الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الأمن عند أهل السنة»
←الأمن للمؤمنين في الآخرة
| سطر ٢٦٠: | سطر ٢٦٠: | ||
ومن ذلك: | ومن ذلك: | ||
1. النجاة من أهوال يوم القيامة: قال تعالى: | 1. النجاة من أهوال يوم القيامة: قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}}<ref> سورة فصلت، الآية 40.</ref>. | ||
يقول الطبري: «يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين يلحدون في آياتنا اليوم في الدنيا يوم القيامة عذاب النار، ثم قال الله: أفهذا الذي يلقى في النار خيرٌ، أم الذي يأتي يوم القيامة آمنًا من عذاب الله لإيمانه بالله جل جلاله ؟ هذا الكافر، إنه إن آمن بآيات الله، واتبع أمر الله ونهيه، أمنه يوم القيامة مما حذره منه من عقابه إن ورد عليه يومئذٍ به | يقول الطبري: «يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين يلحدون في آياتنا اليوم في الدنيا يوم القيامة عذاب النار، ثم قال الله: أفهذا الذي يلقى في النار خيرٌ، أم الذي يأتي يوم القيامة آمنًا من عذاب الله لإيمانه بالله جل جلاله ؟ هذا الكافر، إنه إن آمن بآيات الله، واتبع أمر الله ونهيه، أمنه يوم القيامة مما حذره منه من عقابه إن ورد عليه يومئذٍ به كافرًا» <ref>جامع البيان ٢٠/٤٤٢.</ref>. | ||
وقال تعالى: | وقال تعالى: {{ نص قرآني |مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}}<ref> سورة النمل، الآية 89.</ref>. | ||
في هذا اليوم المفزع الرهيب يكون الأمن والطمأنينة من الفزع جزاء الذين أحسنوا في الحياة الدنيا، فوق ما ينالهم من ثواب هو أجزل من حسناتهم وأوفر: | في هذا اليوم المفزع الرهيب يكون الأمن والطمأنينة من الفزع جزاء الذين أحسنوا في الحياة الدنيا، فوق ما ينالهم من ثواب هو أجزل من حسناتهم وأوفر: {{ نص قرآني |مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}}<ref> سورة النمل، الآية 89.</ref>. | ||
والأمن من هذا الفزع هو وحده جزاء، وما بعده فضل من الله ومنة، ولقد خافوا الله في الدنيا فلم يجمع عليهم خوف الدنيا وفزع الآخرة، بل أمنهم يوم يفزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء | والأمن من هذا الفزع هو وحده جزاء، وما بعده فضل من الله ومنة، ولقد خافوا الله في الدنيا فلم يجمع عليهم خوف الدنيا وفزع الآخرة، بل أمنهم يوم يفزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله <ref>انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٥/٢٦٦٩.</ref>. | ||
الأمن لأهل الجنة | 2. الأمن لأهل الجنة: قال تعالى: {{ نص قرآني |ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ}}<ref> سورة الحجر، الآية 46.</ref>. | ||
قال تعالى: | |||
وقال: | وقال: {{ نص قرآني |وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ}}<ref> سورة سبأ، الآية 37.</ref>. | ||
قال [[ابن القيم]]: «قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}}<ref> سورة الدخان، الآية 51-52.</ref>. | |||
والمقام الأمين: موضع الإقامة، والأمين: الآمن من كل سوء وآفة ومكروه، وهو الذي قد جمع صفات الأمن كلها، فهو آمن من الزوال والخراب وأنواع النقص، وأهله آمنون فيه من الخروج والنغص والنكد. . .، وتأمل كيف ذكر سبحانه الأمن في قوله تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ}}<ref> سورة الدخان، الآية 51.</ref>. | |||
وفي قوله تعالى: {{ نص قرآني |يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ}}<ref> سورة الدخان، الآية 55.</ref>. | |||
فجمع لهم بين أمن المكان وأمن الطعام، فلا يخافون انقطاع الفاكهة، ولا سوء عاقبتها ومضرتها، وأمن الخروج منها فلا يخافون ذلك، وأمن من الموت فلا يخافون فيها موتًا» <ref>حادي الأرواح ص ١٠٠.</ref>. | |||
===== وسائل تحقيقه===== | |||
'''الوسيلة الأولى:''' الإيمان بالله وحده وعمل الصالحات: | |||
قال الله تعالى عن نبيه إبراهيم عليه السلام: {{ نص قرآني |وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ }}<ref> سورة الأنعام، الآية 80-82.</ref>. | |||
وهذا خبرٌ من الله تعالى عن أولى الفريقين بالأمن، وفصل قضاءٍ منه بين إبراهيم صلى الله عليه وسلم وبين قومه <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ٩/٣٦٩.</ref>. | |||
وهذا خبرٌ من الله تعالى عن أولى الفريقين بالأمن، وفصل قضاءٍ منه بين إبراهيم صلى الله عليه وسلم وبين | |||
فالذين حصل لهم الأمن المطلق هم الذين يكونون مستجمعين لهذين الوصفين: | فالذين حصل لهم الأمن المطلق هم الذين يكونون مستجمعين لهذين الوصفين: | ||
| سطر ٢٩٩: | سطر ٢٩٣: | ||
أولهما: الإيمان، وهو كمال القوة النظرية. | أولهما: الإيمان، وهو كمال القوة النظرية. | ||
وثانيهما: | وثانيهما: {{ نص قرآني |وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}} وهو كمال القوة العملية <ref>مفاتيح الغيب، الرازي ١٢/٤٩.</ref>. | ||
فالظلم ثلاثة أنواعٍ: | فالظلم ثلاثة أنواعٍ: | ||
| سطر ٣١١: | سطر ٣٠٥: | ||
فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة كان له الأمن التام، والاهتداء التام، ومن لم يسلم من ظلمه نفسه كان له الأمن والاهتداء مطلقًا، بمعنى أنه لابد أن يدخل الجنة، كما وعد بذلك في الآية الأخرى، وقد هداه إلى الصراط المستقيم الذي تكون عاقبته فيه إلى الجنة، ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه نفسه. | فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة كان له الأمن التام، والاهتداء التام، ومن لم يسلم من ظلمه نفسه كان له الأمن والاهتداء مطلقًا، بمعنى أنه لابد أن يدخل الجنة، كما وعد بذلك في الآية الأخرى، وقد هداه إلى الصراط المستقيم الذي تكون عاقبته فيه إلى الجنة، ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه نفسه. | ||
وليس مراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: | وليس مراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {{نص حديث|إنما هو الشرك}}<ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (ولقد آتيانا لقمان الحكمة)، ٤/١٦٣، رقم ٣٤٢٩.</ref> أن من لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام، فإن أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرضون للخوف لم يحصل لهم الأمن التام، ولا الاهتداء التام الذي يكونون به مهتدين إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من غير عذابٍ يحصل لهم؛ بل معهم أصل الاهتداء إلى هذا الصراط، ومعهم أصل نعمة الله عليهم، ولا بد لهم من دخول الجنة <ref>انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ٧/٧٨-٨٢.</ref>. | ||
وقال ابن القيم: «فإن الأمن والعافية والسرور ولذة القلب ونعيمه وبهجته وطمأنينته مع الإيمان والهدى إلى طريق الفلاح والسعادة، والخوف والهم والغم والبلاء والألم والقلق مع الضلال | وقال ابن القيم: «فإن الأمن والعافية والسرور ولذة القلب ونعيمه وبهجته وطمأنينته مع الإيمان والهدى إلى طريق الفلاح والسعادة، والخوف والهم والغم والبلاء والألم والقلق مع الضلال والحيرة» <ref>إغاثة اللهفان ٢/١٧٢.</ref>. | ||
وقال: ثم رجع الخليل إليهم مقررًا للحجة، فقال: | وقال: ثم رجع الخليل إليهم مقررًا للحجة، فقال: {{ نص قرآني |وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ}}<ref> سورة الأنعام، الآية 81.</ref> يعني في إلهيته {{ نص قرآني |وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ }}<ref> سورة الأنعام، الآية 81-82.</ref>. | ||
يقول لقومه: كيف يسوغ في عقلٍ أن أخاف ما جعلتموه لله شريكًا في الإلهية وهي ليست موضع نفعٍ ولا ضرٍ، وأنتم لا تخافون أنكم أشركتم بالله في الإلهية أشياء لم ينزل بها حجةً عليكم، والذي أشرك بخالقه وفاطره، فاطر السماوات والأرض، ورب كل شيءٍ ومليكه آلهةً لا تخلق شيئًا، وهي مخلوقةٌ، ولا تملك لأنفسها ولا لعابديها ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، وجعلها ندًا له ومثلًا في الإلهية، أحق بالخوف ممن لم يجعل مع الله إلهًا آخر، وحده وأفرده بالإلهية والربوبية، والقهر والسلطان، والحب والخوف والرجاء | يقول لقومه: كيف يسوغ في عقلٍ أن أخاف ما جعلتموه لله شريكًا في الإلهية وهي ليست موضع نفعٍ ولا ضرٍ، وأنتم لا تخافون أنكم أشركتم بالله في الإلهية أشياء لم ينزل بها حجةً عليكم، والذي أشرك بخالقه وفاطره، فاطر السماوات والأرض، ورب كل شيءٍ ومليكه آلهةً لا تخلق شيئًا، وهي مخلوقةٌ، ولا تملك لأنفسها ولا لعابديها ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، وجعلها ندًا له ومثلًا في الإلهية، أحق بالخوف ممن لم يجعل مع الله إلهًا آخر، وحده وأفرده بالإلهية والربوبية، والقهر والسلطان، والحب والخوف والرجاء {{ نص قرآني |فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية 81.</ref>. | ||
فحكم الله تعالى بينهما بأحسن حكمٍ خضعت له القلوب، وأقرت به الفطر، فقال تعالى: | فحكم الله تعالى بينهما بأحسن حكمٍ خضعت له القلوب، وأقرت به الفطر، فقال تعالى: {{ نص قرآني | الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية 82.</ref>. <ref>انظر: الصواعق المرسلة، ابن القيم ٢/٩٢.</ref> | ||
وقال تعالى: | وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}}<ref> سورة النور، الآية 55.</ref>. | ||
ذلك وعد الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يستخلفهم في الأرض، وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمنًا؛ ذلك وعد الله، ووعد الله حق، ووعد الله واقع، ولن يخلف الله وعده، فما حقيقة ذلك الإيمان؟ | ذلك وعد الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يستخلفهم في الأرض، وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمنًا؛ ذلك وعد الله، ووعد الله حق، ووعد الله واقع، ولن يخلف الله وعده، فما حقيقة ذلك الإيمان؟ | ||
| سطر ٣٢٩: | سطر ٣٢٣: | ||
فهو الإيمان الذي يستغرق الإنسان كله بخواطر نفسه، وخلجات قلبه، وأشواق روحه، وميول فطرته، وحركات جسمه، ولفتات جوارحه، وسلوكه مع ربه في أهله ومع الناس جميعًا، ويتوجه بهذا كله إلى الله. | فهو الإيمان الذي يستغرق الإنسان كله بخواطر نفسه، وخلجات قلبه، وأشواق روحه، وميول فطرته، وحركات جسمه، ولفتات جوارحه، وسلوكه مع ربه في أهله ومع الناس جميعًا، ويتوجه بهذا كله إلى الله. | ||
ذلك الإيمان منهج حياة كامل يتضمن كل ما أمر الله به، ويدخل فيما أمر الله به توفير الأسباب، وإعداد العدة، والأخذ بالوسائل، والتهيؤ لحمل الأمانة الكبرى في | ذلك الإيمان منهج حياة كامل يتضمن كل ما أمر الله به، ويدخل فيما أمر الله به توفير الأسباب، وإعداد العدة، والأخذ بالوسائل، والتهيؤ لحمل الأمانة الكبرى في الأرض <ref>في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/٢٥٢٨.</ref>. | ||
وقوله: | وقوله: {{نص حديث| يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا }}. | ||
قال القرطبي: « | قال [[القرطبي]]: « {{نص حديث| يَعْبُدُونَنِي}} هو في موضع الحال، أي في حال عبادتهم الله بالإخلاص» <ref>الجامع لأحكام القرآن، ١٢/٣٠٠.</ref>. | ||
قال ابن العربي: قلنا لهم هذا وعدٌ عامٌ في النبوة والخلافة، وإقامة الدعوة، وعموم الشريعة، فنفذ الوعد في كل أحدٍ بقدره وعلى حاله. | قال [[ابن العربي]]: قلنا لهم هذا وعدٌ عامٌ في النبوة والخلافة، وإقامة الدعوة، وعموم الشريعة، فنفذ الوعد في كل أحدٍ بقدره وعلى حاله. | ||
ثم قال في آخر كلامه: وحقيقة الحال أنهم كانوا مقهورين فصاروا قاهرين، وكانوا مطلوبين فصاروا طالبين، فهذا نهاية الأمن والعز. | ثم قال في آخر كلامه: وحقيقة الحال أنهم كانوا مقهورين فصاروا قاهرين، وكانوا مطلوبين فصاروا طالبين، فهذا نهاية الأمن والعز. | ||
فكان في هذه الآية دلالةٌ على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله عز وجل أنجز ذلك | فكان في هذه الآية دلالةٌ على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله عز وجل أنجز ذلك الوعد <ref>الجامع لأحكام القرآن، ١٢/٢٩٨.</ref>. | ||
والمتتبع لحال المسلمين يستنتج ما يلي: كلما كانت الأمة المسلمة مطيعة لله ورسوله يحكم التوحيد حياتها كاملة كان الأمن على قدر ذلك، والله تعالى أعلم. | والمتتبع لحال المسلمين يستنتج ما يلي: كلما كانت الأمة المسلمة مطيعة لله ورسوله يحكم التوحيد حياتها كاملة كان الأمن على قدر ذلك، والله تعالى أعلم. | ||
ولذلك كان الآمنون في الدنيا هم أهل الإيمان، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوةً قبل نجدٍ، فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وادٍ كثير العضاه، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرةٍ، فعلق سيفه بغصنٍ من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي، يستظلون بالشجر، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: | ولذلك كان الآمنون في الدنيا هم أهل الإيمان، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوةً قبل نجدٍ، فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وادٍ كثير العضاه، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرةٍ، فعلق سيفه بغصنٍ من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي، يستظلون بالشجر، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {{نص حديث|إن رجلًا أتاني وأنا نائمٌ، فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائمٌ على رأسي، فلم أشعر إلا والسيف صلتًا في يده، فقال لي: من يمنعك مني؟ قال قلت: الله، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال قلت: الله، قال: فشام السيف فها هو ذا جالسٌ}} ثم لم يعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم<ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة، ٤/٣٩، رقم ٢٩١٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب توكله على الله تعالى، وعصمة الله تعالى له من الناس ٤/١٧٨٦، رقم ٨٤٣.</ref>. | ||
وقال ابن القيم: «وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة، وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت ملء هذه القاعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة، وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه. | وقال [[ابن القيم]]: «وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة، وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت ملء هذه القاعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة، وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه. | ||
ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: | ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: {{ نص قرآني |فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ}}<ref> سورة الحديد، الآية 13.</ref>. | ||
وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه. | وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه. | ||
وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا | وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة» <ref>الوابل الصيب ص ٤٨.</ref>. | ||
ومن الصالحات التي تؤدي إلى الأمن: | ومن الصالحات التي تؤدي إلى الأمن: | ||
الأخذ بأسباب القوة | 1. الأخذ بأسباب القوة: قال تعالى: {{ نص قرآني |وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}}<ref> سورة الأنفال، الآية 60.</ref>. | ||
قال تعالى: | |||
لابد للإسلام من قوة ينطلق بها في الأرض لتحرير الإنسان، وأول ما تصنعه هذه القوة أن تؤمن الذين يختارون هذه العقيدة على حريتهم في اختيارها فلا يصدوا عنها، ولا يفتنوا كذلك بعد اعتناقها، والأمر الثاني: أن ترهب أعداء هذا الدين، فلا يفكروا في الاعتداء على دار الإسلام التي تحميها تلك القوة، والأمر الثالث: أن يبلغ الرعب بهؤلاء الأعداء أن لا يفكروا في الوقوف في وجه المد الإسلامي، وهو ينطلق لتحرير الإنسان كله في الأرض كلها، والأمر الرابع: أن تحطم هذه القوة كل قوة في الأرض تتخذ لنفسها صفة الألوهية، فتحكم الناس بشرائعها هي وسلطانها، ولا تعترف بأن الألوهية لله وحده <ref>في ظلال القرآن، سيد قطب٢/١٥٤٣.</ref>. | |||
2. الدعاء: قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}}<ref> سورة البقرة، الآية 126.</ref>. | |||
وقال: {{ نص قرآني |وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}}<ref> سورة إبراهيم، الآية 35.</ref>. | |||
وعن [[طلحة بن عبيد الله]] رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال قال:{{نص حديث|اللهم أهلله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله}}<ref>أخرجه أحمد في مسنده، ٢/١٧٨، رقم ١٣٩٧، والترمذي في سننه، أبواب الدعوات، باب ما يقول عند رؤية الهلال، ٥/٥٠٤، رقم ٣٤٥١. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٢/٨٦١، رقم ٤٧٢٦.</ref>. وفي رواية: {{نص حديث|اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان}} <ref>أخرجه ابن حبان في صحيحه، ٣/١٧١ رقم ٨٨٨، والحاكم في المستدرك، ٤/٣١٧، رقم ٧٧٦٧. وصححه الألباني في تخريج الكلم الطيب ص ١٣٨.</ref>. | |||
وعن [[ابن عمر]] رضي الله عنه: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: {{نص حديث|اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عورتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي}} <ref>أخرجه أحمد ٨/٤٠٣، رقم ٤٧٨٥، والبخاري في الأدب المفرد، باب ما يقول إذا أصبح ص١٢٠٠، رقم ٦٨١، وأبو داود في سننه، أبواب النوم، باب ما يقول إذا أصبح ٤/٣١٨، رقم ٥٠٧٤. وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ص ٤٦٥.</ref>. | |||
'''الوسيلة الثانية:''' أداء الشكر لله وحده على نعمه: فالنعم تثبت بالشكر، وتذهب بالجحود، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}}<ref> سورة إبراهيم، الآية 7.</ref>. | |||
وقال: | وقال في خصوص نعمة الأمن: {{ نص قرآني | لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ }}<ref> سورة سبأ، الآية 15-21.</ref>. | ||
وقال: {{ نص قرآني |وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}}<ref> سورة النحل، الآية 112.</ref>. | |||
وهكذا نجد في هذه الآيات أن استقرار الأمن مربوط بشكر النعمة، وأن زواله مقرون بكفرها، كما نجد أن توفر الأمن لابد أن يسبق توفر الغذاء، مما يدل على أن الضرورة إليه أشد من الضرورة إلى الغذاء؛ لأنه لا يمكن التلذذ بالغذاء لو توفر مع عدم الأمن والاستقرار؛ ولهذا كان في دعاء الخليل عليه السلام تقديم طلب الأمن على طلب الرزق، كما ذكر الله عنه في قوله: {{ نص قرآني |وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}}<ref> سورة إبراهيم، الآية 35.</ref>. | |||
وقد امتن الله على قريش بتوفير هاتين النعمتين، وأمرهم أن يفردوه بالعبادة شكرًا له على ذلك، فقال: {{ نص قرآني |لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}}<ref> سورة قريش، الآية 1-4.</ref>. | |||
إن حسن التعامل من شأنه أن يشيع الأمن بين أفراد المجتمع؛ ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ترويع المسلم، وسلب حالة الأمن التي يتمتع بها، فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه قال: حدثنا أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم، أنهم كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنام رجلٌ منهم، فانطلق بعضهم إلى حبلٍ معه فأخذه، ففزع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: | '''الوسيلة الثالثة:''' الاستقامة، وحسن التعامل، والتكافل الاجتماعي: إن حسن التعامل من شأنه أن يشيع الأمن بين أفراد المجتمع؛ ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ترويع المسلم، وسلب حالة الأمن التي يتمتع بها، فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه قال: حدثنا أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم، أنهم كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنام رجلٌ منهم، فانطلق بعضهم إلى حبلٍ معه فأخذه، ففزع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {{نص حديث|لا يحل لمسلمٍ أن يروع مسلمًا}} <ref>أخرجه أحمد في مسنده، ٣٨/١٦٣، رقم ٢٣٠٦٤، وأبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب من يأخذ الشيء على المزاح، ٤/٣٠١، رقم ٥٠٠٤. وصححه الألباني في صحيح الجامع ٢/١٢٦٨، رقم ٧٦٥٨.</ref>. | ||
وقد ذكر بعض العلماء أن من أيسر الأمور أن تروع أخاك فتخفي عصاه أو تخفي حذاءه فإنه يروع بذلك، فما بالكم إذا كان الترويع بسيفٍ، أو بأداة قتلٍ، أو بتهديدٍ وسلبٍ للأمن، فذلك مما يحذر منه الإسلام. | وقد ذكر بعض العلماء أن من أيسر الأمور أن تروع أخاك فتخفي عصاه أو تخفي حذاءه فإنه يروع بذلك، فما بالكم إذا كان الترويع بسيفٍ، أو بأداة قتلٍ، أو بتهديدٍ وسلبٍ للأمن، فذلك مما يحذر منه الإسلام. | ||
الوسيلة الرابعة: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: | '''الوسيلة الرابعة:''' الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: وهو من أسباب النصر على الأعداء، والتمكين في الأرض، قال تعالى: {{ نص قرآني |الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ }}<ref> سورة الحج، الآية 40-41.</ref>. | ||
وهو من أسباب النصر على الأعداء، والتمكين في الأرض، قال تعالى: | |||
وفيه الأمن من الهلاك، والمحافظة على صلاح المجتمعات، فعن [[النعمان بن بشير]] رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {{نص حديث|مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قومٍ استهموا على سفينةٍ، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا}} <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشركة، بابٌ هل يقرع في القسمة والاستهام فيه وغيرهما، ٣/١٣٩، رقم ٢٤٩٣.</ref>. | |||
وفيه دفع العذاب عن العباد، قال تعالى: {{ نص قرآني | لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}}<ref> سورة المائدة، الآية 78-79.</ref>. | |||
وهو مطلب مهم لمن أراد النجاة لنفسه، قال تعالى: {{ نص قرآني |فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية 165.</ref>. | |||
'''الوسيلة الخامسة:''' إقامة شرع الله: ولما كان توفر الأمن ضرورة من ضروريات المجتمع التي تفوق ضرورة الغذاء، اهتم الإسلام بتوفير الأسباب الجالبة للأمن، وذلك ببناء الإنسان عقيدة وأخلاقًا وسلوكًا؛ لأن الأمن لا يتوفر بمجرد البطش والإرهاب وقوة الحديد والنار، وإنما يتوفر بتهذيب النفوس، وتطهير الأخلاق، وتصحيح المفاهيم حتى تترك النفوس الشر رغبة عنه وكراهية له. | |||
فإذا فقد المجتمع هذه المقومات التي جاء الإسلام بها فإنه يفقد أمنه واستقراره. | فإذا فقد المجتمع هذه المقومات التي جاء الإسلام بها فإنه يفقد أمنه واستقراره. | ||
ولهذا نجد الأمم التي تفقد هذه المقومات من أفلس الناس من الناحية الأمنية، وإن كانت تملك الأسلحة الفتاكة والأجهزة الدقيقة؛ لأن الإنسان لا يحكم بالآلة فقط، وإنما يحكم بالشرع العادل والسلطان القوي، كما قال تعالى {{ نص قرآني |لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}}<ref> سورة الحديد، الآية 25.</ref>. | |||
ولهذا نجد الأمم التي تفقد هذه المقومات من أفلس الناس من الناحية الأمنية، وإن كانت تملك الأسلحة الفتاكة والأجهزة الدقيقة؛ لأن الإنسان لا يحكم بالآلة فقط، وإنما يحكم بالشرع العادل والسلطان القوي، كما قال تعالى | |||
ويفهم الأمن من مفهوم الإسلام؛ لأن الإسلام هو الاستسلام لله بالخضوع له وامتثال أوامره واجتناب منهياته، وقد نهى الله عن التعدي على الناس في أعراضهم وأموالهم وأبدانهم. | ويفهم الأمن من مفهوم الإسلام؛ لأن الإسلام هو الاستسلام لله بالخضوع له وامتثال أوامره واجتناب منهياته، وقد نهى الله عن التعدي على الناس في أعراضهم وأموالهم وأبدانهم. | ||
وفي الحديث: عن عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: | وفي الحديث: عن عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {{نص حديث|المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه}}<ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ١/١١، رقم ١٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل، ١/٦٥، رقم ٤١.</ref>. | ||
ومن دخل في الإسلام دخل في نطاق الأمن؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: | ومن دخل في الإسلام دخل في نطاق الأمن؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {{نص حديث|أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني ماله، ونفسه، إلا بحقه وحسابه على الله}}<ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، ٢/١٠٥، رقم ١٣٩٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ١/٥١، رقم ٢٠.</ref>. | ||
فإذا تحقق الإسلام والإيمان توفرت أسباب الأمن، لكن قد يكون هناك شذوذ لم يتمكن الإسلام والإيمان من قلوبهم فتحصل منهم نزوات تخل بالأمن، وهنا وضع الله سبحانه زواجر وروادع لهؤلاء تكف عدوانهم، وتصون الأمن من عبثهم، فشرع سبحانه الحدود الكفيلة لردعهم وتحذير غيرهم من أن يفعلوا مثل فعلهم، ومن الحدود التي شرعها الله لحفظ الأمن للأفراد والجماعات؛ القصاص لحفظ النفوس، وشرع حد الزنا، وحد القذف لحفظ العرض والنسب، وشرع حد السرقة لحفظ الأموال، وشرع حد قطاع الطريق لحفظ السبل، وتأمين المواصلات، وشرع قتال البغاة لحفظ السلطة الإسلامية، ومنعًا لتفريق الكلمة، واختلاف الأئمة. | فإذا تحقق الإسلام والإيمان توفرت أسباب الأمن، لكن قد يكون هناك شذوذ لم يتمكن الإسلام والإيمان من قلوبهم فتحصل منهم نزوات تخل بالأمن، وهنا وضع الله سبحانه زواجر وروادع لهؤلاء تكف عدوانهم، وتصون الأمن من عبثهم، فشرع سبحانه الحدود الكفيلة لردعهم وتحذير غيرهم من أن يفعلوا مثل فعلهم، ومن الحدود التي شرعها الله لحفظ الأمن للأفراد والجماعات؛ القصاص لحفظ النفوس، وشرع حد الزنا، وحد القذف لحفظ العرض والنسب، وشرع حد السرقة لحفظ الأموال، وشرع حد قطاع الطريق لحفظ السبل، وتأمين المواصلات، وشرع قتال البغاة لحفظ السلطة الإسلامية، ومنعًا لتفريق الكلمة، واختلاف الأئمة. | ||
#فالقصاص من القاتل فيه حماية للنفوس البريئة، وضمانٌ للأمن بين الناس، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية 179.</ref>. فإذا عرف من يريد قتل إنسان أنه سيقتل به امتنع عن القتل، فكان في هذا حفظ لحياته وحياة غيره، وإذا أقدم على القتل فاقتص منه كان في هذا ردع للآخرين، فلا يقدمون على مثل جريمته لئلا يكون مصيرهم كمصيره، فقتل نفس واحدة بالقصاص حصل به نجاة أنفس كثيرة، كالعضو الفاسد يقطع لحفظ بقية الجسم؛ وبذلك يأمن الناس على حياتهم. | |||
#ورجم الزاني المحصن (وهو الذي سبق أن جامع زوجته بنكاح صحيح) بمحضر عام من المؤمنين، فيرجم بالحجارة حتى يموت. وذلك ليأمن الناس على أعراضهم من الاعتداء عليها؛ وليأمنوا على أنسابهم من الاختلاط، ولردع المضيعين لأعراضهم التي أمرهم الله بحفظها في قوله تعالى: {{ نص قرآني | قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ }}<ref> سورة النور، الآية 30-31.</ref>. وبذلك يقضى على جريمة الزنا التي تدمر المجتمعات البشرية، وبتطبيق هذا الحد يأمن الناس من هذا الخطر المدمر الذي يلوث المجتمع، ويهدد الإنسانية، وينشر الأمراض الخطيرة. | |||
# ولشناعة جريمة الزنا وحرمة عرض المسلم صان الله أعراض الأبرياء أن تدنس بنسبة هذه الجريمة إليها، وكف الألسنة البذيئة أن تتطاول على عرض المسلم فتقذفه بارتكاب فاحشة الزنا زورًا وبهتانًا. فأمر بجلد القاذف الذي لا يستطيع إقامة البينة على ما يقول بأن يجلد ثمانين جلدة، ولا تقبل له شهادة أبدًا، وأنه يعتبر فاسقًا ساقط العدالة ما لم يتب من هذه الجريمة. قال تعالى: {{ نص قرآني | وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }}<ref> سورة النور، الآية 4-5.</ref>. وبهذا الحد الرادع وسحب الثقة من القاذف تصان الأعراض البريئة، وتسكت الأفواه البذيئة، وتتوارى آثار هذه الجريمة، ويصبح الناس في مأمن منها ومن ذكرها حتى تتوارى من المجتمع نهائيًا. | |||
#ولما كان المال قوام الحياة والحفاظ عليه من الضروريات. قال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا}}<ref> سورة النساء، الآية 5.</ref>. وقد حرم الله أخذ أموال الناس بغير حق والاستيلاء عليها بغير مبرر، فالاعتداء على مال الغير كالاعتداء على دمه وعرضه في الحرمة، كما تدل عليه الآيات والأحاديث، ومن أشد أنواع الاعتداء على أموال الناس أخذها بالسرقة، وهي أخذ المال خفية من حرز مثله، وجزاء من فعل ذلك قطع يده، هذه اليد الخائنة التي امتدت إلى ما لا يحل لها، وعبثت بالأمن، وروعت المجتمع جزاؤها البتر، قال الله تعالى: {{ نص قرآني |وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}}<ref> سورة المائدة، الآية 38.</ref>. والسرقة أشد خطورة من اغتصاب المال مجاهرة؛ لأن المجاهرة تمكن مدافعتها وعمل الاحتياطات المانعة من شرها، أما السرقة فإنها مكر خفي، وغدر سيئ، يؤخذ بها الإنسان من مأمنه، وتدل على جرأة المجرم حيث لم تمنع منه الحروز والحصون، فكان جزاؤه بتر يده وتعطيلها عليه ردعًا له وعظة لغيره، وبهذا يتوفر الأمن للمجتمع، ويطمئن الناس على أموالهم في بيوتهم ومستودعاتهم، ويقضى على الجريمة. | |||
#ولما كان ربط البلدان والأقاليم بعضها ببعض عن طريق المواصلات البرية والبحرية والجوية لنقل البضائع وتنقلات المسافرين للتجارة وغيرها من الأغراض التي تتم بها مصالحهم؛ لذلك احتاج المجتمع إلى تأمين السبل بردع المجرمين الذين يحاولون قطعها، ويروعون المارة. ولأجل ذلك شرع سبحانه حد قطاع الطريق، وهم الذين يعرضون للناس بالسلاح فيغصبونهم المال مجاهرة، وهذا الحد هو ما ذكره الله تعالى بقوله: {{ نص قرآني |إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }}<ref> سورة المائدة، الآية 33-34.</ref>. وبتطبيق هذه العقوبة على قطاع الطريق تأمن السبل، وتنتظم المصالح، ويتوفر الأمن في البر والبحر والحاضرة والبادية، وتنتظم المواصلات بين البلدان والأقاليم، ويسهل نقل البضائع والتبادل التجاري مما فيه صلاح العمران البشري، وتوفر الإنتاج؛ ولهذا وصف الله من يحاول تعطيل هذه المصالح بأنه محارب لله ورسوله، وساع في الأرض بالفساد. | |||
#ولما كان لابد للمسلمين من قيادة تجتمع كلمتهم بها، وتحل مشاكلهم، وتكف الظالم منهم عن ظلمه، وتدفع العدو الخارجي عنهم، وترعى شؤونهم، وتنفذ أحكام الله فيهم. لما كان الأمر كذلك وأكثر، شرع الله تنصيب الإمام وطاعته بالمعروف وإعانته على الخير، قال الله تعالى: {{ نص قرآني |يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}}<ref> سورة النساء، الآية 59.</ref>. | |||
وهكذا نتبين من هذا العرض الموجز ما حققه الإسلام من أمن الأفراد والمجتمعات حين عجزت كل نظم البشر وأسلحتهم الفتاكة وأجهزتهم الدقيقة أن تحقق أقل القليل من هذا الأمن الذي حققه الإسلام، وصدق الله العظيم حيث يقول: {{ نص قرآني |أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}}<ref> سورة المائدة، الآية 50.</ref>. | |||
وهكذا نتبين من هذا العرض الموجز ما حققه الإسلام من أمن الأفراد والمجتمعات حين عجزت كل نظم البشر وأسلحتهم الفتاكة وأجهزتهم الدقيقة أن تحقق أقل القليل من هذا الأمن الذي حققه الإسلام، وصدق الله العظيم حيث يقول: | |||
ثم إن هذا الأمن الذي حققه الإسلام لا يعتمد على العقوبة وشدة البطش بأصحاب الجرائم، وإنما يعتمد على غرس الإيمان في القلوب، وزرع الخشية الإلهية في النفوس حتى تترك الإجرام رغبة عنه، وكراهية له، بل تقوم بمقاومته والنهي عنه، ثم يتبع ذلك الوعظ والتذكير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأجل تعليم الجاهل، وتذكير الغافل، والأخذ على يد السفيه عن الوقوع في الجرائم، ثم يتبع ذلك تطبيق العقوبات الشرعية على من لم تُجْدِ فيه الموعظة، ولم تؤثر فيه النصيحة، ولم يأتمر بالمعروف، وينته عن المنكر، فالعقوبة آخر <ref>انظر: تحقيق الإسلام لأمن المجتمع، صالح الفوزان، مجلة البحوث الإسلامية ٢١/٩٦.</ref> | |||
إن مجتمعًا يسود بين أهله الإيمان بالله عز وجل، واليقين بالآخرة، والجزاء والحساب، لا شك أنه مجتمع تسوده المحبة، ويعمه السلام؛ لأن تعظيم الله سبحانه سيجعل هذه النفوس لا ترضى بغير شرع الله عز وجل بديلًا، ولا تقبل الاستسلام إلا لحكمه، وهذا بدوره سيضفي الأمن والأمان على مثل هذه المجتمعات؛ لأن أهلها يخافون الله ويخافون يوم الفصل والجزاء، فلا تحاكم إلا لشرع الله، ولا تعامل إلا بأخلاق الإسلام الفاضلة، فلا خيانة ولا غش ولا ظلم، ولا يعني هذا أنه لا يوجد في المجتمعات المسلمة من يظلم أو يخون أو يغش، فهذا لم يسلم منه عصر النبوة ولا الخلافة الراشدة، لكن هذه المعاصي تبقى فردية، يؤدب أفرادها بحكم الله عز وجل وحدوده، إذا لم يردعهم وازع الدين والخوف من الله، والحالات الفردية تلك ليست عامة، أما عندما يقل الوازع الديني والخوف من الآخرة، ويكون التحاكم إلى أهواء البشر وحكمهم فهذا هو البلاء العظيم والفساد الكبير، حيث تداس القيم والحرمات، ويأكل القوي الضعيف، وبالتالي لا يأمن الناس على أديانهم ولا أنفسهم ولا أموالهم ولا أعراضهم، وكفى بذلك سببًا في عدم الأمن والاستقرار، وانتشار الخوف، واختلال حياة الناس. | إن مجتمعًا يسود بين أهله الإيمان بالله عز وجل، واليقين بالآخرة، والجزاء والحساب، لا شك أنه مجتمع تسوده المحبة، ويعمه السلام؛ لأن تعظيم الله سبحانه سيجعل هذه النفوس لا ترضى بغير شرع الله عز وجل بديلًا، ولا تقبل الاستسلام إلا لحكمه، وهذا بدوره سيضفي الأمن والأمان على مثل هذه المجتمعات؛ لأن أهلها يخافون الله ويخافون يوم الفصل والجزاء، فلا تحاكم إلا لشرع الله، ولا تعامل إلا بأخلاق الإسلام الفاضلة، فلا خيانة ولا غش ولا ظلم، ولا يعني هذا أنه لا يوجد في المجتمعات المسلمة من يظلم أو يخون أو يغش، فهذا لم يسلم منه عصر النبوة ولا الخلافة الراشدة، لكن هذه المعاصي تبقى فردية، يؤدب أفرادها بحكم الله عز وجل وحدوده، إذا لم يردعهم وازع الدين والخوف من الله، والحالات الفردية تلك ليست عامة، أما عندما يقل الوازع الديني والخوف من الآخرة، ويكون التحاكم إلى أهواء البشر وحكمهم فهذا هو البلاء العظيم والفساد الكبير، حيث تداس القيم والحرمات، ويأكل القوي الضعيف، وبالتالي لا يأمن الناس على أديانهم ولا أنفسهم ولا أموالهم ولا أعراضهم، وكفى بذلك سببًا في عدم الأمن والاستقرار، وانتشار الخوف، واختلال حياة الناس. | ||
وإذا انحرف الناس عن هذا المنهج ضاع الأمن، وهلك العباد، وسقطت البلاد، قال ابن تيمية: «وبلاد الشرق من أسباب تسليط الله التتر عليها كثرة التفرق والفتن | وإذا انحرف الناس عن هذا المنهج ضاع الأمن، وهلك العباد، وسقطت البلاد، قال ابن تيمية: «وبلاد الشرق من أسباب تسليط الله التتر عليها كثرة التفرق والفتن بينهم» <ref>مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٢/٢٥٤.</ref>. | ||
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: | وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: {{نص حديث|يا معشر المهاجرين خمسٌ إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قومٍ قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المئونة، وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم}} <ref>أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب العقوبات، ٢/١٣٣٢، رقم ٤٠١٩. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ١/٢١٦.</ref>. | ||
ومن إقامة الشرع: إقامة العدل، قال تعالى مخاطبًا جميع عباده: | ومن إقامة الشرع: إقامة العدل، قال تعالى مخاطبًا جميع عباده: {{ نص قرآني |إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا}}<ref> سورة النساء، الآية 58.</ref>. | ||
قال ابن تيمية: «إن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمةٌ، وعاقبة العدل كريمةٌ؛ ولهذا يروى: الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرةً، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت | قال [[ابن تيمية]]: «إن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمةٌ، وعاقبة العدل كريمةٌ؛ ولهذا يروى: الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرةً، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنةً» <ref>مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٨/٦٣.</ref>. | ||
والعدل هو الذي يؤمن الأمم من عدوان أعدائها، وتحل وفرته وشموله محل ما نقص من السلاح والعتاد المادي، وقد كتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه: إن مدينتنا قد خربت، فإن رأى أمير المؤمنين أن يقطع لنا مالًا نرمها به فعل، فكتب إليه عمر: إذا قرأت كتابي هذا فحصنها بالعدل، ونق طرقها من الظلم؛ فإنه مرمتها، | والعدل هو الذي يؤمن الأمم من عدوان أعدائها، وتحل وفرته وشموله محل ما نقص من السلاح والعتاد المادي، وقد كتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه: إن مدينتنا قد خربت، فإن رأى أمير المؤمنين أن يقطع لنا مالًا نرمها به فعل، فكتب إليه عمر: إذا قرأت كتابي هذا فحصنها بالعدل، ونق طرقها من الظلم؛ فإنه مرمتها، والسلام <ref>انظر: تاريخ دمشق، ابن عساكر ٤٥/٢٠٢، تاريخ الخلفاء، السيوطي ص١٧٤.</ref>. | ||
=== الأمن المذموم ومظاهره=== | === الأمن المذموم ومظاهره=== | ||