذكر الأنهار مع كل صنف، وكان يكفي أن يقال فيها: أنهار من ماء، ومن لبن، ومن خمر، ومن عسل، لكن لما كانت الأنهار من الماء [[حقيقة]] وفيما عدا الماء مجازاً للتشبيه، فلو اقتصر على ذكرها مع الماء وعطف [[الباقي]] عليه لجمع بين [[الحقيقة]] والمجاز، فإن قلت: فهلا أفرد ذكر الماء وجمع الباقي صيغة واحدة؟ قيل: لو [[فعل]] ذلك لجمع بين محامل من [[المجاز]] مختلفة في صيغة واحدة، وهو قريب في المنع من الذي قبله» <ref>البرهان، الزركشي، ٣/٣٣.</ref>. | ||
وعلى ذلك يتبين أن في الجنة | وعلى ذلك يتبين أن في [[الجنة]] أنهاراً كثيرة، جعلها [[الله تعالى]] نعيماً لعباده المؤمنين وأوليائه الصالحين، وهي متنوعة الأشكال والألوان والمذاق بين ماء عذب، ولبن سائغ، وخمر شهي، وعسل صافٍ، ومختلفة الأسماء والعدد كما مرّ في [[الآيات]] والأحاديث المتقدمة، ومن الأنهار التي ذكرت في [[القرآن الكريم]] ما يأتي: | ||
#أنهار من ماء: قال تعالى: {{نص قرآني|فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ}}. أي: أنهار من ماء غير متغير الريح، يقال منه: قد أسن ماء هذه البئر: إذا تغيرت ريح مائها فأنتنت، فهو يأسن أسنا، وأما إذا أجن الماء وتغير، فإنه يقال له: أسن فهو يأسن، ويأسن أسونا، وماء أسن، وهذه المياه ليست كالتي في | #أنهار من ماء: قال تعالى: {{نص قرآني|فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ}}. أي: أنهار من ماء غير متغير الريح، يقال منه: قد أسن ماء هذه البئر: إذا تغيرت ريح مائها فأنتنت، فهو يأسن أسنا، وأما إذا أجن الماء وتغير، فإنه يقال له: أسن فهو يأسن، ويأسن أسونا، وماء أسن، وهذه المياه ليست كالتي في [[الدنيا]]؛ لأن المياه في الدنيا تتغير بأحد وجهين: إما النجاسة وآفة تصيبها، أو لطول [[الزمان]] والمكث، فيخبر أن ليس في الجنة شيء يغير مياهها<ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٢/١٦٧، تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٩/٢٧٢.</ref> . ولم ترد كلمة (تجري) للأنهار في هذه [[الآية]]، لأن الماء الآسن لا يكون إلا بركود الماء، فلم يتطلب السياق ذكر كلمة (تجري)، أما في قوله تعالى: {{نص قرآني|تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٢٥.</ref>، لم يكن هناك من داع لتحديد {{نص قرآني|غَيْرِ آسِنٍ}} لأنه جاء وصف الأنهار بالجريان، الأمر الذي لا يؤدي إلى أن تأسن الماء <ref>انظر: لمسات بيانية، فاضل السامرائي ص٦٢٦.</ref>. وتؤكد الآية الكريمة حقيقة علمية: «قبل أن يكشف [[العلم]] بوسائله وأدواته [[عالم]] الميكروبات أي الجراثيم التي توجد في الماء الراكد، الذي يصير مستودعاً لملايين البكتيريا والطفيليات الضارة التي تصيب [[الإنسان]] والحيوان بالأمراض، فأنه لما اخترع الإنسان المناظير المكبرة رأى بواسطتها كيف أن الماء الراكد يموج بملايين الكائنات الدقيقة التي لا ترى بالعين المجردة، وتتكاثر بسرعة هائلة؛ فتفسد الماء وتجعله متغير الرائحة والطعم، وسبباً في [[الأمراض]] والأوبئة التي ما كان أحد يعرف مصدرها قبل اكتشافها بواسطة المجهر (الميكروسكوب) أي: مكبر الصور إلى درجة [[كبيرة]]» <ref>القرآن وإعجازه العلمي، محمد إسماعيل ص١١٧.</ref>. | ||
#أنهار من اللبن: اللبن جمعه: ألبان، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ}}<ref> | #أنهار من اللبن: اللبن جمعه: ألبان، قال تعالى: {{نص قرآني|وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ}}<ref> سورة محمد، الآية ١٥.</ref>. أي: «لم يحمض ولم يصر قارصاً ولا حازراً كألبان [[الدنيا]]، وتغير الريح لا يفارق تغير الطعم» <ref>تفسير المراغي، ٢٦/٥٨.</ref>. قال الطبري: «لم يتغير طعمه لأنه لم يحلب من حيوان فيتغير طعمه بالخروج من الضروع، ولكنه خلقه [[الله]] ابتداء في الأنهار، فهو بهيئته لم يتغير عما خلقه عليه» <ref>جامع البيان، الطبري، ٢٢/١٦٧.</ref>. | ||
#أنهار من خمر: قال تعالى: {{ نص قرآني |وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ}}<ref> | #أنهار من خمر: قال تعالى: {{نص قرآني|وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ}}<ref> سورة محمد، الآية ١٥.</ref>. أي: «وفيها أنهار من خمر لذيذة لهم، إذ لم تدنسها الأرجل، ولم ترنّقها (تكدرها) الأيدى كخمر الدنيا، وليس فيها [[كراهة]] طعم وريح، ولا غائلة سكر وخمار كخمور الدنيا، فلا يتكرّهها الشاربون» <ref>تفسير المراغي، ٢٦/٥٨.</ref>. وروى الضحاك عن [[ابن عباس]] قال: «في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول، وقد ذكر الله خمر [[الجنة]] فنزهها عن هذه الخصال» <ref>النكت والعيون، الماوردي، ٥/٤٥٢.</ref>. وهذا من [[فضل]] [[الله تعالى]] على عباده المتقين أن جعلهم يتلذذون بالخمر الذي حرموا منه في [[الحياة]] الدنيا؛ جزاء لهم على طاعتهم وانقيادهم لأمر الله تعالى، فخمر الدنيا كريهة الرائحة تسلب [[عقل]] من شربها، خلاف خمر الجنة التي وصفت باللذة الكاملة. | ||
#أنهار من عسل: قال تعالى: {{ نص قرآني | وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى}}<ref> | #أنهار من عسل: قال تعالى: {{نص قرآني|وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى}}<ref> سورة محمد، الآية ١٥.</ref>. أي: «وفيها أنهار من عسل قد صفّى من القذى وما يكون فى عسل أهل الدنيا قبل التصفية من الشمع وفضالات النحل وغيرها»<ref>النكت والعيون، الماوردي، ٥/٤٥٢.</ref>. | ||
#الكوثر: قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}}<ref> | #الكوثر: قال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}}<ref> سورة الكوثر، الآية ١.</ref>. واختلف أهل [[التأويل]] في معنى الكوثر على أقوال، منها: | ||
##أنه نهر في الجنة، وهو المشهور والمستفيض عند السلف والخلف <ref>انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٢/٣١٣.</ref>، واستدلوا على ذلك بما ورد عن | ##أنه نهر في الجنة، وهو المشهور والمستفيض عند [[السلف]] والخلف <ref>انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٢/٣١٣.</ref>، واستدلوا على ذلك بما ورد عن أنس، عن [[النبي]] {{صل}} قال: (بينما أنا أسير في [[الجنة]]، إذا أنا بنهر، حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا [[جبريل]]؟ قال: هذا الكوثر، الذي أعطاك ربك، فإذا طينه - أو طيبه - مسك أذفر) <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب في الحوض، ٨/١٢٠، رقم ٦٥٨١.</ref>. وعن [[ابن عباس]]، قال: «الكوثر: نهر في الجنة حافتاه من ذهب وفضة، يجري على الياقوت والدر، ماؤه أبيض من الثلج، وأحلى من العسل» <ref>جامع البيان، الطبري ٢٤/٦٤٥.</ref>، وقال أيضاً: نهر أعطاه [[الله]] محمداً {{صل}} في الجنة <ref>جامع البيان، الطبري، ٢٤/٦٤٦.</ref>. | ||
##أنه حوض، والأخبار فيه مشهورة، ووجه التوفيق بين هذا القول والقول الأول أن يقال: لعل النهر ينصب في | ##أنه حوض، والأخبار فيه مشهورة، ووجه [[التوفيق]] بين هذا القول والقول الأول أن يقال: لعل النهر ينصب في [[الحوض]]، أو لعل الأنهار إنما تسيل من ذلك الحوض، فيكون ذلك الحوض كالمنبع <ref>انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٢/٣١٣.</ref>. قال عطاء: «حوض في الجنة أعطيه [[رسول الله]] {{صل}}» <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٤/ ٦٤٨.</ref>. | ||
##عني بالكوثر الخير الكثير، وهو قول ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة<ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٤/ ٦٤٨.</ref>. قال الراغب الاصفهاني: «قيل: هو نهر في الجنة يتشعب عنه الأنهار، وقيل: بل هو الخير العظيم الذي أعطاه النبي {{صل}}، وقد يقال للرجل السخي: كوثر، ويقال: تكوثر الشيء: كثر كثرة متناهية» | ##عني بالكوثر [[الخير]] الكثير، وهو قول ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة<ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٤/ ٦٤٨.</ref>. قال الراغب الاصفهاني: «قيل: هو نهر في الجنة يتشعب عنه الأنهار، وقيل: بل هو الخير [[العظيم]] الذي أعطاه النبي {{صل}}، وقد يقال للرجل السخي: كوثر، ويقال: تكوثر الشيء: كثر كثرة متناهية» <ref>المفردات ص٧٠٣.</ref>. والأقوال كثيرة ومتعددة في [[تأويل]] معنى الكوثر، وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: هو [[اسم]] النهر الذي أعطيه رسول الله {{صل}} في الجنة، لتتابع الأخبار عن رسول الله {{صل}} بذلك. قال الحافظ [[ابن حجر]]: «ثبت تخصيصه بالنهر من لفظ النبي {{صل}} فلا معدل عنه» <ref>فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، ٨/٧٣٢.</ref>. | ||
ويتضح مما تقدم أن من نعم الجنة التي لا تنقطع ولا تفنى أن جعل الله تعالى فيها | ويتضح مما تقدم أن من نعم الجنة التي لا تنقطع ولا تفنى أن جعل [[الله تعالى]] فيها أنهاراً جارية من الماء واللبن والخمر والعسل، والكوثر الذي أعطاه الله تعالى لنبينا [[محمد]] {{صل}}، ترده أمته [[يوم القيامة]]، ثبث بالآيات والأحاديث المتقدمة.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | ||
===العيون=== | ===العيون=== | ||
لم يكتف القرآن بذكر الأنهار الجارية في الجنة، بل تحدث عن العيون المتفجرة والمتنوعة في أرجائها، أعطاها الله تعالى لعباده المتقين، قال الله تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}}<ref> | لم يكتف [[القرآن]] بذكر الأنهار الجارية في الجنة، بل تحدث عن العيون المتفجرة والمتنوعة في أرجائها، أعطاها [[الله تعالى]] لعباده المتقين، قال [[الله تعالى]]: {{نص قرآني|إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}}<ref> سورة الحجر، الآية ٤٥.</ref>. | ||
وذكرت عيون الجنة في آيات كثيرة، حيث بينت أسماء بعضها وميزتها، وهذا من فضل الله تعالى الذي أعده لعباده المتقين بحسب مراتبهم في الجنة، ومن تلك العيون ما يأتي: | وذكرت عيون [[الجنة]] في آيات كثيرة، حيث بينت أسماء بعضها وميزتها، وهذا من [[فضل]] الله تعالى الذي أعده لعباده المتقين بحسب مراتبهم في الجنة، ومن تلك العيون ما يأتي: | ||
#تسنيم: أخبر الله تعالى عن العين التي يشرب منها المقربون في الجنة فقال تعالى: {{ نص قرآني |وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ | #تسنيم: أخبر الله تعالى عن العين التي يشرب منها المقربون في الجنة فقال تعالى: {{نص قرآني|وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ}}<ref> سورة المطففين، الآية ٢٧-٢٨.</ref>. قال [[الإمام]] [[الرازي]]: «تسنيم: علم لعين بعينها في الجنة، سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه، إما لأنها أرفع شراب في الجنة، وإما لأنها تأتيهم من فوق، على ما روي أنها تجري في الهواء مسنمة فتنصب في أوانيهم، وإما لأنها لأجل كثرة ملئها وسرعته تعلو على كل شيء تمر به وهو تسنيمه، أو لأنه عند الجري يرى فيه ارتفاع وانخفاض، فهو التسنيم أيضاً، وذلك لأن أصل هذه [[الكلمة]] للعلو والارتفاع» <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٣١/٩٣.</ref>. وقوله تعالى: {{نص قرآني|عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ}}<ref> سورة المطففين، الآية ٢٨.</ref>، أي: يشربها المقربون صرفاً، وتمزج لأصحاب اليمين مزجاً، قاله [[ابن مسعود]]، وابن عباس، ومسروق، وقتادة، وغيرهم <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٨/٣٥٣.</ref>. | ||
#الكافور: قال تعالى | #الكافور: قال تعالى واصفاً عين الكافور: {{نص قرآني|الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}}<ref> سورة الناس، الآية ٥-٦.</ref>. أي: «إن الذين بروا بطاعتهم ربهم فأدّوا فرائضه واجتنبوا معاصيه يشربون من خمر كان مزاج ما فيها من الشراب كالكافور طيب رائحة وبرداً وبياضاً، وهذا المزاج من عين يشرب منها عباد [[الله]] المتقون وهم في غرف الجنات، يسوقونها إليهم سوقاً سهلاً إلى حيث يريدون، وينتفعون بها كما يشاءون، ويتبعهم ماؤها إلى كل مكان يحبون وصوله إليه» <ref>تفسير المراغي، ٢٩/١٦٤.</ref>. وقوله تعالى: {{نص قرآني|يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً}}<ref> سورة الإنسان، الآية ٦.</ref>، أي: «يفجرون تلك العين التي يشربون بها كيف شاءوا وحيث شاءوا من منازلهم وقصورهم تفجيراً، ويعني بالتفجير: الإسالة والإجراء» <ref>جامع البيان، الطبري، ٢٤/٩٤.</ref>. | ||
#سلسبيل: ذكر الله تعالى أن في الجنة | #سلسبيل: ذكر الله تعالى أن في الجنة عيناً تسمى السلسبيل. قال تعالى: {{نص قرآني|عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً}}<ref> سورة الإنسان، الآية ١٨.</ref>. واختلف أهل [[التأويل]] في معنى {{نص قرآني|سَلْسَبِيلاً}} على ستة أقوال: | ||
##أنه اسم لها، قاله عكرمة. | ##أنه [[اسم]] لها، قاله عكرمة. | ||
## معناه سل | ## معناه سل سبيلاً إليها، قاله علي . | ||
##يعني سلسلة السبيل، قاله مجاهد. | ##يعني سلسلة السبيل، قاله مجاهد. | ||
##سلسلة يصرفونها حيث شاءوا، قاله قتادة. | ##سلسلة يصرفونها حيث شاءوا، قاله قتادة. | ||
##أنها تنسلّ في حلوقهم | ##أنها تنسلّ في حلوقهم انسلالاً، قاله [[ابن عباس]]. | ||
##أنها الحديدة الجري، قاله مجاهد | ##أنها الحديدة الجري، قاله مجاهد أيضاً <ref>انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٦/١٧١.</ref>. | ||
قيل: عني بقوله سلسبيلا سلسة | قيل: عني بقوله سلسبيلا سلسة منقاداً ماؤها، وهو قول قتادة. | ||
وقال آخرون: عني بذلك أنها شديدة الجرية، قاله مجاهد. | وقال آخرون: عني بذلك أنها شديدة الجرية، قاله مجاهد. | ||
وقال بعضهم: إن سلسبيل صفة للعين بالتسلسل، وقيل: إنما أراد | وقال بعضهم: إن سلسبيل صفة للعين بالتسلسل، وقيل: إنما أراد عيناً تسمى سلسبيلا، أي: تسمى من طيبها السلسبيل، أي: توصف للناس <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٤/١٠٧.</ref>. | ||
قال الطبري: «والصواب من القول في ذلك أن قوله: {{ نص قرآني |تُسَمَّى | قال الطبري: «والصواب من القول في ذلك أن قوله: {{نص قرآني|تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً}}<ref> سورة الإنسان، الآية ١٨.</ref> صفة للعين، وصفت بالسلاسة في الحلق، وفي حال الجري، وانقيادها لأهل [[الجنة]] يصرفونها حيث شاءوا، كما قال مجاهد وقتادة؛ وإنما عني بقوله {{نص قرآني|تُسَمَّىا}}: أي توصف»<ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٤/١٠٩.</ref>. | ||
وهذه من النعم التي أعدها الله تعالى لعباده المتقين، فتلك العيون التي يفجرها الله تعالى لهم زيادة في المتعة والتلذذ وهم في الجنات يتصرفون فيها كيف شاؤوا، وحيث أرادوا من دورهم ومنازلهم ومجالسهم، بحسب مراتبهم في الجنة؛ جزاء بما كانوا يعملون. | وهذه من النعم التي أعدها [[الله تعالى]] لعباده المتقين، فتلك العيون التي يفجرها الله تعالى لهم زيادة في [[المتعة]] والتلذذ وهم في الجنات يتصرفون فيها كيف شاؤوا، وحيث أرادوا من دورهم ومنازلهم ومجالسهم، بحسب مراتبهم في الجنة؛ جزاء بما كانوا يعملون.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | ||
=== القصور=== | === القصور=== | ||
إن من نعيم الجنة الذي وعد الله عز وجل به عباده من المؤمنين والمؤمنات أن جعل لهم | إن من نعيم الجنة الذي [[وعد]] [[الله]] عز وجل به عباده من المؤمنين والمؤمنات أن جعل لهم قصوراً في الجنة. | ||
قال الله تعالى: {{ نص قرآني |تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ | قال الله تعالى: {{نص قرآني|تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً}}<ref> سورة الفرقان، الآية ١٠.</ref>. | ||
ويخبر القرآن الكريم في آيات أخرى أن الجنّة ليست مجرد أشجار وثمار تجري من تحتها الأنهار الجارية وتتفجر منها العيون، بل فيها قصور ومساكن وبيوت وخيام يسكن داخلها المؤمنون في حياتهم الخالدة في الجنّة، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}}<ref> | ويخبر [[القرآن الكريم]] في آيات أخرى أن الجنّة ليست مجرد أشجار وثمار تجري من تحتها الأنهار الجارية وتتفجر منها العيون، بل فيها قصور ومساكن وبيوت وخيام يسكن داخلها [[المؤمنون]] في حياتهم الخالدة في الجنّة، قال تعالى: {{نص قرآني|وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}}<ref> سورة التوبة، الآية ٧٢.</ref>. | ||
وقد سمى الله تعالى في آيات أخرى هذه المساكن بالغرفات، قال تعالى: {{ نص قرآني |لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ}}<ref> | وقد سمى الله تعالى في آيات أخرى هذه المساكن بالغرفات، قال تعالى: {{نص قرآني|لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ}}<ref> سورة الزمر، الآية ٢٠.</ref>. | ||
والغرف في الجنة هي القصور الشاهقة، طباق فوق طباق، مبنيات محكمات مزخرفات عاليات <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧/٩١.</ref>. | والغرف في [[الجنة]] هي القصور الشاهقة، طباق فوق طباق، مبنيات [[محكمات]] مزخرفات عاليات <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧/٩١.</ref>. | ||
ووصف الإمام القرطبي تلك القصور بقوله: «قصور من الزبرجد والدر والياقوت يفوح طيبها من مسيرة خمسمائة عام» <ref>الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٨/٢٠٤.</ref>. | ووصف [[الإمام]] [[القرطبي]] تلك القصور بقوله: «قصور من الزبرجد والدر والياقوت يفوح طيبها من مسيرة خمسمائة عام» <ref>الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٨/٢٠٤.</ref>. | ||
وذكرت السنة النبوية المطهرة بأن الله تعالى أعد | وذكرت [[السنة النبوية]] المطهرة بأن [[الله تعالى]] أعد قصوراً في الجنة لعباده المؤمنين، حيث وصف لنا [[النبي]] {{صل}} بعض القصور التي شاهدها في الجنة وذلك، كما ورد عن جابر بن عبد [[الله]]، قال: قال [[رسول الله]] {{صل}}: (دخلت الجنة، فإذا أنا بقصر من ذهب، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لرجل من [[قريش]]، فما منعني أن أدخله يا ابن [[الخطاب]]، إلا ما أعلم من غيرتك)، قال: وعليك أغار يا رسول الله <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التعبير، باب القصر في المنام، ٩/٣٩، رقم ٧٠٢٤.</ref>. | ||
ومن كمال النعم أن أهل الجنة يعرفون مساكنهم وقصورهم التي أعدت لهم في الجنة كما قال تعالى: {{ نص قرآني |وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ}}<ref> | ومن [[كمال]] النعم أن [[أهل الجنة]] يعرفون مساكنهم وقصورهم التي أعدت لهم في الجنة كما قال تعالى: {{نص قرآني|وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ}}<ref> سورة محمد، الآية ٦.</ref>. أي: «عرّفها وبيّنها لهم، حتى إن الرجل ليأتي منزله منها إذا دخلها كما كان يأتي منزله في [[الدنيا]]، لا يشكل عليه ذلك» <ref>جامع البيان، الطبري، ٢٢/١٦٠.</ref>. | ||
ويؤكد ذلك قوله {{صل}}: {{نص حديث|يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا}} <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب القصاص يوم الجمعة، ٨/١١١، رقم ٦٥٣٥.</ref>. | ويؤكد ذلك قوله {{صل}}: {{نص حديث|يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا}} <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب القصاص يوم الجمعة، ٨/١١١، رقم ٦٥٣٥.</ref>.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | ||
===الأثاث=== | ===الأثاث=== | ||
ذكر القرآن الكريم في بعض آياته أثاث أهل الجنة، ومنه ما يأتي: | ذكر [[القرآن الكريم]] في بعض آياته أثاث أهل الجنة، ومنه ما يأتي: | ||
#السرر: وصف الله تعالى سرر أهل الجنة فقال تعالى: {{ نص قرآني |مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ}}<ref> | #السرر: وصف الله تعالى سرر أهل الجنة فقال تعالى: {{نص قرآني|مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ}}<ref> سورة الطور، الآية ٢٠.</ref>. وقال تعالى: {{نص قرآني|عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ}}<ref> سورة الواقعة، الآية ١٥.</ref>. وقال تعالى: {{نص قرآني|فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ}}<ref> سورة الغاشية، الآية ١٣.</ref>. وهذه السرر قد صفّ بعضها إلى بعض، وقوبل بعضها ببعض، مرمولة بالذهب، مشبكة بالدر والياقوت، عالية في الهواء وذلك لأجل أن يرى [[المؤمن]] إذا جلس عليها جميع ما أعطاه ربه في [[الجنة]] من [[النعيم]] والملك <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٣/٩٩، النكت والعيون، الثعلبي، ٩/١٢٧، مفاتيح الغيب، الرازي، ٣١/١٤٣.</ref>. والسرر قد تكون في [[الدنيا]] مصفوفة، ولكن لا تكون موضونة؛ أي: منسوجة؛ والوضن: لا يكون بين السرر في [[الآخرة]] انفصال ولا فروج، كما يكون في الدنيا، لكن موصولة بعضها ببعض <ref>تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٩/٤٩٠.</ref>. | ||
#الفرش: قال تعالى: {{ نص قرآني |مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ}}<ref> | #الفرش: قال تعالى: {{نص قرآني|مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ}}<ref> سورة الرحمن، الآية ٥٤.</ref>. وقال تعالى: {{نص قرآني|وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ}}<ref> سورة الواقعة، الآية ٣٤.</ref>. فوصف الفرش بكونها مبطنة بالإستبرق وهذا يدل على أمرين، أحدهما: أن ظهائرها أعلى وأحسن من بطائنها، لأن بطائنها للأرض، وظهائرها للجمال والزينة والمباشرة، والثاني: يدل على أنها فرش عالية، لها سمك وحشو بين البطانة والظهارة. | ||
#النمارق: قال تعالى: {{ نص قرآني |وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ}}<ref> | #النمارق: قال تعالى: {{نص قرآني|وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ}}<ref> سورة الغاشية، الآية ١٥.</ref>. والنمارق: «جمع نمرقة، وهي: الوسادة التي يتكىء عليها الجالس والمضطجع، ومصفوفة: أي جعل بعضها قريباً من بعض صفاً، أي أينما أراد الجالس أن يجلس وجدها» <ref>التحرير والتنوير، ٣٠/٣٠٢.</ref>. قال [[ابن عباس]]: النمارق: الوسائد، وكذا قال عكرمة، وقتادة، والضحاك، والسدي، والثوري، وغيرهم <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٨/٣٨٦.</ref>. فمعنى [[الآية]]: ووسائد مصفوف بعضها إلى جوانب بعض، فإن شاءوا جلسوا عليها، وإن أرادوا استندوا إليها، وإن أحبوا أن يجلسوا على بعضها ويستندوا إلى بعض فعلوا <ref>تفسير المراغي، ٣٠/١٣٥.</ref>. | ||
#الأرائك: قال تعالى: {{ نص قرآني | مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ | #الأرائك: قال تعالى: {{نص قرآني|مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً}}<ref> سورة الكهف، الآية ٣١.</ref>. ومعنى الاتكاء: جلسة الراحة والترف، قيل: الاضطجاع، وقيل: التربع في الجلوس <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٥/١٥٦، التحرير والتنوير، ١٥/٣١٤.</ref>. الأرائك: جمع أريكة، وهي سرير في حجلة، أما للسرير وحده فلا يسمى أريكة، والحجلة: قبة من ثياب تكون في البيت تجلس فيها المرأة أو تنام فيها، ولذلك يقال للنساء: ربات الحجال، فإذا وضع فيها سرير للاتكاء أو الاضطجاع فهي أريكة، ويجلس فيها الرجل وينام مع المرأة، وذلك من [[شعار]] أهل [[الترف]] <ref>انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢١/٤٦١، التحرير والتنوير، ١٥/٣١٤.</ref>. وقوله: {{نص قرآني|نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً}}، أي: نعمت [[الجنة]] ثواباً على أعمالهم، {{نص قرآني|وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً}}، أي: حسنت منزلاً ومقيلاً ومقاماً <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٥/١٥٦.</ref>. | ||
#الأكواب: وصف الله تعالى أكواب أهل | #الأكواب: وصف [[الله تعالى]] أكواب [[أهل الجنة]]، فقال تعالى: {{نص قرآني|وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا}}<ref> سورة الإنسان، الآية ١٥.</ref>. وقال تعالى: {{نص قرآني|وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ}}<ref> سورة الغاشية، الآية ١٤.</ref>. ثم أخبر أن تلك الأكواب قوارير من فضة، قيل: هي من فضة، ولها صفاء القوارير، يرى ما فيها من الشراب من خارجها؛ لصفائها <ref>تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ١٠/٣٦٦.</ref>. أي: يطوف عليهم خدم الجنة بأواني الطعام، وهي من فضة خالصة، وبأكواب الشراب، وهي أيضاً من فضة، وقد جعلت هذه الأكواب جامعة بياض الفضة، وصفاء الزجاج وشفافيته. وعني بقوله: {{نص قرآني|وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ}}: أنها موضوعة على حافة العين الجارية، كلما أرادوا الشرب وجدوها ملأى من الشراب <ref>جامع البيان، الطبري، ٢٤/٣٨٧.</ref>. | ||
#الزرابي: قال تعالى: {{ نص قرآني |وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ}}<ref> | #الزرابي: قال تعالى: {{نص قرآني|وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ}}<ref> سورة الغاشية، الآية ١٦.</ref>. والزرابي: جمع زربٍ، وهو ضرب من الثياب محبّر منسوب إلى موضع، وعلى طريق [[التشبيه]] والاستعارة قال: {{نص قرآني|وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ}}.<ref>انظر: المفردات، ص٣٧٩.</ref> قال [[ابن كثير]]: «وقوله تعالى: (ۀ ہ)، قال [[ابن عباس]]: الزرابي: [[البسط]]، وكذا قال الضحاك، وغير واحد، ومعنى مبثوثة، أي: هاهنا وهاهنا لمن أراد الجلوس عليها» <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ٨/٣٨٦.</ref>. وعلى هذا فإن الزرابي نوع من أثاث الجنة، وهي: البسط التي يجلس عليها، والتي تكون مبثوثة، أي: مفرقة في المجالس. | ||
#العبقري: قال تعالى: {{ نص قرآني |وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ}}<ref> | #العبقري: قال تعالى: {{نص قرآني|وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ}}<ref> سورة الرحمن، الآية ٧٦.</ref>. قال [[الراغب الأصفهاني]]: عبقرٌ قيل: هو موضعٌ للجنّ ينسب إليه كلّ نادر من [[إنسان]]، وحيوان، وثوب، وقوله تعالى: {{نص قرآني|وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ}}، وهو ضرب من الفرش فيما قيل، جعله [[الله]] مثلاً لفرش الجنّة <ref>انظر: المفردات، ص٥٤٤.</ref>. قال [[ابن عاشور]]: «وعبقري وصف لما كان فائقاً في صنفه، عزيز الوجود، وهو نسبة إلى عبقر: [[اسم]] بلاد [[الجن]] في معتقد [[العرب]] فنسبوا إليه كل ما تجاوز [[العادة]] في الإتقان والحسن، حتى كأنه ليس من الأصناف المعروفة في أرض [[البشر]]، فشاع ذلك فصار العبقري وصفاً للفائق في صنفه» <ref>التحرير والتنوير، ٢٧/٢٧٥.</ref>. وقيل إن العبقري: هي الزرابي الحسان، أي: [[البسط]]، وهو قول [[ابن عباس]] وقتادة والضحاك والسدي وسعيد بن جبير تعالى <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٣/٨٥، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧/٥٠٩.</ref>. | ||
ويتضح مما مضى أن في الجنة التي وعد الله تعالى بها عباده المؤمنين | ويتضح مما مضى أن في [[الجنة]] التي [[وعد]] [[الله تعالى]] بها عباده المؤمنين أثاثاً لا يشبه أثاث [[الحياة]] [[الدنيا]]، فأثاث [[أهل الجنة]] متعدد الأنواع والأشكال، من سرر وأرائك وفرش وعبقري ونمارق وزرابي وغيرها.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | ||
=== أشجار الجنة وثمارها=== | === أشجار الجنة وثمارها=== | ||
لا شك أن الجنة التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين قد خلق الله تعالى فيها الأشجار والثمار متنوعة الأشكال والأحجام دائمة العطاء، ولا تشبه أشجار الدنيا وثمارها وأن تشابهت في الأسماء، وقد ذكر الله تعالى في آياته الكريمة | لا شك أن الجنة التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين قد خلق الله تعالى فيها الأشجار والثمار متنوعة الأشكال والأحجام دائمة العطاء، ولا تشبه أشجار الدنيا وثمارها وأن تشابهت في الأسماء، وقد ذكر الله تعالى في آياته الكريمة أنواعاً من أشجار وثمار الجنة، منها ما يأتي: | ||
#النخل: ذكر النخل في القرآن الكريم في عشرين | #النخل: ذكر النخل في [[القرآن الكريم]] في عشرين موضعاً <ref>انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد ص٧٨٥.</ref> منها قوله تعالى: {{نص قرآني|فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ}}<ref> سورة الرحمن، الآية ٦٨.</ref>. ووصف الله تعالى نخل الجنة بقوله تعالى: {{نص قرآني|فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ}}<ref> سورة الرحمن، الآية ١١.</ref>. والأكمام: جمع كم -بكسر الكاف- وهو وعاء ثمر النخلة، ويقال له: الكفرى، فليست الأكمام مما ينتفع به، فتعين أن ذكرها مع النخل للتحسين، ووصف النخل بذات الأكمام وصف للتحسين فهو [[اعتبار]] بأطوار ثمر النخل، وامتنان بجماله وحسنه كقوله تعالى: {{نص قرآني|وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ}}<ref> سورة النحل، الآية ٦.</ref> فامتن بمنافعها وبحسن منظرها <ref>انظر: التحرير والتنوير، ٢٧/٢٤٢.</ref>. قال [[الحسن]] البصري: {{نص قرآني|ذَاتُ الْأَكْمَامِ}}<ref> سورة الرحمن، الآية ١١.</ref>: «أي ذات الليف، فإن النخلة قد تكمم بالليف، وكمامها ليفها الذي في أعناقها» <ref>الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٧/١٥٦.</ref>. وأفردها بالذكر لكثرتها بالبلاد العربية، وكثرة فوائدها، لأنه ينتفع بثمارها رطبة ويابسة، وينتفع بجميع أجزائها، فيتخذ من خوصها السلال والزنابيل، ومن ليفها الحبال، ومن جريدها سقف البيوت، ويؤكل جمّارها، ومن ثم ذكرها باسمها، وذكر الفاكهة دون أشجارها <ref>انظر: تفسير المراغي، ٢٧/١٠٨</ref>.. | ||
#الرمان: ورد ذكر الرمان في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع<ref>انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد ص٣٩٩.</ref> منها قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ | #الرمان: ورد ذكر الرمان في [[القرآن الكريم]] في ثلاثة مواضع<ref>انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد ص٣٩٩.</ref> منها قوله تعالى: {{نص قرآني|وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٩٩.</ref>. ووصف [[الله تعالى]] الرمان بأنه من أشجار [[الجنة]]، قال تعالى: {{نص قرآني|فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ}}<ref> سورة الرحمن، الآية ٦٨.</ref>. قال [[القرطبي]]: «قال بعض [[العلماء]]: ليس الرمان والنخل من الفاكهة، لأن الشيء لا يعطف على نفسه إنما يعطف على غيره، وهذا ظاهر [[الكلام]]، وقال الجمهور: هما من الفاكهة، وإنما أعاد ذكر النخل والرمان لفضلهما وحسن موقعهما على الفاكهة، كقوله تعالى: {{نص قرآني|حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٢٣٨.</ref>. وقوله: {{نص قرآني|مَنْ كَانَ عَدُواً لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٩٨.</ref>. <ref>الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٧/١٨٥.</ref> وقيل: إنما كررهما لأن النخل والرمان كانا عندهم في ذلك الوقت بمنزلة [[البر]] عندنا، لأن النخل عامة قوتهم، والرمان كالثمرات، فكان يكثر غرسهما عندهم لحاجتهم إليهما، وكانت الفواكه عندهم من ألوان الثمار التي يعجبون بها، فإنما ذكر الفاكهة، ثم ذكر النخل والرمان لعمومهما وكثرتهما عندهم من المدينة إلى [[مكة]] إلى ما والاها من أرض اليمن، فأخرجهما في [[الذكر]] من الفواكه وأفرد الفواكه على حدتها. وقيل: أفردا بالذكر لأن النخل ثمره فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء، فلم يخلصا للتفكه <ref>الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٧/١٨٦.</ref>. حكي عن [[ابن عباس]] أنه قال: الرمان ليس من الفاكهة، وكذلك الرطب؛ لأنهما أفردا بالذكر عن الفاكهة، وذكر الفراء هذا أيضاً <ref>انظر: تفسير السمعاني، ٥/٣٣٧.</ref>. وقال [[الإمام]] [[الرازي]]: ذكر الرمان والرطب لأنهما متقابلان، فأحدهما حلو والآخر غير حلو، وكذلك أحدهما حار والآخر بارد وأحدهما فاكهة وغذاء، والآخر فاكهة، وأحدهما من فواكه البلاد الحارة والآخر من فواكه البلاد الباردة، وأحدهما أشجاره في غاية الطول والآخر أشجاره بالضد وأحدهما ما يؤكل منه بارز ومالا يؤكل كامن، والآخر بالعكس، فهما كالضدين والإشارة إلى الطرفين تتناول الإشارة إلى ما بينهما <ref>انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٩/٣٨٠.</ref>. وعلى أية حال فأن الرمان سواء أكان شجرا أم فاكهة -باعتبار عطف [[الخاص]] على العام- فهو من نعم [[الله تعالى]] على عباده المؤمنين في [[الجنة]]. | ||
#السدر: ومن نعيم الجنة أشجار السدر التي ذكرها الله تعالى في قوله: {{ نص قرآني |فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ}}<ref> | #السدر: ومن نعيم الجنة أشجار السدر التي ذكرها الله تعالى في قوله: {{نص قرآني|فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ}}<ref> سورة الواقعة، الآية ٢٨.</ref>. وقوله: {{نص قرآني|فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ}}: السدر شجر النبق لا شوك فيه، من خضد الشوك إذا قطعه، أو مثني أغصانه من كثرة حمله، من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب» <ref>انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ٥/١٧٩، مدارك التنزيل، النسفي، ٣/٤٢٢.</ref>. وفي مخضود ثلاثة أقاويل: | ||
##أنه اللين الذي لا شوك فيه، قاله عكرمة، وقال غيره لا عجم لنبقه، يقال خضدت الشجرة إذا حذقت شوكها. | ##أنه اللين الذي لا شوك فيه، قاله عكرمة، وقال غيره لا عجم لنبقه، يقال خضدت الشجرة إذا حذقت شوكها. | ||
##أنه الموقر | ##أنه الموقر حملاً، قاله مجاهد. | ||
##المدلاة الأغصان، وخص السدر بالذكر لأن ثمره أشهى الثمر إلى النفوس | ##المدلاة الأغصان، وخص السدر بالذكر لأن ثمره أشهى الثمر إلى النفوس طعماً وألذه ريحاً» <ref>النكت والعيون، الماوردي، ٥/٤٥٣.</ref>. | ||
قال الراغب الاصفهاني: «السّدر: شجر قليل الغناء عند الأكل، ولذلك قال تعالى: {{ نص قرآني | وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ}}<ref> | قال الراغب الاصفهاني: «السّدر: شجر قليل [[الغناء]] عند الأكل، ولذلك قال تعالى: {{نص قرآني|وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ}}<ref> سورة سبأ، الآية ١٦.</ref>. | ||
وقد يخضد ويستظلّ به، فجعل ذلك | وقد يخضد ويستظلّ به، فجعل ذلك مثلاً لظلّ الجنة ونعيمها في قوله تعالى: {{نص قرآني|فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ}}<ref> سورة الواقعة، الآية ٢٨.</ref>؛ لكثرة غنائه في الاستظلال» <ref>المفردات، ص٤٠٣.</ref>. | ||
ووصف الله تعالى أن ظلال تلك الأشجار ممتد دائم بقوله تعالى: {{ نص قرآني |وَظِلٍّ مَمْدُودٍ}}<ref> | ووصف الله تعالى أن ظلال تلك الأشجار ممتد [[دائم]] بقوله تعالى: {{نص قرآني|وَظِلٍّ مَمْدُودٍ}}<ref> سورة الواقعة، الآية ٣٠.</ref>. أي: دائم باق لا يزول ولا تنسخه الشمس <ref>الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٧/٢٠٩.</ref>. | ||
وإما ثمار الجنة فلا تشبه ثمار الحياة الدنيا إلا بالاسماء. | وإما ثمار الجنة فلا تشبه ثمار [[الحياة]] [[الدنيا]] إلا بالاسماء. | ||
يقول الله تعالى: {{ نص قرآني |وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ | يقول الله تعالى: {{نص قرآني|وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٢٥.</ref>. | ||
كلما رزقوا منها: أي أطعموا من الجنة من ثمرة | كلما رزقوا منها: أي أطعموا من الجنة من ثمرة رزقاً طعاماً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل، أي: أطعمنا من الجنة من قبل، قيل: إذا أتي بطعام وثمار في أول النهار فأكلوا منها، ثم إذا أتي بها في آخر النهار، قالوا هذا الذي رزقنا من قبل، يعني الذي أطعمنا في أول النهار، لأن لونه يشبه لون ذلك، فإذا أكلوا منه وجدوا لها طعماً غير طعم الأول، وقيل: معناه كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل أي في [[الدنيا]]، لأن لونها يشبه لون ثمار الدنيا، فإذا أكلوا وجدوا طعمها غير ذلك <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ١/٣٦.</ref>. | ||
قال ابن عباس ما: «ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء يعني: أسماء الثمار<ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ١/٣٦.</ref>. | قال [[ابن عباس]] ما: «ليس في [[الجنة]] شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء يعني: أسماء الثمار<ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ١/٣٦.</ref>. | ||
ومن كمال المتعة واللذه أن هذه الثمار دانية مذللة لا مشقة في التقاطها، بل هي في متناول أيدي أهل | ومن [[كمال]] [[المتعة]] واللذه أن هذه الثمار دانية مذللة لا مشقة في التقاطها، بل هي في متناول أيدي [[أهل الجنة]]، كما وصفها [[الله تعالى]] بقوله: {{نص قرآني|قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ}}<ref> سورة الحاقة، الآية ٢٣.</ref>. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني | وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ}}<ref> | وقال تعالى: {{نص قرآني|وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ}}<ref> سورة الرحمن، الآية ٥٤.</ref>. أي: «قريب منهم، لأنهم لا يتعبون بصعود نخلها وشجرها، لاجتناء ثمرها، ولكنهم يجتنونها من قعود بغير عناء» <ref>الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٣/٦٢.</ref>. | ||
ويتبين مما مضى أن الله تعالى خلق في الجنة | ويتبين مما مضى أن الله تعالى خلق في الجنة أشجاراً كثيرة، منها: النخل والعنب والرمان والسدر والطلح والثمار، وغير ذلك ما لا يحصى، متنوعة ودانية الثمار ما تكمل به متعة أهل الجنة؛ ليتنعموا بها وهي باقية العطاء معهم بدوام نعيم الجنة الذي لا يفنى.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | ||
===الطعام والشراب=== | ===الطعام والشراب=== | ||
إن أهل الجنة يأكلون ويشربون لقوله تعالى: {{ نص قرآني |كُلُوا وَاشْرَبُوا | إن أهل الجنة يأكلون ويشربون لقوله تعالى: {{نص قرآني|كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}}<ref> سورة الطور، الآية ١٩.</ref>. أي: «يقال لهؤلاء المتقين في الجنات: كلوا أيها القوم مما آتاكم ربكم، واشربوا من شرابها هنيئاً، لا تخافون مما تأكلون وتشربون فيها أذى ولا غائلة بما كنتم تعملون في الدنيا لله من [[الأعمال]]» <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٢/٤٦٦.</ref>، ونحو [[الآية]] قوله تعالى: {{نص قرآني|كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ}}<ref> سورة الحاقة، الآية ٢٤.</ref>. | ||
وقوله تعالى: | وقوله تعالى: «هنيئاً إشارة إلى خلوهما عما يكون فيها من المفاسد في الدنيا، منها أن الآكل يخاف من المرض فلا يهنأ له الطعام، ومنها أنه يخاف النفاد فلا يسخو بالأكل، والكل منتف في [[الجنة]]، فلا مرض ولا [[انقطاع]]، فإن كل أحد عنده ما يفضل عنه، ولا [[إثم]] ولا تعب في تحصيله، فإن [[الإنسان]] في [[الدنيا]] ربما يترك [[لذة]] الأكل لما فيه من تهيئة المأكول بالطبخ والتحصيل من التعب أو المنة، أو ما فيه من [[قضاء الحاجة]] واستقذار ما فيه، فلا يتهنأ، وكل ذلك في الجنة منتف» <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٨/٢٠٦.</ref>، وترك ذكر المأكول والمشروب [[دلالة]] على تنوعهما وكثرتهما <ref>اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٨/١٢٦.</ref> . | ||
ووصف الله تعالى أكل الجنة فقال: {{ نص قرآني |مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ }}<ref> | ووصف [[الله تعالى]] أكل الجنة فقال: {{نص قرآني|مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ}}<ref> سورة الرعد، الآية ٣٥.</ref>. أي ما يؤكل فيها [[دائم]] لأهلها، لا ينقطع عنهم، ولا يزول ولا يبيد، ولكنه ثابتٌ إلى غير نهاية <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ١٦/٤٦٩.</ref>. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا | وقال تعالى: {{نص قرآني|لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلَاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِياً}}<ref> سورة مريم، الآية ٦٢.</ref>. أي: لهم ما يشتهون من المطاعم، [[قدر]] وقت البكرة ووقت العشي من نهار الدنيا، إذ لا ليل في الجنة ولا نهار <ref>انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٧/٤٥٦٤.</ref>. | ||
ومن طعام أهل الجنة: الفاكهة واللحم كما قال تعالى: {{ نص قرآني |وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ}}<ref> | ومن طعام [[أهل الجنة]]: الفاكهة واللحم كما قال تعالى: {{نص قرآني|وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ}}<ref> سورة الطور، الآية ٢٢.</ref>. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ}}<ref> | وقال تعالى: {{نص قرآني|وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ}}<ref> سورة الواقعة، الآية ٢٠-٢١.</ref>. أي: «واختار من المأكول أرفع الأنواع وهو الفاكهة واللحم فإنهما طعام المتنعمين، وجمع أوصافاً حسنة في قوله {{نص قرآني|مِّمَّا يَشْتَهُونَ}} لأنه لو ذكر نوعاً فربما يكون ذلك النوع غير مشتهى عند بعض [[الناس]]، فقال: كل أحد يعطى ما يشتهي، فإن قيل: الاشتهاء كالجوع وفيه نوع ألم، نقول: ليس كذلك، بل الاشتهاء به [[اللذة]]، والله تعالى لا يتركه في الاشتهاء بدون المشتهى حتى يتألم، بل المشتهى حاصل مع [[الشهوة]]، والإنسان في الدنيا لا يتألم إلا بأحد أمرين، إما باشتهاء صادق وعجزه عن الوصول إلى المشتهى، وإما بحصول أنواع الأطعمة والأشربة عنده وسقوط شهوته وكلاهما منتف في [[الآخرة]]» <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٨/٢١٠.</ref>. | ||
وإن تقديم الفاكهة على اللحم للإشارة إلى أنهم ليسوا بحالة تقتضي تقديم اللحم كما في الجائع؛ فإن حاجته إلى اللحم أشد من حاجته إلى الفاكهة، بل هم بحالة تقتضي تقديم الفاكهة واختيارها، كما في الشبعان فإنه إلى الفاكهة أميل منه إلى اللحم، وجوز أن يكون ذلك لأن عادة أهل الدنيا -لا سيما أهل الشرب منهم- تقديم الفاكهة في الأكل وهو | وإن تقديم الفاكهة على اللحم للإشارة إلى أنهم ليسوا بحالة تقتضي تقديم اللحم كما في الجائع؛ فإن حاجته إلى اللحم أشد من حاجته إلى الفاكهة، بل هم بحالة تقتضي تقديم الفاكهة واختيارها، كما في الشبعان فإنه إلى الفاكهة أميل منه إلى اللحم، وجوز أن يكون ذلك لأن [[عادة]] أهل [[الدنيا]] -لا سيما أهل الشرب منهم- تقديم الفاكهة في الأكل وهو طباً مستحسن؛ لأنها ألطف وأسرع انحداراً وأقل احتياجاً إلى المكث في المعدة للهضم، وقد ذكروا أن أحد أسباب الهيضة إدخال [[اللطيف]] من الطعام على الكثيف منه ولأن الفاكهة تحرك [[الشهوة]] للأكل واللحم يدفعها غالبا <ref>انظر: روح المعاني، الألوسي، ١٤/١٣٧.</ref>. | ||
وجاء في الحديث الشريف عن جابر بن | وجاء في [[الحديث الشريف]] عن جابر بن عبدالله، قال: سمعت [[النبي]] {{صل}}، يقول: {{نص حديث|إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون}} قالوا: فما بال الطعام؟ قال: {{نص حديث|جشاء ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد، كما تلهمون النفس}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب في صفات الجنة وأهلها ٤/٢١٨٠، رقم ٢٨٣٥.</ref>. | ||
ووصف شراب أهل الجنة بقوله تعالى: {{ نص قرآني | يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ }}<ref> | ووصف شراب [[أهل الجنة]] بقوله تعالى: {{نص قرآني|يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ}}<ref> سورة المطففين، الآية ٢٥-٢٧.</ref>. أي: يسقى هؤلاء الأبرار من خمر صرف لا غشّ فيها، لم تمسسه الأيدي <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٤/٢٩٥، تفسير القرآن، السمعاني، ٦/١٨٣.</ref>، ومزاجه من تسنيم (عين في [[الجنة]]) يشرب منها المقربون. | ||
قال ابن عباس: «أشرف شراب أهل الجنة هو تسنيم، لأنه يشربه المقربون | قال [[ابن عباس]]: «أشرف شراب أهل الجنة هو تسنيم، لأنه يشربه المقربون صرفاً، ويمزج لأصحاب اليمين» <ref>انظر: المختارة الضياء المقدسي، ١٠/٣٠٠، حلية الأولياء، أبو نعيم الأصفهاني، ١/ ٣٤٣.</ref>. | ||
ويتضح مما تقدم: أن في الجنة التي وعد الله تعالى بها عباده المؤمنين أشهى الطعام والشراب، ولا يكون طعامهم من جوع ولا شرابهم من عطش، بل من كمال نعيمهم ومتعتهم ولذتهم التي أعدها الله تعالى لهم جزاء بما كانوا يعملون. | ويتضح مما تقدم: أن في الجنة التي [[وعد]] [[الله تعالى]] بها عباده المؤمنين أشهى الطعام والشراب، ولا يكون طعامهم من جوع ولا شرابهم من عطش، بل من [[كمال]] نعيمهم ومتعتهم ولذتهم التي أعدها الله تعالى لهم جزاء بما كانوا يعملون.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | ||
=== اللباس والحلي=== | === اللباس والحلي=== | ||
ذكر الله تعالى في آياته أن الجنة لا عري فيها. | ذكر الله تعالى في آياته أن الجنة لا عري فيها. | ||
قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى}}<ref> | قال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى}}<ref> سورة طه، الآية ١١٨.</ref>. وإن اللباس والحلي والزينة فيها من الحرير والذهب واللؤلؤ. | ||
قال تعالى: {{ نص قرآني |أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ | قال تعالى: {{نص قرآني|أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً}}<ref> سورة الكهف، الآية ٣١.</ref>. أي: لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات عدن تجري من دونهم ومن بين أيديهم الأنهار، ويلبسون فيها من الحلي أساور من ذهب، والسندس وهي ما رقّ من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه وثخن، وقيل: إن الإستبرق هو الحرير <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ١٨/١٨.</ref>. | ||
ووصف الله تعالى لباس أهل الجنة بقوله تعالى: {{ نص قرآني |وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ}}<ref> | ووصف [[الله تعالى]] لباس [[أهل الجنة]] بقوله تعالى: {{نص قرآني|وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ}}<ref> سورة الحج، الآية ٢٣.</ref>. أي: وجميع ما يلبسونه من فرشهم ولباسهم وستورهم حرير، وهو أعلى مما في [[الدنيا]] بكثير <ref>الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٢/٢٩.</ref>، وإن كان محظوراً عليهم في الدنيا، فأباحه [[الله]] لهم في الدار [[الآخرة]] لما صح عن [[عمر بن الخطاب]] عن [[النبي]] {{صل}} قال: (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب اللباس، باب لبس الحرير وافتراشه للرجال، وقدر ما يجوز منه، ٧/١٥٠، رقم ٥٨٣٤.</ref>. | ||
ولباس أهل الجنة لا يبلى كما يبلى لباس أهل الحياة الدنيا لقوله {{صل}}: {{نص حديث|من يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في دوام نعيم أهل الجنة، ٤/٢١٨١، رقم ٢٨٣٦</ref>.. | ولباس أهل الجنة لا يبلى كما يبلى لباس أهل [[الحياة]] الدنيا لقوله {{صل}}: {{نص حديث|من يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في دوام نعيم أهل الجنة، ٤/٢١٨١، رقم ٢٨٣٦</ref>.. | ||
ووصف بعض ثياب أهل الجنة بأنها خضراء اللون، كما قال تعالى: {{ نص قرآني |وَيَلْبَسُونَ | ووصف بعض ثياب أهل الجنة بأنها خضراء اللون، كما قال تعالى: {{نص قرآني|وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ}}<ref> سورة الكهف، الآية ٣١.</ref>. | ||
ونحو ذلك قوله تعالى: {{ نص قرآني |عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ }}<ref> | ونحو ذلك قوله تعالى: {{نص قرآني|عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ}}<ref> سورة الإنسان، الآية ٢١.</ref> . | ||
لأن الخضرة أحسن الألوان والنفس تنبسط بها أكثر من غيرها، وقيل: أنها تزيد في ضوء | لأن الخضرة أحسن الألوان والنفس تنبسط بها أكثر من غيرها، وقيل: أنها تزيد في ضوء [[البصر]]، وقيل: ثلاثة مذهبة للحزن: الماء، والخضرة، والوجه [[الحسن]] <ref>انظر: روح المعاني، الألوسي، ٨/٢٥٨.</ref>. | ||
قال القرطبي: «وخص الأخضر بالذكر لأنه الموافق للبصر، لأن البياض يبدد النظر ويؤلم، والسواد يذم، والخضرة بين البياض والسواد، وذلك يجمع الشعاع» <ref>الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٠/٣٩٧.</ref>. | قال [[القرطبي]]: «وخص الأخضر بالذكر لأنه الموافق للبصر، لأن البياض يبدد النظر ويؤلم، والسواد يذم، والخضرة بين البياض والسواد، وذلك يجمع الشعاع» <ref>الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٠/٣٩٧.</ref>. | ||
ويمكن القول إن ذكر الخضرة إنما جاء | ويمكن القول إن ذكر الخضرة إنما جاء ترغيباً للعباد في [[الجنة]]؛ وذلك أن هذا اللون من أحب الألوان إلى [[النفس]] وأكثرها راحة وبهجة للناظر. | ||
ولباسهم غير منحصر فيما ذكر إذ لهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين من اللباس الذي لا يحيط به وصف، ويحلون فيها بأنواع الذهب والفضة واللؤلؤ فقال تعالى: {{ نص قرآني |جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ | ولباسهم غير منحصر فيما ذكر إذ لهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين من اللباس الذي لا يحيط به وصف، ويحلون فيها بأنواع الذهب والفضة واللؤلؤ فقال تعالى: {{نص قرآني|جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ}}<ref> سورة فاطر، الآية ٣٣.</ref>. | ||
كما ثبت في الحديث الصحيح عن أبي | كما ثبت في [[الحديث الصحيح]] عن أبي هريرة، عن [[رسول الله]] {{صل}} أنه قال: {{نص حديث|تبلغ الحلية من المؤمن، حيث يبلغ الوضوء}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء، ١/٢١٩، رقم ٢٥٠.</ref>. | ||
ويتضح مما مضى: أن أهل الجنة ينعمون باللباس الفاخر من الحرير والسندس والإستبرق الذي لا يبلى ولا يتمزق، ولا يقتصر اللباس على ذلك بل لهم فيها ما يشتهون من الثياب ويحلون فيها بالذهب والفضة واللؤلؤ، ما لا تبلى ولا تفنى. | ويتضح مما مضى: أن [[أهل الجنة]] ينعمون باللباس الفاخر من الحرير والسندس والإستبرق الذي لا يبلى ولا يتمزق، ولا يقتصر اللباس على ذلك بل لهم فيها ما يشتهون من الثياب ويحلون فيها بالذهب والفضة واللؤلؤ، ما لا تبلى ولا تفنى.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | ||
=== نساء أهل الجنة=== | === نساء أهل الجنة=== | ||
تحدث القرآن الكريم في بعض آياته عن نساء أهل الجنة كما يأتي: | تحدث [[القرآن الكريم]] في بعض آياته عن نساء أهل الجنة كما يأتي: | ||
====الحور العين==== | ====الحور العين==== | ||
وهن زوجات المؤمنين في الجنة غير زوجاتهم في الدنيا لقوله تعالى: {{ نص قرآني |كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ}}<ref> | وهن زوجات المؤمنين في الجنة غير زوجاتهم في [[الدنيا]] لقوله تعالى: {{نص قرآني|كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ}}<ref> سورة الدخان، الآية ٥٤.</ref>. أي: أكرمناهم بأن زوجناهم حوراً عيناً، والحور: جمع حوراء، وهي الشديدة بياض مقلة العين في شدة سواد الحدقة، والعين: جمع عيناء، وهي العظيمة العين في حسن وسعة <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٢/٤٦٧، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٦/١٥٢.</ref>. | ||
ووصفت الحور العين في قوله تعالى: {{ نص قرآني | وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ }}<ref> | ووصفت الحور العين في قوله تعالى: {{نص قرآني|وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ}}<ref> سورة الصافات، الآية ٤٨-٤٩.</ref>. أي: غاضات الأعين عن غير أزواجهن، وقصرن طرفهن على أزواجهن، وقنعن بهم، ولا يبغين بهم بدلاً، وإنهن أحسن بياضاً من بيض النعام، والعرب تشبه [[النساء]] ببيض النعام. يقال: لا يكون لون البياض في شيء أحسن من بيض النعام. وقال قتادة: البيض التي لم تلوثه الأيدي. ويقال: البيض أراد به القشر الداخل من البيض المكنون قد خبأ، وكن من البرد والحر <ref>تفسير السمرقندي، ٣/١٤١.</ref>. | ||
وشبههن في موضع آخر بالياقوت والمرجان: {{ نص قرآني | فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ}}<ref> | وشبههن في موضع آخر بالياقوت والمرجان: {{نص قرآني|فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ}}<ref> سورة الرحمن، الآية ٥٦-٥٨.</ref>. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ}}<ref> | وقال تعالى: {{نص قرآني|حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ}}<ref> سورة الرحمن، الآية ٧٢.</ref>. أي: «وهؤلاء الخيّرات الحسان واسعات العيون مع صفاء البياض حول السواد، محبوسات فى الحجال، فلسن بطوّافات فى الطرقات، والعرب يمدحون [[النساء]] الملازمات للبيوت للدلالة على شدة الصيانة» <ref>تفسير المراغي، ٢٧/١٢٩.</ref>. | ||
ونساء الجنة مطهّرات من كل شيء، فلا بول ولا غائط ولا حيض ولا نفاس ولا ولادة، وكلما جاءها زوجها وجدها | ونساء [[الجنة]] مطهّرات من كل شيء، فلا بول ولا غائط ولا حيض ولا نفاس ولا ولادة، وكلما جاءها زوجها وجدها بكراً لقوله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً}}<ref> سورة الواقعة، الآية ٣٥-٣٧.</ref>. | ||
ويصف لنا النبي {{صل}} نساء الجنة بقوله {{صل}}: {{نص حديث|لو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأته | ويصف لنا [[النبي]] {{صل}} نساء الجنة بقوله {{صل}}: {{نص حديث|لو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأته ريحاً، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها}} <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب الحور العين، وصفتهن يحار فيها الطرف، شديدة سواد العين، شديدة بياض العين، ٤/١٧، رقم ٢٧٩٦.</ref>. | ||
وهذا قليل من كثير في صفات الحور العين لأنها كثيرة ومتنوعة، حيث خلقهن الله تعالى وأنشأنهن إنشاءً وجعلهن | وهذا قليل من كثير في صفات الحور العين لأنها كثيرة ومتنوعة، حيث خلقهن [[الله تعالى]] وأنشأنهن إنشاءً وجعلهن أبكاراً وجمالهن كاللؤلؤ المكنون المخفي المصان، قاصرات الطرف لا يتجاوز عن أزواجهن، مطهرات من كل أذى وحيض ونفاس، وبول وغائط، وبصاق ومخاط، ولو أطلت واحدة منهن على [[الدنيا]] لأضاءت ما بينهما.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | ||
====زوجات المؤمنين في الدنيا==== | ====زوجات المؤمنين في الدنيا==== | ||
أخبر الله تعالى أن زوجة المؤمن في الدنيا زوجته في الآخرة إذا كانت مؤمنة وصالحة. قال تعالى: {{ نص قرآني |جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ}}<ref> | أخبر الله تعالى أن زوجة [[المؤمن]] في الدنيا زوجته في [[الآخرة]] إذا كانت مؤمنة وصالحة. قال تعالى: {{نص قرآني|جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ}}<ref> سورة الرعد، الآية ٢٣.</ref>. أي: «يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها من الآباء والأهلين والأبناء، ممن هو [[صالح]] لدخول الجنة من المؤمنين؛ لتقر أعينهم بهم، حتى إنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى، من غير تنقيص لذلك الأعلى عن درجته، بل امتناناً من [[الله]] وإحساناً، كما قال تعالى: {{نص قرآني|وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ}}<ref> سورة الطور، الآية ٢١.</ref>.<ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤/٤٥١.</ref> | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ}}<ref> | وقال تعالى: {{نص قرآني|ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ}}<ref> سورة الزخرف، الآية ٧٠.</ref>. أي: يكرمون إكراماً على سبيل المبالغة، والحبرة: المبالغة في الإكرام فيما وصف بالجميل <ref>انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٧/٦٤٢.</ref>. ونساء [[الجنة]] لسن كنساء [[الدنيا]]، فإنهن مطهرات من الحيض والنفاس والبصاق والمخاط والبول والغائط، وهذا مقتضى قوله تعالى: {{نص قرآني|وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٢٥.</ref>. أي: «ولهم في الجنات أزواج تطهرن غاية التطهر، فليس فيهنّ ما يعبن عليه من خبث جسدي مما عليه [[النساء]] في الدنيا كالحيض والنفاس، أو نفسىي كالكيد والمكر وسائر مساوى [[الأخلاق]]» <ref>تفسير المراغي، ١/٦٩.</ref>. | ||
وتلك نساء أهل الجنة خلقهن الله تعالى لعباده المؤمنين، منهن من كانت زوجاتهم في الحياة الدنيا، ومنهن الحور العين، وكلهن من النعيم الذي يتنعم به أهل الجنة في الآخرة. | وتلك نساء [[أهل الجنة]] خلقهن [[الله تعالى]] لعباده المؤمنين، منهن من كانت زوجاتهم في [[الحياة]] الدنيا، ومنهن الحور العين، وكلهن من [[النعيم]] الذي يتنعم به أهل الجنة في [[الآخرة]].<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | ||
=== خدم أهل الجنة=== | === خدم أهل الجنة=== | ||
ذكر الله تعالى أن في الجنة خدما | ذكر الله تعالى أن في الجنة خدما ولداناً أو غلماناً خلقهم الله تعالى لخدمة أهل الجنة، يطوفون عليهم بآنية الشراب، كما قال تعالى: {{نص قرآني|يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ}}<ref> سورة الواقعة، الآية ١٧-١٨.</ref>. أي: «يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون، على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد» <ref>الهداية الى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ١١/٧٢٦٢.</ref>. | ||
وهم في غاية [[الجمال]] كأنهم اللؤلؤ المكنون كما وصفهم الله تعالى بقوله: {{نص قرآني|وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ}}<ref> سورة الطور، الآية ٢٤.</ref>. | |||
ونحو هذه [[الآية]] قوله تعالى: {{نص قرآني|وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً}}<ref> سورة الإنسان، الآية ١٩.</ref>. | |||
قال [[الإمام]] [[الرازي]]: شبهوا في حسنهم وصفاء ألوانهم وانتشارهم في مجالسهم ومنازلهم عند اشتغالهم بأنواع الخدمة باللؤلؤ المنثور، ولو كان صفاً لشبهوا باللؤلؤ المنظوم، ألا ترى أنه تعالى قال: {{نص قرآني|وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ}} فإذا كانوا يطوفون كانوا متناثرين، أو أنهم شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا انتثر من صدفه لأنه أحسن وأكثر ماء، أو أن هذا من [[التشبيه]] العجيب؛ لأن اللؤلؤ إذا كان متفرقاً يكون أحسن في المنظر؛ لوقوع شعاع بعضه على البعض فيكون مخالفاً للمجتمع منه <ref>انظر: مفاتيح الغيب، ٣٠/٧٥٣.</ref>.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | |||
=== سوق [[أهل الجنة]]=== | |||
جاء في [[الحديث الصحيح]] عن [[أنس بن مالك]] أن [[رسول الله]] {{صل}} قال: {{نص حديث|إن في الجنة لسوقاً يأتونها كل جمعة، فتهب ريح الشمال، فتحثوا في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسناً وجمالاً، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسناً وجمالاً، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في سوق الجنة وما ينالون فيها من النعيم والجمال، ٤/٢١٧٨، رقم ٢٨٣٣.</ref>. | |||
والمراد بالسوق: «مجمع لهم يجتمعون كما يجتمع [[الناس]] في [[الدنيا]] في السوق، ومعنى يأتونها كل جمعة: أي في مقدار كل جمعة أي: أسبوع، وليس هناك [[حقيقة]] أسبوع لفقد الشمس والليل والنهار، وقال القاضي: وخص ريح [[الجنة]] بالشمال؛ لأنها ريح المطر عند [[العرب]]، كانت تهب من جهة الشام، وبها يأتي سحاب المطر، وكانوا يرجون السحابة الشامية، وجاءت في [[الأحاديث]] تسمية هذه الريح المثيرة، أي المحركة؛ لأنها تثير في وجوههم ما تثيره من مسك أرض الجنة وغيره من نعيمها» <ref>انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي ١٧/١٧١.</ref>. | |||
وهذا يعني أن في الجنة سوقاً يلتقي فيه [[المؤمنون]] مع بعضهم البعض ويتحدث بعضهم لبعض؛ ويتذاكرون ما كان في الدار الدنيا، ويتجدد هذا اللقاء كل جمعة، وهذا من نعيم الجنة الذي أعده [[الله تعالى]] لعباده المؤمنين المتقين. | |||
.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | ومن جملة أحاديثهم ما جاء ذكره في قوله تعالى: {{نص قرآني|وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ}}<ref> سورة الطور، الآية ٢٥-٢٨.</ref>.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | ||
==صفة أهل الجنة وأخلاقهم== | ==صفة أهل الجنة وأخلاقهم== | ||
لم يتحدث القرآن الكريم عن صفة أهل الجنة في أعمارهم وأشكالهم وطولهم، وتكفلت السنة النبوية بذكر ذلك من خلال الأحاديث الصحيحة الواردة في صفة أهل الجنة، منها: ما ورد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله {{صل}}: {{نص حديث|إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أشد كوكب دُرِّيّ في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يتفلون، أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر وصفاتهم وأزواجهم، ٤/٢١٧٩، رقم ٢٨٣٤.</ref>. | لم يتحدث [[القرآن الكريم]] عن صفة أهل الجنة في أعمارهم وأشكالهم وطولهم، وتكفلت [[السنة النبوية]] بذكر ذلك من خلال الأحاديث الصحيحة الواردة في صفة أهل الجنة، منها: ما ورد عن أبي هريرة قال: قال [[رسول الله]] {{صل}}: {{نص حديث|إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أشد كوكب دُرِّيّ في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يتفلون، أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر وصفاتهم وأزواجهم، ٤/٢١٧٩، رقم ٢٨٣٤.</ref>. | ||
وعن أبي هريرة | وعن أبي هريرة عن [[النبي]] {{صل}} قال: {{نص حديث|أول زمرة تلج الجنة، صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يمتخطون، ولا يتغوطون فيها، آنيتهم وأمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم من الألوة، ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقهما من وراء اللحم، من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشياً}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في صفات الجنة وأهلها وتسبيحهم فيها بكرة وعشياً، ٤/٢١٨٠، رقم ٢٨٣٤.</ref>. | ||
وأما عن أعمارهم فعن معاذ بن جبل | وأما عن أعمارهم فعن معاذ بن جبل أن النبي {{صل}} قال: {{نص حديث|يدخل أهل الجنَّةِ الجَنَّةَ جُرْداً مرداً مكحلين، أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين سنة}} <ref>أخرجه أحمد في مسنده، ٣٦/٣٥٣، رقم ٢٢٠٢٤، والترمذي في سننه، أبواب صفة الجنة، باب ما جاء في سن أهل الجنة، ٤/٦٨٢، رقم ٢٥٤٥. قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب وبعض أصحاب قتادة رووا هذا عن قتادة، مرسلاً ولم يسندوه». وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢/١٣٤١، رقم ٨٠٧٢.</ref> | ||
وجُرْد: جمع أجرد وهو الذي لا شعر على جسده، مُرْد: جمع أمرد وهو غلام لا شعر على ذقنه، وقد يراد به الحسن بناء على الغالب،كُحْل: أي مكحول، وهو عين في أجفانها سواد خلقة <ref>انظر: مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري، ٩/٣٥٩٠.</ref>. | وجُرْد: جمع أجرد وهو الذي لا [[شعر]] على جسده، مُرْد: جمع أمرد وهو غلام لا شعر على ذقنه، وقد يراد به [[الحسن]] بناء على الغالب،كُحْل: أي مكحول، وهو عين في أجفانها سواد [[خلقة]] <ref>انظر: مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري، ٩/٣٥٩٠.</ref>. | ||
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله {{صل}}: {{نص حديث|أهل الجنة جرد مرد كحل، لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم}}<ref>أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة ثياب أهل الجنة، ٤/٦٧٩، رقم ٢٥٣٩ . قال الترمذي: «هذا حديث غريب». وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١/٤٩٥، رقم ٢٥٢٥.</ref>. | وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله {{صل}}: {{نص حديث|أهل الجنة جرد مرد كحل، لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم}}<ref>أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة ثياب أهل الجنة، ٤/٦٧٩، رقم ٢٥٣٩ . قال الترمذي: «هذا حديث غريب». وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١/٤٩٥، رقم ٢٥٢٥.</ref>. | ||
وأما أخلاق أهل الجنة فتتمثل في محبة بعضهم | وأما [[أخلاق]] [[أهل الجنة]] فتتمثل في [[محبة]] بعضهم بعضاً كما وصفهم [[الله تعالى]] في قوله: {{نص قرآني|وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ٤٣.</ref>. | ||
وقال تعالى: {{نص قرآني|وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ}}<ref> سورة الحجر، الآية ٤٧.</ref>. أي: «وأذهبنا من صدور هؤلاء الذين وصف صفتهم، وأخبر أنهم أصحاب [[الجنة]]، ما فيها من [[حقد]] وغلّ وعداوة كان من بعضهم في [[الدنيا]] على بعض، فجعلهم في الجنة إذا أدخلهموها على سرر متقابلين، لا يحسد بعضهم بعضاً على شيء خصّ [[الله]] به بعضهم وفضّله من كرامته عليه» <ref>جامع البيان، الطبري، ١٢/٤٣٧.</ref>. | |||
والمتأمل في [[الأدلة]] الماضية يرى أن أهل الجنة يدخلون الجنة على صور مختلفة، فمنهم من يكون على صورة [[القمر]] ليلة البدر، ومنهم من يكون على أشد كوكب دري إضاءة في [[السماء]]، وفي هذا [[دليل]] على تفاوت درجاتهم على [[قدر]] أعمالهم في [[الحياة]] الدنيا، وأزواجهم الحور العين، وقلوبهم مجتمعة على [[قلب]] واحد، منزوع منها الحقد والعداوة، وصورهم على صورة [[آدم]] {{ع}} ستون ذراعاً في السماء، أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين [[سنة]]، وهم جرد مرد كحل، لا تبلى ثيابهم، ولا يموتون.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | |||
==[[رؤية الله تعالى]]== | |||
==رؤية الله تعالى== | أخبر الله تعالى في آياته الكريمة برؤية أهل الجنة له في [[الآخرة]]، قال تعالى: {{نص قرآني|وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}}<ref> سورة القيامة، الآية ٢٢-٢٣.</ref>. أي: فوجوه المؤمنين المخلصين حين تقوم [[القيامة]] مضيئة مشرقة، تشاهد عليها نضرة [[النعيم]]، {{نص قرآني|إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}}، أي: تنظر إلى ربها عياناً بلا [[حجاب]] <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٨/٢٧٩، تفسير المراغي، ٢٨/١٥.</ref>. | ||
أخبر الله تعالى في آياته الكريمة برؤية أهل الجنة له في | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ }}<ref> | وقال تعالى: {{نص قرآني|لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}}<ref> سورة يونس، الآية ٢٦.</ref>. أي: للذين أحسنوا [[عبادة]] الله في الدنيا من خلقه، فأطاعوه فيما أمر ونهى، أو أن للذين أحسنوا أعمالهم في الدنيا المثوبة الحسنى أي: التي تزيد في [[الحسن]] على إحسانهم، وهي مضاعفتها بعشرة أمثالها أو أكثر، وجاء هذا المعنى في قوله: {{نص قرآني|لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى}}<ref> سورة النجم، الآية ٣١.</ref>. أي: ولهم زيادة على هذه الحسنى فوق ما يستحقون على أعمالهم بعد مضاعفتها <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ١٥/ ٦٢، تفسير المراغي، ١١/٩٥.</ref>. | ||
وقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم عن أبي بكر الصديق، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وأبو موسى وعبادة بن الصامت، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن سابط، ومجاهد، وعكرمة، وعامر بن سعد، وعطاء، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم من السلف والخلف <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤/٢٦٢.</ref>. | وقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى [[وجه الله]] [[الكريم]] عن أبي بكر الصديق، وحذيفة بن اليمان، وعبد [[الله]] بن عباس، وأبو [[موسى]] وعبادة بن الصامت، وسعيد بن المسيب، وعبد [[الرحمن]] بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن سابط، ومجاهد، وعكرمة، وعامر بن سعد، وعطاء، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم من [[السلف]] والخلف <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤/٢٦٢.</ref>. | ||
لذلك قال ابن القيم : «فلما نقلت رؤية الله سبحانه وتعالى بالأبصار في الآخرة عنهم ولم ينقل عنهم في ذلك اختلاف كما نقل عنهم فيها اختلاف في | لذلك قال [[ابن القيم]]: «فلما نقلت [[رؤية الله]] سبحانه وتعالى بالأبصار في [[الآخرة]] عنهم ولم ينقل عنهم في ذلك اختلاف كما نقل عنهم فيها اختلاف في [[الدنيا]]؛ علمنا أنهم كانوا على [[القول برؤية الله]] بالأبصار في الآخرة متفقين ومجتمعين» <ref>حادي الأرواح، ١/٣٣٢.</ref>. | ||
وورد عن النبي {{صل}} قال: {{نص حديث|إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون | وورد عن [[النبي]] {{صل}} قال: {{نص حديث|إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية: {{نص قرآني|لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}}<ref> سورة يونس، الآية ٢٦.</ref>}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى، ١/١٦٣، رقم ١٨١.</ref>. | ||
ودلالة الآيات المتقدمة أن الرؤية خاصة بالمؤمنين دون غيرهم من الكفار والمنافقين لذلك قال تعالى في شأن الكافرين: {{ نص قرآني |كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}}<ref> | ودلالة [[الآيات]] المتقدمة أن [[الرؤية]] خاصة بالمؤمنين دون غيرهم من [[الكفار]] والمنافقين لذلك قال تعالى في شأن الكافرين: {{نص قرآني|كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}}<ref> سورة المطففين، الآية ١٥.</ref>. | ||
وثبت جواز رؤية المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث، منها ما صح عن أبي هريرة | وثبت [[جواز]] [[رؤية]] المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة في [[الأحاديث]] [[الصحاح]] من طرق متواترة عند [[أئمة]] الحديث، منها ما صح عن أبي هريرة قال: أن ناساً قالوا: يا [[رسول الله]]، هل نرى ربنا [[يوم القيامة]]؟ قال: (هل تمارون في [[القمر]] ليلة البدر ليس دونه سحاب؟)، قالوا: لا يا رسول الله، قال: (فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟) قالوا: لا، قال: (فإنكم ترونه كذلك..) <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب فضل السجود، ١/١٦٠، رقم ٨٠٦.</ref>. | ||
وفي الحديث: دلالة على رؤية المؤمنين ربهم عز وجل في الدار | وفي الحديث: [[دلالة]] على [[رؤية]] المؤمنين ربهم عز وجل في الدار [[الآخرة]]، رؤية بالأبصار في عرصات [[القيامة]]، وفي روضات الجنان الفاخرة. | ||
ويتضح مما تقدم: أن أفضل ما يعطاه أهل الجنة يوم القيامة رؤية الله تعالى وهو أعلى نعيم أهل الجنة، وأنها الزيادة التي وعد الله تبارك وتعالى بها المؤمنين من أهل الجنة وبشرهم بها، وهي واقعة لهم دون الكافرين كما ثبت بالكتاب والسنة. | ويتضح مما تقدم: أن أفضل ما يعطاه [[أهل الجنة]] [[يوم القيامة]] [[رؤية الله تعالى]] وهو أعلى نعيم أهل الجنة، وأنها الزيادة التي [[وعد]] [[الله تبارك وتعالى]] بها المؤمنين من أهل الجنة وبشرهم بها، وهي واقعة لهم دون الكافرين كما ثبت بالكتاب والسنة.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | ||
==الأسباب الموجبة لدخول [[الجنة]]== | |||
إن دخول الجنة فوز عظيم لا يمكن أن ينال بالأعمال الصالحة فقط، وإنما ينال برحمة [[الله تعالى]] على عباده المؤمنين وفضله، لا من حيث الواجب لأنه لا واجب على الله تعالى، ويؤكد ذلك قوله {{صل}}: (ما من أحد يدخله عمله الجنة) فقيل: ولا أنت يا [[رسول الله]]؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني ربي برحمة) <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى، ٤/٢١٦٩، رقم ٢٨١٦.</ref>. | |||
ولا يتعارض هذا مع الأخذ بالأسباب لقوله تعالى: {{نص قرآني|وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}}<ref> سورة الزخرف، الآية ٧٢.</ref>. | |||
وقوله تعالى: {{نص قرآني|أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}}<ref> سورة الأحقاف، الآية ١٤.</ref>. | |||
لذلك لا بد لدخول الجنة من [[أعمال]] صالحة. | |||
كما | وتتفاوت درجات الجنة بحسب [[الأعمال]]، ويتنافس العباد في ذلك على [[قدر]] سعيهم وهمتهم للوصول إلى جنات الخلد، وتحدث [[القرآن الكريم]] عن ذلك في آيات كثيرة، وهذا ما سوف نوضحه من خلال النقاط الآتية: | ||
===[[الإيمان]] والعمل [[الصالح]]=== | |||
إن دوام الإيمان والعمل الصالح سبب لدخول الجنة، والله قدر لعبده [[المؤمن]] [[وجوب]] الجنة بما ييسره له من ذلك وبشره بها كما قال تعالى: {{نص قرآني|وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٨٢.</ref>. أي: «وأما الذين صدقوا [[الله]] ورسله، وآمنوا باليوم الآخر، وعملوا [[صالح]] الأعمال فأدّوا الواجبات، وانتهوا عن المعاصي فأولئك جديرون بدخول الجنة جزاء وفاقاً على إخباتهم لربهم وإنابتهم إليه وإخلاصهم له في السرّ والعلن، وفي هذا [[دليل]] على أن دخول [[الجنة]] منوط بالإيمان الصحيح والعمل [[الصالح]] معاً» <ref>تفسير المراغي، ١/١٥٤.</ref>. | |||
كما روي (أن [[النبي]] {{صل}} قال لسفيان بن عبد [[الله]] الثقفي، وقد قال له يا [[رسول الله]]، قل لي في [[الإسلام]] قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك، قال: قل آمنت بالله، ثم استقم) <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب جامع أوصاف الإسلام، ١/٦٥، رقم ٣٨.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}}<ref> سورة يونس، الآية ٩.</ref>. أي: إن الذين صدقوا الله ورسوله، {{نص قرآني|وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}}، وذلك [[العمل]] بطاعة الله والانتهاء إلى أمره، {{نص قرآني|يَهْدِيهِمْ}}، يرشدهم ربهم بإيمانهم به إلى الجنة <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ١٥/ ٢٧.</ref>. | |||
وقوله تعالى: {{نص قرآني|يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ}}، فيه وجوه منها: | |||
#أنه تعالى يهديهم إلى الجنة ثواباً لهم على إيمانهم وأعمالهم الصالحة، ويدل على ذلك قوله تعالى: {{نص قرآني|يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ}}<ref> سورة الحديد، الآية ١٢.</ref>. | |||
#إنّ المؤمنين يكون لهم نور يمشي بهم إلى الجنة، والثالث: أنه وصفهم بالهداية على طريق [[المدح]] لهم <ref>انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٢/٤٢٤، مفاتيح الغيب، الرازي، ١٧/٢١٣.</ref>. | |||
قال [[الإمام]] [[الرازي]]: فإن قيل: كيف يقال: إن [[العبد]] يحكم بكونه من [[أهل الجنة]] بمجرد [[الإيمان]]، والله سبحانه وتعالى شرط لذلك [[العمل الصالح]] بظاهر قوله: {{نص قرآني|وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}}<ref> سورة النساء، الآية ١٢٢.</ref>. | |||
وقوله: {{نص قرآني|وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ}}<ref> سورة النساء، الآية ١٢٤.</ref>. | |||
وإلا لما كان للتقييد فائدة؟ قلنا: إن المراد بالعمل الصالح [[الإخلاص]] في الايمان، وقيل [[الثبات]] عليه إلى [[الموت]]، وكلاهما شرط في كون الإيمان سبباً لدخول الجنة <ref>انظر: أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل، زين الدين الرازي، ص٨٦.</ref>. | |||
ويتضح مما تقدم: أن الإيمان والعمل الصالح من أسباب دخول الجنة، فبعض [[الآيات]] الكريمة تربط بين الإيمان والعمل الصالح وبين دخول الجنة، فكانت لهم جنات [[النعيم]].<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | |||
=== [[طاعة]] [[الله تعالى]] ورسوله {{صل}}=== | |||
إن من موجبات دخول [[الجنة]] [[طاعة]] [[الله تعالى]] ورسوله [[الكريم]] {{صل}} لقوله تعالى: {{نص قرآني|تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}}<ref> سورة النساء، الآية ١٣.</ref>. | |||
«وطاعة [[الله]]: هي ما شرعه من [[الدين]] على لسان رسوله {{صل}}، وطاعة [[الرسول]]: هي [[اتباع]] ما جاء به من الدين عن ربه، فطاعته هي بعينها [[طاعة الله]]، كما قال في هذه [[السورة]]: {{نص قرآني|مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً}}<ref> سورة النساء، الآية ٨٠.</ref>. | |||
فهو إنما يأمرنا بما يوحيه إليه الله بما فيه [[منافع]] لنا في [[الدنيا]] والآخرة، وإنما ذكرها مع طاعة الله للإشارة إلى أن [[الإنسان]] لا يستغني بعقله وعلمه عن [[الوحي]]، وأنه لا بد له من [[هداية]] الدين؛ إذ لم يكن [[العقل]] وحده في عصر من العصور كافياً لهداية [[أمة]] ولا مرقِّياً لها بدون [[معونة]] الدين، فاتباع [[الرسل]] والعمل بهديهم هو أساس كل مدنية، والارتقاء المعنوي هو الذي يبعث على الارتقاء المادي، فالآداب والفضائل التي هي أسس المدنيات تستند كلها إلى الدين، ولا يكفي فيها بناؤها على [[العلم]] والعقل» <ref>تفسير المراغي، ٤/٢٠٢.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{نص قرآني|وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً}}<ref> سورة النساء، الآية ٦٩.</ref>. أي: «من [[عمل]] بما أمره الله ورسوله، وترك ما نهاه الله عنه ورسوله، فإن الله عز وجل يسكنه دار كرامته، ويجعله مرافقاً للأنبياء ثم لمن بعدهم في الرتبة، وهم الصديقون، ثم الشهداء، ثم عموم المؤمنين وهم [[الصالحون]] الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم، ثم أثنى عليهم تعالى فقال: {{نص قرآني|وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً}}» <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢/٣٥٣.</ref>. | |||
وعلى ذلك يترتب على طاعة الله تعالى ورسوله {{صل}} دخول الجنة والخلود فيها، كما يترتب على [[معصية]] الله تعالى ورسوله {{صل}} دخول [[النار]] والعذاب المهين، قال تعالى: {{نص قرآني|وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ}}<ref> سورة النساء، الآية ١٤.</ref>.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | |||
=== [[التقوى]]=== | |||
إن [[التقوى]] سبب من أسباب دخول [[الجنة]] وشرط لحصول [[الرحمة]] من [[الله تعالى]] لقوله تعالى: {{نص قرآني|وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}}<ref> سورة يس، الآية ٤٥.</ref>. | |||
فالمتقين هم أحق [[الناس]] بالجنة، قال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ}}<ref> سورة القلم، الآية ٣٤.</ref>. أي: «إن للمتقين في [[الآخرة]] جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص، لا يشوبه ما ينغصه كما يشوب جنات [[الدنيا]]» <ref>الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٨/٢٤٦.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{نص قرآني|تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِياً}}<ref> سورة مريم، الآية ٦٣.</ref>. | |||
قال [[ابن كثير]]: «أي هذه الجنة التي وصفنا بهذه [[الصفات]] العظيمة هي التي نورثها عبادنا المتقين، وهم المطيعون لله عز وجل في السراء والضراء، والكاظمون الغيظ والعافون عن الناس، وكما قال تعالى {{نص قرآني|قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}}<ref> سورة المؤمنون، الآية ١-١١.</ref>. <ref>تفسير القرآن العظيم، ٥/٢٤٨.</ref> | |||
وتصف [[الآيات]] الكريمة كيف يدخل المتقين إلى الجنة وفداً كما قال تعالى: {{نص قرآني|يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً}}<ref> سورة مريم، الآية ٨٥.</ref>. «أي اليوم الذي يجتمع فيه من اتقى [[الله]] في الدنيا بطاعته إلى جنته وفداً أي جماعات، قال [[ابن عباس]] رضي الله عنه: ركباناً، وقال أبو هريرة رضي الله عنه: على الإبل، وقال [[علي بن أبي طالب]] رضي الله تعالى عنه: ما يحشرون-والله- على أرجلهم، ولكن على نوقٍ، رحالها من الذهب، ونجائب، سروجها يواقيت، إن هموا بها سارت، وإن هموا بها طارت» <ref>لباب التأويل، الخازن، ٣/١٩٧.</ref>. | |||
ويقرب الله تعالى إليهم الجنة إكراماً لهم كما قال تعالى: {{نص قرآني|وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ}}<ref> سورة ق، الآية ٣١.</ref>. أي: وأدنيت الجنة وقرّبت للذين اتقوا ربهم، فخافوا عقوبته بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، ثم قال عز وجل: غير بعيد أي ينظرون إليها قبل دخولها، ويقال غير بعيد، يعني: دخولهم غير بعيد <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٢/٣٦٣، تفسير السمرقندي، ٣/٣٣٧.</ref>. | |||
ثم يصف [[الله تعالى]] في آياته الكريمة ما أعده لعباده المتقين من نعيم وذلك في قوله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً وَكَأْساً دِهَاقاً لّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا كِذَّاباً جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَاباً}}<ref> سورة النبأ، الآية ٣١-٣٦.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{نص قرآني|وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٣٣.</ref>. | |||
ويشير [[النبي]] {{صل}} إلى منزلة [[التقوى]] وأن محلها [[القلوب]] بقوله {{صل}}: {{نص حديث|لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا}} ويشير إلى صدره ثلاث مرات <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم، وخذله، واحتقاره ودمه، وعرضه، وماله، ٤/١٩٨٦، رقم ٢٥٦٤.</ref>. | |||
ومما تقدم يتبين أن التقوى سبب من أسباب دخول [[الجنة]] وشرط لحصول [[الرحمة]]، ولا يمكن أن يكون [[المؤمن]] تقياً إلا إذا اتبع أوامر الله تعالى واجتنب كل نواهيه، عندها ينال [[رحمة]] الله تعالى الموجبة لدخول الجنة.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | |||
=== الاستقامة على [[دين]] [[الله]]=== | |||
إن من استقام على دين الله فإن [[الملائكة]] تنزل عليه وتبشره بالجنة، كما قال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}}<ref> سورة فصلت، الآية ٣٠.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{نص قرآني|أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}}<ref> سورة الأحقاف، الآية ١٤.</ref>. | |||
وقوله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ}}، اعترافاً بربوبيته وإقراراً بوحدانيته، {{نص قرآني|ثُمَّ اسْتَقَامُوا}} في [[العمل]] وثمّ لتراخيه عن الإقرار في الرتبة من حيث أنه [[مبدأ]] الاستقامة، أو لأنها عسر قلما تتبع الإقرار، وما روي عن [[الخلفاء الراشدين]] في معنى الاستقامة من [[الثبات]] على [[الإيمان]] وإخلاص العمل وأداء [[الفرائض]] فجزئياتها، {{نص قرآني|تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ}} فيما يعن لهم بما يشرح صدورهم ويدفع عنهم [[الخوف]] والحزن، أو عند [[الموت]]، أو الخروج من [[القبر]]، {{نص قرآني|أَلَّا تَخَافُوا}} ما تقدمون عليه. ولا تحزنوا على ما خلفتم، {{نص قرآني|وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}} في [[الدنيا]] على لسان [[الرسل]] <ref>انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ٥/٧١.</ref>. | |||
وعلى ذلك فالاستقامة على [[دين]] [[الله تعالى]] تعني: الالتزام بطاعته والائتمار بأوامره والبعد عن معصيته، وهي سبب من أسباب دخول [[الجنة]] والنجاة من [[عذاب]] الله تعالى وغضبه في [[الآخرة]]، فمن استقام على دين الله تعالى نجى وفاز بالجنة، وللاستقامة أسباب منها: [[الصبر]]، وإقامة [[الصلاة]]، والأمر بالمعروف والنهي عن [[المنكر]]، وغير ذلك.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | |||
=== [[الإحسان]] في [[العبادة]]=== | |||
إن الإحسان هو مراقبة الله تعالى في العبادة، وأن يعبد المرء الله تعالى كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله تعالى يراه، وعظم الله تعالى [[ثواب]] أهل الإحسان، فقال تعالى: {{نص قرآني|وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ١٩٥.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني | | وقال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}}<ref> سورة النحل، الآية ١٢٨.</ref>. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني | | وقال تعالى: {{نص قرآني|وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}}<ref> سورة لقمان، الآية ٢٢.</ref>. | ||
وقال تعالى: {{نص قرآني|لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}}<ref> سورة يونس، الآية ٢٦.</ref>. | |||
والإحسان من أفضل مراتب العبودية وكمالها لذلك قال تعالى: {{نص قرآني|هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}}<ref> سورة الرحمن، الآية ٦٠.</ref>. أي: «ما جزاء من أحسن في الدنيا بطاعة الله تعالى إلا الإحسان إليه في الآخرة بالجنة ونعيمها» <ref>الوجيز، الواحدي، ص١٠٥٦.</ref>. | |||
قال | وفسره [[النبي]] {{صل}} في حديث [[سؤال]] [[جبريل]] لما قال له: (فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد [[الله]] كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان والإسلام، رقم ٨، ١/٣٦.</ref>. | ||
قال [[القاضي عياض]]: «وقوله: (ما الإحسان)، وفسره فى الحديث بما معناه [[الإخلاص]] ومراقبة الله فى [[السر]] والإعلان، وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف [[العبادات]] الظاهرة والباطنة، من عقود [[الإيمان]]، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، والتحفظ من آفات [[الأعمال]]، حتى إن علوم [[الشريعة]] كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه» <ref>إكمال المعلم بفوائد مسلم، ١/٢٠٥.</ref>. | |||
وإن من موجبات دخول [[الجنة]] أن يكون [[المؤمن]] محسناً لذلك وصف [[الله تعالى]] المحسنين بقوله تعالى: {{نص قرآني|آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}}<ref> سورة الذاريات، الآية ١٦-١٩.</ref>. | |||
ثم | «أي إنهم كانوا فى دار [[الدنيا]] يفعلون [[صالح]] [[الأعمال]]، [[خشية]] من ربهم وطلباً لرضاه، ومن ثم نالوا هذا الفوز [[العظيم]]، والمكرمة التي فاقت ما كانوا يؤملون ويرجون» <ref>تفسير المراغي، ٢٦/١٧٩.</ref>. | ||
ثم فصل ما أحسنوا فيه فقال: {{نص قرآني|كَانُوا قَلِيلا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ}}، أي كانوا ينامون القليل من الليل ويتهجدون في معظمه، قال [[ابن عباس]]: ما تأتى عليهم ليلة ينامون حتى يصبحوا؛ إلا يصلون فيها شيئاً إما من أولها أو من وسطها، وقال [[الحسن]] البصري: كابدوا قيام الليل، فلا ينامون من الليل إلا أقله، وربما نشطوا فجدّوا إلى [[السحر]]. وعن أنس قال: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء، (گ گ گ)، أي فهم يحيون الليل متهجدين، فإذا أسحروا أخذوا فى [[الاستغفار]]، كأنهم أسلفوا فى ليلهم الجرائم، ولما ذكر أنهم يقيمون [[الصلاة]] ثنى بوصفهم بأداء [[الزكاة]] والبر بالفقراء فقال: (ڳ ڳ ڳ ڱ ڱ)، أي وجعلوا فى أموالهم جزءاً معيناً ميزوه وعزلوه للطالب المحتاج، والمتعفف الذي لا يجد ما يغنيه، ولا يسأل [[الناس]]، ولا يفطنون إليه ليتصدقوا عليه<ref>تفسير المراغي، ٢٦/١٧٩.</ref>.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | |||
=== [[الجهاد]] في سبيل الله تعالى=== | |||
جعل الله تعالى الجنة ثمناً لمن جاهد في سبيله بنفسه وأمواله جزاءً له على إيمانه وإخلاصه في [[طاعة الله]] ورسوله؛ لذلك قال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}}<ref> سورة التوبة، الآية ١١١.</ref>. | |||
قال [[ابن كثير]]: «يخبر تعالى أنه عاوض عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذ بذلوها في سبيله بالجنة، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه، فإنه قبل [[العوض]] عما يملكه بما تفضل به على عباده المطيعين له؛ ولهذا قال [[الحسن]] البصري وقتادة: بايعهم والله فأغلى ثمنهم» <ref>تفسير القرآن العظيم، ٤/٢١٨.</ref>. | |||
وفي [[الآية]]: ترغيب للمؤمنين في [[الجهاد]] ببيان حال المتخلفين عنه، ولا ترى ترغيباً في الجهاد أحسن ولا أبلغ مما في هذه الآية لأنه أبرز في صورة [[عقد]]، عاقده [[رب]] العزة جل جلاله، وثمنه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على [[قلب]] [[بشر]]، ولم يجعل المعقود عليه كونهم مقتولين فقط، بل كونهم قاتلين أيضاً لإعلاء كلمة [[الله تعالى]] ونصرة دينه سبحانه، وجعله مسجلاً في [[الكتب السماوية]]، وناهيك به من صك، وجعل وعده حقاً ولا أحد أوفى من واعده، فنسيئته أقوى من نقد غيره، وأشار إلى ما فيه من الرحب والفوز [[العظيم]]، وهو استعارة تمثيلة، صور [[جهاد]] المؤمنين وبذل أموالهم وأنفسهم فيه وإثابة الله تعالى لهم على ذلك [[الجنة]] بالبيع والشراء، وأتى بقوله سبحانه: يقاتلون إلخ بيانا لمكان التسليم وهو المعركة، وإليه الإشارة بقوله{{صل}}: {{نص حديث|الجنة تحت ظلال السيوف}}<ref>انظر: روح المعاني، الألوسي، ٦/٢٧.</ref>. | |||
قال الجصاص: «أطلق الشرى فيه على طريق [[المجاز]]؛ لأن المشتري في [[الحقيقة]] هو الذي يشترى مالا يملك، والله تعالى [[مالك]] أنفسنا وأموالنا ولكنه كقوله تعالى: {{نص قرآني|مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٢٤٥.</ref>. | |||
فسماه شرى كما سمى الصدقة قرضاً لضمان [[الثواب]] فيهما به، فأجرى لفظه مجرى ما لا يملكه العامل فيه استدعاء إليه وترغيباً فيه» <ref>أحكام القرآن، الجصاص، ٢/٢٦٨.</ref>. | |||
وتصور الآية الكريمة كل أطراف [[البيع]] والشراء، والبائع والمشتري، والثمن، فالبائع هو [[المؤمن]]، والمشتري هو [[الله]]، والثمن الجنة، ومن [[رحمة الله]] أن جعل الله [[الإنسان]] مالكاً لنفسه وماله، يتصرف فيهما بحرية واختيار وإرادة، ليقبض الثمن وهو الجنة، وإن كان الله هو [[المالك]] الحقيقي للأنفس والأموال، ولكن [[القرآن الكريم]] يصوّر الإنسان مالكاً وبائعاً وقابضاً للثمن، لتكون [[الصورة]] ملائمة للواقع المنظور في [[الحياة]]، بدلاً من تصوير [[الغيب]] المستور <ref>انظر: وظيفة الصورة الفنية في القرآن، ١/١١٣.</ref>. | |||
ويتبين مما مضى أن الجهاد في سبيل [[الله تعالى]] سبب من أسباب دخول [[الجنة]]، وأن من جاهد في سبيل الله تعالى فجزاؤه الجنة التي وعده الله تعالى بها؛ لأنه باع نفسه وماله ليقاتل في سبيل الله تعالى.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | |||
=== [[الصبر]] على الابتلاء=== | |||
إن طلب الجنة ودخولها لا يتم ولا يكمل إلا بالصبر على الابتلاء واحتمال الشدائد في [[التكليف]] وإقامة [[الحق]]؛ لذلك قال تعالى: {{نص قرآني|أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٢١٤.</ref>. أي: أم حسبتم أنكم أيها [[المؤمنون]] بالله ورسله تدخلون الجنة، ولم يصبكم مثل ما أصاب من قبلكم من أتباع [[الأنبياء]] والرسل من الشدائد والمحن والاختبار، فتبتلوا بما ابتلوا واختبروا به من البأساء وهو شدة الحاجة والفاقة، والضراء وهي العلل والأوصاب، ولم تزلزلوا زلزالهم أي ولم يصبهم من أعدائهم من [[الخوف]] والرعب شدة وجهدٌ، حتى يستبطئ القوم نصر [[الله]] إياهم، فيقولون: متى الله ناصرنا؟ ثم أخبرهم الله أن نصره منهم قريبٌ، وأنه معليهم على عدوّهم، ومظهرهم عليه، فنجّز لهم ما وعدهم، وأعلى كلمتهم، وأطفأ [[نار]] حرب الذين كفروا <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ٤/٢٨٨.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{نص قرآني|أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٤٢.</ref>. | |||
وقوله: {{نص قرآني|وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}}}}: «يعني الصابرين عند البأس على ما ينالهم في [[ذات الله]] من جرح وألم ومكروه» <ref>جامع البيان، الطبري، ٧/٢٤٦</ref>.. | |||
وتحث هذه [[الآيات]] الكريمة المؤمنين على الصبر عند الابتلاء، وتدعوهم إلى [[الثبات]] والتحمل بذكر قصص الأنبياء والرسل عليهم [[الصلاة]] والسلام والسابقين، وما يلقّى [[الأعمال الصالحة]] وجزاءها إلا أهل الصبر، قال تعالى: {{نص قرآني|وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}}<ref> سورة فصلت، الآية ٣٥.</ref>. | |||
وبشر الله تعالى الصابرين بمضاعفة الأجر بقوله تعالى: {{نص قرآني|أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}}<ref> سورة القصص، الآية ٥٤.</ref>. | |||
وزاد على ذلك بأجر لا حد له بقوله تعالى: {{نص قرآني|قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}}<ref> سورة الزمر، الآية ١٠.</ref>. | |||
وورد [[الصبر]] في [[السنة]] أيضاً في أحاديث متعددة، منها: ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي [[الله]] عنه أن [[رسول الله]] {{صل}} قال: {{نص حديث|ولن تعطوا عطاء خيراً وأوسع من الصبر}}<ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب الصبر عن محارم الله تعالى، ٨/٩٩، رقم ٦٤٧٠.</ref>. | |||
فالصبر عند الابتلاء سبب من أسباب دخول | وبشر [[النبي]] {{صل}} الذي يصبر على فقد عينيه بالجنة بقوله {{صل}}: {{نص حديث|إن الله تعالى قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه ثم صبر عوضته منهما الجنة}}<ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المرضى، باب فضل من ذهب بصره، ٧/١١٦، رقم ٥٦٥٣.</ref>. | ||
فالصبر عند الابتلاء سبب من أسباب دخول [[الجنة]]، فلا يمكن دخول الجنة إلا بالصبر على المكاره وعند الشدائد والمصائب، وحبس [[النفس]] عن الذنوب والمعاصي، والصبر على [[طاعة]] [[الله تعالى]] فكل ذلك يؤدي إلى الجنة.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | |||
=== الإخبات=== | === الإخبات=== | ||
ذكر الله تعالى في آياته الكريم صفة من صفات أهل الجنة وهي الإخبات فقال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}}<ref> | ذكر الله تعالى في آياته [[الكريم]] صفة من صفات [[أهل الجنة]] وهي الإخبات فقال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}}<ref> سورة هود، الآية ٢٣.</ref>. | ||
أي إن الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا فى الدنيا الأعمال | أي إن الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا فى [[الدنيا]] [[الأعمال الصالحة]]، فأتوا بالطاعات وتركوا المنكرات، وخشعت نفوسهم واطمأنت إلى ربهم أولئك هم قطّان <ref>قطن بالمكان يقطن: أي أقام به وتوطنه، فهو قاطن، والجمع قطان. انظر: الصحاح، الجوهري، ٦/٢١٨٢.</ref> الجنة الذين لا يخرجون منها ولا يموتون، بل هم ما كثون فيها أبداً <ref>تفسير المراغي، ١٢/٢٣.</ref>. | ||
وقوله تعالى: {{نص قرآني|وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ }} فيه خمسة تأويلات: أحدها: يعني خافوا ربهم، وهو قول ابن | وقوله تعالى: {{نص قرآني|وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ}} فيه خمسة تأويلات: أحدها: يعني خافوا ربهم، وهو قول [[ابن عباس]]، الثاني: يعني اطمأنوا، قاله مجاهد، الثالث: أنابوا، وهو قول قتادة، الرابع: خشعوا وتواضعوا لربهم، رواه معمر، الخامس: أخلصوا إلى ربهم، قاله مقاتل <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ١٥/ ٢٨٩، ٢٩٠، النكت والعيون، الماوردي، ٢/٤٦٥.</ref>. | ||
وقال الراغب الاصفهاني: الخبت: المطمئن من | وقال الراغب الاصفهاني: الخبت: المطمئن من [[الأرض]]، وأخبت الرّجل: [[قصد]] الخبت، أو نزله، نحو: أسهل وأنجد، ثمّ استعمل الإخبات استعمال اللّين والتّواضع، قال [[الله تعالى]]: {{نص قرآني|وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ}}. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ}}<ref> | وقال تعالى: {{نص قرآني|وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ}}<ref> سورة الحج، الآية ٣٤.</ref>. أي: المتواضعين، نحو: {{نص قرآني|لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ٢٠٦.</ref>. | ||
وقوله تعالى: {{ نص قرآني |فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ}}<ref> | وقوله تعالى: {{نص قرآني|فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ}}<ref> سورة الحج، الآية ٥٤.</ref>، أي: تلين وتخشع٢٢١. | ||
وعلى ذلك فمعنى الإخبات هو الاطمئنان والتواضع والخشوع والخضوع لله عز وجل في طاعته وعبادته والانقطاع إليه. | وعلى ذلك فمعنى الإخبات هو الاطمئنان والتواضع والخشوع والخضوع لله عز وجل في طاعته وعبادته والانقطاع إليه. | ||
وقد بشر الله تعالى المخبتين من عباده ووصفهم بقوله عز وجل: {{ نص قرآني | وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا | وقد [[بشر]] الله تعالى المخبتين من عباده ووصفهم بقوله عز وجل: {{نص قرآني|وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}}<ref> سورة الحج، الآية ٣٤-٣٥.</ref>. | ||
أي وبشر أيها الرسول الخاضعين لله بالطاعة، المذعنين له بالعبودية، المنيبين إليه بالتوبة، بما أعدّ لهم من جزيل ثوابه، وجليل عطائه، ثم بين سبحانه علاماتهم فقال: | أي وبشر أيها [[الرسول]] الخاضعين لله بالطاعة، المذعنين له بالعبودية، المنيبين إليه بالتوبة، بما أعدّ لهم من جزيل ثوابه، وجليل عطائه، ثم بين سبحانه علاماتهم فقال: | ||
#{{نص قرآني|الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ }}، أي إنهم إذا ذكر الله عرتهم رهبة من خشيته، وخوف من عقابه. | #{{نص قرآني|الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}}، أي إنهم إذا ذكر [[الله]] عرتهم رهبة من خشيته، وخوف من عقابه. | ||
#{{نص قرآني|وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ }}، من النوائب والمحن فى طاعة الله. | #{{نص قرآني|وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ}}، من النوائب والمحن فى [[طاعة الله]]. | ||
#{{نص قرآني|وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ }}، أي والمؤدين حقه تعالى فيما أوجبه عليهم من فريضة الصلاة فى الأوقات التي حددها لهم. | #{{نص قرآني|وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ}}، أي والمؤدين حقه تعالى فيما أوجبه عليهم من [[فريضة]] [[الصلاة]] فى الأوقات التي حددها لهم. | ||
#{{نص قرآني|وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ }}، أي وينفقون بعض ما آتاهم الله من طيب الرزق فى وجوه البر وعلى أهليهم وأقاربهم وعلى الخلق كافة، ومن ذلك إهداء الهدايا التي يغالون فى أثمانها | #{{نص قرآني|وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}}، أي وينفقون بعض ما آتاهم الله من طيب [[الرزق]] فى وجوه [[البر]] وعلى أهليهم وأقاربهم وعلى [[الخلق]] كافة، ومن ذلك إهداء الهدايا التي يغالون فى أثمانها <ref>انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢٧٢، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٢/٥٢١.</ref>. | ||
وكل هذا من آثار الإخبات على نفوس المؤمنين حيث وجلت قلوبهم لذكر الله تعالى، والصبر على أقداره، والإخلاص في عبوديته، والإحسان إلى خلقه، كما مضى في الآية الكريمة. | وكل هذا من آثار الإخبات على نفوس المؤمنين حيث وجلت قلوبهم لذكر الله تعالى، والصبر على أقداره، والإخلاص في عبوديته، والإحسان إلى خلقه، كما مضى في [[الآية]] الكريمة.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | ||
==من حرّم عليه الجنة== | ==من حرّم عليه [[الجنة]]== | ||
لقد ذكر القرآن الكريم الذين يدخلون الجنة وصفاتهم، وكذلك ذكر أن هناك | لقد ذكر [[القرآن الكريم]] الذين يدخلون الجنة وصفاتهم، وكذلك ذكر أن هناك أصنافاً حرمت من الجنة وهم كثير، وجاءت النصوص بشأنهم من الكتاب والسنة، منها ما يأتي: | ||
===إبليس=== | ===[[إبليس]]=== | ||
وهو اسم أعجمي، وقيل عربى واشتقاقه من الإبلاس؛ لأن الله تعالى أبلسه من رحمته، وآيسه من مغفرته <ref>انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٦/١٠٣.</ref>، وهو أول من حرم من الجنة وطرد منها ولا يمكن له | وهو [[اسم]] أعجمي، وقيل عربى واشتقاقه من الإبلاس؛ لأن الله تعالى أبلسه من رحمته، وآيسه من مغفرته <ref>انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٦/١٠٣.</ref>، وهو أول من حرم من الجنة وطرد منها ولا يمكن له أبداً دخولها، وسبب حرمانه منها، عصيانه لأمر [[الله تعالى]] حين أمره بالسجود لآدم فأبى واستكبر، كما قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٣٤.</ref>. أي: «امتنع عما أمر به، استكباراً من أن يتخذه وصلة في [[عبادة]] ربه، أو يعظمه ويتلقاه بالتحية، أو يخدمه ويسعى فيما فيه خيره وصلاحه» <ref>أنوار التنزيل، البيضاوي، ١/٧١.</ref>. | ||
فأمر الله تعالى إبليس بأن يهبط من الجنة إلى الأرض في قوله تعالى: {{ نص قرآني |قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ}}<ref> | فأمر الله تعالى [[إبليس]] بأن يهبط من [[الجنة]] إلى [[الأرض]] في قوله تعالى: {{نص قرآني|قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ١٣.</ref>. | ||
لعصيانه أمر ربه، وخروجه عن طاعته، فما ينبغي له أن يتكبر فيها ثم أمره تعالى بالخروج من الجنة | لعصيانه أمر ربه، وخروجه عن طاعته، فما ينبغي له أن يتكبر فيها ثم أمره تعالى بالخروج من الجنة ذليلاً حقيراً كما قال تعالى: {{نص قرآني|قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ١٨.</ref>.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | ||
=== الكافرون=== | === الكافرون=== | ||
وهم الذين حرموا من الجنة بدليل قوله تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ | وهم الذين حرموا من الجنة بدليل قوله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١١٦.</ref>. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ | وقال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً}}<ref> سورة النساء، الآية ١٦٨-١٦٩.</ref>. أي: «الذين جحدوا [[نبوة محمد]] {{صل}} وكذبوا به وبما جاءهم به من عند [[الله]] لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً، يعني: لن تدفع أمواله التي جمعها في [[الدنيا]]، وأولاده الذين ربّاهم فيها، شيئاً من عقوبة الله [[يوم القيامة]] إن أخرها لهم إلى يوم القيامة، ولا في الدنيا إن عجّلها لهم فيها» <ref>جامع البيان، الطبري، ٧/١٣٣.</ref>. | ||
وهذا وعيدٌ من الله تعالى للأمم الأخرى الفاسقة من أهل | وهذا وعيدٌ من الله تعالى للأمم الأخرى الفاسقة من [[أهل الكتاب]]، الذين أخبر عنهم بأنهم فاسقون، وأنهم قد باؤوا بغضب منه، ولمن كان من نظرائهم من أهل [[الكفر]] بالله ورسوله وما جاء به [[محمد]] {{صل}} من عند الله.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | ||
=== المبتغون غير الإسلام | === المبتغون غير [[الإسلام]] ديناً=== | ||
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ | قال تعالى: {{نص قرآني|وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ٨٥.</ref>. أي: ومن يطلب ديناً غير [[دين الإسلام]] ليدين به، فلن يقبل [[الله]] منه وهو في [[الآخرة]] من الخاسرين، أي: من الباخسين أنفسهم حظوظها من [[رحمة الله]] عز وجل، بإبطال [[الفطرة]] السليمة التى فطر [[الناس]] عليها، وترك منزله في [[الجنة]]، واختار منزله في [[النار]] <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ٦/٥٧٠، تفسير السمرقندي، ١/٢٢٨، أنوار التنزيل، البيضاوي، ٢/٢٦.</ref>.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | ||
===المنافقون=== | ===المنافقون=== | ||
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ}}<ref> | قال تعالى: {{نص قرآني|وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ}}<ref> سورة التوبة، الآية ٦٨.</ref>. | ||
«أي وعد الله هؤلاء | «أي [[وعد]] الله هؤلاء جميعاً [[نار]] [[جهنم]] يصلونها ماكثين فيها أبداً، وقدم المنافقين في [[الوعيد]] على [[الكفار]] للإيذان بأنهم وإن أظهروا [[الإيمان]] وعملوا [[أعمال]] [[الإسلام]] [[شر]] من الكفار، ولا سيما المتدينين منهم بأديان محرّفة أو منسوخة كأهل الكتاب» <ref>تفسير المراغي، ١٠/١٥٧.</ref>. | ||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |شِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ | وقال تعالى: {{نص قرآني|شِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}}<ref> سورة النساء، الآية ١٣٨.</ref>. | ||
وبعد ما وعدهم الله تعالى بنار جهنم وبشرهم بالعذاب الأليم بين الله تعالى مكانهم من تلك النار فقال: {{ نص قرآني |إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ | وبعد ما وعدهم [[الله تعالى]] بنار جهنم وبشرهم بالعذاب الأليم بين الله تعالى مكانهم من تلك النار فقال: {{نص قرآني|إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً}}<ref> سورة النساء، الآية ١٤٥.</ref>. أي: «في الطّبق الأسفل من أطباق جهنم» <ref>جامع البيان، الطبري، ٩/٣٣٧.</ref>. | ||
قال الزمخشري: «الدرك الأسفل: الطبق الذي في قعر جهنم، والنار سبع دركات، سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض، فإن قلت: لم كان المنافق أشد عذابا من | قال الزمخشري: «الدرك الأسفل: الطبق الذي في قعر جهنم، والنار سبع دركات، سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض، فإن قلت: لم كان [[المنافق]] أشد عذابا من [[الكافر]]؟ قلت: لأنه مثله في [[الكفر]]، وضم إلى كفره [[الاستهزاء]] بالإسلام وأهله ومداجاتهم»<ref>الكشاف، الزمخشري، ١/٥٨١.</ref>.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | ||
=== أكلة أموال اليتامى=== | === أكلة أموال اليتامى=== | ||
قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى | قال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً}}<ref> سورة النساء، الآية ١٠.</ref>. | ||
قال الإمام الرازي: «إنه تعالى أكد الوعيد في أكل مال اليتيم | قال [[الإمام]] [[الرازي]]: «إنه تعالى أكد الوعيد في أكل مال [[اليتيم]] ظلماً، وقد كثر الوعيد في هذه [[الآيات]] مرة بعد أخرى على من يفعل ذلك، كقوله: {{نص قرآني|وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً}}<ref> سورة النساء، الآية ٢.</ref>. | ||
{{ نص قرآني |وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً | {{نص قرآني|وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً}}<ref> سورة النساء، الآية ٩.</ref>. | ||
ثم ذكر بعدها هذه الآية مفردة في وعيد من يأكل أموالهم، وذلك كله رحمة من الله تعالى باليتامى؛ لأنهم لكمال ضعفهم وعجزهم استحقوا من الله مزيد العناية والكرامة، وما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته وكثرة عفوه وفضله، لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى بلغت عناية الله بهم إلى الغاية القصوى» <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٩/٥٠٦.</ref>. | ثم ذكر بعدها هذه [[الآية]] مفردة في [[وعيد]] من يأكل أموالهم، وذلك كله [[رحمة]] من [[الله تعالى]] باليتامى؛ لأنهم لكمال ضعفهم وعجزهم استحقوا من [[الله]] مزيد [[العناية]] والكرامة، وما أشد [[دلالة]] هذا [[الوعيد]] على سعة رحمته وكثرة عفوه وفضله، لأن اليتامى لما بلغوا في [[الضعف]] إلى الغاية القصوى بلغت [[عناية]] الله بهم إلى الغاية القصوى» <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٩/٥٠٦.</ref>.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | ||
===المتكبرون=== | ===المتكبرون=== | ||
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}}<ref> | قال تعالى: {{نص قرآني|وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ٣٦.</ref>. أي: «إن الذين كذبوا بآياتنا المنزلة على أحد من رسلنا واستكبروا عن [[اتباع]] من جاء بها حسداً له على الرياسة وتفضيلاً لأنفسهم عليه، أو لقومهم على قومه فأولئك أصحاب [[النار]] يخلدون فيها أبداً» <ref>تفسير المراغي، ٨/١٤٦.</ref>. | ||
وإنما ذكر [[الاستكبار]]؛ لأن كل مكذب وكل [[كافر]] مستكبر، إنما [[كذب]] وكفر تكبراً، {{نص قرآني|إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ}}<ref> سورة الصافات، الآية ٣٥.</ref>. أي: استكبروا عن الإقرار بالوحدانية أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون <ref>تفسير القرآن، السمعاني، ٢/١٧٩.</ref>. | |||
والاستكبار في الآية الكريمة عن قبول [[الآيات]] ورفضها كبراً وعناداً لمن جاء بها كما حدث من رؤساء [[قريش]] حين استكبروا أن يكون [[النبي محمد]] {{صل}} إماماً لهم، إذ رأوا أنفسهم أحق بالرياسة منه، لأنهم أكثر منه مالاً وأعز نفراً. | |||
وجاء في [[الحديث الصحيح]] عن [[حارثة بن وهب الخزاعي]]، قال: سمعت [[النبي]] {{صل}} يقول: {{نص حديث|ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار: كل عُتُلٍّ، جَوَّاظٍ مستكبر}}، وفي رواية لمسلم: (كل جواظ زنيم متكبر) <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب الكبر، ٨/٢٠، رقم ٦٠٧١، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، ٤/٢١٩٠، رقم ٢٨٥٣.</ref>. | |||
قال [[الإمام النووي]]: أما العتل: فهو الجافي الشديد الخصومة بالباطل، وقيل الجافي الفظ الغليظ، وأما الجوّاظ: فهو الجموع المنوع، وقيل: كثير اللحم المختال في مشيته، وقيل: القصير البطين، وقيل: الفاخر، وأما الزنيم فهو الدعي في [[النسب]] الملصق بالقوم وليس منهم، شبه بزنمة الشاة، وأما [[المتكبر]] والمستكبر فهو صاحب [[الكبر]] وهو بطر [[الحق]] وغمط [[الناس]] <ref>انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم ١٧/١٨٨.</ref>. | |||
والمتأمل في [[القرآن الكريم]] والسنة والنبوية يجد كثيراً من أصناف الناس من حرم [[الجنة]]، وما ذكرناه ما هو إلا بعضاً منها، والنصوص كثيرة في صفات [[أهل النار]]، وقد ذكر القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة أشخاصاً بأعيانهم في [[النار]]، منهم على وجه الإيجاز: قارون وفرعون وهامان، وامرأة نوح وامرأة [[لوط]] عليهما [[الصلاة]] والسلام، وأبو لهب وامرأته، وغيرهم.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)''']]</ref> | |||
==المراجع والمصادر== | ==المراجع والمصادر== | ||
# [[صورة:IM010701.jpg|22px]] [[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم]]''' | # [[صورة:IM010701.jpg|22px]] [[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم]]''' | ||