الفرق بين المراجعتين لصفحة: «نقاش:روح الإنسان»
لا يوجد ملخص تحرير
(أنشأ الصفحة ب''''تبسيط الصفحه''' ==تمهيد== نحن البشر نختلف عن سائر الكائنات الحيّة، فلدينا صفات مميّزة مثل التفكير والإيمان والحبّ. وهذا يدلّ على أنّ فينا حقيقة تختلف عن أجسادنا المادية. وعندما نتأمّل في أنفسنا، نجد هذه الحقيقة التي نسميّها «أنا» ونشعر أنّها ذواتنا...') |
لا ملخص تعديل |
||
| سطر ١٦: | سطر ١٦: | ||
* ومنهم من قال إنّها [[جسم]] [[لطيف]] يسري في [[البدن]]. | * ومنهم من قال إنّها [[جسم]] [[لطيف]] يسري في [[البدن]]. | ||
* ومنهم من قال إنّها شيء مجرّد منزّه عن صفات الجسد. | * ومنهم من قال إنّها شيء مجرّد منزّه عن صفات الجسد. | ||
والخلاصة أنّ الإنسان فيه جانب جسدي مادّي، وجانب روحي هو حقيقته وأصل صفاته المميّزة. وهذان الجانبان مختلفان تماماً رغم ارتباطهما في [[الحياة]]./ | والخلاصة أنّ الإنسان فيه جانب جسدي مادّي، وجانب روحي هو حقيقته وأصل صفاته المميّزة. وهذان الجانبان مختلفان تماماً رغم ارتباطهما في [[الحياة]]<ref>انظر: [[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]: ٥٥٠ - ٥٥٢.</ref>. | ||
==[[تجرد]] الروح (النفس [[الإنسانية]])== | ==[[تجرد]] الروح (النفس [[الإنسانية]])== | ||
يعتقد كثير من فلاسفة المسلمين وبعض [[علماء الكلام]] أنّ الجانب الثاني من وجود الإنسان - أي الروح أو النفس - هو شيء مجرّد وليس مادّيّاً. وهم يستندون في ذلك إلى [[أدلة]] من [[القرآن]] والأحاديث، وكذلك إلى براهين عقلية. ولأنّ شرح وتحليل هذه [[الأدلة]] يحتاج إلى بحوث طويلة، فسنكتفي هنا بذكر بعض الأمثلة | يعتقد كثير من فلاسفة المسلمين وبعض [[علماء الكلام]] أنّ الجانب الثاني من وجود الإنسان - أي الروح أو النفس - هو شيء مجرّد وليس مادّيّاً. وهم يستندون في ذلك إلى [[أدلة]] من [[القرآن]] والأحاديث، وكذلك إلى براهين عقلية. ولأنّ شرح وتحليل هذه [[الأدلة]] يحتاج إلى بحوث طويلة، فسنكتفي هنا بذكر بعض الأمثلة عليها، بعد أن نوضّح أوّلاً معنى «المجرّد»<ref>انظر: [[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]: ٥٥٢.</ref>. | ||
==ما هو الموجود المجرّد؟== | ==ما هو الموجود المجرّد؟== | ||
فما هو المقصود بالشيء | فما هو المقصود بالشيء المجرّد؟ نستخدم كلمة «مجرّد» في [[الفلسفة]] والكلام بمعنى عكس «مادّي». فلكي نفهم معنى «مجرّد»، علينا أن نعرف معنى «مادّي» أوّلاً. | ||
الشيء | الشيء المادّي له صفات معيّنة، مثل أنّ له حجماً ووزناً، ويشغل مكاناً محدّداً، ويمكن تقسيمه إلى أجزاء، ويمكن إدراكه بالحواس، وهو دائماً يتغيّر ويتحوّل. | ||
أمّا الشيء المجرّد فهو الذي ليس له هذه [[الصفات]] [[المادية]]. إنّه منزّه عن كلّ خصائص [[المادة]]. | |||
علماء المسلمين يقولون | علماء المسلمين يقولون إنّ هناك نوعين من الأشياء المجرّدة: | ||
# '''مجرّد تماماً:''' ليس له أيّ صفة من صفات المادّة. | |||
# '''مجرّد جزئيّاً:''' له شكل المادّة فقط، لكنّه ليس له بقيّة صفاتها<ref>انظر: [[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]: ٥٥٢ و ٥٥٣.</ref>. | |||
==[[الأدلة العقلية]] على [[تجرد]] [[الروح]]== | ==[[الأدلة العقلية]] على [[تجرد]] [[الروح]]== | ||
===تجرد [[العلم]] يحكي عن تجرد العالِم=== | ===تجرد [[العلم]] يحكي عن تجرد العالِم=== | ||
نحن نعلم ونفهم أشياء كثيرة، مثل الحيوان والشجرة والإنسان بشكل | نحن نعلم ونفهم أشياء كثيرة، مثل الحيوان والشجرة والإنسان بشكل عامّ. هذه المفاهيم [[العامة]] موجودة في عقولنا، لكنّها ليست في مكان محدّد، ولا يمكن الإشارة إليها بالحواس، ولا يمكن تقسيمها، ولا تتغيّر مع الزمن. وهذا يعني أنّ هذه المعلومات والمفاهيم شيء مجرّد غير مادّي. | ||
وبما | وبما أنّ هذه المعاني المجرّدة موجودة في [[النفس]] البشرية، فهذا يعني أنّ النفس أيضاً شيء مجرّد غير مادّي؛ لأنّ الشيء المادّي لا يمكن أن يحتوي على شيء مجرّد، فالمادّة لا تقبل إلّا ما هو مادّي مثلها. | ||
فهذه [[حجة]] عقلية بسيطة | فهذه [[حجة]] عقلية بسيطة تدلّ على أنّ الروح [[الإنسانية]] في حقيقتها مجرّدة وليست مادّية بحتة؛ لأنّ علومنا وإدراكاتنا مجرّدة، فلابدّ أن يكون محلّها - وهو النفس - مجرّداً أيضاً. | ||
===عدم قابلية الروح للانقسام=== | ===عدم قابلية الروح للانقسام=== | ||
من المعروف | من المعروف أنّ الأشياء المادية يمكن تقسيمها وتجزئتها، فلا يوجد شيء مادّي بسيط. ولكن عندما نتأمّل في أنفسنا، نجد أنّ أرواحنا التي نعبّر عنها بـ «أنا» هي شيء بسيط لا ينقسم. فمهما كانت الظروف، لا يمكننا [[تصور]] أجزاء للذات «الأنا»، بل نجد الذات - الروح أو النفس - شيئًا بسيطاً غير قابل للتجزئة. وهذا العلم يأتي من إدراكنا المباشر الذي لا يخطئ. إذن، [[روح الإنسان]] أمر بسيط، وليس مادّيّاً؛ لأنّ لا شيء من البسيط يكون مادّيّاً. | ||
===[[ثبات]] روح الإنسان بالرغم من | ===[[ثبات]] روح الإنسان بالرغم من تحوّلات [[البدن]] الجسماني=== | ||
من | من المؤكّد أنّ أجزاء [[جسم]] [[الإنسان]] تتغيّر مع مرور الزمن، فتتبدّل الخلايا القديمة بخلايا جديدة. ولكن عندما نتأمّل في أعماقنا، نجد أنّ هناك [[وحدة]] في الشخصية تبقى ثابتة رغم التغيّرات المادية للجسم. فالإنسان المسن يدرك أنّه نفس الشخص الذي عاش مراحل [[الطفولة]] والشباب. إذن، يجد الإنسان أنّ «الأنا» ثابتة رغم كلّ التحوّلات الجسدية، وهذا [[دليل]] آخر على تجرّدها عن المادة<ref>انظر: [[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]: ٥٥٣ و ٥٥٥.</ref>. | ||
==حدوث أو قِدم النفس== | ==حدوث أو قِدم النفس== | ||
يعدّ بحث حدوث أو [[قدم]] [[الروح]] من المسائل المهمّة في فهم [[الإنسان]]. والرأي الأكثر شيوعاً بين [[الحكماء]] والمتكلمين هو أنّ [[النفس]] حادثة، أي مخلوقة، رغم وجود من يعتقد بقدمها. واختلف القائلون بحدوث النفس على رأيين: | |||
# البعض يرى أنّ الروح حادثة، لكنّها موجودة قبل خلق الجسد، وترتبط به بعد أن يصبح الجسد مستعدّاً لقبولها. | |||
# والبعض الآخر - وهم غالبية الحكماء والمتكلمين المسلمين - يرى أنّ الروح حادثة وقد خُلقت مع خلق الجسد في نفس الوقت. وقد قدّموا [[أدلة]] عديدة على ذلك، نشير هنا لأشهرها عند المتكلمين. | |||
===[[الدليل]] على حدوث النفس مع حدوث [[البدن]] | ===[[الدليل]] على حدوث النفس مع حدوث [[البدن]]=== | ||
إذا افترضنا | إذا افترضنا أنّ النفس وُجدت قبل خلق الجسد، فهي إمّا واحدة أو متعدّدة. | ||
والاحتمال الأوّل [[باطل]]؛ لأنّه لو كانت النفس الواحدة متعلّقة بعدّة أجساد مع بقائها واحدة، للزم اجتماع [[الصفات]] المتضادّة فيها مثلا: نفس واحدة في جسد شخص عالِم هي «عالِمة»، وفي جسد شخص [[جاهل]] هي «جاهلة»، وهذا مستحيل. وإذا تعدّدت النفس بعد تعلّقها بالأجساد المتعدّدة، فهذا يناقض تجرّدها ويستلزم انقسامها لأجزاء، والانقسام من خصائص [[المادة]]. | |||
إذن، فرض وجود النفس وحدوثها قبل خلق الجسد باطل | أمّا الاحتمال الثاني، وهو أنّ النفوس متعدّدة قبل تعلّقها بالأجساد، فهو أيضاً باطل؛ لأنّ تعدّد الأفراد يكون لأحد ثلاثة أسباب: اختلاف الذاتيات، أو اختلاف لوازم الذات، أو اختلاف الأعراض. والاحتمالان الأوّلان باطلان؛ لأنّ النفوس [[الإنسانية]] حسب الفرض أفراد لنوع واحد ولا اختلاف بينها في الذاتيات ولوازمها. والاحتمال الثالث أيضاً باطل؛ لأنّ اختلاف الأعراض يتطلّب وجود مادّة، والفرض هو عدم وجود مادّة قبل تعلّق النفس بالجسد. | ||
إذن، فرض وجود النفس وحدوثها قبل خلق الجسد باطل بكلّ احتمالاته. وبالتالي فالرأي الأرجح هو حدوث النفس مع حدوث الجسد في نفس الوقت<ref>انظر: العلّامة الحلّي، كشف المراد: ۲۰۰؛ وابن ميثم البحراني، قواعد المرام: ١۵٢.</ref>.<ref>انظر: [[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]: ٥٥٥ و ٥٥٦.</ref>. | |||
==[[تجرد]] النفس في [[الحدوث]] أو [[البقاء]]== | ==[[تجرد]] النفس في [[الحدوث]] أو [[البقاء]]== | ||
بعد أن قبلنا [[فكرة]] | بعد أن قبلنا [[فكرة]] أنّ النفس البشرية مجرّدة وحادثة، يأتي [[سؤال]] مهم: هل خلق الله النفس مجردّة منذ البداية أم أنّها تصبح مجرّدة بعد المرور بمراحل؟ | ||
هناك رأيان في الإجابة عن هذا [[السؤال]]: | هناك رأيان في الإجابة عن هذا [[السؤال]]: | ||
# النفس البشرية حادثة وجوداً وستبقى كذلك إلى [[الأبد]]. أي أنّ [[الله]] خلقها مجرّدة منذ البداية. وهذا ما يعتقده معظم القائلين بتجرّد [[النفس]]. وبناءاً على ذلك، فإنّ [[روح الإنسان]] روحانية في [[الحدوث]] والبقاء. | |||
# روح الإنسان خُلقت في الأصل جسمانية، ثمّ تتطوّر تدريجيّاً حتّى تصل إلى مرحلة [[التجرد]]، فتبقى مجرّدة إلى [[الأبد]]. أي أنّها جسمانية في الحدوث وروحانية في [[البقاء]]. وهذه النظرية من ابتكارات الفيلسوف [[الإسلامي]] الشهير [[صدر الدين الشيرازي]] (ملاصدرا)، وقبلها بعض [[الحكماء]] والمتكلمين المسلمين من بعده<ref>انظر: [[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]: ٥٥٦ و ٥٥٧.</ref>. | |||
==[[الأبعاد الوجودية للإنسان في القرآن]] [[الكريم]]== | ==[[الأبعاد الوجودية للإنسان في القرآن]] [[الكريم]]== | ||
من خلال ما سبق، | من خلال ما سبق، يتّضح أنّ للإنسان بُعدين أساسيين: | ||
# [[البدن]] المادّي الجسماني الذي تنطبق عليه خصائص [[المادة]] وأحكامها. | |||
# [[الروح]] غير [[المادية]] المجرّدة. | |||
بعض [[الآيات القرآنية]] أشارت إلى البُعد الجسماني، مثل تلك التي ذكرت كيفية [[خلق الإنسان]] من عناصر | بعض [[الآيات القرآنية]] أشارت إلى البُعد الجسماني، مثل تلك التي ذكرت كيفية [[خلق الإنسان]] من عناصر مادّية: | ||
* {{نص قرآني|وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ}}<ref>سورة المؤمنون، الآية ۱۲.</ref>. | |||
* {{نص قرآني|وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ}}<ref>سورة الحجر، الآية ۲۶.</ref>. | |||
* {{نص قرآني|وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ}}<ref>سورة الفاطر، الآية ۱۱.</ref>. | |||
* {{نص قرآني|إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ}}<ref>سورة الانسان، الآية ۲.</ref>. | |||
هذه [[الآيات]] تشير إلى البُعد | هذه [[الآيات]] تشير إلى البُعد المادّي في وجود الإنسان. لكنّ هناك آيات أخرى تبيّن أنّ خلق الإنسان لا ينحصر في هذا البُعد المادّي فقط، بل إنّ البنية الجسمانية تتطوّر حتّى تصل إلى مرتبة وجودية جديدة، يعبّر عنها [[القرآن]] بنفخ الروح: | ||
{{نص قرآني|ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ}}<ref>سورة السجده، الآية ۹.</ref>. | |||
وفي آية أخرى، | وفي آية أخرى، عبّر عن هذه المرتبة الجديدة بالخلق الآخر: | ||
{{نص قرآني|ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ}}<ref>سورة المؤمنون، الآية ۱۴.</ref>. | |||
فمن مجموع هذه الآيات، نستنتج | فمن مجموع هذه الآيات، نستنتج أنّ للإنسان بُعدين وجوديين: | ||
# بُعد مادّي يتطوّر تدريجيّاً. | |||
# بُعد روحاني، وهو منسوب إلى [[الله تعالى]] (روحه)، وهو خلق آخر يختلف عن البُعد المادّي<ref>انظر: [[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]: ٥٥٧ و ٥٥٨.</ref>. | |||
==الروح | |||
استُخدمت كلمة «[[روح]]» في القرآن الكريم في | ==الروح وتجرّدها في [[القرآن الكريم]]== | ||
يعتقد القائلون | استُخدمت كلمة «[[روح]]» في القرآن الكريم في عدّة مواضع، بعضها يقصد بها روح الإنسان. وقد ذكرنا أنّ القرآن يرى أنّ للإنسان بُعداً روحانيّاً يختلف عن بُعده الجسماني. لكنّ هل هذا الاختلاف كاختلاف الموجود المادي عن المجرد؟ هل الروح مجرّدة؟ | ||
يعتقد القائلون بتجرّد الروح أنّ هناك آيات في القرآن تدلّ على ذلك، منها: {{نص قرآني|وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}}<ref>سورة الاسراء، الآية ۸۵.</ref>. | |||
اختلف [[المفسرون]] في تفسير هذه [[الآية]] وفي المقصود بالروح فيها. فهناك رأي يقول | اختلف [[المفسرون]] في تفسير هذه [[الآية]] وفي المقصود بالروح فيها. فهناك رأي يقول إنّ المقصود هو [[روح الإنسان]] أو [[مطلق]] [[الروح]] - بما فيها الروح [[الإنسانية]] - فهنا سُئل [[النبي]] {{صل}} عن [[حقيقة]] الروح، فأجاب بأنّها من أمر [[الله]]. وبالرجوع إلى آيات أخرى، نجد أنّ الموجود الأمري خلقه ليس تدريجيّاً ولا يعتمد على مقدّمات وأسباب مادّية ولا يحتاج إلى مكان، فهو إذاً مجرّد وغير مادّي<ref>انظر: [[العلامة الطباطبائي]]، الميزان في تفسير القرآن ۱۳: ۱۹۵ – ۲۰۰.</ref>. | ||
في [[سورة المؤمنون]]، هناك آيات تشير إلى وجود الروح المجردة عن [[المادة]]. تقول [[الآيات]]: {{نص قرآني|وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}}<ref>سورة المؤمنون، الآية ۱۲ - ۱۴.</ref>. | |||
في [[سورة المؤمنون]]، هناك آيات تشير إلى وجود الروح المجردة عن [[المادة]]. تقول [[الآيات]]: | هذه الآيات تتحدّث عن مراحل [[خلق الإنسان]] الجسدية، ثمّ تشير إلى خلق آخر غير مادّي وهو الروح. فالآية تقول: {{نص قرآني|ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ}} ولم تقل مثلاً: «خلقنا العظام خلقاً آخر». فهذا يدلّ على وجود مرحلة أخرى من [[الخلق]] تختلف عن المراحل الجسدية، وهي ارتباط الروح بالجسد<ref>انظر: [[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]: ٥٥٨ - ٥٦٠.</ref>. | ||
هذه الآيات | |||
==[[إثبات]] وجود الروح== | ==[[إثبات]] وجود الروح== | ||
يمكن إثبات وجود الروح بطريقتين: | يمكن إثبات وجود الروح بطريقتين: | ||
===أوّلاً: [[الأدلة]] العلمية والفلسفية=== | ===أوّلاً: [[الأدلة]] العلمية والفلسفية=== | ||
وهذه الأدلة يمككننا أن نبيّنها من خلال عدّة [[أدلة]] منها: | وهذه الأدلة يمككننا أن نبيّنها من خلال عدّة [[أدلة]] منها: | ||
# '''التغيّر المستمرّ في خلايا الجسد والمخ مع [[ثبات]] المعرفة والذكريات:''' فلو كانت المعرفة مجرّد شيء مادّي في المخ لاندثرت مع [[موت]] الخلايا القديمة وتجدّدها. لكنّ [[بقاء]] المعرفة يدلّ على وجود شيء غير مادّي يحفظها وهو الروح. | |||
# '''استيعاب [[الإنسان]] للأشياء [[الكبيرة]] في عقله رغم صغر حجم المخ:''' فالإنسان يستطيع تخزين صور الجبال والبحار في ذهنه، رغم أنّ المادة المحدودة لا تستوعب ما هو أكبر منها. وهذا يدلّ على وجود شيء غير مادّي وغير محدود يستوعب هذه المعلومات الكثيرة، وهو الروح. | |||
# '''عدم القابلية للتجزئة والانقسام:''' من [[الصفات]] المميّزة للمادّة أنّها قابلة للانقسام والتجزئة، سواء كانت صغيرة أو [[كبيرة]]. فنستطيع تقسيم أيّ شيء مادّي إلى أجزاء أصغر. ولكن عندما ننظر إلى الإنسان، نجد أنّ لديه شخصية واحدة لا تنقسم ولا تتجزّأ. فلا يمكن لأحد أن يقول إنّ جزءاً من شخصيّته يتّصف بصفة معيّنة، والجزء الآخر يتّصف بصفة مختلفة. بل نرى أنّ جميع [[الصفات]] والخصائص الروحية والنفسية للإنسان متداخلة ومتكاملة، وتعبّر عن حالة واحدة لا تنفصل<ref>انظر: [[السيد فاضل الميلاني]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|'''العقائد الإسلامية''']]: ٢٨٩ - ٢٩١.</ref>. | |||
استيعاب [[الإنسان]] للأشياء [[الكبيرة]] في عقله رغم صغر حجم المخ: فالإنسان يستطيع تخزين صور الجبال والبحار في ذهنه، رغم | |||
من [[الصفات]] | |||
===ثانياً: [[الأدلة]] التجريبية=== | ===ثانياً: [[الأدلة]] التجريبية=== | ||
هناك بعض الظواهر التي | هناك بعض الظواهر التي تدلّ على وجود [[الروح]] بشكل تجريبي، ومنها: | ||
# [[ظهور]] الروح بشكل مرئي (القالب المثالي) رغم المراقبة الإلكترونية الدقيقة. | |||
# [[قدرة]] بعض الأشخاص على التنبّؤ بأحداث مستقبليّة بدقّة. | |||
# ارتفاع أجسام ثقيلة في الهواء دون وجود [[قوة]] مادّية تحرّكها. | |||
# [[كتابة]] عبارات على أوراق مغلقة ومختومة بطريقة غير مادّية. | |||
# شفاء بعض [[الأمراض]] المستعصية بطرق غير طبّية. | |||
# قدرة بعض الأشخاص على التحدّث بلغات لا يعرفونها. | |||
# حل مسائل رياضية وفلسفية معقّدة بطريقة فورية. | |||
# [[خوف]] الكلاب الشديد عند [[الإحساس]] بوجود [[أرواح]]. | |||
والقالب المثالي الذي يظهر به الروح يشبه الرسم التقريبي لشكل الشخص وصفاته. وهذا | والقالب المثالي الذي يظهر به الروح يشبه الرسم التقريبي لشكل الشخص وصفاته. وهذا يدلّ على وجود شيء آخر غير [[المادة]] له خصائص مختلفة<ref>انظر: [[السيد فاضل الميلاني]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|'''العقائد الإسلامية''']]: ٢٩٢.</ref>. | ||
==الأدلة على وجود الروح== | ==الأدلة على وجود الروح== | ||
هناك [[أدلة]] كثيرة على وجود الروح ذكرها [[العلماء]] في كتبهم، منها: | هناك [[أدلة]] كثيرة على وجود الروح ذكرها [[العلماء]] في كتبهم، منها: | ||
===الاتصال بعالم [[الأرواح]] (السبيريتزم)=== | ===الاتصال بعالم [[الأرواح]] (السبيريتزم)=== | ||
وهو علم ومذهب جديد ظهر في أمريكا وأوروبا، | وهو علم ومذهب جديد ظهر في أمريكا وأوروبا، ثمّ أصبح له أتباع ودارسون مختصّون. ففي بريطانيا مثلاً، كانت هناك لجنة علمية من كبار العلماء المهتمّين بموضوع الروح والاتصال بها. ومن أعضاء هذه اللجنة [[عالم]] اسمه «وليم كروكس» بذل جهده لدراسة هذا الموضوع، وكتب خلاصة تجاربه ومشاهداته في كتاب سمّاه «بحوث في ظواهر علم الروح». يقول فيه إنّه كان من المنكرين لهذا الموضوع، ولكنّه الآن يؤمن به إيماناً كاملاً، وأنّ الاتصال بالروح ممكن، وأنّ الأرواح [[حقيقة]] تتجلّى وتتحدّث إلينا أحياناً وتخبرنا بأمور خفيّة لا نعرفها. | ||
ومن العلماء | ومن العلماء المتحمّسين لفكرة الاتصال بالأرواح أيضاً، [[العالم]] البريطاني «أوليفر لودج» الذي كان عضواً في الأكاديمية العلمية [[الملكية]] في بريطانيا. ألّف كتاباً بعنوان «تحقيقات دقيقة في ظهور الأرواح» يؤكّد فيه أنّ ما يحرّك أجسامنا ليس فقط العضلات والقوى [[المادية]]، بل هناك محرّك آخر هو الروح الذي يستطيع [[فعل]] ذلك. | ||
رأي [[الماديين]]: | '''الردّ علی رأي [[الماديين]]:''' | ||
يزعم المنكرون لوجود الروح | يزعم المنكرون لوجود الروح أنّ الاتصال بالأرواح [[خيال]] وخداع لا [[حقيقة]] له. ولكن يمكن الردّ عليهم بالآتي: | ||
# حضر جلسات تحضير [[الأرواح]] علماء ومحقّقون كبار، منهم [[العالم]] «وليم كروكس». وكانت هناك لجنة من ثلاثة وثلاثین عالماً في بريطانيا، وهم من أهل [[التحقيق]] العلمي الدقيق، ولا يمكن وصفهم بالسذاجة أو الانخداع بالحيل. بل كلّهم علماء لهم خبرة واسعة لا تنطلي عليهم الخدع، وقد أقرّوا بصحّة الاتصال بالأرواح. | |||
# لم يكن الوسطاء الذين يقومون باستحضار الأرواح مجرّد أفراد قلائل مدرّبين على [[الخداع]]. بل كما يذكر [[محمد فريد وجدي]] في موسوعته «دائرة معارف القرن العشرين» وفي كتابه «[[الروح]] والجسد»، أنّه أحياناً كان يتمّ استخدام أطفال لا تتجاوز أعمارهم بضعة أيّام أو سنتين كوسطاء لإحضار الأرواح. | |||
# استخدم علماء مثل «وليم كروكس» و«أوليفر لودج» أدقّ الأجهزة والوسائل العلمية للتمييز بين [[الحقيقة]] والخيال في تجاربهم. | |||
===التنويم المغناطيسي=== | ===التنويم المغناطيسي=== | ||
ويظهر بأشكال مختلفة: | ويظهر بأشكال مختلفة: | ||
====الشكل | ====الشكل الأوّل: التسمّر أو التخشّب الكامل==== | ||
في هذا الشكل، يصبح [[جسم]] [[الإنسان]] مثل قطعة خشب | في هذا الشكل، يصبح [[جسم]] [[الإنسان]] مثل قطعة خشب جافّة، لا يتحرّك ولا يشعر بأيّ شيء. حتّى لو صببت عليه ماءاً حارّاً أو بارداً، أو وضعت سكّيناً في جسمه، لن يتأثّر. وقد استفاد بعض الأطبّاء من هذه الحالة في إجراء العمليات الجراحية دون [[الحاجة]] إلى المخدّر. | ||
في عام ١٧٧٥م، ظهر طبيب نمساوي اسمه | في عام ١٧٧٥م، ظهر طبيب نمساوي اسمه «مسمر» قال: إنّ في الإنسان [[قوة]] متحرّكة لها تأثير مغناطيسي يمكنها أن تنتقل إلى الآخرين وتؤثّر فيهم. وادّعى أنّه يمكن استخدام هذه [[القوة]] في علاج المرضى. وقد استطاع أحد تلامذته أن يثبت ذلك علميّاً، وتدريجيّاً أصبح التنويم المغناطيسي علماً قائما بذاته. | ||
====الشكل الثاني: الليونة الكاملة والمرونة==== | ====الشكل الثاني: الليونة الكاملة والمرونة==== | ||
في هذه الحالة، يرتخي جسم الإنسان ويصبح | في هذه الحالة، يرتخي جسم الإنسان ويصبح مرنّاً، لا يستطيع القيام بأيّ حركة. لكنّه يتحدّث عن أمور حدثت في طفولته، ويستطيع [[قراءة]] كتاب مغلق، والإخبار عن أمور مستقبلية وأشياء خفيّة. والغريب أنّه بعد الاستيقاظ، لا يتذكّر شيئاً ممّا شاهده في حالة [[النوم]]. | ||
يقول أتباع المدرسة الروحية | يقول أتباع المدرسة الروحية إنّ هذه الأمور [[دليل]] على وجود الروح في الإنسان، فهي التي تستطيع قراءة الكتب المغلقة ورؤية ما وراء الجدران ومعرفة [[أفكار]] [[الناس]]. ولذلك ورد في [[الحديث الشريف]]: {{نص حديث|اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّه}}<ref>محمد بن يعقوب، الكليني، الكافي ١: ٢١٨.</ref>. فالروح قادرة على القيام بأعمال عظيمة وخارقة للعادة. | ||
====الشكل الثالث: الإيحاء المباشر (التخاطر) ==== | ====الشكل الثالث: الإيحاء المباشر (التخاطر) ==== | ||
هو ارتباط روحي بين شخصين، يجعل أحدهما يستجيب للآخر دون [[الحاجة]] للتنويم المغناطيسي أو استحضار [[الأرواح]]. وهناك فرع خاص في [[علم النفس]] الحديث يدرس هذه الظاهرة. | هو ارتباط روحي بين شخصين، يجعل أحدهما يستجيب للآخر دون [[الحاجة]] للتنويم المغناطيسي أو استحضار [[الأرواح]]. وهناك فرع خاص في [[علم النفس]] الحديث يدرس هذه الظاهرة. فالعالم النفسي والفلكي المعروف «كاميل فلامريون» يذكر في كتابه «أسرار الموت» نماذج وشواهد كثيرة حول هذا الموضوع يمكن مراجعتها. | ||
===الأحلام=== | ===الأحلام=== | ||
للأحلام تفسيران: | للأحلام تفسيران: | ||
# '''[[التفسير]] المادي:''' وهو ما نراه عند [[فرويد]] وأتباعه، الذين يحاولون ربط كلّ شيء بالجانب المادّي والغرائز والحالات الجسدية. | |||
# '''التفسير الرمزي:''' يقول إنّ لكلّ شيء صورة رمزية، فهناك [[عالم]] مادّي وعالم برزخي وعالم مجرّد. وكما أنّ [[الحياة]] تسير على هذا النحو - الحياة [[الدنيا]] ثمّ [[البرزخ]] ثمّ [[الآخرة]] - كذلك تظهر الأمور في [[الرؤيا]] بشكل رمزي أو مثالي، فمثلاً صورة [[المؤذن]] في الرؤيا هي الديك، وهكذا<ref>انظر: [[السيد فاضل الميلاني]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|'''العقائد الإسلامية''']]: ٢٩٢ - ٢٩٧.</ref>. | |||
==الرؤيا ووجود [[الروح]]== | ==الرؤيا ووجود [[الروح]]== | ||
يمكننا أن نثبت وجود الروح من خلال الأحلام التي يراها جميع [[الناس]]. فعلى الرغم من اختلاف الأحلام من شخص لآخر، | يمكننا أن نثبت وجود الروح من خلال الأحلام التي يراها جميع [[الناس]]. فعلى الرغم من اختلاف الأحلام من شخص لآخر، إلّا أنّها في الأساس تدلّ على وجود اتصال بعالم آخر غير عالم الجسد. | ||
وهناك ثلاثة أنواع من الأحلام: | وهناك ثلاثة أنواع من الأحلام: | ||
# '''الرؤيا الصادقة:''' وهي الأحلام الواضحة التي تحدث كما هي في الواقع. | |||
# '''الرؤيا التي تحتاج إلى [[تأويل]]:''' وهي الأحلام التي تحتاج إلى تفسير لفهم معناها الحقيقي. | |||
# '''أضغاث الأحلام:''' وهي الأحلام المشوّشة والمضطربة التي لا معنى لها. | |||
وبغضّ النظر عن نوع [[الحلم]]، فإنّ جميع هذه الأحلام تفتح لنا نافذة على عالم أوسع من [[عالم المادة]]، وهو عالم الروح. ومن خلال ذلك، نستطيع أن نثبت أنّ الوجود لا يقتصر على [[المادة]] فقط، وأنّ للروح دوراً قويّاً في هذه الاتصالات. وهذه آية من [[آيات الله]] في [[الخلق]]، كما قال تعالى: {{نص قرآني|وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}}<ref>سورة الروم، الآية ٢٣.</ref>. ففي هذه [[الآية]] إشارة إلى [[انتقال]] [[الإنسان]] في عالم الرؤيا إلى عالم أوسع وأرحب. | |||
وقد ورد في الحديث عن [[النبي]] {{صل}}: | وقد ورد في الحديث عن [[النبي]] {{صل}}: {{نص حديث|اَلرُّؤْيَا ثَلاَثَةٌ مِنْهَا تَهَاوِيلُ مِنَ الشَّيطانِ لِيَحزُنَ بِهَا ابْنُ آدَمَ وَمِنْهَا مَا يَهُمُّ الرَّجُلُ فِي يَقَظَتِهِ فَيَراهُ فِي مَنَامِهِ ومِنْهَا جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ}}<ref>ابو القاسم، پاينده، نهج الفصاحة: ٥٠٦.</ref>. | ||
ومن الأمثلة على أنواع [[الرؤيا]]: | ومن الأمثلة على أنواع [[الرؤيا]]: | ||
# '''الرؤيا الصريحة:''' مثل [[رؤيا]] [[إبراهيم]] (ع) عندما رأى في المنام أنّه يذبح ابنه إسماعيل، كما قال تعالى: {{نص قرآني|فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى}}<ref>سورة الصافات، الآية ۱۰۲.</ref>، فقال إسماعيل{{ع}} في جواب ذلك: {{نص قرآني|قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}}<ref>سورة الصافات: ۱۰۲.</ref>. وكانت رؤيا واضحة وصريحة، لكنّ [[الله]] فدى إسماعيل بذبح عظيم كما قال تعالى: {{نص قرآني|وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}} <ref>سورة الصافات، الآية ۱۰۷.</ref>. | |||
# '''الرؤيا التي تحتاج إلى تفسير:''' مثل رؤيا [[يوسف]] {{ع}} عندما قال لأبيه: {{نص قرآني|إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}}<ref>سورة يوسف، الآية ٤.</ref>. فالشمس والقمر يرمزان لوالديه، والكواكب لإخوته. | |||
# '''أضغاث الأحلام:''' وهي الأحلام المشوّشة والمضطربة التي قد تكون انعكاساً لما رآه [[الإنسان]] في حياته اليومية. | |||
وهذه الأنواع الثلاثة من الأحلام | وهذه الأنواع الثلاثة من الأحلام يمرّ بها كلّ [[إنسان]] تقريباً. فعلينا أن نتأمّل فيها لندرك وجود [[عالم]] آخر يحيط بنا غير [[العالم المادي]] للجسد فقط<ref>انظر: [[السيد فاضل الميلاني]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|'''العقائد الإسلامية''']]: ٢٩٧ و ٢٩٨.</ref>. | ||
==[[حقيقة]] [[الروح]]== | ==[[حقيقة]] [[الروح]]== | ||
من الواضح | من الواضح أنّه عندما ينتهي عمر الإنسان، يدفن جسده في [[الأرض]] ثمّ يتحلّل ويختفي. فأين [[العنصر]] الذي يجعل الإنسان خالداً؟ | ||
عندما سُئل [[الرسول]] {{صل}} عن الروح، جاء | عندما سُئل [[الرسول]] {{صل}} عن الروح، جاء الردّ في [[القرآن الكريم]]: {{نص قرآني|وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً}}<ref>سورة الإسراء، الآية ٨٥.</ref>. في [[الحقيقة]]، لم يكن [[القصد]] من هذه [[الآية]] عدم الإجابة عن [[سؤال]] الروح أو إبقاء الأمر غامضاً. فهناك آية أخرى في [[القرآن]] تقول: {{نص قرآني|أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}}<ref>سورة الأعراف، الآية ٥٤.</ref>. وتشير هذه الآية إلى أنّ [[الله تعالى]] له نوعان من [[الإبداع]] والإفاضة: | ||
# نوع يتعلّق بالعوامل الطبيعية ويخضع لها، وهو محدود بحدود [[الزمان]] والمكان. ويعبّر عنه القرآن بـ «[[الخلق]]»، مثل: خلقناكم، خلقكم، [[خلق السماوات والأرض]]... فالخلق هنا هو [[الإيجاد]] [[الإلهي]] المرتبط بالأبعاد [[المادية]] والزمانية والمكانية والحركة. ولذلك يجب أن يكون تدريجيّاً، كما في خلق السماوات والأرض في ستّة أيام أي في مراحل وفترات. فعلى الرغم من [[قدرة الله]] المطلقة على خلق [[الكون]] كلّه في لحظة واحدة، إلّا أنّ سمة [[عالم الخلق]] أنّه مرتبط بالتدرّج ويخضع للقوانين الطبيعية كالجاذبية والحركة والحرارة وغيرها. | |||
# النوع الآخر من الإفاضة الإلهية يرتبط بعالم الأمر، وهو [[ثابت]] لا تدرّج فيه. كما قال تعالى: {{نص قرآني|وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}}<ref>سورة القمر، الآية ٥٠.</ref>. فعالم الأمر على عكس عالم الخلق، لا يكون إلّا دفعيّاً ولا يخضع للزمان والمكان. كما قال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}}<ref>سورة يس، الآية ۸۲.</ref>. | |||
لذلك، يعطي [[القرآن]] صورة دقيقة عن عالم الخلق وعالم الأمر. فعالم [[الخلق]] يرتبط بالعوالم [[المادية]]، بينما [[عالم]] الأمر | لذلك، يعطي [[القرآن]] صورة دقيقة عن عالم الخلق وعالم الأمر. فعالم [[الخلق]] يرتبط بالعوالم [[المادية]]، بينما [[عالم]] الأمر يتعلّق بالجوانب الفورية التي ترتبط بالمجرّدات. فالشيء [[الثابت]] لا يتدرّج مع [[المادة]] والعوامل الطبيعية والزمان والمكان. ولذلك عندما سُئل [[الرسول]] {{صل}} عن [[الروح]]، جاء الجواب واضحاً وصريحاً: {{نص قرآني|قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}}<ref>سورة الإسراء، الآية ٨٥.</ref>، أي من عالم الأمر<ref>انظر: [[السيد فاضل الميلاني]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|'''العقائد الإسلامية''']]: ٢٨٥ و ٢٨٦.</ref>. | ||
==[[حقيقة]] الروح | |||
يقول علماء [[الإسلام]] | ==[[حقيقة]] الروح وتجرّدها== | ||
ونجد | يقول علماء [[الإسلام]] إنّ [[الإنسان]] يتكوّن من مجموعتين من الأشياء: | ||
وهذا | * المجموعة الأولى هي الأعضاء الجسدية مثل العين والأذن والجلد والشعر وغيرها. | ||
ويظهر الفرق بين الجانبين الجسدي والروحي في الإنسان أيضاً من خلال | * والمجموعة الثانية هي الأمور المعنوية مثل التفكير والاستنتاج والحب والإرادة وغيرها. | ||
فالروح لها [[طبيعة]] مختلفة عن الجسد، حيث لا تخضع للقياس ولا تنقسم، | ونجد أنّ هاتين المجموعتين مختلفتان، فلكلّ منهما صفاتها وخصائصها المختلفة. فالمجموعة الأولى من الأعضاء الجسدية يمكن تقسيمها وقياسها ووزنها، بينما لا يمكن ذلك مع المجموعة الثانية المعنوية. | ||
وتبقى الروح لغزاً غامضاً، سواء عند المؤمنين بوجود [[الله]] أو عند المؤمنين | وهذا يدلّ على أنّ الإنسان ليس مجرّد جسد فقط، بل يوجد فيه عنصر روحي أيضاً. وهذا [[العنصر]] الروحي يرتبط بعالم آخر أوسع، ومن خلاله يمكننا فهم سرّ [[الخلود]] والحياة الأخرى. | ||
والجانب الروحي في [[الإنسان]] ليس جزءاً من أجزاء الجسد ولا يمكن قياسه أو إدراكه بالحواس الجسدية، وهذا جعل الكثير من [[العلماء]] يؤمنون | ويظهر الفرق بين الجانبين الجسدي والروحي في الإنسان أيضاً من خلال أنّ الجانب الجسدي له حدود وقدرة استيعاب محدودة، بينما الروح لا يمكن الإمساك بها أو حصرها أو تقسيمها، ومع ذلك يمكنها استيعاب الكثير من الأشياء بلا حدود. | ||
لكن هل هذا الرأي صحيح؟ أم | فالروح لها [[طبيعة]] مختلفة عن الجسد، حيث لا تخضع للقياس ولا تنقسم، وحتّى لو انقسمت خلايا الجسد فإنّ الروح تبقى محافظة على وحدتها. | ||
وهناك | وتبقى الروح لغزاً غامضاً، سواء عند المؤمنين بوجود [[الله]] أو عند المؤمنين بالمادّة فقط. | ||
والجانب الروحي في [[الإنسان]] ليس جزءاً من أجزاء الجسد ولا يمكن قياسه أو إدراكه بالحواس الجسدية، وهذا جعل الكثير من [[العلماء]] يؤمنون بأنّ [[الروح]] وما يصدر عنها من [[إرادة]] وفكر وإيمان مستقلّة عن [[المادة]] ولا تملك صفات المادة من طول وعرض ومكان وزمان، ولا تفنى بفناء الجسد. | |||
لكن هل هذا الرأي صحيح؟ أم أنّ الصحيح هو رأي المؤمنين بالمادّة فقط، الذين يقولون إنّ كلّ شيء مادّي ويتبع لصحّة الجسد، وأنّ الروح مرتبطة بالجسد وتتغيّر بتغيّره؟ حيث أثبت علم [[التشريح]] أنّ خلايا الجسد تتجدّد باستمرار، لكنّ مع ذلك تبقى شخصيّة الإنسان ثابتة، ممّا يدلّ على أنّ الروح لا تخضع للمادة. | |||
وهناك عدّة آراء حول أصل الروح وحقيقتها، وهي: | |||
# الروح روحانية في نشأتها وبقائها - رأي [[الفلاسفة]] اليونانيين والمسلمين مثل [[ابن سينا]] - . | |||
وهناك رأي يقول | # الروح مادية في نشأتها وبقائها - رأي المؤمنين بالمادة فقط - . | ||
فمن | # الروح مادية في نشأتها روحانية في بقائها - رأي [[صدر المتألهين]] وأتباعه - . | ||
# الروح روحانية في نشأتها مادية في بقائها - نظرية [[التناسخ]] - . | |||
وهناك رأي يقول إنّ كلّ شيء في هذا [[العالم المادي]] متغيّر باستمرار، وهذا التغيّر والتحوّل لا ينطبق على [[الفكر]] والإدراك؛ لأنّه لو كان الفكر متغيّراً مثل المادة لما أمكن وجود علم المنطق [[الثابت]]. | |||
فمن تغيّر خلايا المخ مع [[ثبات]] [[الأفكار]]، نستنتج وجود عنصرين مختلفين في الإنسان، عنصر مادي متغيّر، وعنصر روحي [[ثابت]]<ref>انظر: [[السيد فاضل الميلاني]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|'''العقائد الإسلامية''']]: ٢٨٦ - ٢٨٩.</ref>. | |||
== المراجع والمصادر== | |||
# [[صورة:IM010672.jpg|22px]] [[السيد فاضل الميلاني]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|'''العقائد الإسلامية''']] | |||
# [[صورة:IM010535.jpg|22px]] [[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']] | |||
== الهوامش == | |||
{{مراجع}} | |||
[[تصنيف:مفاهيم عقائدية]] | |||