انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الأمن عند أهل السنة»

سطر ٤٢٠: سطر ٤٢٠:


=== الأمن المذموم ومظاهره===
=== الأمن المذموم ومظاهره===
الأمن منه محمود ومذموم، وقد سبق بيان الأمن المحمود، وطرق تحصيله، والأمن المذموم هو ما يضاد الأمن المحمود، كالأمن من مكر الله تعالى، والأمن من بطش الأعداء، والتفريط في تحصيل أسباب الأمن المحمود، يوقع ولا شك في الأمن المذموم، وقد ذكر القرآن الكريم مظاهر ذلك الأمن المذموم، ومن ذلك:
الأمن منه محمود ومذموم، وقد سبق بيان الأمن المحمود، وطرق تحصيله، والأمن المذموم هو ما يضاد الأمن المحمود، كالأمن من مكر الله تعالى، والأمن من بطش الأعداء، والتفريط في تحصيل أسباب الأمن المحمود، يوقع ولا شك في الأمن المذموم، وقد ذكر القرآن الكريم مظاهر ذلك الأمن المذموم، ومن ذلك:


١. الأمن من عقوبة الله وعذابه في الدنيا.
١. الأمن من عقوبة الله وعذابه في الدنيا: ذكر الله تعالى توبيخ الذين أمنوا، واستغرقوا في أمنهم الباطل، فقال تعالى: {{ نص قرآني | أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}}<ref>  سورة الأعراف، الآية  97-99.</ref>.


ذكر الله تعالى توبيخ الذين أمنوا، واستغرقوا في أمنهم الباطل، فقال تعالى: (ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چچ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ) [الأعراف: ٩٧ - ٩٩].
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: أفأمن يا محمد هؤلاء الذين يكذبون الله ورسوله ويجحدون آياته، استدراج الله إياهم بما أنعم به عليهم في دنياهم من صحة الأبدان ورخاء العيش، كما استدرج الذين قص عليهم قصصهم من الأمم قبلهم، فإن مكر الله لا يأمنه، يقول: لا يأمن ذلك أن يكون استدراجًا مع مقامهم على كفرهم، وإصرارهم على معصيتهم إلا القوم الخاسرون وهم الهالكون» <ref>جامع البيان، ١٠/٣٣٤.</ref>.
 
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: أفأمن يا محمد هؤلاء الذين يكذبون الله ورسوله ويجحدون آياته، استدراج الله إياهم بما أنعم به عليهم في دنياهم من صحة الأبدان ورخاء العيش، كما استدرج الذين قص عليهم قصصهم من الأمم قبلهم، فإن مكر الله لا يأمنه، يقول: لا يأمن ذلك أن يكون استدراجًا مع مقامهم على كفرهم، وإصرارهم على معصيتهم إلا القوم الخاسرون وهم الهالكون»80.


إن البشر في قبضة الله في كل لحظة وفي كل بقعة، إنهم في قبضته في البر، كما هم في قبضته في البحر، فكيف يأمنون؟
إن البشر في قبضة الله في كل لحظة وفي كل بقعة، إنهم في قبضته في البر، كما هم في قبضته في البحر، فكيف يأمنون؟


ألا إنها الغفلة أن يعرض الناس عن ربهم ويكفروا، ثم يأمنوا أخذه وكيده، وهم يتوجهون إليه وحده في الشدة، ثم ينسونه بعد النجاة، كأنها آخر شدة يمكن أن يأخذهم بها الله!81.
ألا إنها الغفلة أن يعرض الناس عن ربهم ويكفروا، ثم يأمنوا أخذه وكيده، وهم يتوجهون إليه وحده في الشدة، ثم ينسونه بعد النجاة، كأنها آخر شدة يمكن أن يأخذهم بها الله! <ref>في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/٢٢٤٠.</ref>.


٢. الأمن من بطش الأعداء وتسلطهم.
٢. الأمن من بطش الأعداء وتسلطهم: قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا}}<ref>  سورة النساء، الآية  101-102.</ref>.


قال تعالى: (ی ی ی ئج ئح ئم ئى ئي بج بح بخ بم بى بي تج تح تختم تى تي ثج ثم ثى ثي جح ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ ڀ ڀ ٺ ٺ ٺ ٺ ٿ ٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ ڤڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃڃ چ چ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎ ڎ ڈڈ ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک گ) [النساء: ١٠١ - ١٠٢].
أمرهم الله تعالى بالصلاة، ثم بالتعبئة الروحية الكاملة تجاه العدو، وهذا الحذر الذي يوصى المؤمنون به تجاه عدوهم الذي يتربص بهم لحظة غفلة واحدة عن أسلحتهم وأمتعتهم ليميل عليهم ميلة واحدة! ومع هذا التحذير والتخويف، التطمين والتثبيت، إذ يخبرهم أنهم إنما يواجهون قومًا كتب الله عليهم الهوان: {{ نص قرآني |إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا}}<ref>  سورة النساء، الآية  102.</ref>.


أمرهم الله تعالى بالصلاة، ثم بالتعبئة الروحية الكاملة تجاه العدو، وهذا الحذر الذي يوصى المؤمنون به تجاه عدوهم الذي يتربص بهم لحظة غفلة واحدة عن أسلحتهم وأمتعتهم ليميل عليهم ميلة واحدة! ومع هذا التحذير والتخويف، التطمين والتثبيت، إذ يخبرهم أنهم إنما يواجهون قومًا كتب الله عليهم الهوان: (ڑ ک ک ک ک گ) [النساء: ١٠٢].
وهذا التقابل بين التحذير والتطمين، وهذا التوازن بين استثارة حاسة الحذر، وسكب فيض الثقة هو طابع هذا المنهج في تربية النفس المؤمنة، والصف المسلم في مواجهة العدو الماكر العنيد اللئيم! <ref>انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/٧٤٨.</ref>.


وهذا التقابل بين التحذير والتطمين، وهذا التوازن بين استثارة حاسة الحذر، وسكب فيض الثقة هو طابع هذا المنهج في تربية النفس المؤمنة، والصف المسلم في مواجهة العدو الماكر العنيد اللئيم!82.
وقال تعالى: {{ نص قرآني |يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا}}<ref>  سورة النساء، الآية  71.</ref>.


وقال تعالى: (ڳ ڳ ڳ ڳ ڱ ڱ ڱ ڱ ں ں) [النساء: ٧١].
يأمر الله عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم، وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد وتكثير العدد بالنفير في سبيله <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/٣٥٧.</ref>.


يأمر الله عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم، وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد وتكثير العدد بالنفير في سبيله83.
٣. الأمن من زوال النعمة:
 
٣. الأمن من زوال النعمة.


ومن القصص التي ذكر الله فيها زوال نعمة الأمن عن أصحابها:
ومن القصص التي ذكر الله فيها زوال نعمة الأمن عن أصحابها:


قصة سبأ.
#قصة سبأ: قال تعالى: {{ نص قرآني | لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ }}<ref>  سورة سبأ، الآية  15-21.</ref>. عن [[ابن عباس]] رضي الله عنه قال: فإنهم بطروا عيشهم، وقالوا: لو كان جنى جناتنا أبعد مما هي كان أجدر أن نشتهيه، فمزقوا بين الشام وسبأٍ، وبدلوا بجنتيهم جنتين ذواتي أكلٍ خمطٍ وأثلٍ، وشيءٍ من سدرٍ قليلٍ <ref>جامع البيان، الطبري ١٩/٢٦٥.</ref>. فهم كفروا بما كانوا فيه من أمن فأبدلهم الله به خوفًا وتشتتًا وتمزيقًا، وقال ابن كثير: «يذكر تعالى ما كانوا فيه من الغبطة والنعمة، والعيش الهني الرغيد، والبلاد الرخية، والأماكن الآمنة، والقرى المتواصلة المتقاربة، بعضها من بعضٍ، مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها، بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زادٍ ولا ماءٍ، بل حيث نزل وجد ماءً وثمرًا، ويقيل في قريةٍ ويبيت في أخرى، بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم. . .، فبطروا هذه النعمة، وأحبوا مفاوز ومهامه يحتاجون في قطعها إلى الزاد والرواحل والسير في الحرور والمخاوف، فجعلهم الله حديثًا للناس، وسمرًا يتحدثون به من خبرهم، وكيف مكر الله بهم، وفرق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء؟ تفرقوا في البلاد ها هنا وها هنا» <ref>انظر: تفسير القرآن الكريم، ٦/٥٠٨.</ref>.
قال تعالى: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پپ پ پ ڀ ڀڀ ڀ ٺ ٺ ٺ ٺ ٿٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چ چ چ چڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ ڑ ڑ ک کک ک گ گ گ گ ڳ ڳ ڳ ڳ ڱ ڱ ڱ ڱ ں ں ڻ ڻ ڻڻ ۀ ۀ ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ۓ ۓ ڭ ڭ ڭ ڭ ۇ ۇ ۆ ۆ ۈ ۈ ٷ ۋ ۋ ۅ ۅ ۉ ۉ ې ې ې ېى ى ئا ئا ئە ئە) [سبأ: ١٥ - ٢١].
#القرية الظالمة المضروب بها المثل: قال تعالى: {{ نص قرآني |وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}}<ref>  سورة النحل، الآية  112.</ref>. فكونها آمنةً أي ذات أمنٍ لا يغار عليهم، كما قال: {{ نص قرآني |أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ}}<ref>  سورة العنكبوت، الآية  67.</ref>. والأمر في مكة كان كذلك؛ لأن العرب كان يغير بعضهم على بعضٍ، أما أهل مكة فإنهم كانوا أهل حرم الله، والعرب كانوا يحترمونهم ويخصونهم بالتعظيم والتكريم <ref>مفاتيح الغيب، الرازي ٢٠/٢٧٩.</ref>. والمثل الذي يضربه الله لهم منطبق على حالهم، وعاقبة المثل أمامهم، مثل القرية التي كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله، وكذبت رسوله {{نص حديث| فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}} وأخذ قومها العذاب وهم ظالمون. ويحسم التعبير الجوع والخوف فيجعله لباسًا، ويجعلهم يذوقون هذا اللباس ذوقًا؛ لأن الذوق أعمق أثرًا في الحس من مساس اللباس للجلد، وتتداخل في التعبير استجابات الحواس فتضاعف مس الجوع والخوف لهم ولذعه وتأثيره وتغلغله في النفوس، لعلهم يشفقون من تلك العاقبة التي تنتظرهم لتأخذهم وهم ظالمون <ref>في ظلال القرآن، سيد قطب٤/ ٢١٩٩.</ref>. وقال الإمام ابن كثير في قوله تعالى: {{ نص قرآني |أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ}}<ref>  سورة العنكبوت، الآية  67.</ref>. يقول تعالى ممتنًا على قريشٍ فيما أحلهم من حرمه الذي جعله للناس سواءً العاكف فيه والبادي، ومن دخله كان آمنًا، فهم في أمنٍ عظيمٍ، والأعراب حوله ينهب بعضهم بعضًا، ويقتل بعضهم بعضًا، كما قال تعالى: {{ نص قرآني |لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}}<ref>  سورة قريش، الآية  1-4.</ref>. وقوله: {{نص حديث|أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ}}. أي: أفكان شكرهم على هذه النعمة العظيمة أن أشركوا به، وعبدوا معه غيره من الأصنام والأنداد، و {{ نص قرآني |أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ}}<ref>  سورة إبراهيم، الآية  28.</ref>. وكفروا بنبي الله وعبده ورسوله، فكان اللائق بهم إخلاص العبادة لله، وألا يشركوا به، وتصديق الرسول وتعظيمه وتوقيره، فكذبوه وقاتلوه وأخرجوه من بين ظهرهم؛ ولهذا سلبهم الله ما كان أنعم به عليهم، وقتل من قتل منهم ببدرٍ، وصارت الدولة لله ولرسوله وللمؤمنين، ففتح الله على رسوله مكة، وأرغم أنوفهم، وأذل رقابهم  <ref>تفسير القرآن العظيم ٦/٢٩٥.</ref>. إن سنة الله ماضية، من أعرض عن شكر الله تعالى، وعن العمل الصالح وعن التصرف الحميد في نعم ربه عليه، فهو حري بسلب هذا الرخاء وإبداله جوعًا، وسلب نعمة الأمن وإبدالها خوفًا.
 
#أصحاب الجنة: قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ }}<ref>  سورة القلم، الآية  17-20.</ref>.
عن ابن عباسٍ رضي الله عنه قال: فإنهم بطروا عيشهم، وقالوا: لو كان جنى جناتنا أبعد مما هي كان أجدر أن نشتهيه، فمزقوا بين الشام وسبأٍ، وبدلوا بجنتيهم جنتين ذواتي أكلٍ خمطٍ وأثلٍ، وشيءٍ من سدرٍ قليلٍ84.
#صاحب الجنتين: قال تعالى:{{ نص قرآني | وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالا وَوَلَدًا فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا}}<ref>  سورة الكهف، الآية  34-44.</ref>.
 
فهم كفروا بما كانوا فيه من أمن فأبدلهم الله به خوفًا وتشتتًا وتمزيقًا، وقال ابن كثير: «يذكر تعالى ما كانوا فيه من الغبطة والنعمة، والعيش الهني الرغيد، والبلاد الرخية، والأماكن الآمنة، والقرى المتواصلة المتقاربة، بعضها من بعضٍ، مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها، بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زادٍ ولا ماءٍ، بل حيث نزل وجد ماءً وثمرًا، ويقيل في قريةٍ ويبيت في أخرى، بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم. . .، فبطروا هذه النعمة، وأحبوا مفاوز ومهامه يحتاجون في قطعها إلى الزاد والرواحل والسير في الحرور والمخاوف، فجعلهم الله حديثًا للناس، وسمرًا يتحدثون به من خبرهم، وكيف مكر الله بهم، وفرق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء؟ تفرقوا في البلاد ها هنا وها هنا»85.
 
القرية الظالمة المضروب بها المثل.
قال تعالى: (ٿ ٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ) [النحل: ١١٢].


فكونها آمنةً أي ذات أمنٍ لا يغار عليهم، كما قال: (چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ) [العنكبوت: ٦٧].
فقول الظالم: {{نص قرآني|قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا}} اغترارٌ منه لما رأى فيها من الزروع والثمار والأشجار والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها، ظن أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك ولا تتلف وذلك لقلة عقله، وضعف يقينه بالله، وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها، وكفره بالآخرة  <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/١٥٧.</ref>.
 
والأمر في مكة كان كذلك؛ لأن العرب كان يغير بعضهم على بعضٍ، أما أهل مكة فإنهم كانوا أهل حرم الله، والعرب كانوا يحترمونهم ويخصونهم بالتعظيم والتكريم86.
 
والمثل الذي يضربه الله لهم منطبق على حالهم، وعاقبة المثل أمامهم، مثل القرية التي كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله، وكذبت رسوله (ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ) وأخذ قومها العذاب وهم ظالمون.
 
ويحسم التعبير الجوع والخوف فيجعله لباسًا، ويجعلهم يذوقون هذا اللباس ذوقًا؛ لأن الذوق أعمق أثرًا في الحس من مساس اللباس للجلد، وتتداخل في التعبير استجابات الحواس فتضاعف مس الجوع والخوف لهم ولذعه وتأثيره وتغلغله في النفوس، لعلهم يشفقون من تلك العاقبة التي تنتظرهم لتأخذهم وهم ظالمون87.
 
وقال الإمام ابن كثير في قوله تعالى: (چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ) [العنكبوت: ٦٧].
 
يقول تعالى ممتنًا على قريشٍ فيما أحلهم من حرمه الذي جعله للناس سواءً العاكف فيه والبادي، ومن دخله كان آمنًا، فهم في أمنٍ عظيمٍ، والأعراب حوله ينهب بعضهم بعضًا، ويقتل بعضهم بعضًا، كما قال تعالى: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ ڀ ڀ ٺ ٺ ٺ ٺ ٿ ٿ ٿ) [قريش: ١ - ٤].
 
وقوله: (ڎ ڈ ڈ ژ ژ) [العنكبوت: ٦٧].
 
أي: أفكان شكرهم على هذه النعمة العظيمة أن أشركوا به، وعبدوا معه غيره من الأصنام والأنداد، و (ڎ ڈ ڈ ژ ژ ڑ ڑ ک) [إبراهيم: ٢٨].
 
وكفروا بنبي الله وعبده ورسوله، فكان اللائق بهم إخلاص العبادة لله، وألا يشركوا به، وتصديق الرسول وتعظيمه وتوقيره، فكذبوه وقاتلوه وأخرجوه من بين ظهرهم؛ ولهذا سلبهم الله ما كان أنعم به عليهم، وقتل من قتل منهم ببدرٍ، وصارت الدولة لله ولرسوله وللمؤمنين، ففتح الله على رسوله مكة، وأرغم أنوفهم، وأذل رقابهم88.
 
إن سنة الله ماضية، من أعرض عن شكر الله تعالى، وعن العمل الصالح وعن التصرف الحميد في نعم ربه عليه، فهو حري بسلب هذا الرخاء وإبداله جوعًا، وسلب نعمة الأمن وإبدالها خوفًا.
 
أصحاب الجنة.
قال تعالى: (ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ ڀ ڀ ٺ ٺ ٺ ٺ ٿ ٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ ڤ ڤ) [القلم: ١٧ - ٢٠].
 
صاحب الجنتين.
قال تعالى: (ی ی ی ی ئج ئح ئم ئى ئي بج بح بخ بم بى ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ ڀ ڀ ٺ ٺ ٺ ٺ ٿ ٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چ چ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ ڑ ڑ ک ک کک گ گ گ گ ڳ ڳ ڳ ڳ ڱ ڱ ڱ ڱ ں ں ڻ ڻ ڻ ڻ ۀ ۀ ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ۓ ۓ ڭ ڭ ڭ ڭ ۇ ۇ ۆ ۆ ۈ ۈ ٷ ۋ ۋ ۅ ۅ ۉ ۉ ې ې ې ې ى ى ئا ئا ئە ئە ئو ئو ئۇ ئۇ ئۆ ئۆ ئۈ ئۈ ئې ئېئې ئى ئى ئى ی ی) [الكهف: ٣٤ - ٤٤].
 
فقول الظالم: (پ پ پ پ ڀ ڀ ڀ) اغترارٌ منه لما رأى فيها من الزروع والثمار والأشجار والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها، ظن أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك ولا تتلف وذلك لقلة عقله، وضعف يقينه بالله، وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها، وكفره بالآخرة89.


تجيء قصة الرجلين والجنتين تضرب مثلًا للقيم الزائلة، والقيم الباقية، وترسم نموذجين واضحين للنفس المعتزة بزينة الحياة، والنفس المعتزة بالله.
تجيء قصة الرجلين والجنتين تضرب مثلًا للقيم الزائلة، والقيم الباقية، وترسم نموذجين واضحين للنفس المعتزة بزينة الحياة، والنفس المعتزة بالله.
سطر ٤٩١: سطر ٤٥٥:
وكلاهما نموذج إنساني لطائفة من الناس: صاحب الجنتين نموذج للرجل الثري، تذهله الثروة، وتبطره النعمة، فينسى الله ونعماءه، ويحسب هذه النعمة خالدة لا تفنى، فلن تخذله القوة ولا الجاه، وصاحبه نموذج للرجل المؤمن المعتز بإيمانه، الذاكر لربه، يرى النعمة دليلًا على المنعم، موجبة لحمده وذكره، لا لجحوده وكفره.
وكلاهما نموذج إنساني لطائفة من الناس: صاحب الجنتين نموذج للرجل الثري، تذهله الثروة، وتبطره النعمة، فينسى الله ونعماءه، ويحسب هذه النعمة خالدة لا تفنى، فلن تخذله القوة ولا الجاه، وصاحبه نموذج للرجل المؤمن المعتز بإيمانه، الذاكر لربه، يرى النعمة دليلًا على المنعم، موجبة لحمده وذكره، لا لجحوده وكفره.


جنتان مثمرتان من الكروم، محفوفتان بسياج من النخيل، تتوسطهما الزروع، ويتفجر بينهما نهر، إنه المنظر البهيج والحيوية الدافقة والمتاع والمال، وها هو ذا صاحب الجنتين تمتلئ نفسه بهما، ويزدهيه النظر إليهما، فيحس بالزهو، وينتفش كالديك، ويختال كالطاووس، ويتعالى على صاحبه الفقير: (ی ئج ئح ئم ئى ئي بج بح بخ بم).
جنتان مثمرتان من الكروم، محفوفتان بسياج من النخيل، تتوسطهما الزروع، ويتفجر بينهما نهر، إنه المنظر البهيج والحيوية الدافقة والمتاع والمال، وها هو ذا صاحب الجنتين تمتلئ نفسه بهما، ويزدهيه النظر إليهما، فيحس بالزهو، وينتفش كالديك، ويختال كالطاووس، ويتعالى على صاحبه الفقير: {{نص قرآني| فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا }}.


ثم يخطو بصاحبه إلى إحدى الجنتين، وملء نفسه البطر، وملء جنبه الغرور، وقد نسي الله، ونسي أن يشكره على ما أعطاه، وظن أن هذه الجنان المثمرة لن تبيد أبدًا، أنكر قيام الساعة أصلًا، وهبها قامت فسيجد هنالك الرعاية والإيثار! أليس من أصحاب الجنان في الدنيا؟! فلابد أن يكون جنابه ملحوظًا في الآخرة! (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ ڀ ڀ ٺ ٺ ٺ ٺ ٿ ٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ) [الكهف: ٣٥-٣٦].
ثم يخطو بصاحبه إلى إحدى الجنتين، وملء نفسه البطر، وملء جنبه الغرور، وقد نسي الله، ونسي أن يشكره على ما أعطاه، وظن أن هذه الجنان المثمرة لن تبيد أبدًا، أنكر قيام الساعة أصلًا، وهبها قامت فسيجد هنالك الرعاية والإيثار! أليس من أصحاب الجنان في الدنيا؟! فلابد أن يكون جنابه ملحوظًا في الآخرة! {{ نص قرآني | وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا }}<ref>  سورة الكهف، الآية  35-36.</ref>.


إنه الغرور يخيل لذوي الجاه والسلطان والمتاع والثراء أن القيم التي يعاملهم بها أهل هذه الدنيا الفانية تظل محفوظة لهم حتى في الملأ الأعلى! فما داموا يستطيلون على أهل هذه الأرض فلابد أن يكون لهم عند السماء مكان ملحوظ! فأما صاحبه الفقير الذي لا مال له ولا نفر، ولا جنة عنده ولا ثمر فإنه معتز بما هو أبقى وأعلى، معتز بعقيدته وإيمانه، معتز بالله الذي تعنو له الجباه فهو يجبه صاحبه المتبطر المغرور منكرًا عليه بطره وكبره، يذكره بمنشئه المهين من ماء وطين، ويوجهه إلى الأدب الواجب في حق المنعم، وينذره عاقبة البطر والكبر، ويرجو عند ربه ما هو خير من الجنة والثمار (ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چ چ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ ڑ ڑ ک ک کک گ گ گ گ ڳ ڳ ڳ ڳ ڱ ڱ ڱ ڱ ں ں ڻ ڻ ڻ ڻ ۀ ۀ ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ۓ ۓ) [الكهف: ٣٧ - ٤١].
إنه الغرور يخيل لذوي الجاه والسلطان والمتاع والثراء أن القيم التي يعاملهم بها أهل هذه الدنيا الفانية تظل محفوظة لهم حتى في الملأ الأعلى! فما داموا يستطيلون على أهل هذه الأرض فلابد أن يكون لهم عند السماء مكان ملحوظ! فأما صاحبه الفقير الذي لا مال له ولا نفر، ولا جنة عنده ولا ثمر فإنه معتز بما هو أبقى وأعلى، معتز بعقيدته وإيمانه، معتز بالله الذي تعنو له الجباه فهو يجبه صاحبه المتبطر المغرور منكرًا عليه بطره وكبره، يذكره بمنشئه المهين من ماء وطين، ويوجهه إلى الأدب الواجب في حق المنعم، وينذره عاقبة البطر والكبر، ويرجو عند ربه ما هو خير من الجنة والثمار {{ نص قرآني |قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالا وَوَلَدًا فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًاا}}<ref>  سورة الكهف، الآية  37-41.</ref>.


وهكذا تنتفض عزة الإيمان في النفس المؤمنة، فلا تبالي المال والنفر، ولا تداري الغنى والبطر، ولا تتلعثم في الحق، ولا تجامل فيه الأصحاب، وهكذا يستشعر المؤمن أنه عزيز أمام الجاه والمال، وأن ما عند الله خير من أعراض الحياة، وأن فضل الله عظيم، وهو يطمع في فضل الله، وأن نقمة الله جبارة، وأنها وشيكة أن تصيب الغافلين المتبطرين.
وهكذا تنتفض عزة الإيمان في النفس المؤمنة، فلا تبالي المال والنفر، ولا تداري الغنى والبطر، ولا تتلعثم في الحق، ولا تجامل فيه الأصحاب، وهكذا يستشعر المؤمن أنه عزيز أمام الجاه والمال، وأن ما عند الله خير من أعراض الحياة، وأن فضل الله عظيم، وهو يطمع في فضل الله، وأن نقمة الله جبارة، وأنها وشيكة أن تصيب الغافلين المتبطرين.


وفجأة ينقلنا السياق من مشهد النماء والازدهار إلى مشهد الدمار والبوار، ومن هيئة البطر، والاستكبار إلى هيئة الندم والاستغفار، فلقد كان ما توقعه الرجل المؤمن (ڭ ڭ ڭ ۇ ۇ ۆ ۆ ۈ ۈ ٷ ۋ ۋ ۅ ۅ ۉ ۉ ې ې ې) [الكهف: ٤٢].
وفجأة ينقلنا السياق من مشهد النماء والازدهار إلى مشهد الدمار والبوار، ومن هيئة البطر، والاستكبار إلى هيئة الندم والاستغفار، فلقد كان ما توقعه الرجل المؤمن {{ نص قرآني |وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا}}<ref>  سورة الكهف، الآية  42.</ref>.
 
وهو مشهد شاخص كامل، الثمر كله مدمر، كأنما أخذ من كل جانب فلم يسلم منه شيء، والجنة خاوية على عروشها مهشمة محطمة، وصاحبها يقلب كفيه أسفًا وحزنًا على ماله الضائع وجهده الذاهب، وهو نادم على إشراكه بالله، يعترف الآن بربوبيته ووحدانيته، ومع أنه لم يصرح بكلمة الشرك، إلا أن اعتزازه بقيمة أخرى أرضية غير قيمة الإيمان كان شركًا ينكره الآن، ويندم عليه ويستعيذ منه بعد فوات الأوان في ظلال القرآن، سيد قطب٤/ ٢٢٧٠..


وهو مشهد شاخص كامل، الثمر كله مدمر، كأنما أخذ من كل جانب فلم يسلم منه شيء، والجنة خاوية على عروشها مهشمة محطمة، وصاحبها يقلب كفيه أسفًا وحزنًا على ماله الضائع وجهده الذاهب، وهو نادم على إشراكه بالله، يعترف الآن بربوبيته ووحدانيته، ومع أنه لم يصرح بكلمة الشرك، إلا أن اعتزازه بقيمة أخرى أرضية غير قيمة الإيمان كان شركًا ينكره الآن، ويندم عليه ويستعيذ منه بعد فوات الأوان90.
==المراجع والمصادر==
==المراجع والمصادر==
# [[صورة: IM010524.jpg|22px]] [[محمد الريشهري]]، [[موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|'''موسوعة معارف الكتاب والسنة]]'''
# [[صورة: IM010524.jpg|22px]] [[محمد الريشهري]]، [[موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|'''موسوعة معارف الكتاب والسنة]]'''
٢٦٬٨٦٢

تعديل